بصراحة … مع عبدالحليم الغزّي – الحلقة ٣ – وقفةٌ مع المرجع الدينيّ المعاصر السيّد كمال الحيدري ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 20 جمادى الأول 1439هـ الموافق 7 / 2 / 2018م

  • الوثيقة (17): مقطع فيديو للسيّد كمال الحيدري.. وهذا المضمون الذي جاء في المقطع يُكرّره السيّد الحيدري كثيراً.

  • وقد جئتكم بهذا المقطع مثالاً من الأمثلة، وإلّا فهناك الكثير من الكلام والكثير من الحديث تكلّم به السيّد الحيدري بهذا الخصوص وبهذا الشأن:
  • مِن أنّ الناس يجب عليهم أن يعملوا بما في أيديهم من أدلّة، من معطيات.
  • وفي ضوء هذا فكلُّ الناس – وكلٌ بحسب دليله – ليس مَعذوراً فقط وإنّما هو مأجور أيضاً، ومردُّ هذا إلى مقدّمة، هذه المقدّمة يتمسّك بها السيّد الحيدري وهي معروفة في وسطنا العلمي الديني ما يُصطلح عليها بــ(حُجيّة القطع) مِن أنّ الإنسان إذا قطع في أمرٍ مِن الأمور فقطعهُ حُجّةٌ، وإذا كان قاطعاً بوجوب العمل فإنّه يجب العمل عليه.. هذه مسألة في غاية الأهمية.
  • ● هناك أمران يترددان في الوسط العلمي الديني:
  • الأمر الأوّل:
    دائماً يُردّد رجالُ الدين وأبناء الحوزة العلمية الدينيّة هذه المقولة: “نحنُ أبناء الدليل حيثما مال نميل” وهذا هو المنطق الأورسطي، هذه خُلاصةُ منطق أرسطو.. وهذه الكلمة في أصلها وفي جذرها من كلمات أرسطو.
  • الأمر الثاني:
    حجّية القطع.
  • والأمران يلتقيان في مفهومٍ واحد، فإنّ الدليل يكون سبباً لانكشاف المعنى، والقطع هو إنكشافٌ للمعنى وانكشافٌ للمضمون وانكشافٌ للنتيجة.
  • ومِن هُنا فالإنسان مُلزمٌ باتّباع الدليل ومُلزم بالعمل بحسب قطعه.
  • هذا القول بُني عليه الفكر الديني.. بُني على (حُجيّة القطع) فهل أنّ كلّ قطْعٍ له حجّية؟! بعبارة أخرى: هل أنّ الحجيّة تُلازم القطعَ تلازماً ذاتياً؟! فحيثُ ما كان القطع كانت الحُجيّة وكان الإنسان مُلزماً بذاك القطع؟
  • في الجوّ الديني هذا الكلام شائعٌ.. وإن كُنّا إذا أردنا أن نبحث في الحياة العمليّة للإنسان والتي يحكم فيها وفي مِساحاتٍ واسعة منها “الوجدان”، من أنّ الوجدان يحكم في حالاتٍ يقطع فيها الإنسان ولكنّ الوجدان يحول فيما بين الإنسان وبين ما يقطعُ به.. فالقطع على درجات وعلى مراتب.
  • ● يُمكن أن نقول لمرتبة مِن مراتب القطع أنّ الحجّية ثابتةٌ فيها، وهذه المَرتبة يترتّب عليها الإنجاز ويترتّب عليها التعذير (ما يُصطلح عليه المُنجّزية والمُعذّرية في علم أصول الفقه وفي علم الكلام)
  • فالقطعُ له مُنجّزيةٌ إذا كان يدفعُ الإنسان باتّجاه العمل، ولهُ مُعذّرية أيضاً لو أنّ الإنسان كان قد أخطأ في قطعهِ بسبب المقدّمات الخاطئة.
  • — لا أُريد أن أُسهِب كثيراً في هذه القضيّة، ولكن أقول:
  • هناكَ قصورٌ وتقصير في أجواءِ المُؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة في دراستها لهذه المسألة.. فهذه المسألة باتتْ مِن المُسلّمات التي لا نقاش فيها في الجوّ الديني.. وباتت تُطرح كالبديهيّات التي لا يستطيعُ أحدٌ أن يشكّ فيها أو أن يتردّد في مضمونها.
  • ● وقفة لتعريف القطع بشكل سريع وبشكل دقيق:
  • القطع: هو إنكشافٌ.. حالةٌ مِن حالات الإنكشاف وحالةٌ مِن حالات الوضوح العلمي عند الإنسان بحسب المُقدّمات التي أدّت إلى هذا الإنكشاف.. ولكن: هذا الإنكشاف هو إنكشافٌ وقتي وليس دائم.. فربّما بعد بُرهةٍ مِن الزمن تطول أو تقصر يرى هذا الإنسان أنّ المقدّمات التي قادتهُ إلى هذا الانكشاف كانت مُختلّةً، وحينئذٍ يُعيد ترتيب المقدّمات ويتغيّر ذلك الإنكشاف إلى مستوىً آخر سلباً أو إيجاباً (زيادةً في الإيجاب أو زيادةً في السلب).
  • فالقطع هو إنكشافٌ حالي في الوقت الذي تجمّعتْ فيه المقدّمات التي أدّت إلى أنّ الإنسان يقطعُ بشيءٍ من الأشياء.. فهو ليس إنكشافاً على طول الخطّ.
  • ومِن هنا لا نستطيع أن نُثبتَ الحُجّية الذاتيّة المُطلقة لكلّ ما يُسمى بالقطع.. قد يصدقُ هذا في مَرتبةٍ مِن مراتب القطع.
  • — هناك شُبهة واضحة جدّاً في الطرح الذي طرحهُ السيّد كمال الحيدري، وهذا الطرح مُبتني على هذه البديهيّة (بديهيّة حُجّية القطع) والتي يبتني عليها الفكر الديني في المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.
  • ● الحديثُ عن حجّية القطع بهذه السِعة الواسعة إذا أردنا أن نبحثَ عن جُذوره وعن مصادره فقد ورد إلينا من الفكر الناصبي.. أمّا إذا رجعنا إلى منطق الكتاب والعترة فإنّ الموضوع يختلف في موضوع القطع وفي حُجّيته.
  • جاءنا هذا الفِكر من المُخالفين، ومثلما سلّمنا للكثير مِن البديهيّات – التي ما هي ببديهات صحيحة ولكنّها بديهياتٌ عند النواصب – نحنُ أخذناها بنفس هذا المستوى وسلّمنا أنّها بديهيّات ومنها هذه المسألة.. فالقطع ما هو بحجّة على الإطلاق وفي جميع الحالات.
  • هناك مراتب للقطع وسيأتي الحديث عنها، ولكن لنتّفق على هذا التعريف: مِن أنّ القطع حين يقطع الإنسان فإنّه يعيش حالة انكشافٍ بسبب عوامل ومُقدّمات أدّت به للوصول إلى حالة الوضوح العلمي في قضيّة مِن القضايا ولكن بشكلٍ حالي (بشكلٍ آني) فلا نستطيع أن نقول إنّ القضيّة تستمرّ على طول الوقت.
  • نعم قد يصدقُ هذا في بعض حالات القطع، من أنّ هذا الانكشاف يبقى قائماً على طول الخط، ولكن لا نستطيع أن نتحدّث عن جميع حالات القطع بهذا الوصف وبهذا التعريف.

  • وقفة أتناول فيها جملة مِن آيات الكتاب الكريم تعرض نماذج مُختلفة لحالات مِن القطع:

