الأمان … الأمان يا صاحبَ الزمان – الحلقة ٧٤ – حديث الولادة، ولادة القائم من آل محمّد صلوات الله عليهم ج٧١ – حواشي توضيحات ق٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 24 ذي القعدة 1439هـ الموافق 7 / 8 / 2018م

  • هذهِ هي الحلقةُ الـ(74) مِن برنامجنا [الأمان الأمان.. يا صاحب الزمان] والحديثُ حديثُ الولادة (ولادةُ القائمِ مِن آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”).. فيما مضى مِن برنامجنا هذا تمَّ الكلامُ في الشاشاتِ المُتعدّدة وأغلقتُ الشاشةَ التاسعة التي هي آخرُ الشاشات.. وبعد ذلك في حلقةٍ عَرضتُ بين أيديكم خُلاصةً وجيزةً وصُورةً إجماليّةً مُستنتَجةً مِن كُلِّ الصُوَر والحقائق والمُعطيات التي عَرضتُها لكم في الشاشات المُتعدّدة.

  • ثُمّ شرعتُ في الحلقةِ الماضية في الحديثِ تحتَ هذا العنوان: “حواشي وتوضيحات”.. وبدأتُ بالحاشيةِ الأولى والتي لم يكتملُ الحديثُ فيها.. سأكمِلُ في هذهِ الحلقة حديثي مِن حيث انتهى في الحلقةِ الماضية.

  • الحاشيةُ الأولى: إلقاءُ نظرةٍ على كتاب أحمد الكاتب، والذي خُلاصتُهُ إنكار ولادة إمام زماننا الحُجّة بن الحسن، وما يترتّبُ على هذا الإنكار مِن تفاصيل. مرّ الحديث تحت هذا العُنوان في الحلقةِ الماضية، ولا أُريد أن أُعيد ما تقدّم.. لكنّني لم أُكمِل حديثي إذْ حدّثتُكم عن أنّ المنهجيّة التي اتّبعتُها في هذا البرنامج والتي اصطلحْتُ عليها (نَمَطُ الشاشاتِ المُتعدّدة)، مِن أنَّ هذهِ المَنهجيّة وهذا النَمَط وهذا الأسلوبُ هو أُسلوبُ الكتاب والعترة.. جئتُكم بأمثلةٍ ونماذج مِن الكتاب الكريم، ولم أُكمِل حديثي.. لذا في هذهِ الحلقةِ أحاولُ أن أُكمِل حديثي في هذهِ النُقطة كي أشرعَ في حلقةِ يوم غد فيما بقي مِن الحواشي والتوضيحات.

  • مما ذكرتْهُ لكم بخُصوص هذا الموضوع: مِن أنَّ نَمَط الشاشاتِ المُتعدّدةِ الذي اتّبعتُهُ في هذا البرنامج مُستخلَصٌ مِن الكتاب الكريم ومِن ثقافةِ العِترة الطاهرة.

  • ● في سُورة الأنعام ومِن الآية 75 وما بعدها فيما يرتبطُ بقصّة أبينا إبراهيم:
  • {وكذلكَ نُري إبراهيمَ ملكوتَ السماواتِ والأرض وليكونَ مِن المُوقنين* فلمَّا جنَّ عليه الّليلُ رأى كوكباً قال هذا ربّي فلمَّا أفَلَ قال لا أُحبُّ الآفلين* فلمَّا رأى القمَرَ بازغاً قال هذا ربّي فلمَّا أفَلَ قال لَئِن لم يهدني ربّي لأكوننَّ مِن القوم الضالّين* فلمّا رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربّي هذا أكبر فلمَّا أفلتْ قال يا قومِ إنّي بريءٌ مِمَّا تُشركون* إنّي وجّهتُ وجهي للذي فطَرَ السماواتِ والأرض حنيفاً وما أنا مِن المشركين}
  • — قولهِ: {وكذلكَ نُري إبراهيمَ ملكوتَ السماواتِ والأرض} يكون ذلكَ عِبر الشاشاتِ المُتعدّدة.
  • — وقولهِ: {فلمَّا جنَّ عليه الّليلُ رأى كوكباً قال هذا ربّي…} هذهِ الشاشةُ الأولى.
  • — وقولهِ: {فلمَّا رأى القمرَ بازغاً قال هذا ربّي…} هذهِ الشاشةُ الثانية.
  • — وقولهِ: {فلمّا رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربّي هذا أكبر…} هذهِ الشاشةُ الثالثة.. ومرَّ الحديثُ في هذا الموضوع في الحلقةِ الماضية.
  • ● مِثالٌ آخر مِن سُورةِ فُصّلتْ:
  • {سنُريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفُسهم حتّى يتبيّن لهم أنّهُ الحق أولم يكفِ بربّك أنّهُ على كلِّ شيءٍ شهيد}
  • — قولهِ: {في الآفاقِ وفي أنفُسهم} يعني هُناك شاشاتُ الآفاق وهُناك شاشاتُ الأنفس.
  • — وذكرتُ لكم مِثالاً ما يرتبطُ بقُصصِ الأنبياء.. فعَلى سبيل المِثال: إذا أردنا أن نتدبَّر في قِصّةِ أبينا آدم وأُمّنا حوّاء، فإنّنا نجد القُرآن يعرضُها لنا في شاشاتٍ مُتعدّدة: (شاشة سُورة البقرة، وشاشة سورة الأعراف، وشاشة سُورة طه، وشاشة سورة ص) شاشات مُتعدّدة تعكسُ لنا جوانب مِن قِصّة أبينا آدم وأُمّنا حوّاء.. وهكذا في قصص بني إسرائيل.. وهكذا وهكذا..
  • مِن دُون أن نجمعَ بين هذهِ الشاشات لن نستطيعَ أن نستحصِلَ على الصُورةِ الكاملةِ المُتقنةِ الواضحة.
  • هذهِ أمثلةٌ واضحةٌ على نَمَطِ الشاشاتِ المُتعدّدة، وهذا ينسجِمُ إنسجاماً كاملاً مع ما بيَّنهُ لنا مُحمّدٌ وآل محُمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.

