يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ١ – نُصرةُ الحسين في نُصرة مشروعهِ

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 1 محرّم 1440هـ الموافق 11 / 9 / 2018م

  • (يا حُسين).. البوصلةُ الفائقة التي لا تُخطىء تشخيصَ الطريق وتعيين الاتّجاهات أبداً إذا ما أحسنَّا التعامل معها.

  • أمَّا البوصلةُ فمعناها واضحٌ لديكم وهي: الآلةُ، الوسيلةُ التي يستعينُ بها الإنسان لتشخيص طريقهِ واتّجاهاتهِ الجُغرافيّة.
  • (يا حُسين) هذا العنوان يُمثّل في حقيقةِ مَضمونهِ وأهدافهِ البوصلةَ التي إذا ما أحسنَّا التعامل معها فإنّنا سنُشخّصُ الطريقَ بنحوٍ دقيقٍ صائب، وسنُعيّن الاتّجاهاتِ من دُون خَطأٍ واشتباه.
  • (يا حُسين) مضمونٌ وأهداف إذا ما تمازجتْ في عُقولنا وقُلوبنا بِحَسَب ما خطَّط لهُ الحُسين وأرادهُ الحُسين فإنّنا سَنَصِلُ إلى الشاطىء الآمن.. لأنَّنا حينئذٍ سنتمكّنُ مِن حَجْز مَقعدٍ لنا، كرسيٍّ لنا، مَجلسٍ لنا في سفينةِ النجاة.. هذا هو المعنى المُجْمَل لعنوانِ هذا البرنامج.

  • أبدأُ مِن هذهِ النُقطة:

  • حين نُردّدُ ونقول: (يا حُسين) ما المُراد مِن قَولتنا هذهِ..؟
  • هُناك عدّةُ معاني، فإنَّ القائلَ حين يقولُ ويُردّدُ (يا حُسين) إنْ كان بصوتٍ ظاهر أو كان بصوتٍ خَفيٍّ مُستتر قد يكونُ مُتوسّلاً، فحينما يقولُ القائلُ: (يا حسين) قد يكونُ هذا القولُ عُنواناً للتوسّل.
  • والتوسّلُ على أنحاء بِحَسَب قَصْد المُتوسّل، بِحَسَب حاجةِ المُتوسّل، بحَسَب نيّةِ المُتوسّل، وكُلُّ ذلكَ يعود إلى جَذْرٍ أساسيٍّ: إنّهُ معرفةُ المُتوسّل.. على أيِّ مضمونٍ يشتملُ عقْلُهُ وقلبه؟ إذْ هناك تتجلّى معرفةُ المُتوسّل ما بين عقلهِ وقلبهِ وتظهر إلى الخارج بالصيغةِ التي يُريدها:
  • ● فمرّةً يكونُ توسّلَهُ استجارةُ.. فحِين يقولُ يا حسين، إنّه يستجيرُ بحسينٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”
  • وتارة أخرى يكون التوسّل استغاثةً، وتارةً أُخرى يكونُ التوسّل إستعانة.. وتعدّد المعاني..
  • فانَّ القائل حِين يقولُ: (يا حُسين) قد يكونُ مُتوسّلاً، والتوسّل على أنحاء: (إستغاثة، إستجارة، إستعانة…) وهكذا كُلٌّ بِحَسَبهِ.
  • وقد يكونُ لِقَولةِ القائل: (يا حسين) معنىً آخر وهُو إظهارُ الحُزن، والحُزن قد يكونُ جَزَعاً، قد يكون تفجُّعاً، قد يكون تحسُّراً بإظهار الحَسْرةِ والزفرة، وقد يكون أسىً وقد وقد.. فإنَّ القائل حِين يقولُ: (يا حسين) قد يكونُ قولُهُ إظاهراً للحُزن وللأسى وللمُصيبة الراتبة.
  • وقد يكونُ قولُ القائلِ: (يا حُسين) ذِكْراً للحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. والذكرُ لَهُ مراتب ولهُ ظهورات، فقد يكونُ قولُ القائل: (يا حُسين) في مقامِ الذِكْر تشوّقاً.. وقد يكون مُظْهِراً ومُعْلناً لحُبّهِ، وقد يكونُ ذاكراً بنحو التوجّه وذلك هو الذِكْرُ المُطلق.. فإنَّ القائل قد يقولُ: (يا حسين) وهو في مقام الذِكر يتوجّهُ الى حُسينٍ، إلى وجهِ اللهِ المُضيء، إلى سيّد الشُهداء.. والتوجّهُ بهذا المعنى ذِكْرٌ مُطلق (ومَن ذَكَرهُم فقد ذَكَرَ الله تعالى)
  • وذكرهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” كما في كلماتهم الشريفة في الجزء (2) مِن الكافي الشريف في باب فضل القرآن، والرواية عن باقر العلوم “صلواتُ اللهِ عليه” يقولُ أنّهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” هم الذِكْر الأكبر.
  • فَذِكْر حُسينٍ مِصداقٌ بارزٌ – إن لم يكن الأبرز- لحقيقةِ الذِكْر الأكبر.. فالقائلُ حين يقولُ: (يا حسين) لا يكونُ مَحصوراً بهذهِ المعاني وإنّما جئتُ بها أمثلة.
  • قد تكون هي المعاني الغالبة التي يتعاملُ شيعةُ الحُسين معها في أغلبِ حالاتِ ذِكْرهم للحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حين يقولون: (يا حُسين).
  • علماً أنّني حين وسمْتُ هذهِ الحلقات بهذا العنوان (يا حسين .. البوصلة الفائقة) لم أقصد ولا معنىً واحداً مِن هذهِ المعاني.
  • ● هُناك معنىً مركزيٌّ لِهذا الشِعار ولِهذهِ القولة، وهو أنّنا حين نقولُ: (يا حسين) نُجيبُ على سُؤالٍ سألهُ سيّد الشُهداء.. إنّهُ جوابٌ لِنداء عاشوراء.
  • سيّدُ الشهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وجّه هذا السُؤال إلى كُلّ بني آدم، وإلى الذين ينتسبون إلى أُمّةِ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ” وهذا النداءُ ليس مَخصوصاً بزمانٍ مُعيّن أو بمكانٍ مُعيّن أو أنّهُ مُوجّهُ لِمَجموعةٍ مُعيّنة.
  • (هل مِن ناصرٍ ينصرني) هذا هُو سُؤال الحُسين، وهذا هُو نداءُ عاشوراء.. حينما نقولُ: (يا حسين) إنّنا نُجيبُ على هذا السُؤال.