  • ● الآية 259 من سورة البقرة في قصّة عزير النبي: {أو كالذي مرّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عُروشها قال أنّى يُحيي هذهِ اللهُ بعد موتها فأماتهُ الله مائة عام ثمّ بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم}
  • هذا نبيٌ، والذي يُسائله الباري سُبحانهُ وتعالى – إن كان بشكلٍ مُباشر أو عن طريق الملائكة – فهو قاطعٌ بقصر المدّة، ولم يخطرْ في ذهنه أبداً أنّه قد نام هذا الوقت الطويل من الزمان.. فهذه حالة قطْعٍ صدرتْ مِن نبيّ.. فهل كان قطْع هذا النبيّ صحيحاً؟
  • ● في سُورة الكهف في قصّة أصحاب الكهف بعد أن استيقظوا من نومهم الطويل: {قال قائلٌ منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعضَ يوم قالوا ربّكم أعلمُ بما لبثتم فابعثوا أحدكم بوَرِقِكم هذهِ إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزقٍ منه وليتلطّف ولا يُشعرنَّ بكم أحدا* إنّهم إنْ يظهروا عليكم يرجموكم أو يُعيدوكم في ملّتهم ولن تُفلحوا إذاً أبدا}
  • هُم قاطعون بأنّ المدّة التي ناموها كانت قصيرة.. فهل كان قطعهم هذا صحيحاً؟ هؤلاء المجموعة التي وصفها القرآن {إنّهم فِتيةٌ آمنوا بربّهم وزِدناهم هُدى}
  • فما بين نبيّ، وما بين فتيةٍ آمنوا بربّهم وزادهم هُدى، وما بين حكاية الإنسان حينما يُحشَرُ إلى ساحة الحساب.
  • ● في سورة طه في الآية 102 وما بعدها: {يوم ينفَخُ في الصور ونحشرُ المُجرمين يومئذٍ زُرقا* يتخافتونَ بينهم إنْ لبثتم إلّا عشرا* نحنُ أعلمُ بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إنْ لبثتم إلّا يوما}
  • هذا أمثلهم من حيثُ هُم، يعني أكثرهم ذكاءً، أفضلهم تفكيراً وأحسنهم في الوصول إلى النتيجة يقول: {إنْ لبثتم إلّا يوما} وهُم قد ناموا في قبورهم إلى يوم القيامة!
  • فأكثر الناس من أهل الجنّة أو من أهل النيران سيغطّون في نومٍ عميق بعد موتهم.. ما جاء في الروايات مِن أنّ القبر إمّا أن يكون حُفرةً مِن حُفَر النيران أو روضةً مِن رياض الجنّة فهذا ليس للجميع، وإنّما لِمَن مَحَض الإيمان ولِمَن مَحَض الكُفر.. وأمّا عامّةُ الناس بعد الإجراءات الأولى حين الانتقال إلى عالم البرزخ، هناك إجراءات (ما تُسمّى بليلة الوحشة، وسؤال منكر ونكير) هناك إجراءات.. وبعد هذه الإجراءات سينامُ أكثر الناس!
  • مثلما كانوا نائمين في الحياة الدُنيا، سيعودون إلى نومتهم – وأتحدّث هنا عن نومة الغفلة عن الحقّ –
  • ● في سورة المؤمنون في الآية 112 وما بعدها: {قال كم لبثتم في الأرض عدَدَ سنين* قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادّين} هُم مُتأكّدون ويقطعون أنّهم لبثوا يوماً أو بعض يوم.. وهُم لبثوا سنين وسنين وسنين ولكنّهم يقطعون بقولهم بحيث أنّهم يُحاججون ويُطالبون بأن يُسأل العادّون!
  • هذه قطوع.. (قطعٌ على لسان نبيّ، وقطْعٌ على لسان الفتية الذين آمنوا وزادهم الله هدى، وقطْعٌ على لسان عامّة الناس)
  • ● في سورة الروم في الآية 55: {ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}
  • ● في سورة الكهف الآية 103 وما بعدها: {قل هل نُنبّئكم بالأخسرين أعمالا* الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهُم يَحسبون أنّهم يُحسنون صُنعا}
  • قد يقول قائل: تعبير “يحسبون” في الآية لا يُشير إلى القَطْع.. وأقول: ولكنّنا إذا نظرنا إلى جوّ الآية فإنّ جوّ الآية يُشير إلى أنّهم كانوا مُتأكّدين مِن حالتهم.
  • (الأخسر) أي الأكثر خسارة.. فهذه الصيغة صِيغة تفضيل ولكن بالإتّجاه المُعاكس.. يعني صيغة ترذيل.
  • هُم في حالة سعي، في حالة عمل.. وهُم في سعيهم هذا لم يخطرْ في بالهم أنّهم كانوا يُسيئون؛ لأنّهم قد قطعوا بذلك.. القطعُ درجات وليس بدرجةٍ واحدة.
  • ● في سورة الإسراء: {يوم يدعوكم فتستجيبونَ بحمده وتَظنّون إنْ لبثتم إلّا قليلا}
  • أساساً حتّى القطع إذا أردنا أن نقيسهُ إلى علم الله فهو ظن.. هو بالنسبة لنا قطع.. لو كان القطع قطْعاً حقيقيّاً لما أخطأنا في الكثير ممّا نقطع به، فهو في الحقيقة ظنٌ ولكن بدرجةٍ أعلى.. وتوافقنا على أن نُسميه قطعاً.
  • إذا أردنا أن نتحدّث عن قطعٍ حقيقي، فالقطعُ الحقيقي لا يُمكن أن يُوصِل إلى نتائج خاطئة أو نتائج ناقصة.. ولكن هذا هو حال البشر.
  • ● في سُورة سبأ في الآية 7: {وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجلٍ يُنبّئكم إذا مُزّقتم كلّ مُمزّق إنّكم لفي خلقٍ جديد} هؤلاء يتحدّثون عن تصوّر وعن عقيدةٍ هُم يقطعون بصحّتها.. ويستغربون من هذا الرجل الذي يُحدّثهم بهذا الحديث.. إنّهم يتحدّثون عن نبيّهم.. إنّهم يتحدّثون بكلّ صِدقٍ بالنسبةِ لهم.
  • ● المضمون الذي جاء في سُورة ص في الآية 61 وما بعدها في يوم القيامة حينما يدخلون إلى النار: {قالوا ربّنا مَن قدم لنا هذا فزدهُ عذاباً ضِعْفاً في النار* وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كُنّا نعدّهم من الأشرار}
  • حينما كانوا في عالم الدُنيا كانوا يقطعون أنّ هؤلاء أشرار حينما يتحدّثون عن الأخيار.. فهل القرآن هنا يُثبتُ الحجيّة لهذه القطوع؟ وهل القرآن هنا يُعطي المُنجّزية والمُعذّرية لهذه القطوع؟ إذا كان كذلك، فلماذا هُم في جهنّم؟
  • ولم يتحدّث القرآن عن مقدّمات هذا القطع أو ذاك هل هي صحيحة أو ليستْ صحيحة، ولكن القرآن يتحدّث عن أُناسٍ يتحدّثون بكلّ قاطعيّة.. هم الآن في نار جهنّم!
  • ● في سورة الممتحنة في آخر آية من هذه السورة: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتولّوا قوماً غَضِب اللهُ عليهم قد يئسوا مِن الآخرة كما يئسَ الكفّار من أصحاب القبور} فالكُفار هنا في حالة قطعٍ، هذا القطع ظهر في يأسهم مِن أصحاب القبور.. القرآن هُنا يقرّر أن الكفّار كانوا في حالة يئسٍ من أصحاب القبور، وجعل ذلك مثلاً.
  • فهذا قطعٌ.. صحيحٌ أنّ الآية ليستْ بصدد تقييم قطعهم، ولكن واضح أنّه هُنا يدين هذا القطع.. القرآن قرّر أن الكفّار قد قطعوا بهذا الأمر وفي نفس الوقت هناك إدانةٌ واضحة إذا ما دقّقنا النظر في أجواء الآية.
  • ● هذهِ النماذج واضحة تتحدّث عن صُور مُختلفة للقَطْع، وهذهِ الصُور كانتْ ليست صحيحةً وليست مُصيبة.. البعضُ منها ذكر القرآن تصحيحها مثلما جاء في قِصّة عُزير.. وحالات أخر لم يتحدّث القرآن عن تصحيح ذلك الخطأ، ولكن القرآن بيّن لنا أمرين:
  • الأوّل: أنّ هناك الكثير مِن حالات القطْع عند الإنسان ليست مُصيبة.
  • الثاني: أنّ حالت القطع هذه لا يترتّب عليها مسألة المُنجّزية والمُعذّرية.
  • القطعُ حُجّةٌ في بعض مراتبه، والقطعُ مُعذّرٌ في بعض مَراتبه.. ولكن ما كُلّ ما يُقال له قطع فهو بِحجّة وتترتّب على ذلك القطع الآثار.
  • هذه القضيّة بحاجة إلى دراسة عميقة نجمعُ فيها بين ما قيل حول إدراك الإنسان، وحول معرفة الإنسان، وحول عقل الإنسان وحول قلب الإنسان.. كلّ ذلك في ضوء معارف الكتاب والعترة، وإلّا سنبقى نتخبّط ونصِل إلى نتائج ليستْ سليمة.
  • ● هناك للقطع حالاتٌ مُختلفة، حالةٌ مِن حالات القطع: قطعٌ يعتمد على مقدّمات قطعيّة بسيطة ثابتة عند الجميع (البحوث العلميّة الرياضيّة مثلاً) البديهيّات الرياضيّة.
  • أصول الرياضيّات مقبولةٌ ومعروفةٌ عند الجميع.. فحينما يكون البحث وتكون المسألة العلميّة مُبتنيةً على هذهِ الأصول الرياضيّة القطعيّة فإنّ النتيجة ستكون قطعيّةً قطعاً.. ويبقى هذا القطع على طول الخط.
  • — هناك مجموعةٌ من القواعد والبديهيّات والأُسس يتّفق عليها جميع البشر (الأثرُ يدل على المؤثّر- أساسيّاتُ علم الرياضيات، الجزء أكبر مِن الكُل – فاقدُ الشيء لا يُعطيه.. وأمثال ذلك) إلى سلسلة طويلة من البديهيّات الحقيقيّة التي يتّفق عليها جميع البشر بغضّ النظر عن أديانهم ومذاهبهم وأجناسهم وأعراقهم.. كُلّ البشر يتّفقون عليها.
  • هذه المقدّمات البسيطة الثابتة عند جميع البشر إذا انطلقنا مِن خلالها ووصلنا من خلالها بشكلٍ سليم من دون شُبهات إلى نتائج قطعيّة، وقطعاً ستكون النتائج قطعيّةً، فهذا القطعُ حُجّة، وحُجّيتهُ ذاتيةٌ – بحسب عالم الدُنيا – وبحسب ما عندنا مِن الإدراك
  • إذا انطلقنا من هذه المقدّمات الرياضيّة والمُقدّمات العقليّة الصِرفة.. هذهِ المُقدّمات القَطعيّة الثابتة البسيطة تقودنا إلى نتائج قطعيّة وهذا القطعُ حُجّة.. وسيبقى حُجّةً على طول الخطّ – بحسب قوانين الدُنيا التي نعرفها – وسيكون منجزاً ومعذّراً.
  • ● هناك حالة أخرى من القطع مُقدّماته مُركّبة وليستْ بسيطة، وهنا يختلف الناس بحسب مشاربهم وأذواقهم.