  • وقفة أمرُّ فيها مُروراً سريعاً ومُقتضباً على كتاب [الكافي الشريف: ج1] أقتطِفُ لكم مِنهُ بعضَ الأحاديث التي تُبيّن لنا المنهجيّةَ التي يُريد منّا آل مُحمّدٍ أن نتَّبعَها.. وهذهِ المنهجيّة تتألّف مِن المُفرداتِ التالية:

  • المفردة (1): الحقائقُ تَحملُ قيمتها في نفسها، وتَدلُّ على ذاتها بذاتها إذا ما وُضعتْ في سِياقِها الصحيح.. كما يقولُ رسول الله “صلّى الله عليه وآله” في رواية الإمام الصادق في [الكافي الشّريف: ج1] – (باب الأخذ بالسُنّةِ وشواهد الكتاب)
  • (قال رسولُ الله “صلّى اللهُ عليه وآله”: إنَّ على كلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلِّ صوابٍ نُورا، فما وافقَ كتاب الله فخُذوه وما خالفَ كتاب اللهِ فدعوه)
  • هذا هو الذي أشرتُ إليهِ وسمَّيتُهُ بالجانب المُضيء، ولم يكن مَقصدي عن قُبحٍ ذاتيٍّ في المسألةِ أوعن حُسْنٍ ذاتي.. وإنّما ملامحُ الحقيقةِ هي هذهِ التي وصفْتُها بالجانب المُضيء وهي التي يتحدَّثُ عنها رسولُ الله بهذا الأُسلوب، فيقول: (إنَّ على كلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلِّ صوابٍ نُورا)
  • نَحنُ نتحدّثُ هُنا عن الجانب العلمي، عن الجانب المَعرفي.. والنُورُ هُنا هُو نُورُ الانكشاف، فليس الحديثُ هُنا عن نُورٍ يُخْبِرُ عن جمالٍ ذاتي، وإنّما الحديثُ عن نُورٍ مِن طَبيعتِه أن يكونَ كاشفاً لأنَّ العِلْم انكشاف.. بغَضِّ النظر أن يكونَ عِلْمُنا بحقيقةٍ وصْفُها الذاتي: القُبح، أو بِحقيقةٍ وصْفُها الذاتي: الحُسْن.. فنَحنُ لسنا في مقامِ تقييمِ الحُسْنِ والقُبْح للأشياء، وإنّما في مقام إدراكِ حقيقتها العِلميّة وإدراكِ قِيمتها المَعرفيّة بغَضّ النظرِ عن وَصْفها.
  • — قولهِ: (وعلى كلِّ صوابٍ نُورا) الصواب هُنا فيهِ تخصيصٌ في الجانب الممدوح، في الجانب الذي يُوصَفُ بالحُسْن لا بالقُبح.. النُور الذي يُشرقُ مِن الصواب “نُورُ هداية”.. والنُور الذي يُشرقُ مِن الحقيقةِ بعُنوانها المُطلق بغَضّ النظر عن وصفها بالقُبْح وبالحُسْن.. إنّهُ نُور الإنكشاف.. نُور العِلْم.
  • خلاصةُ القول: أنَّ الحقائقَ تحمِلُ قيمتها في نفسها، وهذا هو الذي يتحدّث عنهُ رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.. ولِذا حين نُؤمنُ بهذهِ المُفردة فإنَّ طَريقتنا بالبحثِ ستختلفُ عن الطريقةِ التي بحث فيها أحمد الكاتب وأضرابُهُ.. وطريقتهم هي طريقةُ مراجعنا وعلمائنا، وهي خليطٌ مزيجٌ مِن فِكْر أرسطو ومِن الثقافةِ العربيّة البدويّة التي تحكمُها الّلغةُ بِظُهورها العُرفي.. مع مَزيجٍ مِن عِلْمٍ مُصطَنعٍ يُسمَّى بِعلْم الكلام.. تِلكَ هي المنهجيّةُ السائدةُ في أجوائنا الدينيّة وهي منهجيّةُ المُخالفين أساساً.. فهذهِ المنهجيّةُ شائعةٌ عند المُخالفين لآل مُحمّد، وعُلماء الشيعة استنسخوها وجاءُوا بها ولازالوا يعملونَ بالنُسخةِ القديمة منها..! فمناهجُ البحثِ والتحقيقِ عند السُنّة مُتطوّرةٌ أكثر ممّا هي عليهِ في أجواء مُؤسّستنا الدينيّة الشيعيّة الرسميّة، لأنَّ علماءَنا تمسّكوا بالمَنهجيّة القديمةِ للمُخالفين.
  • الشيعةُ لا يعلمون بذلك لأنَّهم لا يقرأون ولا يُتابعون ولا يُحقّقون.. فقط يصنعون الأساطير عن مُعجزاتِ وكرامات المراجع والعلماء.. هُم لا يعرفون الحقيقة.. لو ذهبوا واطّلعوا على التفاصيل لوجدوا كلامي على الشاطئ.. القضيّةُ أكبرُ بكثير ممّا تحدّثتْ بهِ.
  • المفردة (2): لابُدَّ مِن الرجوع إلى قاعدةِ المعلوماتِ الأصليّة وهي: القُرآن “بتفسير عليٍّ وآل عليّ”.
  • إذْ لابُدَّ مِن وجودِ قاعدةِ معلوماتٍ، والنبيُّ بيّن لنا أنَّ القُرآن هُو قاعدةُ المعلومات التي نعودُ إليها كي نستكشِفَ ما غاب عنَّا في مَعرفةِ الحقائق.. فما وافقَ كتاب اللهِ فخُذوه، وما خالفَ كتاب اللهِ فدعوه.