  • نقرأُ في زيارةِ سيّد الشُهداء، في الزيارة الرجبيّةِ والشعبانيّة، والتي ذَكَرها المُحدّثُ القُمّي في مفاتيج الجنان فَجَعَلها الزيارةَ الأولى مِن الزياراتِ المَخصوصة.. نقرأُ في هذهِ الزيارة الشريفة ونحنُ نُخاطِبُ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”:

  • (لبّيك داعي الله، إنْ كان لم يُجِبكَ بَدَني عند استغاثتكَ ولساني عند استنصاركَ فقد أجابكَ قلبي وسَمْعي وبَصَري..)
  • إنّنا حينَ نقولُ: (يا حُسين) فإنَّ معنى هذهِ القَولَة هُو هذا الذي تشرحُهُ لنا هذهِ الزيارةُ الشريفة.
  • المعاني المُتقدّمة معانٍ صحيحة، ومعانٍ مقصودةٌ مِن قِبَل الشيعة حين يقولونَ: يا حسين، ومعانٍ تُقرّبنا إلى فناءِ سيّد الشُهداء.. ولكنّنا في كثيرٍ مِن الأحيان نقول: (يا حسين) مِن دُون أن نقصدَ المعاني المُتقدّمة الذِكْر.. إنّنا نتحدّثُ مِن حيثُ نشعر ومِن حيثُ لا نشعر، نتحدّثُ في مقامِ الاستجابةِ لنداءِ سيّد الشُهداء.. (قَطْعاً هذا إذا استقامتْ نوايانا وصحّتْ مَعرفَتُنا وصَدَقَ تَوجُّهنا لإمامِ زماننا الحُجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”)
  • فَإنّنا حين نقولُ: (يا حسين) هكذا تخرجُ مِن قلوبنا، وهكذا تُردّدُها حناجرُنا، وهكذا تتطَّهرُ بها ألسنَتُنا، وهكذا نُزيّنُ بها حياتنا.
  • حين نقولُ: (يا حسين) بالشروط التي أشرتُ إليها قبل قليلٍ إنّنا نَستجيبُ لِنداءِ حُسينٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. ومضمونُ قولنا: (يا حُسين) هُو هذا الذي تُبيّنُهُ لنا الزيارةُ الشريفة.
  • ● قول الزيارة: (لبّيك داعي الله، إنْ كان لم يُجِبكَ بَدَني عند استغاثتكَ ولساني عند استنصاركَ..) يعني أنّني لم أكن موجوداً بوجودي الخارجي كما هو عليهِ أنا الآن حِين ارتفع نِداؤكَ يا حُسين.. لكنّني أجبتكَ واستجبتُ مثلما تقولُ الزيارةُ الشريفة: (فقد أجابكَ قلبي وسَمْعي وبَصَري) وهو نفسُ المضمون الذي يتحدّث به سيّد الأوصياء في كلامه المُرقّم بـ(12)
  • لمَّا أظفرهُ اللهُ بأصحابِ الجمل وقد قال لهُ بعضُ أصحابهِ:
  • (وددتُ أنَّ أخي فُلاناً كان شاهِدَنا لِيرى ما نَصَرَكَ اللهُ بهِ على أعدائك، فقالَ لهُ أميرُ المُؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: أهوى أخيكَ مَعَنا؟ فقال: نعم، قال الإمام: فقد شَهِدَنا، ولقد شَهِدَنا في عسكرنا هذا أقوامٌ في أصلابِ الرجال وأرحامِ النساء سيرعفُ بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان)