  • فالمقدّمات التي يُركّبها الشيعي هي غير المقدّمات التي يُركّبها السُنيّ.. وهكذا المسيحي.. وهكذا.. فإنّني أقطعُ بشيءٍ والآخرون من المشارب المُختلفة الأخرى يقطعون بأشياء وفقاً للمقدّمات المُركّبة وليستْ البسيطة.
  • هذا الّلون مِن القطع لا نستطيع أن نقول أنّ حُجّيته ذاتية.. فلابُدّ أن نُناقش في مُقدّماته وتراكيبها.. قد يكون مُعذّراً في كثير مِن حالته، ولكنّنا لا نستطيع أن نقول أنّه مُعذّرٌ في جميع الحالات، فيكون الإنسان معذوراً في يوم القيامة إذا ما بنى أمره على النتائج التي وصل إليها وهو يحسبُها قطعيّة بسبب المُقدّمات المُركّبة.
  • — هناك فارقٌ كبير بين مقدّمة بسيطة واضحة (كـ”فاقد الشيء لا يُعطيه”) وبين مقدّمة مركّبة.
  • قد يُركّبها السُنّي ما بين قداسة الصحابة وما بين فكرة الشُورى وما بين فكرة البيعة في مسألة الإمامة والخلافة بعد رسول الله.. وقد يُركّبها الشيعي ما بين العصمة والوصيّة والنصّ وسائر التفاصيل الأخرى.. فالحديثُ عن هذه التراكيب.
  • فالسُنّي ورث هذه التراكيب والمُقدّمات.. فإذا ما قطع وفقاً لِهذه المقدّمات والتراكيب فهل يعني أنّ قطعهُ تلازمهُ الحجّية؟! وماذا تقولون حينها عن الآيات التي قرأتُها عليكم {قد يئسَ الكُفّار مِن أصحاب القبور}
  • فالكفّار يائسون مِن أصحاب القبور بشكلٍ قطعي بحسب المُقدّمات المركّبة التي من خلالها وصلوا إلى هذه النتيجة، فهل كان هذا القطع مُعذّراً لهم؟
  • قد يكون معذّراً في بعض الحالات.. هذه القضيّة تحتاج إلى بحثٍ مُفصّلٍ طويل، وأنا لستُ بِصدد الحديث في كُلّ أجزائها.. ولكنّها تتّضحُ جليّةً إذا ما أردنا الرجوع إلى الكتاب الكريم وإلى حديث العترة الطاهرة.
  • — إذن عندنا قطعٌ مقدّماته قطعيّةٌ بسيطة (المُقدّمات التي يتّفقُ عليها جميع البشر) هذا هو القطع الحجّة.. وعندنا قطعٌ مُقدّماته قطعيةٌ بنظر أصحابها، يعني مقدّمات مُركّبة.. فهنا فإنّ الأمر قد يكون قد وقد.
  • وهناك ما يُسمّى بقطع القطّاع (هذا الذي يستنتج الأمور بسرعة، ويقطعُ بشكلٍ سريع مِن دُون تأنٍّ) وربّما سنجد أمثلة في أحاديث السيّد الحيدري من هذا الأمر.
  • — قطعاً حين أُبيّن هذه المطالب إنّني لا أحكم على ما أصِل إليه مِن أنّني قد وصلتُ إلى الحقيقة المُطلقة، فكلامي هو الآخر ما بين الخطأ والصواب، ولكن هذه قناعتي، وهذا ما وصلتُ إليه.
  • ● هناك القطع الوجداني وهو يختلف عن تلك المراتب من القطع {بل الإنسان على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره} وهذا المعنى نجده في أحاديث العترة الطاهرة من أنّ الإنسان يكون طبيب نفسه في بعض المسائل الشرعيّة (كمسائل الصوم مثلاً).
  • لربّما يُشخّص الطبيب للإنسان تشخيصاً معيّنا، ولكن الإنسان بحسب تقديره لحالته النفسيّة والشخصيّة يرى وبشكلٍ واضح بالنسبة إليه أن لو صام سيقع في ضرر كبير.. هُنا يُقدّم ما وصل إليه على ما تحدّث عنه الطبيب.. فالإنسان يعرف عن نفسه أكثر من الآخرين (في جانب العمل وفي جانب ترك العمل).
  • فهناك القطعُ الوجداني، فالإنسان أعلم بحاله من غيره.
  • وسنخيّة هذا القطع تختلف عن القُطوع التي تمّ الحديث عنها.. وقد يقودنا هذا إلى العلم الحضوري.. فالقطوع المُتقدّمة ترتبط بالعلم الحُصولي. (وقفة قصيرة لبيان معنى العلم الحُصولي والعلم الحُضوري).
  • — وأصل هذه القطوع القطع في أجواء الغيب: فنحن إذا ما ذهبنا إلى سُورة التكاثر: {ألهاكم التكاثر* حتّى زُرتم المقابر* كلّا سوفَ تعلمون* ثمّ كلّا سوف تعلمون* كلّا لو تعلمونَ عِلْم اليقين* لترونَّ الجحيم* ثمّ لترونّها عين اليقين* ثمّ لتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم}
  • — قوله تعالى: {كلّا سوفَ تعلمون} هذه مرتبة أولى من العلم.. وقوله {ثمّ كلّا سوف تعلمون} هذه مرتبة ثانية من العلم.. وقوله {كلّا لو تعلمونَ عِلْم اليقين} هذا هو القطع ولكن في المُستوى الغَيبي، والمُستوى الغيبي ليس مخصوصاً بعالم الآخرة فقط، المستوى الغيبي موجود أيضاً في عالم الدُنيا (قطعاً الغَيب في الدُنيا بما يتناسب والدُنيا، والغَيب في الآخرة بما يتناسب والآخرة).
  • — قوله: {كلّا لو تعلمونَ عِلْم اليقين}، {ثمّ لترونّها عين اليقين} هذه مراتب من اليقين: هناك علم اليقين، وهناك عين اليقين.. وهناك مراتب أخرى.
  • القطع في حياتنا اليوميّة هو انعكاسٌ لِحالة اليقين في مُستوى البصيرة، في مُستوى الغَيب.
  • قليلٌ من الناس يصِلون إلى هذه الدرجة من الوضوح في حقائق الوجود وفي حقائق الدين.
  • — في سورة الواقعة الآية 95 مرتبة أخرى من مراتب اليقين: {إنّ هذا لهو حقّ اليقين}
  • — وفي سورة الحاقّة الآية 51: {وإنّه لحقُّ اليقين* فسبّح بإسم ربّك العظيم}
  • فهناك علم أوّل وهناك علم ثاني كما في سُورة التكاثر، وهناك علم اليقين، وهُناك عين اليقين، وهُناك حقّ اليقين.. والبابُ مفتوح.. فليس القطع بدرجة واحدة..
  • مثلما القطع الأعظم في عالم الغَيب درجات، فالقطع كذلك في عالم الشهادة له حالات وأشرتُ إلى حالاته، وكُلّ حالة لها أحكامها ولها خصوصياتها.. أمّا اطلاق الكلام هكذا من دون تفصيلٍ ذلك مردّه إلى الفَهم البدوي.
  • ● لا يمكن أن نقول هكذا بالمُطلق إن كل قطع يقطعه الإنسان له الحجيّة الثابتة على طول الخط..
  • أمير المؤمنين في نهج البلاغة يقول في الخطبة 87: (أيّها الناس خذوها عن خاتم النبيين “صلّى الله عليه وآله” إنّه يموتُ مَن ماتَ منّا وليس بِمَيّت ويَبلى مَن بَلِيَ منّا وليس ببالٍ فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحقّ فيما تُنكرون)
  • بحسب المقدّمات المتوفّرة عند الذين يُلاحظون موت ميّتهم “صلواتُ الله عليهم” فإنّهم يقطعون بموته.
  • — جوهرة الحديث هُنا: (فإنّ أكثر الحقّ فيما تُنكرون) إنكارٌ قطعي.. إنكارٌ مبنيٌ على مقدّماتٍ قطعيّة، وجوّ الكلام وجوّ الحديث يُشير إلى ذلك.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الرضا “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج1]
  • (عن الرضا عليه السلام، قال: الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يُقسّم بين العباد شي‌ءٌ أقلُّ مِن اليقين)
  • فحصول اليقين قليل، والحديث عن اليقين هنا واليقين له مراتب، ومرّ الكلام عن مراتب اليقين.
  • كذلك الحال في الحياة الطبيعيّة فإنّ ما يُقال له قطع وحُجّة نسبتهُ قليلة، وهو الذي يقع في الدرجة الأولى.. القطع الذي يبتني على المُقدّمات البسيطة التي يتّفق عليها جميع البشر.. ذلك القطع هو الذي يكون حُجّة بحسب قوانين الدُنيا.. وهذا هو معنى أنّ العقول حُجّة باطنة.
  • وأمّا القطع الذي تكون مُقدّماته مُركبّة، فقد.. وقد.. فصاحب المقدّمات المُركّبة الصحيحة قطعهُ يكون مُنجّزاً ومُعذّراً.. أمّا صاحب المُقدّمات الغير صحيحة ولكنّه يتصوّر أنّها صحيحة، فهذا القطع لا يكون مُنجّزاً ولا يكون مُعذّراً.. يُمكن أن يُحسب بحساب المُعذّرية للعبد من باب الّلطف والرحمة.
  • ● وقفة عند حديث أهل البيت “عليهم السلام”: (إيّاك إيّاك أن تنصب رجلاً دُون الحُجّة، فتُصدّقه في كُلّ ما قال وتدعو الناس إلى قوله).
  • أهل البيت قالوا ذلك لأنّه لا يُوجد أحد يكون قطعه حُجّة دائماً وعلى طُول الخطّ.. وهذا هو سِرّ احتياجنا للمعصوم.
  • ● حين يُحدّثنا أئمتنا عن أنّ الحكمة من وجود المعصوم فيما بيننا كي ما إذا زاد المؤمنون شيئاً ردّهم وكي ما إذا نقصوا شيئاً أتمّهم.. لأنّهم يقطعون بالزيادة وقطعهم ليس بِحجّة، ويقطعون بالنقيصة وقطعهم ليس بحجّة.. لابُدّ مِن وجود قوانين أُخرى تُشخّص أين تكون الحُجّة.. وتلك القوانين وتلك القواعد في منهج الكتاب والعترة (ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً).
  • ● أطلتُ كثيراً في مسألة القطع لأنّ هذا الموضوع موضوعٌ أساسي في كلّ منظومتنا الدينيّة.. عقائدنا تبتني على هذا الأساس.. وأحكامنا (أي عمليّة الاستنباط الفقهي في أجوائنا الدينيّة) تبتدئ من هذه النقطة، وسائر تفاصيل ديننا مبنية على هذا الأساس، لكن المُشكلة أنّ الفكر الناصبي تسرّب إلينا وتشرّب فينا والمُشكلة كبيرة.. إلى الحدّ الذي أن هذه المضامين دخلتْ حتّى في الثقافة الشيعيّة في أجوائنا الحسينية.. على سبيل المثال: (وقفة عند مقطع من قصيدة “يحسين بضمايرنا” نشيد الحُسينيين في العراق منذ السبعينات).
  • مقطع من قصيدة يحسين بضمايرنا.
  • هذا المقطع إذا ما دقّقنا النظر فيه فقد امتزجتْ هذه الثقافة المخالفة مع ثقافة أهل البيت في هذا المقطع.. حين يقول:
  • روّاد الأصول تقول* عَل يعتقد ما ينعاب (القطعُ حُجّة)
  • هذا هو المنطق الذي يتحدّث به السيّد كمال الحيدري.. أمّا الشطر الذي جاء بعد هذا الشطر في المقطع، فتلك ثقافة أهل البيت “عليهم السلام” حين يقول:
  •  