  • إذا لم نستطعْ أن نُدركَ القيمةَ المعرفيّة لتلكَ الحقيقةِ لسببٍ مِن الأسباب (لشُبهةٍ طرأتْ في طَريقةِ تفكيرنا، أو لِعارضٍ مِن العوارض جعلَ وجه الحقيقةِ ليس واضحاً) فهُنا نعودُ إلى قاعدةِ مَعلوماتنا وهي: القُرآن.
  • المفردة (3): قاعدةُ المعلوماتِ هذهِ لابُدَّ مِن الرجوع فيها إلى الراسخين في العِلْم.. والراسخون هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • — القُرآن يُحدّثنا عن نفسهِ بنفسهِ.. ففي سُورة آل عمران في الآية 7: {وما يعلمُ تأويلَهُ إلّا الله والراسخون في العلم} القُرآن يتحدّثُ عن تأويلِ نفسه، وأنّهُ لا يعلمُ تأويلَهُ إلّا الله والراسخون في العلم.. وهو كلامٌ منطقيٌّ.. فحتّى لو أنَّ القُرآن لم يتحدّثْ بهذا الحديث، فإنَّ القرآنَ مِن الله، فهو عالمٌ بهِ.. ولابُدَّ أن يكون على الأرض مِن علماء يعرفون حقائقهُ وأسرارهُ.. ولابُدّ لِهؤلاءِ العُلماء أن يكونوا على اتّصالٍ بالمَصْدر الذي جاءَ منهُ القُرآن.. المنطِقُ هكذا يقول، حتّى لو لم يتحدّث القُرآن عن هذا الموضوع بِنفسهِ.
  • — حديث الإمام الصادق في [الكافي الشريف: ج1] – باب أنَّ الراسخين في العلم هُم الأئمة – الحديث (1) في صفحة 238.
  • (عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: نحنُ الراسخون في العِلْم، ونَحنُ نَعلمُ تأويله) حديث مُختصر مُوجز يُشكّل قانوناً واضحاً للوصول إلى معارف القرآن.
  • المفردة (4): الأحاديث التي تأتينا مِن الراسخين في العِلْم، كيف نتعاملُ معها..؟! فبعضُ الرُواةِ يُوصَفون بالوثاقةِ والبعضُ الآخر لا يُوصَفُ بالوثاقة.. هل هذا أمرٌ مُهم عند آل مُحمّد..؟!
  • يُجيبنا عن ذلك الإمام الصادق في [الكافي الشريف: ج1] – باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب.. الحديث (2) ويُخبرنا أنّ هذا الأمر ليس مُهمّاً.
  • (عن ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق “عليه السلام”: قال: سألتُهُ – أي الإمام الصادق – عن اختلاف الحديث يرويه مَن نثِقُ به ومنهم مَن لا نثقُ به، قال: إذا وردَ عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو مِن قول رسول اللّه، وإلّا فالذي جاءكم به أولى به)
  • الرواية تشتملُ على هذا المضمون:
  • حديثٌ تَختلفُ مضامينُهُ بِحَسَب فَهْمنا.. فبعضُ هذا الحديث ينقلُهُ أشخاصٌ نثِقُ بهم كما يقول ابن أبي يعفور، وبعضٌ لا نثِقُ بهم.. فماذا نصنع؟!
  • الإمامُ أعطانا هذا القانون، قال:
  • (إذا وردَ عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو مِن قول رسول اللّه ، وإلّا فالذي جاءكم به أولى به) أكان الذي جاءكم بهِ مَوثوقاً عندكم أم لم يكن موثوقاً. إذاً لا قيمةَ للأسانيد هُنا.. هذهِ منهجيّةُ العِترة الطاهرة.
  • — مِثالٌ عملي على أسلوبِ الشاشاتِ المُتعدّدة.. المِثال مِن [الكافي الشريف] – باب الاضطرار إلى الحُجّة.
  • (عن يُونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله “عليه السلام” جماعةٌ مِن أصحابه منهم: حمران بن أعين، ومُحمّد بن النُعمّان، وهشام بنُ سالم، والطيّار، وجماعةٌ فيهم هشام بن الحكم وهو شاب، فقال أبو عبد الله “عليه السلام”:
  • يا هشام، ألا تُخبرني كيف صنعْتَ بعمرو بن عُبيد – من علماء المُعتزلة – وكيف سألتَهُ؟ فقال هشام: يا بنَ رسول الله إنّي أُجلّك وأستحييكَ ولا يعملُ لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله: إذا أمرتُكم بشيءٍ فافعلوا.
  • قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عُبيد وجُلوسُهُ في مسجد البصرة – المسجد الجامع في البصرة -، فعَظُمَ ذلك عليَّ فخرجتُ إليهِ ودخلتُ البصرة يومَ الجُمعة، فأتيتُ مسجدَ البصرة، فإذا أنا بحلقةٍ كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شَمْلَةٌ سوداء مُتّزراً بها مِن صوف، وشَمْلَةٌ مُرتدياً بها والناس يسألونَهُ، فاستفرجْتُ الناس فأفرجوا لي، ثُمَّ قعدتُ في آخر القوم على رُكبتي ثُمَّ قُلت:
  • أيُّها العالم: إنّي رَجَلٌ غريب – لأنّهُ مِن الكوفة، وليس من البصرة – تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلتُ له: ألكَ عين؟ فقال يا بني أيُّ شيءٍ هذا مِن السؤال؟! وشيءٌ ترآه كيف تسأل عنه؟! فقلتُ: هكذا مسألتي، فقال: يا بني سل وإنْ كانتْ مسألتُكَ حمقاء، قلتُ: أجبني فيها. قال لي: سلْ. قُلتْ: ألكَ عين؟ قال: نعم. قُلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص – هذهِ شاشة – قلتُ: فلك أنف؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع به؟ قال: أشمُّ به الرائحة – هذهِ شاشةٌ أخرى – قلت: ألكَ فم؟ قال: نعم، قلتُ: فما تصنعُ به؟ قال: أذوقُ بهِ الطعم، قلتُ: فلكَ أُذن؟ قال: نعم، قلتُ: فما تصنعُ بها؟ قال: أسمعُ بها الصوت، قلتُ: ألكَ قلب؟ قال: نعم، قلتُ: فما تصنعُ به؟ قال: أميّزُ بهِ كلّما وَرَدَ على هذهِ الجوارح والحواس،
  • قلتُ: أو ليس في هذهِ الجوارح غِنىً عن القلب؟ فقال: لا، قلتُ: وكيف ذلك وهي صحيحةٌ سليمة، قال: يا بُني إنَّ الجوارح إذا شكَّتْ في شيءٍ شَمَّتهُ أو رأتهُ أو ذاقتهُ أو سَمِعَته، ردَّتهُ إلى القلب، فيَستيقنُ اليقين ويُبطِلُ الشكّ، قال هشام: فقلتُ له: فإنّما أقامَ اللهُ القلبَ لشكّ الجوارح؟ قال: نعم، قلتُ: لابُدَّ مِن القلب وإلّا لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقُلتُ له:
  • يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يتركْ جوارحكَ حتّى جعلَ لها إماماً يُصحّحُ لها الصحيح ويتيقّنُ به ما شُكَّ فيه، ويتركُ هذا الخَلْق كلّهم في حَيرتهم وشكّهم واختلافهم، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويُقيمُ لكَ إماماً لجوارحكَ تردُّ إليه حيرتكَ وشكّك؟! قال: فسكتَ ولم يقلْ لي شيئاً.
  • ثُمَّ التفتَ إليَّ فقال لي: أنتَ هشامُ بن الحكم؟ فقُلتُ: لا، قال: أمِن جُلسائه؟
  • قلتُ: لا، قال: فمِن أين أنت؟ قال: قلتُ: مِن أهل الكوفة، قال: فأنت إذاً هو، ثُمَّ ضمَّني إليه – أي أفسح لي- وأقعدني في مَجلسهِ وزالَ عن مَجلسهِ وما نطقَ حتّى قُمت، قال: فضحكَ أبو عبد الله “عليه السلام” وقال: يا هشام مَن علَّمكَ هذا؟ قلتُ: شيءٌ أخذتُهُ منك وألّفته…).
  • — قولهِ: (بلغني ما كان فيه عمرو بن عُبيد وجُلوسُهُ في مسجد البصرة) أي بلغني ما كان فيهِ عمرو بن عُبيد ما كان فيهِ مِن منزلةٍ في البصرة، وما كان فيهِ مِن قولٍ وعقيدةٍ مُعتزليّة ومِن إنكارهِ الشديد لمسألةِ الإمامةِ ومِن عدم اعتقاده بضرورةِ وجودِ إمامٍ للناس.
  • — قولهِ: (إنَّ الجوارح إذا شكَّتْ في شيءٍ شَمَّتهُ أو رأتهُ أو ذاقتهُ أو سَمعَته، ردَّتهُ إلى القلب) مُرادهُ مِن القلب: أي مركز الإدراك.. قد يُعبّر عنهُ بالعقل، وقد يُعبّر عنهُ بالدماغ.. ليس الأمرُ مُهمّاً.. فمُرادهُ مِن القلب مركزُ الإدراك، ومركز الإدراك هو الذي سيُعطي الحُكْم النهائي لِما شكّتْ فيهِ الجوارح.
  • — قوله: (أنتَ هشامُ بن الحكم؟) سألهُ هذا السُؤال لأنَّ هشام كان مَعروفاً في دِفاعهِ وفي أدلّتهِ التي تَدورُ حول الإمامةِ وشُؤونها.
  • — قول هشام للإمام الصادق: (شيءٌ أخذتُهُ منك وألّفته) هذهِ هي الشاشاتُ المُتعدّدة.. فحديثُ هشام مع عمرو بن عُبيد يشتملُ على شاشاتٍ مُتعدّدة.. كُلُّ شاشةٍ تَعرضُ صُورةً مِن الصُور، ولكن الصُورةَ النهائيّة ستكتملُ بعد أن يجمعَ كُلَّ المُعطيات في كُلّ الشاشات.. فهشام استخرج مِن هذهِ الشاشات ما أراد أن يستخرج، فجعل عمرو بن عُبيد والجُلّاس يرون في هذهِ الشاشاتِ المُتعدّدة الحقيقةَ كاملةً وواضحةً جداً.
  • والأمرُ هو هو في هذا النمط الذي اتّبعتهُ في هذا البرنامج.. فهو شيءٌ أخذتهُ مِن منهج الكتاب والعِترة وألّفتهُ بهذا الأسلوب المُعاصر.. الفِكْرةُ هي هي.. والمنهجُ هو هو.. والأسلوبُ هو هو.

