السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ١٧ – سيّد قطب ج٥

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 19 محرّم 1439هـ الموافق 10 / 10 / 2017م

  • لازال حديثي يتواصل في تحليل شخصيّة سيد قطب..

  • مرّ الكلامُ في النقطة الأولى: الطفولة، والثانية: مرحلة الشباب (المرحلة الأدبيّة)، والثالثة: الماسونية، والرابعة: الإنكفاء إلى أجواء الثقافة الإسلامية، والخامسة: الذهابُ إلى امريكا والعودة منها إلى مِصر.
  • إلى هذا الحدّ سيّد قطب ليس متديناً.. وإنّما بدأ ينحو شيئاً فشيئاً باتّجاه الثقافة الإسلامية.

  • بعد عودة سيّد قُطب مِن امريكا.. وجدَ اهتماماً مِن جماعة الإخوان المُسلمين به وبكتاباته المُتأخّرة التي اتّجهتْ باتّجاه الثقافة الإسلاميّة.. ولِهذا بدأتْ تنشأُ علاقةٌ فيما بينه وبين الأخوان المُسلمين، وإلّا فهو كان سابقاً مُتنفرّاً منهم وكان مُتنفّراً من شخصيّة حسن البنّا.

  • حسن البنّا قُتِل قِصاصاً بسبب جريمتهِ في قتْل النُقراشي سنة 1949، وسيّد قُطب عاد من أمريكا سنة 1950 فلم يكن حسن البنّا موجوداً.

  • ● ولازال سيّد قطب آنذاك ليس مُتديّناً.. ولازال سيّد قُطب لا يملكُ اطّلاعاً واسعاً في الثقافة الدينية على المُستوى السُنّي، وحتّى على غيره.. فهو أساساً لا يملكُ اطّلاعاً على الثقافة الشيعيّة. (ثقافته خليطٌ بين ثقافةٍ عربيّة أدبية، وثقافةٍ غربيّة عامّة، وفكرٍ ماسوني..!) هذهِ خلطة سيّد قُطب، والتي سينسحبُ منها شيئاً فشيئاً حينما يدخل غائراً في دهاليز جماعة الأخوان المُسلمين.

  • النقطة (6): بعد الحديث عن مَرحلة الإنكفاء، وبعد الحديث عن مرحلة السفر.. والتي تُشكّل مَعْلماً بارزاً في حياة سيّد قطب، هي: الضُبّاط الأحرار. وبعبارة مُختصرة: (جمال عبد الناصر)

  • ● هذا الموضوع شائك، وإذا أردنا أن نُفكّكه فإنّنا بِحاجة إلى وقت.. سأحاول أن أفكّك الموضوع في هذه الحلقة وفي حلقة يوم غد إن لم تتسّع هذه الحلقة. الحديثُ لن يتّضح ما لم نتطرّق إلى شخصيّة (جمال عبد الناصر) لأنّ الذي ربطَ بين سيّد قطب وبين حركة الضّباط الأحرار هو: جمال عبد الناصر. سأتحدّث عن عدّة جهات في هذه الحلقة، وفي الحلقة القادمة حتّى تتّضح الصورة:

  • أسئلةٌ سريعة:

  • ● ما هي علاقةُ سيّد قُطب بعبد الناصر؟! العلاقة علاقةُ صداقة بدرجةٍ ما.
  • ● هل كان سيّد قُطب على علاقة بحركة الضبّاط الأحرار قبل الثورة (قبل انقلابهم على النظام الملكي)؟ لم يكن سيّد قُطب على علاقةٍ بحركة الضبّاط الأحرار، وإنّما نشأتْ علاقته بشكل مباشر وواضح بعد انقلابهم على النظام المَلَكي، وبعد خروج الملك فاروق من مصر باتّجاه إيطاليا.
  • ● هل كان عبد الناصر مُتديّناً؟ لم يكن مُتديّناً كما يقع هذا الوصف في عُرف المُتديّنين، ولكنّه لم يكن مُحارباً للدين.. علاقته بالدين وارتباطاته الدينيّة هي في المُستوى الإجتماعي كعامّة المصريين الذين لا يُوصفون بوصف “التديّن” على وجه الخصوص.. فعبد الناصر لم يكن ضِدّ الدين، ولم يكن مُتديّناً بحسب هذا الوصف الذي يلتزم به المُتديّنون.. ولذا كانت زوجته السيّدة “تحيّة كاظم” شيعيّة.. فلو كان من أولئك المُنغمسين كثيراً في الأجواء الدينيّة السُنيّة لربّما لم يتزوّج زوجة شيعيّة.
  • ● هل كان عبد الناصر على ارتباط مع جماعة الأخوان المُسلمين؟
  • نعم كان على ارتباط معهم، وكان على علاقةٍ بحسن البنّا.. وحسن البنّا حين التقى به وتعرّف عليه، كان يمتلكُ نظرةً ثاقبة في تقييم الرجال، فتلمّس في عبد الناصر مَخايل القيادة، وأشار إلى شخصيّة عبد الناصر بخصوصيّة معيّنة فيما بين خواصّ أصحابه.
  • ● هل عمل عبد الناصر مع جماعة الأخوان المُسلمين..؟ نعم، وستأتينا التفاصيل في حلقة يوم غد، لأنّي سأتناول بعض الجهات في هذه الحلقة، وأتناول بقيّة الجهات في حلقة يوم غد حتّى نخرج بصورةٍ قريبةٍ مِن الّلقطة النهائيّة الأخيرة.

  • عبد الناصر شخصيّةٌ تمتلكُ كاريزما عالية جدّاً.. لم يأتِ رئيسٌ إلى مصر كعبد الناصر.. فالرؤساء الذين جاءوا بعد عبد الناصر هم ليسوا بمُستوى عبد الناصر. لا يمتلكُ عبد الناصر ثقافةً واسعة جدّاً، ثقافته متواضعة.. ولكن الرجل كان سياسيّاً من الطراز الأوّل، كان يمتلك موهبة القيادة بشكل واضح. ومِن صفاته الواضحة:

  • القاطعيّة في القرارات، والذين صاحبوه يعرفون أنّ عبد الناصر كان قادراً على الإمساك بأعصابه ومشاعره إلى حدّ بعيد، لِذا كان شخصيّة كتومةً جدّاً.
  • أهمّ ميزةٍ في شخصيّة عبد الناصر هي: الدهاء.. كان يملكُ دهاءً سياسيّاً عالياً جدّاً.