    حبيناكم واحنا     ما بين الرحم والأصلاب.

  • (فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري).
  • جئت بهذا مثالاً كي يعرف المُشاهدون مِن أنّ الثقافة في المُؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة تتسرّب إلى الشيعة في كلّ الاتّجاهات.

  • الوثيقة (18): فيديو للسيّد كمال الحيدري يتحدّث فيه عن منزلة أهل البيت، وأنّهم وسائط الفيض الإلهي.

  • وهذه عقائد نتّفق مع السيّد كمال الحيدري فيها بدرجة 100%
  • هذا المقطع مأخوذ من درس: تعارض الأدلّة. رقم الدرس: 189 ، تأريخ الدرس: 8 ربيع الثاني 1435هـ
  • السيّد الحيدري يتحدّث بقطعٍ كامل كما لاحظتم من خلال المقطع، وقطعهُ حجّة عليه.. هذا القطع له مقدّمات، ولكن ليس من المقدّمات الأولى.
  • ● ما ذكره السيّد الحيدري في الفيديو عقيدةٌ سليمةٌ صريحةٌ تتّفقُ مع ما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة (إيابُ الخلق إليكم وحسابهم عليكم).
  • وهذا الإيابُ وهذا الحساب ليس محدوداً بوقتٍ ما، بل في كُلّ ثانيةٍ مِن الدُنيا وفي كُلّ مرتبةٍ مِن مراتب الوجود.. فالزيارة هُنا لا تتحدّث عن الحساب في يوم القيامة، الحُسابُ في يوم القيامة هو جُزءٌ من هذا الحساب.
  • ● (إيابُ الخلق إليكم) يعني في وجودهم، في بقائهم، في رزقهم، في كُلّ تفاصيلهم.. و(وحسابهم عليكم) يعني حكمة التقدير في كُلّ عالم الإبداع هذا بأيديكم في كُلّ صقعٍ من أصقاع الوجود في عوالمه الظاهرة والباطنة، في عوالم الشهادة وعوالم الغَيب.
  • ● ونقرأ أيضاً في نفس الزيارة الجامعة: (وذلّ كلُ شيءٍ لكم) ولذا كُلّ شيءٍ يؤوب إليهم، وحُسابُ كُلّ شيءٍ عندهم وبأيديهم.. هذا هو المراد من معنى وسائط الفيض. (وإن كانت هذه العبارة ضيّقة عليهم، ولكن هذا المُصطلح هو الذي تحدّث به السيّد الحيدري وهو المُصطلح العلمي المعروف)
  • ● وفي زيارة آل ياسين غير المشهورة نقرأ: (فما شيءٌ منّا إلّا وأنتم له السبب وإليه السبيل)
  • ● وفي زيارة سيّد الشُهداء نقرأ: (إرادةُ الربّ في مقادير أموره تهبطُ إليكم وتصدرُ من بيوتكم والصادر عمّا فُصّل مِن أحكام العباد) وأوضح المصاديق في هذه الآية مِن سُورة القدر: {تنزّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإذن ربّهم مِن كُلّ أمر} تتنزّل بكلّ أمر على إمام زماننا.
  • جماعُ كلّ هذه المعاني في هذه الفقرة مِن فقرات الزيارة الجامعة الكبيرة (وأمره إليكم).
  • ● هذا المقطع الذي عرضتهُ بين أيديكم مِن درس تعارض الأدلّة (189) من دروس السيّد الحيدري كان في 8 ربيع الثاني 1435.. وأنتم شاهدتم كيف تحدّث بتلك القاطعية الواضحة عن عقيدته بأهل البيت “صلواتُ الله عليهم”.
  • الآن لنرى ماذا يقول السيّد الحيدري في الدرس 51 والذي يحمل عنوان: السُنّة النبويّة “موقعُها، حُجّتها، أقسامها” والذي كان في تأريخ 24 ربيع الثاني 1436هـ

  • الوثيقة (19): مقطع فيديو للسيّد كمال الحيدري يتحدّث فيه بكلّ قاطعيّة بكلام مُناقض لِما جاء في المقطع السابق.. يتحدّث هنا عن ظاهرة الغلو.. ويقول أنّ القول بأنّ أهل البيت هم وسائط الفيض وأنّ كُلّ شيءٍ بأيديهم ولكن بإذن الله هو غلو مصبوغ بِصبغة دينيّة!!