  • ِمِن الأمثلةِ الواضحةِ جدّاً على نَمَطِ الشاشاتِ المُتعدّدة في سِيرة العِترة الطاهرة: احتجاجاتُ أمير المُؤمنين.

  • هُناك مجموعةٌ مِمّا وصل إلينا مِن احتجاجاتِ سيّد الأوصياء.. وهُنا أذكرُ لكم جانباً مِن احتجاج سيّد الأوصياء في كتاب [الاحتجاج] للشيخ الطبرسي.
  • ● ممّا جاء في احتجاج أمير المؤمنين على أصحاب الشُورى العُمرية – وهو احتجاجٌ طويل – والرواية ينقلها جابر الجعفي عن إمامنا الباقر “صلوات الله عليه”.. ممّا جاء فيه، يقول: (فلمّا رأى أمير المؤمنين ما هَمَّ القومُ به مِن البيعةِ لعثمان قامَ فيهم ليتّخذ عليهم الحُجّة، فقال لهم: اسمعوا منّي كلامي فإنْ يكُ ما أقولُ حقّاً فاقبلوا، وإنْ يكُ باطلاً فأنكروا…)
  • ● وبدأ الإمامُ يفتحُ لهم شاشاتٍ مُتعدّدة، فقال:
  • (أُنشدُكم باللهِ الذي يعلمُ صِدْقكم إنْ صدقتم ويعلمُ كِذْبكم إنْ كذبتم، هل فيكم أحدٌ صلّى القبلتين كلتيهما غيري؟ قالوا: لا) ثُمَّ فتح الإمام شاشةً ثانية فقال: (نشدتُكم باللهِ هل فيكم مَن بايع البيعتين كلتيهما الفتح وبيعة الرضوان غيري؟ قالوا: لا)
  • ويستمرّ أمير المؤمنين يفتحُ الشاشات المُتعدّدة، حتّى وصل العدد – بحسب ما هو بين أيدينا – إلى (98) شاشة..! لأنّهُ كلّما قال: “نشدتُكم بالله” هو يفتحُ موضوعاً يختلفُ عن الموضوع السابق.. وربّما أوصلها الأمير إلى 100 شاشة، ولكن سقطتْ شاشتان إمّا مِن الرُواةِ أو مِن النُسّاخ.
  • أميرُ المؤمنين بِحَسَبِ هذا الحديث الذي بين أيدينا فتح 98 شاشةً بين أيديهم، وفي كُلّ شاشةٍ كان يعرضُ صُورةً تختلفُ عن الصُور الأخرى التي عُرضتْ في بقيّة الشاشات ولكنّها تنتظمُ بخَيطٍ مَعرفيٍّ واحد وبِسلسلةِ موضوعٍ مُتكامل.
  • ● إلى أن وصلوا في النهاية إلى هذهِ النتيجة:
  • (فتغامزوا فيما بينهم وتشاوروا وقالوا: قد عرفنا فضْلَه وعلِمْنا أنّهُ أحقَّ الناس بها، ولكنّهُ رجل لا يفضّلُ أحداً على أحد، فإنْ وليّتُموها إيّاه جَعَلَكم وجميعَ الناس فيها شرعاً سواء، ولكن ولّوها عُثمان فإنّه يهوى الذي تهوون فدفعوها إليه).
  • بغَضّ النظر عن مَوقفهم، ولكنّهم استخرجوا الصُورةَ التي أرادَ أميرُ المؤمنين أن يُقيمَ الحُجّة عليهم مِن خلالها.. استخرجوا الصُورة الكاملة مِن كُلّ تلكمُ الشاشات المُتعدّدة التي عرضَ فيها سيّدُ الأوصياء ما أرادَ أن يعرضَهُ مِن فضْلهِ ومِن عُلوٍّ شأنهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • يوم عاشوراء.. ذلكَ اليومُ الذي لهُ مِن الخُصوصيّةِ ولهُ مِن الشأن.. فإنَّ سيّد الشُهداء في خِطابهِ مع القوم استعملَ نفس الأسلوب.. فهو استشهدهُم على العمامةِ التي كان يلبسُها، واستشهدهُم على سيفه، واستشهدهُم على نفسهِ، واستشهدهم على مَجموعةٍ مِن المَطالب والحقائق وكانوا يُقرّون بذلك.. مثلما سألهم: ألم يقلْ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآلهِ” عن الحَسَن والحُسين أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة؟! واستشهدهما عن غير ذلك شيئاً كثيراً..

  • الحديثُ هو الحديث، والأسلوب هو الأسلوب.. نفس الطريقة التي استعملها أميرُ المؤمنين في احتجاجهِ على أهل الشُورى العُمَريّة.. وأساساً نفس الذين هاجموا سيّد الشُهداء هُم أبناء الشُورى العُمَريّة.
  • حينما تُوضَعُ كُلُّ حقيقةٍ في إطارها، وتُوضَعُ بجانبها حقيقةٌ أُخرى في إطارٍ آخر.. وبعد جمع كُلّ تلكَ الصُور يُمكنُ للعقلِ ويُمكنُ للإدراكِ أن يستخلصَ صُورةً كاملةً لا يُثارُ عليها غُبارُ الشكّ ولا يُثارُ عليها غُبارُ الجهْل ولا يُثارُ عليها أيُّ شيء.. لأنَّ الصُورةَ لِشدّةِ وُضوحها وانجلائها لا يستطيعُ الإنسان أن يُشكّك فيها… يُمكن أن يكونَ الإنسان مُعانداً، ويُمكن أن يكون مُعادياً، ويُمكن أن يكون جاحداً، ولكن فيما بينهُ وبين نفسهِ لن يستطيعَ أن يُقاومَ قُوّةَ وسُلطةَ وسطوة تلكَ الحقيقة التي تجلّتْ في الصُورة التي استنتجها واستخرجها مِن مجموعةِ الشاشاتِ المُتعدّدة.
  • هذا هو أسلوب القُرآن وأسلوبُ العترة الطاهرة.. وهُو يُغنينا عن قذاراتِ عِلْم الرجال، ويُغنينا عن الكثير مِن التُرّهاتِ والسفاسِف والزياداتِ التي لا معنى لها والتي ركض عُلماؤنا ومراجعنا بلهفةٍ عليها وجاءونا بها مِن النواصب ودمَّروا ثقافة الكتاب والعترة.. وتلكَ هي الحقيقةُ الواضحةُ الجليّةُ التي تجهلُها الشيعة، وحتّى الذين يعرفون الحقيقة يشغلون أنفُسَهم بالترقيع وبستر العورات التي هي ظاهرةٌ لا يُمكن أن تُغطّى.

  • وقفة أعرضُ لكم فيها نماذج مِن شاشاتٍ مُتعدّدة عرَضَ فيها الأئمةُ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين” الحقائقَ عن إمام زماننا.