  • يُمكنني أن أقسّم الدهاء إلى نوعين:

  • ● هناك دهاءٌ شخصي. (أنّ الإنسان يُدّبرُ حاجاته وأموره وشُؤونه بدهاءٍ يملكه).
  • ● عبد الناصر كان يملكُ دهاءً سِتراتيجيّاً على المَدى البعيد، مع قُدرةٍ عجيبة على الكتمان، ورشاقةٍ في الحركة وفي التنقّل في الأماكن التي يحتاج أن يتنقّل فيها. علماً أنّ الحديث هُنا ليس عن عبد الناصر، ولكن لابدّ هنا مِن رسم هذهِ الصورة.. وأنا هُنا لا أريد أن أُحاكم عبد الناصر فأتحدّث عن محاسنه وعن مساوئه، وهل كان رئيساً ناجحاً أم كان قائداً ناجحاً.. فهناك فارقٌ بين المعنيين.
  • القائد الناجح هو الذي يمتلك مشروعاً، وينجح في تحقيق مشروعه.. أمّا الرئيس الناجح فهو الذي يرضى عنه الذين يكونون تحت رئاسته.
  • فعبد الناصر كان قائداً ناجحاً، وكان يمتلك كاريزما واضحة جدّاً.

  • هناك عنوانان واضحان لِمن أراد أن يدرسَ شخصيّة عبد الناصر:

  • العنوان (1) : العُروبة.
  • العنوان (2) : الإشتراكية.
  • هذان العنوانان واضحان جدّاً في شخصيّة عبد الناصر.. وأنا في هذه الحلقة سأتحدّث عن “الإشتراكيّة”.. لأنّ البرنامج ليس مُخصّصاً لتغطية كُلّ المطالب وكُلّ العناوين المُرتبطة بعيد الناصر.. فأصلُ البرنامج هُو في تحليل شخصيّة سيّد قُطب، ولكنّني أحتاجُ للحديث عن عبد الناصر كي تكتمل الصورة وكي نَصِل معاً للحقائق، لأنّي لا أُريد أن أُلزمكم بالنتائج التي وصلتُ إليها.. فالنتائج قد تتغيّر مع تغيّر المُعطيات.
  • ● هُناك مطالب قطعيّةٌ إذا ما نظرنا إلى مُلابساتها، وهي المطالب الأساسيّة التي كان لأجلها هذا البرنامج.. أمّا التفاصيل والمُلابسات المُختلفة (تأريخيّة، سياسية، اجتماعيّة، أدبيّة) فهذهِ قد تصدقُ بدرجة كاملة، وقد لا تصدق بدرجة كاملة.. فلربّما الذين نَقلوها لم ينقلوها بِدقّة.. إنّما هي عمليّة بحثٍ وتحقيق ومُقارنة فيما بين المُعطيات، مع اطّلاعٍ على الظُروف العامّة.
  • مقطع فيديو 1: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • العروبة والإشتراكية عُنوانان مُهمّان في تأريخ عبد الناصر:

  • — أمّا العروبة فهو عنوانٌ لمشروعهِ الذي كان يحلم به أن يكون زعيماً لكلّ العرب، وهذا الموضوع لا شأن لي به لأنّه لا يرتبط بما بين يديّ من بحثٍ ومطالب.
  • — أمّا “الإشتراكيّة” فهو عنوانٌ لِمشروعه العَمَلي.. هذا هو العنوان والمُصطلح البارز الذي كان يتردّد في الثقافة الجديدة التي جاءت بعد ثورة يوليو عام 1952 (حركة الضبّاط الأحرار).
  • بعد ثورة يوليو.. الشيء الطبيعي أن تنشأ ثقافةٌ جديدة مع نظامٍ جديد.. فكلّ نظام جديد يأتي بمُصطلحاته وشِعارته وعناوين ثقافته ورموزها.
  • ● الإشتراكيّة هذهِ تقودنا إلى السبب المُهمّ الذي وثّق علاقة عبد الناصر بسيّد قُطب.. صحيح أنّ عبد الناصر كان على علاقة بجماعة الأخوان المُسلمين، وقد أعطى البيعة، وأقسم في البيعة السرّية على المُصحف والمُسدّس على السمع والطاعة وحفظ الأسرار.. فكان في جُملة أعضاء التنظيم السرّي في جماعة الأخوان المُسلمين.. بل صار في “التنظيم الخاص” وهذا التنظيم هو جزءٌ مِن التنظيم السرّي. الأفراد الذين يرتبطون بالتنظيم السرّي بجماعة الأخوان المُسلمين وهم في الجيش أو في الشُرطة كان الإطلاق عليهم بالتنظيم الخاص.. فعبد الناصر كان عضواً في التنظيم السرّي وبشكلٍ خاص في “التنظيم الخاصّ”.
  • — حسن البنّا أطلق على مجموعة الضُبّاط في الجيش التي تنتمي إلى التنظيم السرّي وإلى التنظيم الخاص، أطلق عليهم: “الأحرار”.. وهو نفس الوصف الذي أسبغهُ على الثوّار الذين ثاروا في اليمن.. أيضاً أطلق عليهم حسن البنّا: “الأحرار”.
  • ● صحيح أنّ هناك معرفة، وهناك درجة مِن الصداقة بين عبد الناصر وسيّد قُطب.. لكنّ عبد الناصر أراد أن ينتفع من ثقافة وفكر سيّد قُطب.. مِن هنا نشأت العلاقة بينه وبين سيّد قُطب وتوثّقت.
  • — مِن جُملة الأمور التي يتحدّث عنها عبد الناصر دائماً: الفُقراء، الفلّاحون، العُمّال.. وبعبارة مُختصرة كما يقع ذلك في تعابير الماركسيين: “الطبقات المسحوقة”.
  • ● عبد الناصر لم يكن شيوعيّاً، ولم يكن مُتديّناً.. لكنّه كان يمتلك طموحاً سياسياً عالياً جدّاً.. لم يرُد أن يذهبَ بعيداً عن الدين والإسلام، باعتبار أنّ الشعب المصري على الأعم الأغلب من المُسلمين، وهناك توجّهٌ ديني عند طبقات كثيرة في المُجتمع المصري بالمُستوى الاجتماعي.. فعبد الناصر لم يُرد أن يذهب بعيداً عن هذا الواقع.. وكان هذا المُصطلح “الإشتراكيّة” قد غزا العالم.
  • ● الذي جرّني للحديث عن “الإشتراكيّة” هو أنّ عبد الناصر جعل مشروعهُ العملي مُعنوناً بهذا العنوان.. وكما ذكرت، فإنّ عبد الناصر لم يكن شيوعيّاً، ولم يكن يسعى لتطبيق الإشتراكيّة الشيوعيّة (أو الماركسيّة).. وبالمُجمل: الدُول التي تبنّتْ الفكر الماركسي لم تصِل دولةٌ منها إلى المُستوى الشُيوعي،
  • سُمّيتْ بالدُول الشيوعيّة، ولكن هذه الدول – بحسب الفكر الماركسي – لم تصل إلى المُستوى الشيوعي؛ لأنّ الحالة الشيوعيّة لها مواصفاتها، ولها خُصوصيّتها -بحسب الفكر الماركسي – وما وجدتْ طريقاً للتنفيذ على أرض الواقع وإنّما هذهِ الدول حاولتْ أن تطبق “الاشتراكيّة”.
  • ● مشروع عبد الناصر هو: التخفيف عن الجماهير المِصريّة الفقيرة، ولكن عِبْر برنامج “الإشتراكيّة” التي دعاء إليها، وتحوّل النظام المِصري إلى نظام اشتراكي – بحسب وجهة عبد الناصر – وعبد الناصر في هذه النقطة كان مُحتاجاً لسيّد قُطب.
  • وقد مرّ الحديث في الحلقات المُتقدّمة عن كتاب [العدالة الإجتماعيّة في القرآن] لسيّد قُطب.. وقد قُلت: مِن أنّ هذا الكتاب ليس كتاباً دينيّاً، وإنّما نحا فيه سيّد قُطب باتّجاه الثقافة الإسلاميّة.
  • ● خُلاصة ما في هذا الكتاب [العدالة الإجتماعيّة في القرآن]: فكرةٌ يبدو أنّ عبد الناصر قد اقتنع بها وهي: (إشتراكيةٌ إسلامية) اشتراكيةٌ لها مرجعيةٌ دينيّة. هذا هو الذي كان يُفكّر به ويُخطّط له عبد الناصر.. ومن هنا جاء بسيّد قُطب وأدخله في وسط “حركة الضُبّاط الأحرار”.. وإلّا فهناك الكثير والكثير من الطاقات المُثقّفة المصريّة، وهناك الكثير مِن الكُتّاب والمُفكّرين.. ولكن عبد الناصر كان مُحتاجاً لسيّد قُطب؛ لأنّه كان مُقتنعاً بالفكر الذي طرحه سيّد قُطب في كتابه [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام]
  • صحيح أنّ عبد الناصر لم يُصرّح بذلك، ولكن مِن خلال دراسة التفاصيل، ومِن خلال دراسة المُعطيات نَصِل إلى هذهِ النتيجة.
  • فقد كان عبد الناصر في مُناقشاته مع زُملائه كان يحتجُّ بما جاء في كتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام].. حتّى أنّ مُحمّد نجيب قال لسيّد قُطب: نحن تلاميذك، تتلمذنا على ما ذكرته في كتابك: العدالة الإجتماعيّة في الإسلام..!
  • ● هذا الكتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام] كما ذكرت ليس كتاباً دينيّاً، وإنّما هو جُماعٌ بين فكر ماسوني، وبين فكر ديمقراطي، وبين نُصوص إسلاميّة، وبين حوادث ووقائع من عمق التأريخ الإسلامي.. فجاء هذا الكتاب.. وعبد الناصر كان مُقتنعاً بهذه الفِكرة: “فكرة الإشتراكيّة الإسلاميّة” وهذه القضيّة كانت شائعة في ذلك الوقت.

  • بحث في جذور المسألة حتّى تتضح الصورة:

  • ● الدولة العثمانية التي كانت تحكم بلادَ العرب وبلاد المُسلمين، كانت دولة ظالمة جائرة إلى أبعد حدود الظُلم والجور، الدولة العثمانية دولة فتكتْ بالعباد والبلاد، دولةٌ فاسدة بتمام معنى الفساد، ودولةٌ مجرمة بتمام معنى الإجرام.
  • كان الحُكم العثماني وحتّى حُكم المماليك في مِصر وفي غيرها من البُلدان والولايات الأخرى التي استقلّتْ في بعض من المقاطع الزمنيّة عن الدولة العثمانية.. كان الحُكم هو الحُكم: الظلم، والجور، والفساد.
  • (انتشارُ الجهل، انتشارُ الأُميّة، انتشارُ الفقر والعوز.. والطبقات المَسحوقة مساحتُها واسعة جدّاً في البلاد العربية والبلاد الإسلاميّة تحتَ سُلطة العُثمانيّين الجبابرة الدكتاتوريّين الظلمة الذين يحكمون بإسم الإسلام.. وبعد ذلك تباكى مَن تباكى على خِلافتهم الإسلاميّة (مِن علماء وفقهاء السُنّة، ومن علماء ومراجع الشيعة!!)
  • — في تلك الأوقات كانت الماسونيّة في مصر التي دخلتْ مع الحملة الفرنسية، وبقيتْ هناك واتّسعت.. فكانت الماسونيّة هدفاً لشخصيات النُخبة في مصر.. الجميع يتباهون ويفتخرون ويطمحون أن يكونوا أعضاءً في المحفل الماسوني..!
  • وبالمُناسبة: الماسونيّة في وجهها الناعم تدعو لِمساعدة الفقراء ولرفع الحيف عن المظلومين.. ولكن في الوجه الخشن تُحذّر أتباعها أن يفتحوا الأبواب أمام الفقراء كي يكونوا أعضاءً في الماسونيّة.. وإنّما الأبواب تكون مُفتّحة أمام الأغنياء.. لأنّهم يقولون: إنّنا إذا فتحنا الأبواب للفقراء فإنّنا سنبتلي بمشاكلهم.. إعلامياً نحن ندعو لِمواساة الفقراء، ونقوم ببعض المشاريع التي تُساعد الفقراء.. ولكن في الحقيقة هدفهم الأصْل أن لا ينتمي إلى هذه المُنظّمة إلّا الأغنياء والطبقة المخمليّة في المُجتمع.
  • ● دخلتْ الماسونية إلى مِصر وانتشرتْ ثقافتُها، وأثّرتْ حتّى في الأجواء الدينية (الحُريّة، الإخاء، المُساواة).. وكان جمالُ الدين الأفغاني رئيساً للمَحفل الماسوني، ومِن خلاله صار الشيخ محمّد عبد “مُفتي الديار المصريّة” صار هو الآخر ماسونيّاً.. ومن خلاله انتقلتْ الأفكار إلى: رشيد رضا.
  • — بعد الثورة البلشفيّة، انتشر التبشير للفكر الشيوعي وللدفاع عن حقّ الطبقات المسحوقة.. للدفاع عن الفلّاح والعامل.
  • ● نشأ توجّهٌ واضح في الثقافة المصريّة.. يمزج ما بين هذه الإشتراكيّة التي تُبشّر بها الثورة البلشفيّة في روسيا.. وما بين المُساواة والإخاء الذي تدعو له الماسونيّة.. (والحديثُ هنا ما بين العشرينيّات والثلاثينيات) في هذه الفترة بدأ هذا الفكر ينتشر شيئاً فشيئاً..!
  • علماً أنّ ما ينشأ مِن توجّه في الثقافة المصريّة هُو بدوره سيكون في لبنان في سوريا وفي سائر البلدان العربيّة الأخرى التي تتواجد فيها طبقةٌ مُثقّفة، وتتواجد فيها نُخبةٌ تحمل فكراً وثقافة ومُتابعة لِما يجري حولها في العالم.
  • — (مساواةٌ من خلال الفكر الماسوني.. وإشتراكيّةٌ مِن خلال الفكر الشيوعي الماركسي).. صارتْ الإشتراكية عُنواناً للعدالة، وعنواناً لأحلام الجماهير، وصارتْ عنواناً يستظلُّ به كلّ مَن يريد أن يُدافع عن حقوق المظلومين.
  • وللثقافة إذا ما انتشرت سُلطةٌ لا تُقاوم.. سُلطة الثقافة – إذا ما فُسِح لها المجال – أقوى من سُلطة الحكومات. ولكن في تلك الفترة كان المَجال مفتوحاً لِمثل هذه الثقافة.. مثلما كان المجالُ مفتوحاً للثقافة الدينيّة آنذاك، كانت الأجواء مفتوحة للثقافة الدينيّة لِغيرها.
  • فصارت “الإشتراكيّة” ثقافةً مُحبّبةً لدى الجمهور، خصوصاً لدى الطبقات الفقيرة؛ لِذا تراكض الإسلاميّون إلى الدخول تحت خيمة “الإشتراكيّة”.
  • ولِذا انتشرتْ كُتب من الإسلاميين ومن غيرهم تتحدّث إشتراكيّة النبيّ “صلّى الله عليه وآله”، وعن اشتراكيّة عليّ، وعن إشتراكيّة الخلفاء، وعن اشتراكيّة وشيوعيّة أبي ذر الغفاري.. إلى سلسلة طويلة من العناوين التي شاعت في ذلك الوقت.
  • ● رشيد رضا تلميذ محمّد عبده، ومحمّد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني.. ورشيد رضا هو أيضاً أستاذ حسن البنّا.
  • يقول رشيد رضا في موسوعة [الأخوان المُسلمون في سوريا : ج2] لعدنان سعد الدين.. يقول في صفحة 147:
  • (فقد صرّح الداعية الكبير والعالم الجليل: الشيخ محمّد رشيد رضا – أستاذ حسن البنّا – بأنّ الإشتراكيّة الحقّة ليست موجودةً إلّا في الإسلام..)
  • هؤلاء هُم مراجع الفكر الديني.. فرشيد رضا هو من الرموز الواضحة في مرجعيّة الفكر الديني.
  • قطعاً هذا المُصطلح “الإشتراكيّة” ليس موجوداً في الإسلام.. والإشتراكيّة التي تتحدّث عنها الماركسيّة ليست موجودة في الإسلام.. وحتّى الإشتراكيّة التي تتحدّث عنها الماسونيّة والتي عُنونت بالمُساواة.. ليست مِن الإسلام، لأنّ المُساواة هي الإشتراكيّة.
  • — هذا العنوان “الإشتراكيّة” الذي صار مُحبّباً للجميع بحيث تراكض الإسلاميّون وتراكض الشُعراء والأُدباء من السُنّة والشيعة، تراكضوا كي يكونوا تحت هذه الخيمة (خيمة الإشتراكيّة) هذا المُصطلح أصلهُ ماسوني: المُساواة.. ثُمّ جاءنا من الثورة الشيوعيّة الماركسية في روسيا (البلاشفة)..!
  • ● أمير الشعراء أحمد شوقي يصف النبيّ في أشعارهِ بأنّه إمام الإشتراكيّين..!!
  • (وقفة عند ديوان أحمد شوقي “الشوقيّات”: ج1،ج2.. وقراءة سُطور من قصيدتهِ المعروفة بــ”الهمزية النبويّة”.. وهي من أشهر قصائد أحمد شوقي..)
  • يقول فيها مُتحدّثاً عن رسول الله:
  • الإشتراكيون أنتَ إمامهم* لولا دعاوى القوم والغلواء
  • ومُراده في هذا البيت يُريد أن يقول:
  • يا رسول الله، أنت إمامُ الإشتراكيين، ولكنّني أخافُ مِن أولئك الذين يُغالون في الدين ويتعصّبون لآرائهم فيرفضون كلامي، وإلّا فأنت يا رسول الله إمام الإشتراكيين.. باعتبار أنّ أحمد شوقي كان مُسايراً للثقافة المُعاصرة لوقته.
  • هذا مع مُلاحظة أنّ أحمد شوقي ما كان مِن الطبقات المسحوقة، ولا شأن له بالفكر الشيوعي.. أحمد شوقي عاش مُرفّهاً دائماً في بلاط الملوك! لم يعش شاعر في العصور المُتأخّرة مثلما عاش شوقي مُرفّهاً في حياةٍ من البذخ والترف إلى أبعد الحدود.. فلا شأن له بالطبقات المسحوقة، وإن قال شيئاً في ذلك فهو قولٌ شاعر.. وهذا يُشعرنا كم كانتْ هذهِ الثقافة حاكمة ومُسيطرة في تلك الفترة الزمانيّة إلى الحدّ الذي يأتي شوقي – الذي لا علاقة له بالفكر الشيوعي والإشتراكي – فيُخاطب رسول الله بأنّه إمام الإشتراكيين!
  • — فرشيد رضا يقول: إنّ الإشتراكيّة الحقّة ليست موجودة إلا في الإسلام.. وأحمد شوقي يُخاطب النبيّ: الإشتراكيون أنت إمامهم!