  • ألا تلاحظون أنّ السيّد الحيدري يتكلّم بكلّ قاطعيّة هنا أيضاً؟ وهذا ما تحدّثتُ عنه عن أنّ القطع ليس بِحُجّةٍ دائمة.
  • هذا تطبيق واضح عمّا بيّنته في حجّية القطع.
  • ● إنّي لا أُشكل على تغيّر رأي الإنسان بشكلٍ عام أو رأي العالم والفقيه والمرجع.. فأنا أيضاً تتغيّر آرائي لأنّنا بشر.. كُلّنا تتغيّر آراؤنا.. فآراؤنا في أيّام الشباب تتغيّر عن آرائنا في أيّام الكهولة، وتختلف عن آرائنا في أيّام الشيخوخة.. ولربّما يتغيّر رأي الإنسان ما بين عشيّة وضُحاها، تلك هي طبيعة البشر.. وإن كان في الآراء العلميّة وفي المُعتقدات الثبات بشكلٍ إجمالي في خُطوطها الأصليّة، وتتغيّر الآراء في التفاصيل.. فليس الإنسان في مراتب حياته المُختلفة قادراً على أن يطّلع على كُلّ المُعطيات أو يكون من المُمكن له أن تتوفّر له كُلّ المعطيات في كُلّ زمانٍ وفي كُلّ مكان.. فلربّما في مقطع زماني مُعيّن تتوفّر له بعض المُعطيات، وفي مقطعٍ آخر تتوفّر له كل المعطيات فحينئذٍ لابُدّ أن يتغيّر رأيه.
  • ● لستُ أُشكل على السيّد الحيدري ولا على أيّ شخصٍ من بني آدم أنّه غيّر رأيه.. لكن قد يكون الإشكال على طبيعة التغيّر في الرأي، وليس الإشكال على نفس هذه الخصّيصة البشريّة.
  • إذا ما تغيّر رأي الإنسان مِن الخطأ إلى الصوب فذلك هو أفضل شيء.. أو تغيّر من رأي فاضل إلى رأي أفضل، من مستوىً عميق إلى مستوى أعمق، ذاك هو المطلوب.. ولكن المُشكلة إذا تغيّر الإنسان من الرأي الصواب إلى الرأي الخطأ.. وأنا هنا لا أريد أن أُحاكم السيّد الحيدري، وإنّما أردت الإشارة إلى هذه الملاحظات:
  • الملاحظة (1): ليسَ عيباً وليس إشكالاً أن يتغيّر رأي المرجع (على المُستوى العقائدي، على المُستوى الفقهي، على المُستوى الفكري والثقافي) أبداً.. خُصوصاً إذا تغيّر من الرأي الخطأ إلى الصواب أو من الصواب إلى الأصوب.
  • الملاحظة (2): أشير فيها حجّية القطع.. إذا قُلنا أنّ القطع حجّة في جميع الحالات وفي كلّ مراتب القطع، سنحوّل الدين إلى لُعبة، إلى مهزلة.
  • الملاحظة (3): هذه الظاهرة المُتكررة عند السيّد الحيدري ليست خاصّة به.. فنحنُ إذا أردنا أن ننظر إلى واقع المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة سنجد أنّه مُنذ بدايات عصر الغَيبة الكُبرى وكبار مراجع الشيعة تتبدّل آراؤهم، لكن الغريب أنّهم يعودون إلى الوراء كما عاد السيّد الحيدري.
  • البعض منهم آراؤهم تتبدّل إلى الأمام، وآخرين إلى الوراء.. وسآتيكم بأمثلة لكبار مراجع الطائفة من كُتبهم.

  • وقفة عند شيخ الطائفة الطوسي.

  • الصورة الأولى: نقلها لنا العلامة الحلّي في كتابه [خلاصة الأقوال في معرفة الرجال]
  • يقول العلّامة الحلّي عن الشيخ الطوسي: (وكان يقول أولاً بـ”الوعيد”، ثُمّ رجع وهاجر إلى مشهد أمير المؤمنين خوفاً من الفتن التي تجدّدت ببغداد).
  • شيخ الطائفة الطوسي كان يعتقد بعقيدة الوعيد، وهذا مُصطلحٌ في علم الكلام (في علم أصول الدين).. والمُراد من الاعتقاد بالوعيد أي أنّه لا يعتقد بالشفاعة لأهل الكبائر الذين لم يتوبوا.. وهذا مُخالف لبديهيات عقيدة أهل البيت.. فقد ورد في ثقافة العترة (الشفاعةُ لأهل الكبائر من أُمّتي) ولم يشترط رسول الله أن يتوبوا قبل أن يموتوا.
  • عقيدتنا في الشفاعة هي هذه: أنّ الشفاعة لأهل الكبائر سواء تابوا أم لم يتوبوا.. صحيح أنّ الجميع يحتاجون إلى شفاعة نبيّنا وآله الأطهار حتّى الأنبياء.. ولكن حينما يكون الكلام عن هذه الجهة “أهل الكبائر” فلا يُوجد في حديث العترة اشتراط أن يكون أهل الكبائر قد تابوا قبل موتهم لكي ينالوا الشفاعة.
  • — أمّا الاعتقاد بأنّ أهل الكبائر لن تنالهم الشفاعة إلّا إذا تابوا قبل موتهم فهذه عقيدة المُخالفين.. وكثيرٌ من الفكر المُخالف في رأس شيخنا الطوسي.
  • العلّامة الحلّي أثبت أنّ الشيخ الطوسي في مرحلة من المراحل كانتْ عقيدته أقرب إلى المُخالفين.
  • ومن هنا دائماً أردّد أنّ أقوال العلماء الأصل فيها عدم الصحّة حتّى يثبت خلاف ذلك، والأصل في حديث أهل البيت الصحّة حتّى يثبت خلاف ذلك.
  • الصورة الثانية: الشيخ الطوسي كتب كتابه المبسوط وفقاً لذوق الشافعي بعد أن صار مرجعاً.. ولذا السيّد البروجردي كان مُعجباً كثيراً بهذا الكتاب وأهداه إلى شيخ الأزهر الذي مدحه (لأنّه بضاعتهم رُدّت إليهم).
  • ● وقفة عند ما قاله الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه [المبسوط: ج1] الّذي يردّ فيه على المخالفين لأنّهم يُشكلون على فكر أهل البيت عليهم السلام بأنّه ليس كفقههم.. والشيخ الطوسي يردُّ عليهم فيقول:
  • (وكنت على قديم الوقت وحديثه مُتشوّق النّفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك – أي يشتمل على نفس منهجيّة المخالفين – تتوق نفسي إليه، فيقطعني عن ذلك القواطع ويُشغلني الشواغل وتُضعِف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه وترك عنايتهم به؛ لأنّهم ألفوا الأخبار وما رووه مِن صريح الألفاظ، حتّى أنّ مسألةً لو غُيّر لفظها وعُبّر عن معناها بغير الّلفظ المعتاد لهم لعجبوا منها، وقَصُر فهمهم عنها..)
  • — يقول الشيخ الطوسي في مُقدّمة هذا الكتاب حين ذكر الأئمة، يقول: (وجعلهم معصومين من الخطأ، مأمونين عليهم السهو والغلط ليأمن بذلك من يفزعُ إليهم من التغيير والتبديل والغلط والتحريف فيكون بذلك واثقاً بدينه قاطعاً على وصوله إلى الحقّ الذي أوجبهُ الله تعالى عليه وندبه إليه)
  • وكلامه هنا صحيح وواضح.
  • قطعاً أنا لا أريد أن أتّهم الشيخ الطوسي، ولكن أقول الشيخ الطوسي بسبب دراسته مُنذ صِغَره عند الأحناف والشوافع تأثّر بالفكر الناصبي، وربّما هُنا يُجامل الشيعة بهذه العقيدة حتّى يقبلوا كتابه الشافعي هذا.. وإلّا ليس من المنطقي أن يبدأ أيضاً بعقيدةٍ شافعيّة في الأئمة فيقول أنّ الأئمة يسهون وينسون.
  • هذا الكتاب كتبهُ في أواسط مرجعيّته.
  • — أمّا في أواخر مرجعيّته.. يقول الشيخ الطوسي في كتابه [تفسير التبيان: ج4] في صفحة 165 وهو يتحدّث عن النبي والأئمة “صلوات الله عليهم”:
  • (لأنّنا نقول إنّما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يُؤدّونه عن الله – أي في دائرة التبليغ – فأمّا غير ذلك فإنّه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه ممّا لم يُؤدّ ذلك إلى الإخلال بكمال العقل..)
  • إلى أن يقول:
  • (وينسون كثيراً من متصرّفاتهم أيضاً وما جرى لهم فيما مضى من الزمان)!
  • فلماذا يُلام السيّد الحيدر في تبدّل عقيدته مِن العقيدة الواضحة الصريحة إلى هذه العقيدة الهزيلة التي تتعارضُ تعارضاً واضحاً مع بيانه الأوّل.

  • وقفة عند سيّد الطائفة: السيّد الخوئي وصُور من تبدّل آرائه وعقيدته أيضاً.