  • الإمام المعصوم نفسهُ في موقفٍ، واحد في حالةٍ واحدة.. يعرضُ لنا صُوراً عديدة في شاشاتٍ مُتعدّدة.. مِثلما هو الحال في احتجاجِ أمير المؤمنين على أصحاب الشُورى العُمَريّة الذي مرَّ قبل قليل.. ومثلما هو الحال في موقفِ سيّد الشُهداء في صبيحةِ يوم عاشوراء قبل أن تبدأ المعركة.. وهذا الأمرُ يكون بِحَسَب الحاجةِ إليهِ وبِحَسَب ما يقتضيهِ المقام.
  • ● هناك صُورةٌ أخرى وحالةٌ أُخرى مِن الشاشاتِ المُتعدّدة، قد تكون مِن قِبَل إمامٍ واحد، ولكن ليس في مقطعٍ زمانيٍّ واحد وإنّما في أزمنةٍ مُختلفة، في أمكنةٍ مُختلفة.. بحسب الحاجةِ، بحسب الحكمة، بحسب ما يقتضيهِ الموقف يعرضُ الإمام حقيقةً لكنّ الصُورة التي تُتمّها يعرضُها في وقتٍ آخر وفي مكانٍ آخر.
  • وهناك ما هو أبعد مِن ذلك: فقد يَعرضُ أميرُ المُؤمنين صُورةً، فيأتي بعد ذلك إمامُنا السجّادُ كي يعرضَ صُورةً أخرى في شاشةٍ أُخرى لإتمامِ تلك الصُورة.. وهكذا بقيّةُ أئمتنا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • الشاشة العَلَوية:
  • وقفة عند حديث سيّد الأوصياء في [بحار الأنوار: ج53] في صفحة 59 – الحديث (47) والحديث منقول عن معاني الأخبار للشيخ الصدوق.
  • (عن عباية الاسدي قال: سمعت أمير المؤمنين “صلّى اللهُ عليه وآله” وهو مُتّكئ وأنا قائمٌ عليه، يقول: لأبنينَّ بمِصْر مِنبراً، ولأنقُضنَّ دمشق حَجَراً حَجَرا….)
  • إلى أن يقول الحديث:
  • (قال: قلتُ لهُ: يا أميرَ المؤمنين، كأنَّك تُخبِرُ أنَّك تحيى بعد ما تموت؟ فقال: هيهات يا عباية، ذهبتَ في غير مذهب، يفعله رجلٌ منّي – إنّهُ يتحدّث عن الإمام الحجّة “صلواتُ الله عليه وسلامه عليه”-)
  • الشيخ الصدوق فَهِم الحديث في الرجعة وقال إنّ أميرَ المؤمنين كان في حالِ تقيّةٍ مع عباية الأسدي، وأنا لا أظنُّ ذلك.
  • إذا تتذكّرون عرضتُ لكم في الشاشةِ الثامنة حينما كان الحديثُ عن والدةِ إمام زماننا وعن والدةِ إمامنا الجواد وعن كلامهم الذي يعكسُ حقيقةَ التماهي فيما بين الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين” حينما كان يتحدّث الإمام الجواد بمنطقٍ هو منطِقُ إمام زماننا.. وحدّثتكم عن حالةِ التماهي هذه.. فهذا الحديث لسيّد الأوصياء هو مِصداقٌ آخر مِن مصاديق حالةِ التماهي في حديث الأئمةِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • هذه شاشةٌ يفتحها سيّد الأوصياء وبِخُصوصيّةٍ مُعيّنةٍ وبِطريقةٍ مُلفتةٍ للنظر، وبأسلوبٍ يظهرُ فيهِ التماهي فيما بين سيّد الأوصياء وما بين القائم مِن آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • (أوّلهم مُحمّد، أوسطهم مُحمّد، آخرُهم مُحمّد، كُلّهم مُحمّد).. (أوّلهم عليٌّ، أوسطهُم عليٌّ، آخرهُم عليٌّ، كُلّهم عليٌّ).. فنبيّنا الأعظم “صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ هو الذي يقول: (أنا عليٌ وعليٌ أنا) وعليٌ هو الذي يقول: (أنا مُحمّدٌ ومُحمّدٌ أنا) وآيةُ المُباهلة تتحدّث عن هذه الحقيقة بوضوحٍ وبِصراحة.
  • شاشةُ إمامنا السجّاد:
  • وقفة عند شاشة أخرى، يفتحها الإمام السجّاد في [الصحيفة السجّاديّة] التي هي منهجٌ كَتَبهُ إمامنا السجّاد للشيعةِ في عصْر الغَيبة.. (وهذا لا يعني أنّ الشيعة في أيّامهِ وفي أيّام الأئمةِ مِن بعدهِ لم يعودوا إلى الصحيفةِ السجّاديّة، ولكنَّ الهدف الأصل واضحٌ جدّاً مِن خلال الأدعيّةِ وهو أنّ الصحيفةَ السجّاديّة هي برنامجٌ مُتكاملٌ لِمُجتمعٍ شيعيٍّ لو وُجِد، بحسب مواصفاتِ إمامنا السجّاد).
  • الإمام السجّاد هُنا فتح شاشةً ترتبطُ بنفس الموضوع الذي تحدّثتْ عنه الشاشة العَلَوية التي أشرتُ إليها قبل قليل.
  • — يقول إمامنا السجّاد دعائهِ في يوم عرفة:
  • (الَّلهم إنّك أيَّدتَ دينكَ في كُلِّ أوانٍ بإمامٍ أقمْتَهُ عَلَماً لِعبادك، ومَنَاراً في بلادك، بعد أن وصلْتَ حَبْلَهُ بحَبلك، وجَعلْتَهُ الذريعةَ إلى رضوانك، وافترضتَ طاعتَهُ، وحذَّرتَ مَعصيتَهُ، وأمرْتَ بامتثالِ أمرهِ، والانتهاءِ عند نهيه، وألّا يتقدَّمهُ مُتقدّم، ولا يتأخّر عنه مُتأخّر فهو عِصمةُ الّلائذين، وكهْفُ المُؤمنين وعُروة المُتمسّكين، وبهاء العالمين).