  • وقفة عند كتاب [قذائف الحق] للشيخ محمّد الغزالي.

  • والشيخ محمّد الغزالي هو مِن دُعاة الإشتراكيّة، وهو مِن رموز الإخوان المُسلمين. (صحيح أنّ الهُضيبي أخرجهُ بقرار مِن عنده ومن مكتب الإرشاد أخرجوه من جماعة الإخوان لأنّه كان مُعترضاً على الهُضيبي وما كان يرتاح له) ولكن يبقى الشيخ محمّد الغزالي من رموز الإخوان، لأنّ القضيّة ليست بالانتماء بالإسم.. القضيّة قضيّة الفِكر.. والعقل الذي يُفكّر به الشيخ محمّد الغزالي عقلٌ إخواني، عقلٌ يعزفُ على نوتة وضعها وكتبها حسن البنّا.
  • — الشيخ محمّد الغزالي كتب كُتباً فيما اصطِلح عليه بعد ذلك بـ”الإقتصاد الإسلامي”.. من جملة هذه الكُتب كتاب [أوضاعنا الإقتصاديّة] كان يدعو فيه للإشتراكيّة.. فهو من دعاة الإشتراكيّة، وقد صرّح عن ذلك بنفسه في كتابه [قذائف الحقّ]
  • ● يقول الشيخ محمّد الغزالي في كتابه [قذائف الحق] في الفصل السابع:
  • (لا بدّ للإسلام من خطّة إيجابية يواجهُ الغزو الثقافي بها..) ثُمّ يأتي العنوان الفرعي: سياسةُ الحُكم والمال في الإسلام.
  • إلى أن يقول:
  • (وأعترف بأنّي تجوّزتُ في التعبير أحياناً، وقبلتُ بعض العناوين الشائعة “كالديمقراطية” في ميدان الحُكم “الاشتراكية” في ميدان الاقتصاد، لا لإعجابي بهذه العناوين، ولكن لأجعل منها جسراً يعبرُ عليه الكثيرون إلى الإسلام نفسه، أي أنّي أُريد نقل “الديمقراطيّين” و “الاشتراكيّين” إلى الإسلام بعدما أوضحتهُ وأبرزت معالمه، لا أنّي أريد صبغَ الإسلام بصبغةٍ أجنبية، أو نقله إلى مذاهب مستوردة.. وقد جاء مِن بعدي الأستاذان: “سيد قطب” و”مصطفى السباعي” – وهو المُرشد العام للأخوان المُسلمين في سوريا في تلك الفترة – عليهما رحمة الله، فألّف الأول “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، وألّف الأخير “اشتراكية الإسلام” وهما يقصدان ما قصدتُ إليه مِن ردّ المفتونين بالمبادئ الجديدة إلى مواريث أسمى وأغنى.. وربّما كان ما كتباهُ أفضل ممّا كتبتهُ أنا وأكثر تنظيماً. وعُذري أنّني كُنت رائداً تُدمى أظافري في الاكتشاف والتدوين، فإذا جاءَ مِن بعدي ووجدَ حقائق مُمهّدة كان على تنسيقها أقدر وعلى صَوغها أدق)
  • شيخ محمّد الغزالي يتحدّث عن كُتبه التي كتبها في هذا الصدد، بالذات كتابه “أوضاعنا الإقتصاديّة” فقد تحدّث في هذا الكتاب (عن النظام الإشتراكي في الإسلام).. ويبدو أنّ سيّد قُطب قد أعجبه ذلك فذهب في هذا الإتّجاه، فكان هذا الكتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام] الذي أُعجِب به كثيراً عبد الناصر.
  • جمال عبد الناصر كان متأثّراً إلى حدّ ما بأجواء جماعة الأخوان المُسلمين.. ولم يكنْ عبد الناصر يمتلك ثقافة واسعة جدّاً حتّى يتبنّى فِكراً خاصّاً به.. ولم يكن عبد الناصر يُفكّر بإنشاء دولة دينيّة، ولم يكن يُفكّر بإنشاء دولة على الطراز الشيوعي.
  • جمال عبد الناصر أراد أن يُوجد خلطة ما بين العُروبة وما بين شيءٍ من الدين، وما بين هذهِ العناوين الجميلة التي تدعو إلى مُساعدة الطبقات المسحوقة، وقد وجد كُلّ هذا عند سيّد قُطب.. مِن هنا نشأتْ علاقة بين سيّد قُطب وجمال عبد الناصر بشكلٍ قوي، وكان عبد الناصر مُحتاجاً لسيّد قُطب وقد أقحمه إقحاماً وسط حركة الضّبّاط الأحرار، مع أنّ العديد منهم ما كان راغباً في ذلك، ولكن عبد الناصر كان يمتلك شخصيّة قويّة، فمِن خلال شخصيّتهِ القويّة ومن خلال الكاريزما التي يمتلكها استطاع أن يُقحم سيّد قُطب في وسط حركة الضُبّاط الأحرار.. فكانوا يجتمعون كُلّهم عسكريّون إلّا هذا الرجل المدني بينهم (وهو سيّد قُطب) وكان العديد منهم ليس راغباً بِحضوره، ولكن هذا الذي صار.
  • — قطعاً عبد الناصر لم يُخبرهم لِماذا هو متعلّق بسيّد قُطب، ولم يُخبر حتّى سيّد قُطب بذلك.. وإنّما قال لهم: نحنُ عسكريّون، نحنُ بِحاجة إلى رأيٍ مدني معنا.
  • مقطع فيديو 2: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • مَن تابعني في هذا البرنامج مِن الحلقة الأولى يتذكّر أنّي قرأتُ شيئاً من كتاب [مذكرات سائح في الشرق العربي] لأبي الحسن الندوي.