  • ● وقفة عند ما يقوله السّيد الخوئي في كتابه [مصباح الفقاهة: ج5] الذي كتبه يتأريخ 13 رجب 1373هـ
  • يقول وهو يتحدّث عن عقيدته في أهل البيت عليهم السلام:
  • (أمّا الجهة الأولى: فالظاهر أنّه لا شبهة في ولايتهم على المخلوق بأجمعهم، كما يظهرُ من الأخبار؛ لكونهم واسطةً في الإيجاد وبهم الوجود، وهم السبب في الخلق، إذ لولاهم لما خُلق الناس كلّهم وإنّما خُلقوا لأجلهم، وبهم وجودهم، وهُم الواسطة في الإفاضة، بل لهم الولاية التّكوينية لِما دون الخالق، فهذه الولاية نحو ولاية الله تعالى على الخَلق ولايةٌ إيجادية وإن كانتْ هي ضعيفة بالنسبة إلى ولاية الله تعالى على الخلق…).
  • (هكذا كانت عقيدة السّيد الخوئي في عام 1373هـ وهي نفس الكلام الذي تحدّث به الحيدري من أنّهم “صلواتُ الله عليهم” وسائط الفيض).. ولكن تراجع السيّد الخوئي بعد ذلك عن هذه العقيدة،
  • ● وقفة عند ما يقوله السّيد الخوئي في كتابه (التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج2) ذي المقدمة المكتوبة بتأريخ 3 جمادى الثّانية 1380هـ
  • يقول في صفحة 85 في سياق حديثه عن الغلاة، وهو يتحدّث عن مراتب الاعتقاد بأهل البيت عليهم السلام:
  • (و منهم – أي الغلاة- مَن لا يعتقد بربوبيّة أمير المؤمنين ولا بتفويض الأمور إليه، وإنّما يعتقد أنّه وغيره من الأئمة الطاهرين ولاةُ الأمر، وأنَّهم عاملون لله سبحانه، وأنَّهم أكرم المخلوقين عنده، فينسب إليهم الرزق والخلق ونحوهما – لا بمعنى إسنادها إليهم حقيقةً، لأنّه يعتقد أنّ العامل فيها حقيقةً هو الله – بل كإسناد الموت إلى ملك الموت، والمطر إلى ملك المطر، والإحياء إلى عيسى، كما ورد في الكتاب العزيز: {و أُحيي الموتى بإذن الله} وغيره ممّا هو من إسناد فعل مِن أفعال الله سبحانه إلى العاملين له بضرب من الإسناد.
  • ومثل هذا الاعتقاد غير مُستتبع للكفر ولا هو إنكارٌ للضّروري، فعَدُّ هذا القسم مِن أقسام الغلو نظير ما نقل عن الصّدوق عن شيخه إبن الوليد: إنّ نفي السهو عن النّبي أوّل درجة الغلو. والغلو بهذا المعنى الأخير ممّا لا محذور فيه بل لا مناص عن الإلتزام به في الجملة).
  • العقيدة التي تحدّث عنها السيّد الخوئي في مِصباح الفقاهة كانت في الولاية وفي المنزلة وفي التأثير أعلى بكثير من هذه العقيدة.. وهو يَعدُّ هذه العقيدة التي ذكرها هُنا – والتي هي دون تلك العقيدة – يعدّها من عقائد الغُلاة!! ولكنّه لا يحكم بكُفر المُعتقدين بها، وإن كان الذين يعتقدون بها هُم غُلاة في نظر السيّد الخوئي.
  • — الجدير بالذكر هو أنّه حتّى هذه العقيدة – التي هي دُون العقيدة التي تحدّث بها في كتابه مِصباح الفقاهة – هذه العقيدة انتفتْ في أيّام السّيد الخوئي الأخيرة، وهذا يتّضح من مراجعة ما قاله السيد الخوئي في إجاباته العقائديّة، والّتي وصل فيها إلى الاعتقاد بسهو المعصومين في مساحة كبيرة من حياتهم.
  • ● وقفة عند كتاب [صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات: ج2] وهو كتاب طُبع بعد وفاة السيّد الخوئي.. وما قاله السيّد الخوئي في هذا الكتاب وهو يُجيب سائل يسأله عن سهو المعصوم.. يقول:
  • (القدر المتيقَّن من السهو الممنوع على المعصوم هو السهو في غير الموضوعات الخارجية)
  • يعني أنّ احتمال أن يتطرّق السهو إلى المعصوم في جميع أحواله خارج التبليغ وارد! وهذا نكوص عن العقيدة القويّة التي ذكرها في كتابه مصباح الفقاهة.. والنكوص عن العقيدة الصحيحة هي علامة على الخذلان وعدم التوفيق.. فلماذا يستغرب المُستغربون ويستشكلون على السيّد الحيدري أن يتراجع عن عقائده؟
  • هذه القضيّة موجودة عند كبار مراجع الطائفة.. وأنا جئتُ بالشيخ الطوسي مثالاً وجئتُ بالسيّد الخوئي.. أمّا المراجع الحاليين المُعاصرين في النجف وغير النجف هُم حروف صغيرة في حواشي كتاب كبير اسمه: السيّد الخوئي.
  • وما بين الشيخ الطوسي والسيّد الخوئي مراجعنا الكبار تبدّلت عقائدهم، وفي الغالب ينكصون إلى الوراء علامةً لِسوء التوفيق.
  • ● يُمكنكم من خلال هذه الأمثلة التي ذكرتُها لكم عن تبدّل مُعتقدات كبار مراجع الشيعة وعن نكوصهم إلى الوراء في المُستوى العقائدي وفي مُستوى علاقتهم بأئمتهم “صلوات الله عليهم” إذ أن العقيدة هي التي تُحدّد مُستوى العلاقة مع محمّد وآل محمّد.. مُستوى العقيدة يُخبرنا عن مدى حُبّ هذا العالم أو المرجع لإمام زمانه ومدى معرفته بإمام زمانه.
  • من هنا تتّضح الصُورة حينما نقرأ في كُتب السيّد الخوئي أنّه لا يشترط في مرجع التقليد أن يكون شديد الحُبّ لأهل البيت ولا يشترط أن يكون له ثباتٌ تام في أمرهم.. وقد كان يقطعُ بهذا القول ويجزم به مع أنّه لا دليل عليه في حديث العترة، بل إنّه مُخالف ومُعارض لِمنطق العترة.. ولكنّه جاء بهذا الجزم وهذا القطع من الواقع الذي يعرفه (من واقع شخصه، ومن واقع أساتذته، من واقع المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة).
  • — ومسألة أخرى أيضاً.. أعيدكم إلى موضوع القطع وإلى حُجيّة القطع.. ها هُم المراجع يقطعون بعقيدةٍ ثُمّ يعودون عنها ويعودون إلى الوراء.. لذلك ليس مِن الصواب أن نقول: أنّ مُطلق حالات القطع تُلازمها الحُجّية.. هناك حالات من القطع تُلازمها الحجيّة وهناك حالات لا تُلازمها.

  • الوثيقة (20): تسجيل صوتي للسيّد كمال الحيدري يقول فيه: أنّ كلّ الذي ثبتَ لأمير المؤمنين والأئمة هو أنّهم مُجتهدين فقط كالآخرين.. ويقول أنّ الحقّ في فدك كان مع أبي بكر وليس مع الزهراء.. ويستدلّ بكلام للسيّد الخوئي على أنّ الإيذاء للمؤمن في الأمر المباح اجتهاداً ليس بحرام.. يعني أنّ إيذاء الزهراء ليس بحرام.

  • ● ملاحظتان فقط:
  • المُلاحظة الأولى توضيحية: السيّد الحيدري يقول: أنّ السيّد الخوئي يقول صريحاً بأنّه لا دليل على أنّ الأذى في المُباح حرام حتّى لو كانت فاطمة، ويقول هذه العبارة: “أصلاً يقول في فاطمة مو في غيرها”.. والسيّد الحيدري يُشير إلى كتاب [المباني في شرح العروة الوثقى] أبحاث السيّد الخوئي التي قرّرها ولده السيّد محمّد تقي.. رقم الجزء 32 من مجموعة آثار السيّد الخوئي
  • — في صفحة 364 تأتي هذه الرواية:
  • (عن حماد، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول: لا يحلّ لأحدٍ أن يجمعَ بين اثنتين مِن ولد فاطمة، إنّ ذلك يبلغها فيشقّ عليها. قلت: يبلغها؟ قال: إي والله)
  • السيد الخوئي يناقش هذه المسألة إلى أن يقول: (بل وحتّى لو فُرض كونهِ إيذاءً لها، فإنّه لا دليل على حُرمة الفعل المُباح المقتضي لإيذاء المُؤمن قهراً..) إلى أن يقول: (فمُجرّد تأذّي فاطمة عليها السلام لا يقتضي حرمته)!!
  • فأين خُصوصيّة فاطمة إذن؟ فاطمة التي يرضى الله لِرضاها ويسخطُ لِسخطها.. المؤمن لا يرضى الله لِرضاه ولا يسخط لِسخطه.
  • هذا الكلام الذي يقوله السيّد الخوئي يُمكن أن يكون مع عامّة المؤمنين.. أمّا مع الزهراء فكيف يصحّ هذ الكلام؟!
  • ولكن هذه هي عقائد وآراء وآداب مراجعنا مع فاطمة وآل فاطمة “صلواتُ الله عليهم أجمعين”!
  • الملاحظة الثانية: رواية أقرؤها مِن [الكافي الشريف: ج1]- باب مَن ادّعى الإمامة وليس لها بأهل.
  • (عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: سمعته يقول: ثلاثةٌ لا يُكلّمهم اللٰه يوم القيامة ولا يُزكّيهم ولهم عذابٌ أليم: مَن ادّعى إمامةً مِن الله ليستْ لهُ، ومَن جَحَد إماماً مِن الله، ومَن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا).
  • — قول الإمام: (ومَن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا) أي لِهذين الإثنين: لِمَن ادّعى إمامةً مِن الله ليستْ له، ولِمَن جحد إماماً مِن الله.. أو أنّ المُراد منهما هو الأوّل والثاني.. وحتّى على المعنى الأوّل فإنّ الرواية تتحدّث عن الأوّل والثاني.