  • هذهِ العباراتُ واضحةٌ، صريحةٌ في مضمونِ أصالةِ عقيدةِ الإمامة ومِن أنَّ الإمام موجودٌ في كُلّ عصْر.. عِلماً أنّني لا أُريد أن أتحدّثَ عن هذهِ العبائر فهذهِ العبائر تنطبقُ على إمامنا السجّاد وعلى إمام زماننا.. ولكن هذهِ العبائر تقودني إلى فقراتٍ أُخرى لا تنطبقُ إلّا على إمام زماننا.. هذا مع مُلاحظة أنّنا نتحدّث عن إمامنا السجّاد وعن ظُروفهِ الّلاهبة والمُلتهبة.. يقول إمامنا السجّاد في نفس دعاء عرفة:
  • (الَّلهم فأوزع لوليّك شُكْر ما أنعمتَ بهِ عليه، وأوزعنا مِثْلَهُ فيه، وآتهِ مِن لدُنكَ سُلطاناً نصيرا، وافتحْ لهُ فتحاً يسيرا، وأعِنْهُ بركنك الأعز، واشددْ أزره، وقوِّ عَضُدَه، وراعهِ بعَينك، واحمهِ بحفْظك وانصرهُ بملائكتك، وامددهُ بجُندك الأغلب، وأقمْ بهِ كتابكَ وحُدودكَ وشرائعكَ وسُنن رسولك صلواتك الَّلهم عليه وآله، وأحي به ما أماتهُ الظالمون مِن معالم دينك، واجلُ به صدأ الجور عن طريقتكَ، وأبنْ به الضرَّاءَ مِن سبيلك، وأزلْ به الناكبين عن صِراطك، وامحقْ به بُغاةَ قصدكَ عوجا، وألنْ جانبَهُ لأوليائك وابسطُ يَدَهُ على أعدائك، وهب لنا رأفتَهُ ورحْمَتَهُ وتعطُّفَهُ وتَحنُّنَه واجعلنا لهُ سامعينَ مُطيعين‌، وفي رضاهُ ساعين، وإلى نُصْرتهِ والمدافعةِ عنه مكنفين، وإليك وإلى رسولك صلواتك الّلهم عليهِ وآله بذلك مُتقرّبين)
  • هذا الدُعاء أليس مُناسباً لِزمان الغَيبة..؟! الإمامُ السجّادُ في تلك الظروف القاسية وفي تلكَ الأوقاتِ المُلتهبة وفي أشدّ الّليالي التي مرَّتْ على آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.. في أشدّ الّليالي ظُلمةً وحُزناً بعد عاشوراء، هذهِ كلماتُ إمامنا السجّاد تدعو لِقائمِ آل مُحمّد.. هو نوعٌ وضربٌ مِن ضروبِ التماهي المعنوي.
  • شاشةُ إمامنا الباقر:
  • ومِن الشاشةِ التي فتحها إمامُنا السجّاد وكأنّهُ يعيشُ في عصر الغَيبةِ الذي نعيشُ فيه.. فكلماتُ دُعائهِ في يوم عرفة تنسجِمُ انسجاماً كاملاً مع أيّامنا هذه.. مِن تلكم الشاشة إلى شاشةٍ ثالثة فتحها إمامنا باقر العلوم “صلواتُ الله عليه”.. حين يقول في كتاب [غَيبة النعماني] في صفحة 281 الحديث (50) :
  • (عن أبي خالدٍ الكابلي عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام” أنّهُ قال‌: كأنّي بقومٍ قد خَرَجوا بالمَشرق – أي مشرق الحجاز – يطلبونَ الحقَّ فلا يُعْطَونَه، ثُمَّ يطلبونَهُ فلا يُعطَونَه، فإذا رأوا ذلك وضعُوا سُيوفهم على عواتقهم فيُعطون ما سألوهُ فلا يقبلونَهُ حتّى يقوموا ولا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم، قتلاهُم شهداء، أما إنّي لو أدركتُ ذلك لاستبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمْر)
  • شاشةٌ يفتحهُا إمامُنا الباقر “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” يتحدّثُ عن أُناسٍ مِن شيعتهم.. وأنا جئتُ بهذه الروايةِ مثالاً على شاشةٍ يَعرضُ فيها صُورةً مُميّزة حينما يقول: (أما إنّي لو أدركتُ ذلك لاستبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمْر)
  • إنّهُ يتحدّث عن حقيقةٍ يلمسُها الإمامُ الباقرُ، فالأئمةُ يتساوى عندهم الماضي والحاضرُ والمُستقبل.. إنّهُ يتحدّث عن جَمْعٍ مِن شيعته كما قال: (كأنّي بقومٍ قد خَرَجوا بالمَشرق يطلبونَ الحقَّ فلا يُعْطَونَه) إلى بقية التفاصيل التي أشارتْ إليها الروايةُ الشريفة.
  • إذا ما تحقّقتْ هذه المعاني فإنَّ الإمام يقول: (أما إنّي لو أدركتُ ذلك لاستبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمْر) الإمامُ بهذهِ العبارة يُريد أن يُشْعِرنا بأنَّ القضيّةَ مُلامِسةٌ لكم، وهو يتحدّث في ذلك الزمان..!
  • — أميرُ المؤمنين نَسَب فِعْل القائم إلى شَخْصهِ فقال: (لأبنينَّ بمِصْر مِنبراً) ثُمّ قال: (يفعلهُ رجلٌ منّي) فنَسَب فِعْل القائم إليه وهذا فَهْمٌ سطحيٌّ حتّى إذا ما ذهبتُ إلى معنى التماهي في التعبير لفظاً وحتّى في التماهي معنويّاً.. القضيّةُ لازالتْ سطحيّةً.. هُناك ما هو أعمق، وأنا لستُ بصددِ البحثِ في ذلكَ الأعمق… فسيّدُ الأوصياء نَسَب فِعْل القائم إليه، وإمامُنا السجّاد يتحدّث وكأنّهُ في زماننا هذا، في زمان غَيبةِ إمامنا.. وباقرُ العُلوم يُخبرنا عن وقائع ستقع، يقول بعدها: (أما إنّي لو أدركتُ ذلك لاستبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمْر).. يعني سنوات قليلة، وإلّا كيف يستبقي المرءُ نفسهُ إنْ لم تكن المُدّةُ قليلة.