  • في صفحة 96 حينما زار الندوي سيّد قطب، وكان ذلك في تأريخ 1951/2/23 .. مِن جملة ما سأل الندوي سيّد قطب عنه: سأله عن علاقته الأدبيّة بعبّاس محمود العقّاد، إلى أن سأله عن أنّ العقّاد كان يخشى على سيّد قُطب أن يكون شُيوعيّا، فلم يُنكر سيّد قُطب ذلك، وإنّما أجاب على السؤال.
  • — العقّاد كان يخشى على سيّد قُطب أن يكون شُيوعيّا لأنّ سيّد قُطب كان مُلحداً في مقطعٍ من مقاطع حياتهِ تجاوز العشر سنوات – ومرّ الكلام في ذلك – وكان ماسونيّاً أيضاً يدعو إلى المُساواة!
  • ● الفكر الشيوعي واضح في قضيّة الدفاع عن الطبقات المسحوقة وعنده برنامج عملي.. أمّا الماسونيّة فعندها شِعارات فضفاضة (تدعو إلى النُبل، تدعو إلى المُساواة، تدعو إلى الأخلاق الحميدة..) ولكن على أرض الواقع لا يُوجد لها تطبيق، مجرّد كلام عند أعضائها وعند أتباعها.. وإذا ما قامت ببعض المشاريع فهي محدودة، بينما الشيوعيّة تدعو إلى تطبيق مبادئها في البلد الذي تحلّ فيه بشكل عام.. فهنا تلتقي هذه المضامين:
  • ما بين الإلحاد، وما بين الدعوة إلى المُساواة، وما بين الحُريّة وما بين الإشتراكيّة.. من هنا نشأ فكر سيّد قطب، وكان ما كان أن كتب [العدالة الإجتماعية في الإسلام] وهو الذي أثّر في مُصطفى السباعي هذا التفكير بحيث كتب كتاباً صريحاً: “اشتراكيّةُ الإسلام”..! وكأنّه في حالة سباق مع الغَزالي ومع سيّد قُطب. (فالغزالي كتب كتاب “أوضاعنا الإقتصاديّة”، وسيّد قُطب نقل العنوان إلى ما هو أعلى منه فكتب: “العدالة الإجتماعيّة في الإسلام”.. فجاء مُصطفى السباعي ليكتب “إشتراكيّة الإسلام”، وهذا العنوان وهذا الكتاب سبّب ضجيجاً في الأوساط التقليديّة في الجوّ الديني.
  • ● وقفة بشكل موجز عند ما جاء في كتاب [إشتراكيّة الإسلام] لِمُصطفى السباعي، والذي غيّر عنوانه بعد ذلك إلى هذا العنوان [التكافل الإجتماعي في الإسلام].. يقول في كتابه:
  • (لقد اخترتُ القول بالإشتراكية في الإسلام مع العلم بكلّ ما يقول هؤلاء – الماركسيّون – لأنّي لا أعتقد أنّ الاشتراكية في مفهومها الإسلام ستزول، بل هي نزعةٌ إنسانية تتجلى في تعاليم الأنبياء ومحاولات الصالحين منذ أقدم العصور، وهدف الإشتراكية على اختلاف مذاهبها: هو منع الفرد من استغلال رأس المال على حساب الجماهير وإشراف الدولة على فعالية الفرد الاقتصادية، وتحقيق التكافل الاجتماعي بين المواطنين، بحيث تنمحي مظاهر الفاقة والحرمان وتفاوت الثروات تفاوتاً فاحشاً يقترن فيه الجوع والفقر والمهانة بجانب الترف والرفاهية والقسوة والإنحلال الخُلقي..)
  • هذه المعاني بالضبط 100% التي ذكرها سيّد قُطب في كتابه [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام] وكأنّه ينسخ هذا الكتاب، ولذلك بقيتْ لِهذا الكتاب خُصوصيّة لأنّه كان مُتفرّداً في موضوعه بالقياس لبقيّة الكُتب.

  • وقفة عند [ديوان الجواهري: ج4] وقراءة سطور مِن قصيدته المشهورة : تنويمة الجياع.. التي نظمها عام 1951م.. فهي أيضاً في نفس هذا الجوّ الذي قرأتهُ عليكم من كتاب مُصطفى السباعي حين يقول:

  • (بحيث تنمحي مظاهر الفاقة والحرمان وتفاوت الثروات تفاوتاً فاحشاً يقترن فيه الجوع والفقر والمهانة بجانب الترف والرفاهية والقسوة والإنحلال الخُلقي) ونفس هذا المضمون أيضاً ذكره الشيخ الوائلي في ديوانه.