  • الوثيقة (21): تسجيل صوتي للسيّد كمال الحيدري يتحدّث عن أمير المؤمنين وزُهده بطريقة عديمة الأدب، ويقول: “خبصتونه بزهد علي”.

  • بشكل مُوجز ومُختصر أقول: واضح.. هذا الكلام يتجلّى فيه بشكلٍ جليّ سُوء أدبٍ فاضح جدّاً في الحديث عن سيّد الأوصياء!
  • هناك استعجالٌ واضح في الاستنتاجات.. هُناك تحكيمٌ للاستحسانات الشخصيّة مع التوهّم أنّها تحقيق وأنّها عِلْم.. هناك عدم منهجٍ واضح في التعامل مع حديث العترة الطاهرة.. وهذهِ الصورة صورةٌ نموذجيّة عن المنهج المُتخبّط في التعامل مع حديث العترة الذي هو منهجُ المؤسسة الدينية الشيعيّة الرسميّة.
  • علماؤنا لا يملكون منهجاً أبداً.. عُلماؤنا ضيّعوا حديث أهل البيت وتمسّكوا بقواعد المُخالفين وهم في حيرةٍ مِن أمرهم.. وهذه الحيرة الواضحة هي التي تجعلهم مُتردّدين على طول الخطّ.. هم لا يكشفون لكم هذ التردّد.
  • ● هذا التردد والتخبّط الذي عليه السيّد كمال الحيدري يُخفيه الباقون -أنا أعرف شخصيّاً على الأقل من معلومات عندي واضحة – هناك أكثر مِن شخصٍ في قائمة المُرشّحين للمرجعية ما بعد السيّد السيستاني في الزمان القادم.. مرشح للمرجعية هو أساساً يشكّ في وجود الإمام الحجّة!!
  • وهذا الكلام يقوله لخواصه.. وستأتي الأيّام ويكون مرجعاً لكم ونائباً للإمام الحجّة.. ولو تكلّم أحد سيبتلي على عُمره!
  • ● حين قلت لكم إنْ ما خفي أدهى وأعظم لم يكن هذا الكلام كلاماً إنشائياً.. ولم يكن من ردّة فعل مِزاجيّة أبداً.. هذه حقائق أنا أعرفها، وأضعُ يدي عليها.

  • مشكلتنا يُمكن أن ألخصها في نقطتين:

  • المُشكلة الأولى: في علاقة علمائنا ومراجعنا بإمام زماننا خُصوصاً وبمحمّد وآل محمّد عموماً.. وهذه خفيةٌ فيما بين العلماء وبين المعصومين.. نحنُ لا نستطيع أن نحكم عليها وإنّما نتلمّس آثاره.
  • أمّا المُشكلة الثانية فهي واضحة وهي: جفاء العلماء والمراجع لحديث أهل البيت، والسبب: الفكر الناصبي الذي تمسّكوا به وعرضوه للناس على أنّه فكر أهل البيت وهذه النتائج العمليّة موجودةٌ بين أيديكم.
  • وإلّا مرجعٌ شيعيٌ، طالبٌ علم شيعي، معممٌ شيعي وينتسبُ إلى بني هاشم كالسيّد الحيدري (فالسادة الحيدريّة تأريخيّاً معروفون أنّ أنسابهم تعود إلى الإمام الحسن المُجتبى.. يعني إلى أمير المؤمنين) ورُغم ذلك يأتي السيّد الحيدري ويتحدّث بهذه الطريقة البشعة والسيّئة جدّاً عن سيّد الأوصياء!
  • طريقةٌ غير مؤدّبة وجفاءٌ لِحديث أهل البيت!
  • ● أميرُ المؤمنين لم يكنْ عندهُ بطنٌ كبير أو كرش كبير.. أمير المؤمنين كان خميصاً.
  • البطين: هو الذي استبطنَ الحقائق، استبطن العلم.. هكذا بيّن لنا أهل البيت معنى البطين.. وأمير المؤمنين هو الذي يقول: (أنا الأوّل أنا الآخر أنا الظاهر أنا الباطن) هو الذات التي استبطنتْ كُلّ الحقائق.. ذاكَ هو عليٌ.
  • أمّا الحديثُ عن زُهدهِ، فالزُهد ليس شيئاً مُهمّاً بالنسبة لسيّد الأوصياء.. الزُهد سلوكٌ يحتاجهُ الناس لا يحتاجهُ عليٌ.. ولكن ما كان مِن زُهده لم يُماثلهُ زُهد على طُول التأريخ لا قبلهُ ولا بعده.
  • عليٌ هذا هو محمّدٌ ومحمّدٌ هو عليٌ… كما في كلماتهم الشريفة، نبيّنا الأعظم يقول: (أنا عليٌ وعليٌ أنا..) وعلي يقول: (أنا محمّدٌ ومحمّدٌ أنا) وآيةُ المباهلة واضحة وجليّة في معناها {وأنفسنا وأنفسكم}

  • الوثيقة (22): مقطع فيديو قصير للسيّد كمال الحيدري يتحدّث فيه عن فشل أمير المؤمنين!

  • حديث السيّد كمال الحيدري عن فشل أمير المؤمنين أخذهُ مِن كتاب عبد الله العلايلي العالم السُنّي الّلبناني.

  • الوثيقة (23): مقطع آخر للسيّد كمال الحيدري يُعلّق فيه على الفيديو السابق، ويقول فيه أنّه حين تحدّثَ عن فشل سيّد الأوصياء كان ينقل كلام عبد الله العلايلي.

  • علماً أنّنا إذا رجعنا إلى نفس الدرس الذي ألقاه السيّد الحيدري والذي اقتطع منه هذا المقطع، نجد السيّد الحيدري كان يُثني على العلايلي في نفس درسه، ويبدو من خلال حديثه أنّه معجب بطرح العلايلي إلى حدّ كبير.
  • وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع بشكل مُفصّل في برنامج [الكتاب الناطق] الحلقة 135.. فيُمكنكم أن تعودوا للحلقة كي تجدوا الحديث عن هذه المسألة وعن كتاب عبد الله العلايلي أيضاً
  • فالسيّد الحيدري نقل كلام عبد الله العلايلي مع مدحه لكلامه ومع بيانه أنّ عبد الله العلايلي قد ذكر (الحقائق) في كتابه! فحينما تحدّث الحيدري عن الأمور التي ذكرها العلايلي، السيّد الحيدري وصفها بـ(الحقائق) عودوا إلى أصل الحديث وإلى كل التفاصيل.
  • ● ومع هذا.. فلنقبل ما قاله الحيدري بأنّ ناقل الكُفر ليس بكافر، لكن هل من المُناسب أن يُعرض الكلام بهذه الصُورة؟!
  • الذي يستمع للحديث بشكل واضح، يجد أن المُتحدّث يتحدّث عن فشل عليّ.. وأنا لا أستغرب هذا..
  • فإذا كان السيّد الحيدري يعتذرُ أنّه نقل كلام العلايلي عن فشل أمير المؤمنين، فماذا أقول عن أُستاذه المرجع الكبير السيّد محمّد باقر الصدر الذي تحدّث في كتابه [فدك في التأريخ] عن فشل فاطمة، ولم يتراجع عن ذلك! والأنكى مِن ذلك.. جعل السبب في فشل فاطمة هو ذكاء الخليفة أبي بكر!!
  • ● وقفة عند ما يقوله السيّد محمّد باقر الصدر في كتابه [فدك في التأريخ] وهو يتحدّث عن موقف الصدّيقة الكبرى في مواجهة السقيفة المشؤومة، وعن موقف عائشة في مواجهة أمير المؤمنين التي تجلّت في الجمل.. يقول:
  • (وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارقٍ بينهما..) فهو يصف الصدّيقة الكبرى بالفشل!!
  • ولو قال قائلٌ بأنّ هذه شطحةُ قلم.. فإنّنا نجد السيّد الصدر يُكرّر نفس المضمون في صفحة أُخرى مِن كتابه فيقول:
  • (وقد فشلتْ الحركة الفاطمية بمعنىً ونجحتْ بمعنىً آخر، فشلتْ لأنّها لم تطوّح بحكومة الخليفة رضي الله عنه)!!
  • ولا أدري ما معنى هذا الترضيّ على الخليفة الأوّل والصدّيقة الزهراء تُريد أن تُطوّح بحكومته؟! وفاطمة بِحسب البُخاري قضت وهي واجدة على أبي بكر أي غاضبة منه.. وفاطمة يرضى الله لِرضاها ويسخط لِسخطها.
  • فكيف يترضّى السيّد الصدر على شخصٍ تُريد الزهراء أن تُطوّح بِحكمه؟! أليس هذا المنطق هو نفس المنطق الناصبي: (سيّدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه قتل سيّدنا حِجر بن عدي رضي الله عنه وأرضاه، لأنّه كان على دين سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه)!
  • — إلى أن يقول:
  • (ولا نستطيع أن نتبيّن الأمور التي جعلتْ الزهراء تخسر المعركة، غير أنّ الأمر الذي لا ريب فيه أنّ شخصية الخليفة رضي الله عنه من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى فشلها، لأنّه -أي أبا بكر – مِن أصحاب المواهب السياسية)!!
  • هنا السيّد حين ذكر الزهراء لم يقلْ: “عليها السلام”، ولا “رضي الله عنها”.. علماً أنّني لا أقول أنّ السيّد الصدر لا يقول ذلك، ولكنّه يعيشُ حالةً مِن الهَوس في الالتفاتِ إلى ماذا سيقول المُخالفون عنّا، بحيث ينسى أن يُسلّم على الزهراء ويترضّى في كُلّ مكانٍ على أبي بكرٍ في مواضع ليس مِن المُناسب أن يترضّى عليه.
  • يُمكن أن يترضّى في مواطن أخرى، ولكنّه يتحدّث عن سخط فاطمة عليه وأنّها تريد أن تُطوّح بحكومة الخليفة.. فلماذا إذن ننتقد المُخالفين حين يتحدّثون بهذا المنطق وهذا الأسلوب؟!
  • فالسبب في فشل الزهراء عند السيّد الصدر هو الذكاء السياسي عند الخليفة أبي بكر!! إذن لماذا يُشكِل مَن يُشكل على السيّد كمال الحيدري مِن أنّه تحدّث عن فشل أمير المؤمنين مع أنّه اعتذر عن ذلك وقال أنّه نقل كلام العلايلي..؟!
  • مع أنّنا إذا راجعنا كُلّ الكلام نجد ما يُشير إلى اقتناع السيّد الحيدري بكلام العلايلي.. ولكن يظل كلام الحيدري ضعيفاً بالقِياس إلى أُستاذه السيّد محمّد باقر الصدر.