  • أحد أنصار سيّد الأوصياء كان يتمنّى أن يكونَ أخوهُ – وهو مِن أنصار أمير المؤمنين، لكنّهُ لم يكن حاضراً في تلك الواقعة – كان يتمنّى أن يكونَ أخوهُ حاضراً في ذلك المشهد.. فقال لهُ أمير المؤمنين “صلواتُ اللهِ عليهِ”: (أهوى أخيكَ مَعَنا؟ فقال: نعم، قال الإمام: فقد شَهِدَنا..) وهو نفسُ المضمون الموجود في الزيارة الرجبيّة والشعبانيّة.. المنطق هو المنطق.
  • هذا هُو حديثُهم، وتِلكَ قَواعدُ ثقافتِهم، وهَذهِ أُصولُ فَهْمِنا لِعَلاقتنا بهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • ● إنْ كُنّا قَد وُفّقنا أن شَهْدِنا مع الحُسين في الطُفوف بهذا المضمون، بهذا الفَهْم، بهذا المُستوى مِن نشأةٍ مِن نَشَآت وُجودنا.. فكُلّ موجودٍ لَهُ نَشَآتٌ ونَشَآت.. وهذهِ نشأةٌ مِن نَشَآتِ وُجودنا أن نَستجيب بقُلُوبنا وسَمْعنا وأبصارنا، وأن نشهد المشاهد معهم.. إنْ كُنّا مُوفّقين لِذلك – وما التوفيقُ إلّا مِنهم وبهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • إنْ كُنّا قد شهدنا بيعةَ الغَدير – مِثلما تحدّث أمير المؤمنين عن أنّ أشياعهُ شهدوا معهُ في البصرةِ وفي غير البصرة – فإنَّ حُضُورَهُم في يوم الغدير لَهُوَ الأهمّ.. وما حُضورُهم في يوم الجَمَل إلّا فرع، وما حُضُورُهم في يوم الغدير إلّا أصل.
  • إن كُنَّا مُوَّفقين وشَهِدنا الغَدير وأجبنا وبايعنا مُحمَّداً وعليَّاً والمعصومين مِن آلهما الأطهار (مِن الزهراء إلى الحُجّةِ بن الحسن) إنْ كُنَّا قد شَهِدْنا وبايَعْنا بِقُلوبنا وأسماعنا وأبصارنا مِثلما نقرأ في الزيارةِ: (فقد أجابكَ قلبي وسَمْعي وبَصَري) فَإنَّ ذلكَ سيكُونُ مُقدّمةً وأصْلاً وباباً لأن نكونَ قد حَضْرنا في يوم الطفوف.. لا نَملكُ دليلاً على ذلك، ولكن نتمنّى أن نكون كذلك.، ولكنّنا ونحنُ الآن في هذهِ النشأةِ التُرابيّة حِين نقولُ: (يا حسين) فإنّنا نُجيبُ على سُؤالِ أبي عبدالله: هل مِن ناصرٍ ينصرني؟
  • إنّني حِين أُردّدُ: (يا حُسين) فذلكَ يعني: (أنا ناصِرُكَ يا حُسين..)
  • فحِين أقولُ: (يا حُسين) مِن دُونَ أن أقصُدَ تِلكَ المعاني التي أشرتُ إليها قبل قليلٍ، إنّني هُنا أُجيبُ على سُؤالِ أبي عبد الله الحُسين: (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟)
  • إنّني حِين أقولُ: (يا حُسين) خُصوصاً حينما تَجتمِعُ المَواكبُ الحُسينيّةُ والجماهيرُ العَزائيّة في مَسيراتها وشَعائرها التي نَعرِفُها جميعاً.. حينَ تهتفُ الحناجر: (يا حسين) فَإنّ ذلكَ يعني أنّنا نستجيبُ لِندائكَ يا أبا عبدالله بِحَسَب الشروطِ التي تقدَّم ذِكرها.
  • ● حِين قُلتُ عن قولَةِ: (يا حُسين) أنّها البوصلةُ الفائقة.. إنّها بوصلةٌ فائقةٌ لا تُخطِىءُ أبداً إذا ما أحسنّا التعامُلَ معها، وإحسانُ التعامُلِ مَعَها يبدأً مِن الخُطوةِ الصحيحةِ الأولى وهي: المعرفةُ الصحيحة.