  • وقفة عند ديوان الشيخ الوائلي.. وقراءة سطور من قصيدته: رسالة الشعر. (التي أُلقيت في مؤتمر الأدباء العرب في بغداد عام 1965م)

  • (هذه نماذج عن انتشار هذه الثقافة “الإشتراكية” في قصائد الأدباء..)
  • مقطع فيديو 3: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • السيّد طالب الرفاعي.. زميلٌ ورفيق للسيّد محمّد باقر الصدر، مُستشارٌ للسيّد مُحسن الحكيم وكان وكيلاً له في مصر، وهو أحد المُؤسّسين البارزين لحزب الدعوة الإسلامية.. رشّحه الإخوان المُسلمون في العراق أن يكون مُرشداً لهم.. شخصيّةٌ سياسيّةٌ دينيّةٌ مرموقةٌ معروفة لازال على قيد الحياة.. وصندوقٌ يحتوي على الكثير من الأسرار والمعلومات، مع امتياز الرجل بذاكرة جيّدة جدّاً.

  • وقفة عند كتاب [آمالي السيّد طالب الرفاعي] – وهي مطالب أملاها السيّد طالب الرفاعي على الكاتب العراقي المعروف: رشيد الخيّون (وهو مثقف ماركسي من المُثقّفين العراقيين المعروفين بهذا التوجّه الفكري).. في صفحة 58 تحت هذا العنوان: كدتُ أصبح شيوعياً.. يقول السيّد طالب الرفاعي: (كُنت جامحاً إلى الفكر اليساري أو الإشتراكي الشيوعي آنذاك بدافع أنه ينصف الفقير وينصر العامل والفلّاح وهما الشعار، صار هذا الميل لديّ عن طريق أصدقائي بالرفاعي..)

  • وقفة عند كتاب [إلى طالب العلم] للشيخ علي الكوراني العاملي.. وهو مِن قيادات حزب الدعوة الإسلامية السابقين، وبعد ذلك خرج من هذا التنظيم.. وهو هنا يكتب شيئاً مِن مُذكّراته.

  • كانت له علاقة وثيقة بأحد القادة الحركيين البارزين في تأريخ حزب الدعوة الإسلامية، المعروف بإسمه الحركي “الحاج أبو عصام” وهو: عبد الصاحب دخيل النجفي.. يقول الشيخ الكوراني في صفحة 226:
  • (ولإعجاب أبي عصام رحمه الله بالمُستوى التنظمي للحزب الشيوعي أخذ أحسن ما يرآه منه للدعوة، فكان شكل تنظيمها يشبه تنظيم الحزب الشيوعي)
  • كلّ ذلك أمثلة ونماذج للتأثّر بالماسونية، بالإشتراكية، بالشيوعيّة، في الوسط السياسي الديني “السُني والشيعي”، بين أُدباء السُنّة والشيعة، وبين الأدباء العلمانيين. فهل نلوم جمال عبد الناصر أن يتبنّى هذا الفكر “الإشتراكيّة الإسلامية”؟!

  • وقفة عند بعض كلمات عبد الناصر التي جاءت مجموعةً في كتاب [دراسة في فكر عبد الناصر] للمؤلّف: عبد الله إمام