  • الشاشة الصادقّية:
  • وقفة عند الشاشة الصادقيّة في كتاب [كما الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق] الحديث (50) وقد قرأتهُ عليكم بالكامل وبيّنتُ جانباً مِنهُ في الحلقاتِ المُتقدّمة. ممّا جاء في هذا الحديث وهو شاشةٌ يفتحها إمامنا الصادق لأصحابهِ ولنا، يقول “عليهِ السلام”:
  • (بسنده: عن سدير الصيرفي قال: دخلتُ أنا والمُفضّل بن عمر، وأبو بصير، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق “عليه‌ السلام” فرأيناه جالساً على التراب وعليه مِسْحٌ خيبريٌّ مطوَّق بلا جيب – ثوبٌ من الثياب المتواضعة من دون فتحة للثوب من جهة الصدر – مُقصّر الكميّن – أكمامه قصيرة نصف ردن – وهو يبكي بكاءَ الواله الثكلى ذات الكبد الحرىَّ، قد نال الحُزن من وَجنتيه، وشاعَ التغيير في عارضيه – أي جانبا الوجه – وأبلى الدُّموع مِحْجريه – المِحْجر هي الحُفرة التي فيها العَين – وهو يقول – مُخاطباً الإمام الحجّة – :
  • سيّدي غيبتكَ نفتْ رقادي، وضَيّقتْ عليَّ مِهادي، وابتزَّت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتكَ أوصلتْ مُصابي بفَجائع الأبد…)
  • الروايةُ طويلةٌ وقد قرأتُها عليكم فيما سَلَف، ووقفتُ عند العديد مِن مفاصِلها شارحاً ومُبيّناً، فلا أُريد أن أُعيد الكلام مرّة أخرى.
  • هذه شاشةٌ تحمِلُ مِن الخُصوصيّةِ ما تحمل.. إمامنا الصادق في زمانهِ، وهؤلاء خاصّةُ أصحابه.. الإمامُ بهذهِ الهيئة وبهذهِ الحالة وهذا خِطابُهُ مع إمام زماننا..! هذهِ شاشةٌ قويّةٌ جدّاً في الصُورةِ المعروضةِ فيها.
  • إذا أردنا أن نجمعَ بين هذهِ الشاشات وبين هذهِ الصُوَر مِن كلام أمير المُؤمنين، إلى دُعاءِ إمامنا السجّاد، إلى قول إمامنا الباقر: (أما إنّي لو أدركتُ ذلك لاستبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمْر)، إلى هذهِ الصُورةِ العجيبةِ التي فيها ما فيها مِن الدلالات حيثُ يعرضِها لنا إمامُنا الصادقُ في هذهِ الشاشةِ النادرة.. إذا ما جمعنا كُلّ تِلك الشاشات وجمعنا كُلّ تِلك الصُور، هُناك حقيقةٌ واضحةٌ صارخةٌ.. هذهِ الحقيقة كانتْ تعيشُ مع أئمتنا في ليلهم ونهارهم، هذهِ الحقيقةُ أئمتُنا يُريدونَ منَّا أن نتواصلَ معها في كُلّ أحوالنا (في فرحنا وفي حُزننا، في راحتنا وفي تَعَبنا، في غِنانا وفي فَقْرنا، في صِحّتنا وفي مَرَضنا، في شبابنا وفي هَرَمنا..) .. ألا تُلاحظون أنّنا حين جمعنا هذهِ الشاشات نتجتْ عندنا حقيقةٌ واضحة، وهذا هو مُرادي مِن أنّ أُسلوبَ الأئمة في عَرْضهم للحقائق هُو أُسلوبُ الشاشاتِ المُتعدّدة.
  • الشاشةُ الرضويّة:
  • — وقفة عند دُعاءٍ لإمامنا الرضا في [مفاتيح الجنان] وكأنّهُ يعيشُ معنا في هذهِ الّلحظة.. وقد كان الإمامُ يأمرُ شِيعتهُ أن يقرأوه:
  • (الَّلهم ادفعْ عن وليّك وخليفتكَ وحُجّتكَ على خلقكَ ولسانكَ المُعبّر عنك، والناطق بحِكْمتك، وعينك الناظرةِ بإذنك، وشاهدك على عبادكَ الجحجاحِ، المُجاهد…). إذا كان هذا الأمرُ صادراً لِشيعةٍ في زمن الرضا، أفلا يكون صادراً لِشيعةٍ في زمن القائم..؟!
  • هذهِ شاشةٌ أخرى.. والإمام فيها يأمرُ الشيعة أمراً أن يقرأوا هذا الدُعاء، والدُعاء مشحونٌ بالتفاصيل.
  • الشاشةُ الأخيرة: هي دُعاءُ النُدبة.
  • وهو دُعاءٌ مرويٌّ عن إمامنا الصادق وعن إمامِ زماننا.. هذا هو التماهي، التلاقي، التفاني.. عبّروا ما شِئتم.
  • هذا مِثالٌ بسيطٌ ويسيرٌ جدّاً حينما جمعنا بين هذهِ الشاشات، تجلّتْ لنا حقيقةٌ كبيرةٌ واضحةٌ جدّاً.. من أنّ المشروع المهدويّ الأعظم ومِن أنّ إمام زماننا يعيشُ مع مُحمّدٍ وآل مُحمّد في كُلّ لحظةٍ مِن لحظاتِ حياتهم.. وتِلك الشاشاتُ وتلك الصُوَر والحقائق اتّضحتْ وتجلّتْ فيها.

تحقَق أيضاً

ندوة في رحاب الكتاب والعترة

الأسئلة التي وردتْ في الندوة: السُؤال (1) كيف يُصلِحُ إمامُنا الحُجّةُ "عليه السلام" ما فَ…