  • في زيارة عاشوراء (هذا النصّ المعرفي المُهمّ جدّاً) نقول ونُحنُ نُخاطِبُ سيّد الشُهداء: (يا أبا عبدلله.. إنّي سِلْمٌ لِمَن سَالَمَكُم وَحَرْبٌ لِمَن حَاربُكم إلى يوم القيامة..)

  • الحديثُ ليسَ مُختصّاً بمَقْطعٍ زَمانيٍّ يَرتبطُ بواقعةِ عاشوراء التي جَرَتْ في تأريخٍ مُعيّن وفي مكانٍ مُعيّن.. القضيّةُ تتجاوز الدُنيا بكُلّ تفاصيلها (إلى يوم القيامة)
  • وهذا المُصطلح (مُصطلح: يوم القيامة) قد يُطلَقُ في بعضِ الأحيان على يوم قيامِ القائم، ولكنّنا نَحتاجُ إلى سياقٍ، إلى قرينةٍ تُعينُنا على هذا الفَهْم.
  • في الأعمّ الأغلب حِين يأتي هذا المُصطَلح وهذا العُنوان (يوم القيامة) فإنَّ القيامةَ هُنا هي القيامةُ الكُبرى ما بَعْدَ الرجعةِ وما بعدَ نهايةِ زمان قُبّةِ أبينا آدم، بعد الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة.. بعد مرحلةِ ما تُطْلِقُ عليهِ الرواياتُ والأحاديثُ الشريفة: (جنّةُ الدُنيا).. بعد أن تنطوي مرحلةُ جنّةِ الدُنيا وتبدأ الإرهاصاتُ التي يُصطَلحُ عليها بـ(أشراطِ الساعةِ) وما بعد ذلك تأتي القيامةُ الكُبرى.
  • القضيّةُ ليستْ مَحدودةً بحُدود الدُنيا، فَبَعْدَ الدُنيا إنّنا ننتقلُ إلى عالمٍ فسيحٍ ووسيع وهو: (عالمُ القبر) وهُناك مِن المراحل والأطوار ومِن مراتبِ العوالم التي نَمرُّ مِن خلالها إلى الآخرة.
  • ● في دعاء أبي حمزة الثمالي المروي عن إمامنا السجّاد نقرأ: (الَّلهُمَّ إنّي أسألُكَ إيماناً لا أجلَ لهُ دُون لقائكَ، أحيني ما أحييتني عليهِ، وتوفّني إذا توفَّيتني عليهِ، وابعثني إذا بعثتني عليه..)
  • ندعو بهذا الدُعاء لأنَّ الإيمان قد يُسلَبُ من الإنسان في هذهِ الدُنيا وهو شاعرٌ بذلك.. يعني يشعرُ بأنَّ الإيمانَ قد سُلِبَ منهُ مرَّةً واحدة أو بالتدريج..!
  • وقد يُسلَبُ منهُ وهُو لا يشعرُ بذلك أبداً.. بل رُبّما يُصرُّ ويُعاندُ ويُكابرُ على أنّهُ على الحقّ..!
  • وقد يُسلب الإيمانُ مِن الإنسان عند الموت، في الّلحظاتِ الأخيرة مِن حياتهِ.. يُودّعُ الدُنيا ويخرجُ مِنها مِن دُون إيمان..!
  • وقد يُسلَبُ مِنهُ وهُو في عالم القَبر.. وقد وقد..!
  • في كُلِّ لَحظةٍ إلى أن يستلم الصكَّ مِن أمير المؤمنين (وهُو صكّ البراءة كما تُسمّيه الرواياتُ الشريفة) هُنا يكونُ الإنسانُ قد آمنَ على نفسهِ وآمنَ على إيمانه.. ولِذا فإنَّ الدُعاءَ هُنا يتحدّثُ عن هذهِ الحقيقة: أنَّ الإيمان قد يُسلَبُ مِن الإنسان في حياتهِ، وقد يُسلَبُ مِنهُ عند وفاتهِ، وقد يُسلَبُ منهُ في مواقفِ يوم القيامة..!
  • خَطَرٌ كبير.. ولكنَّ الأمان يكونُ مع إمام زماننا، فهو أمانٌ لأهل الأرض على طُولِ الخَطّ، هُو الذي يُعطِينا الأمانَ إلى أن نَستلِم (صكَّ البراءةِ) مِن عليٍّ.
  • وحِين أقول: (صكّ البراءة مِن عليّ) إنّني لا أتحدّثُ عن براءةٍ مِن عليٍّ، وإنّما هُو صَكُّ البراءةِ نستلِمُهُ مِن سيّد الأوصياء.
  • (صَكُّ البراءةِ) هذا العُنوان لا يتحدّثُ عن البراءةِ مِن أعداء عليّ، وإنّما البراءةُ مِن أعداءِ عليٍّ هي مُقدّمةٌ للحُصولِ على هذا الصكّ.
  • المُرادُ مِن (صكِّ البراءة) هُو أنّهُ صكّ البراءةِ مِن جهنّم، إنّها براءةٌ مِن جهنّم.. إنّها براءةٌ مِن كُلّ ما يُباعدُ فيما بيننا وبين ولايةِ عليٍّ.. هذا هو المُراد مِن صكّ البراءة الذي نستلِمُهُ مِن عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. إنّه صكُّ أمانٍ مِن أمير المؤمنين.
  • الدُعاء هُنا يتحدّثُ عن حقيقةٍ تغيبُ عن أذهاننا دائماً حتّى وإنْ كُنّا على عِلْمٍ بها، فما بالُكَ بالذي لا يعرفُ شيئاً عنها..!