  • الوثيقة (24): تسجيل للسيّد كمال الحيدري يتحدّث بأسلوب استهزائي سُوقي عديم الأدب عن الله سُبحانه وتعالى.. فيقول: ((حجّي الله))!!

  • كلام ليس مؤدّباً أبداً.. وطريقةُ الحديث وأسلوب السيّد الحيدري تُشير إلى أنّه لم يكن ساهياً وإنّما يتكلّم بكلّ وعيه.
  • لن أعلّق كثيراً على المقطع، وإنّما أُورد مُلاحظتان:
  • الملاحظة (1): أوجهها إلى مجموعة مِن الإخوة المؤمنين – إذا كانوا يُشاهدون هذه الحلقة – جمعني بهم مجلسٌ في يومٍ من الأيّام في السنوات الماضية، وحينما تحدّثت عن الصنميّة وعن عدم قُدسية العلماء وأنّنا نحترم العلماء فقط، لا أن نُقدّسهم.. فالتقديس فقط للمعصوم؛ لأنّنا إذا قدّسنا شخصاً فإنّنا سنتعامل معه على أنّ أي شيء يفعله ويقوله فهو صحيح.. وضربتُ لهم أمثلة.. من جملة الأمثلة التي ضربتها لهم:
  • أنّ المراجع أناسٌ عاديّون يُخطئون ويُصيبون ويشتبهون ويخرجون من الهدى إلى الضلال، ويفعلون ما يفعلون.. وأخطاؤهم قد تكون أكثر مِن الأخطاء الذين يسيرون في الشارع، فهم أُناسٌ عاديّون ليستْ لهم أي خُصوصيّة.. يُحترمون لعلمهم إذا كان موافقاً لآل محمّد، ويُحترمون لعلاقتهم السليمة بإمام زمانهم، وإذا كان غير ذلك فلا يستحقّون الإحترام ولا هم يحزنون.
  • فذكرت لهم – من دون ذكر الإسم وذكر البلد – أنّ مرجعاً من مراجع التقليد إذا ما غضِب يبدأ يكفر ويسبّ الله! ويسبّ الأئمة! ويشتم الذين حوله.. وقلت لهم: هذه الحالة لا تحدث عندكم أنتم وعند الكثير من المُتديّين، ولكن هناك مرجع تقليد هذه الحالة تحدث عنده.
  • قُلت لهم: أنّ حالة الغضب الشديد قد تجعل الإنسان قريباً من الجنون.. فقد يُعذر، ولكنّها غير مُناسبة لِمرجع.. وحتّى لو قُلنا أنّها تحدث بشكل خارج عن إرادته.. فهذا دليل على أنّ المرجع إنسان عادي كسائر الناس بل أقل من الناس العاديين، لأن كثير من المُتديّنين لا يُصابون بهذه الحالة.. فقرأتُ على الوجوه أنّ البعض منهم لم يُصدّق ذلك.. والآن أقول لهم:
  • هذا مرجع أمامكم وهو الحيدري ليس في حالة غضب، ويستهزىء بالله بأسلوب سُوقي عديم الأدب!
  • الملاحظة (2): أقول: إذا كان السيّد الحيدري هكذا يتحدّث بسُوء أدبٍ وبكلامٍ غير لائق عن الله سُبحانه وتعالى، فهل نستغربُ أن يتحدّث بعد ذلك عن الصدّيقة الطاهرة بكلامٍ سيئ، أو عن أمير المؤمنين، أو عن المعصومين “صلواتُ الله عليهم”؟!
  • إذا كان يتحدّث بهذا الأسلوب وبهذه التعابير وهو في وسط تلامذته.. والمفترض أنهم يتعلّمون منه، المفترض أنّه يُراعي حتّى لو بشكلٍ ظاهري للمُجاملة أنّه قُدوةٌ لهم.
  • السيّد الحيدري يتصدّى للمرجعية وللتقليد، وهناك كثيرون يُقلّدونه.. أليس مِن الإنصاف أنّ السيّد الحيدري ينظر إلى هؤلاء الذين يُقلّدونه فيُراقب أقواله وتصرّفاته؟!

  • الوثيقة (25): تسجيل للسيّد كمال الحيدري يقول فيه أنّ الكثير من كلامه يصدر منه من دون وعي!

  • في آخر هذا التسجيل هناك إشارة مِن السيّد الحيدري إلى الصدّيقة الطاهرة، وأنّه يُسيء إليها.. وأنا أركّز دائماً في برامجي على ذكر أم الحسن والحُسين لأنّها المِيزان.. هكذا أزنُ الشيعة والعلماء وأزن الكُتب والفضائيات، وأقيس كُلّ شيء بمقياس حقيقة الحُسن والطُهر والكمال الإلهي بكلّ مراتبه وبكلّ ظهوراته وبأتّم نشآته وهي فاطمة.
  • النبيّ الأكرم “صلّى الله عليه وآله” يقول وهو يتحدّث عن حقيقة الحُسن والجمال: (لو كان الحُسن هيأةً وتجلّت لكانت فاطمة)
  • يتحدّث عن حقيقة الحُسن والجمال.
  • فاطمةُ جوهر الطُهر، وفاطمةُ وجه الجلال الإلهي الذي تُحصّنه حقائق غيب الغيوب.. إنّها الروح التي يسري في حقيقة محمّد “صلّى الله عليه وآله”: (فاطمة رُوحي التي بين جنبي).
  • أقول: في آخر التسجيل كانت هناك إشارة واضحة من أنّ السيّد الحيدري يُسيء إلى فاطمة.. وليس ذلك بمُستغرب.. فمَن يُسيءُ الحديث عن الله قطْعاً سيُسيء الحديث عن فاطمة “صلواتُ الله عليها”..
  • هذه الحالة التي يتحدّث عنها السيّد الحيدري مُنتشرةٌ بين العلماء، ولذلك تُلاحظون في كثير مَن الأحيان يدخلون في طَور من الهذيان.
  • على العالم على المتحدّث الذي يَفترضُ في نفسه أنّه ينقل فكْر آل مُحمّد أن يكون عارفاً بما يقول وأن يرتّب مقالاته بشكلٍ واضح وصريح وأن يأتي بالأدلة وبالمصادر الكافية، لا أن يتحدّث هكذا مُِن دون أساس واضح.

تحقَق أيضاً

رسالةٌ مفتوحةٌ من قناة القمر الفضائيّة عبر الأقمار الصناعيّة الى سماحة المرجع الشيعي الأعلى الإمام السيستاني دام ظلّه ج١

يازهراء …