  • ● مثلاً ما قاله في يوم الوحدة 22 فبراير 1962: (الدينُ الإسلاميّ ضدّ الظُلم الاجتماعي وضد الاستعمار بكلّ معانيه، إنّ الدين الإسلامي كان أوّل ثورة وضعت المبادئ الإشتراكيّة التي هي خاصّة بالعدالة والمُساواة)
  • هذا الكلام يقوله عبد الناصر عن اعتقاد وعن قناعة.. فإنّ عبد الناصر كان يسعى لتطبيق الإشتراكيّة الإسلاميّة مُتأثّراً بكُتب ثلاثة كان دائماً يستشهد بها في الجلسات الخاصّة.. حينما كان زُملاؤه الذين كانوا معه يُناقشونه في بعض المسائل التي ترتبط بمشروعه الإشتراكي، كان يحتجّ عليهم بمقولاتٍ للشيخ محمّد الغزالي في كتابه [أوضاعنا الإقتصادية] أو لسيّد قُطب، مع أنّ سيّد قُطب مُودَعٌ في السِجن، ولكنّه يستشهد بكتابه.. ولِذلك عبد الناصر أعطى مجالاً واسعاً لسيّد قُطب عندما كان في السجن، فسيّد قُطب قضّى مُدّة سجنه في المُستشفى، وكانت الكُتب والأقلام تُجلب إليه.. أمّا قصّة التعذيب فهي مِن كذب الإخوان.
  • ● أيضاً في نفس الكتاب، حين التقى عبد الناصر مع هيئة كبار العلماء في اليمن عام 1964م.. قال لهم:
  • (الإسلام لم يكن ديناً فقط، ولكنّه كان ديناً يُنظّم العدالة على الأرض، ويُنظّم المُساواة، ويُنظّم تكافؤ الفُرص وهذا كُلّه عبّرنا عنه لكم في كلمة واحدة هي الإشتراكيّة، الإشتراكيّة التي سنّها محمّد، الإشتراكيّة التي سنّها عمر بن الخطّاب الذي كان يخطب في الناس ويقول لهم: مَن رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليُقوّمه، وكانوا يقولون له بكلّ جرأة: لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه)
  • عبد الناصر تدخّل كثيراً في قضيّة اليمن، وقصّته مع اليمن طويلة، وهي استمرار لقصّة حسن البنّا.. فالقضيّة لم تكن جُزافاً.. هذه بقايا آثار فِكر حسن البنّا على جمال عبد الناصر.
  • ● أيضاً مِن كلام عبد الناصر.. في لقائه مع أعضاء الّلجنة التنفيذيّة يومي 7، 8 مارس 1968م.. قال:
  • (أمّا النقطة الخاصّة بعدم وضوح الرؤية وعلاقة الإشتراكيّة بالدين فقد تكلّمت في مؤتمر قوى الشعب العاملة بكلّ وضوح وصراحة، وفي التلفزيون وفي الراديو، وأوضحت الفرق بين الشيوعيّة وبين اشتراكيّتنا وعدّدت أسباب ذلك، وسبق أن تكلّمت في بور سعيد ولا ينقصني إلّا الصعود لمأذنة القلعة وأن أقسم على ذلك، ورغم ذلك ستجد مَن يتشكّك ولا يُصدّق.. إذن يُوجد أُناس لا يُريدون التصديق أبداً.. هل حجرنا على الدين؟ لا. هل منعنا الصلاة؟ لا. بل العكس، جعلنا تدريس الدين إجباريّاً في المدارس وجعلناه مادّة أساسيّة يترتّب عليها الرسوب أو النجاح في الامتحان، وكذلك نبني الكثير من المساجد.
  • زاد اهتمامنا بالجامعة الأزهريّة.. أنا مثلاً عندما تكلّمت عن الإشتراكيّة والإسلام ضربتُ أمثلةً حتّى يعلم الناس أنّه في وقت ظُهور الإسلام طُبّقت الإشتراكيّة والعدالة الإجتماعيّة في موضوعات كثيرة، فعندما دخل الإسلام العراق طُبّقتْ الإشتراكيّة بالنسبة للأرض، وكذلك في الأندلس..)
  • — ويقول أيضاً:
  • (اشتراكيّتنا اشتراكيّة علميّة قائمة على العلم وليست قائمة على الفوضى، ما قلناش اشتراكيّتنا اشتراكيّة ماديّة، وما قلناش احنا اشتراكيّتنا اشتراكيّة ماركسيّة، وما قلنا إن احنا خرجنا على الدين.. بل قُلنا إنّ الدين بتاعنا أوّل دين اشتراكي، وأنّ الإسلام في القرون الوسطى حقّق أوّل اشتراكيّة في العالم..) هذا الكلام في لقائه مع أعضاء المكاتب التنفيذيّة يوم 7، 8 مارس 1968م.. وهناك نُصوص أخرى أيضاً.
  • فعبد الناصر كان يدعو إلى إشتراكيّة هي نفس الإشتراكيّة التي تفتّقتْ في أذهان شيخ محمّد الغزالي وسيّد قُطب ومُصطفى السباعي (الإشتراكيّة الإخوانيّة) فالإخوان يتبنّون مفهوم “الإشتراكيّة” في فكرهم.
  • (في الجزء 2 من موسوعة [الأخوان المُسلمون في سوريا] لعدنان سعد الدين.. في صفحة 147 هناك فصل كامل عنوانه: الإشتراكيّة وموقف الإسلام منها.. وهذا الفصل يشتمل على نفس المضامين التي تحدّث عنها الشيخ محمّد الغزالي، وتحدّث عنها سيّد قُطب، وتحدّث عنها مُصطفى السباعي في كتابه الواضح والصريح “إشتراكيّة الإسلام”).
  • ● القذّافي في كتابه “الكتاب الأخضر” وبقيّة الطروحات التي طرحها هذه المضامين أخذها مِن كُتب الغزالي، ومن كُتب سيّد قُطب..! وهذا الكلام يُقرّره الشيخ الغزالي.
  • أنا لا شأن لي بالواقع السُنّي، ولا شأن لي بالواقع السياسي إن كان في الوسط (السُنّي أو الشيعي).. الذي يهمّني هو الواقع العقائدي، وما يرتبط بالثقافة القرآنية، وما يرتبط بالأجواء الحُسينيّة.
  • مقطع فيديو 4: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • فعبد الناصر جاء بسيّد قُطب وأقحمه في وسط “الضبّاط الأحرار” وفرضهُ عليهم، فكان سيّد قُطب يداوم معهم كأنّه واحدٌ منهم وكانوا يعملون بآرائه وبمشورته.. فهو الذي غيّر اسم “حركة الضبّاط الأحرار” وسمّاها “ثورة الضبّاط الأحرار”.. وسيّد قُطب عارفٌ بالّلغة والمُصطلحات وماذا تعني كلمة “ثورة” وماذا يترتّب عليها مِن إسقاطات.. فإنّ كلمة “حركة” تعني أنّ التغيير سيكون محدوداً، أمّا كلمة “ثورة” تعني أن التغيير سيكون شاملاً.

  • كلمة “حركة” تعني أنّ الخسائر والضحايا ربّما تكون قليلة أو لا وجود لها.. أمّا كلمة “ثورة” فتعني أنّها ستكون مطحنة.. وبالفعل كانت مطحنة طُحِن فيها الأخوان، وطُحن فيها سيّد قُطب أيضاً..!
  • حتّى حينما أسس التنظيم الأوّل ما سُمّي بـ”هيئة التحرير” وهو أوّل تنظيم سياسي أسّسهُ عبد الناصر بعد ثورة يوليو.. بعبارة أخرى: “الحزب الحاكم”..
  • كان رئيس الحزب الحاكم هو عبد الناصر.. وكان المُساعد له في الحزب الحاكم هو: سيّد قُطب!
  • وحتّى حينما بدأ سيّد قُطب يُسيء إلى عبد الناصر وإلى الضبّاط الأحرار في كتاباته وفي منشوراته العلَنيّة والسريّة.. هذه المنشورات كانت تنتشر انتشاراً
  • واسعاً في القاهرة بين الطبقات الشعبيّة.. وعبد الناصر كان يعرف ذلك ولكنّه ما اتّخذ موقفاً شديداً من سيّد قُطب، إضافة إلى أنّه لم يتعرّض للتعذيب في السِجن، بل كانت هناك توصيات خاصّة بسيّد قُطب.. بل أكثر من ذلك:
  • كانت رسائل من القرّاء تصل إلى سيّد قُطب وهو السجن، وهذا ما سيأتي الحديث عنه حينما أتحدّث عن تفسيره: في ظلال القرآن.. ولكن بعد ذلك سيّد قُطب أسّس تنظيماً لقتل عبد الناصر وقتل كُلّ الذين معه، ولذلك لم يجد عبد الناصر حلّاً إلّا أن أعاده إلى السجن وحكموا بإعدامه كي يتخلّصوا عن هذه الجرثومة الإرهابيّة.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٨٥ والأخيرة – حديث الولادة، ولادة القائم من آل محمّد صلوات الله عليهم ج٨۲ – حواشي توضيحات ق١٣

يازهراء …