  • مُشكلةٌ كبيرةٌ في ثقافتنا الشيعيّة التي تبتعدُ كثيراً عن مَنابع فِكْر العترةِ وثقافتها: إنّها مُشكلةُ “الأدعية والزيارة” فقد أهملها مراجعنا وعُلماؤنا ومُفكّرونا ومُفسّرونا.. فجنوا على أنفُسِهم وجنوا على الشيعةِ جنايةً عظيمةً..!

  • حقيقةٌ واضحةٌ جليّةٌ تتحدّثُ عنها كُلُّ أدعيةِ أهل البيت.. هذهِ العبارة تُحدّدُها بنحوٍ واضحٍ وصريح: (الَّلهُمَّ إنّي أسألُكَ إيماناً لا أجلَ لهُ دُون لقائكَ..)
  • لقاؤنا بهِ سُبحانهُ وتعالى إنّما يتحقّقُ حينما نلتقي بمُحمّدٍ وآل مُحمّد، وذلكَ لا يكونُ بالتمام والكمال إلّا بعد العُبورِ على الصراط (المُستقيم الجِسْر الممدود على جهنّم) وبعد أن نستلِمَ “صكَّ البراءة” مِن يد سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • فالإيمانُ قد يُسلَبُ منّا – كما مرَّ – ولذا نقرأُ في زيارةِ عاشوراء: (يا أبا عبدالله.. إنّي سِلْمٌ لِمَن سَالمكم وحَرْبٌ لِمَن حاربكُم إلى يوم القيامة..) هذا هُو معنى يا حسين.. إنّي ناصرك يا حُسين.. وتفصيلُ هذهِ النُصرة تُبيّنهُ هذهِ العبارة مِن زيارة عاشوراء.
  • فأينَ نحنُ مِن هذا المعنى ومِن هذا المضمون؟!
  • المُسالمةُ والمُحاربةُ في الدرجةِ الأولى فِكريّةٌ قبل أن تكونَ في أيّةٍ صُورة، لأنَّ بقيّةَ التفاصيلِ تتفرّعُ على الفِكْرةِ التي يحمِلُها الإنسان.. المُسالمةُ والمُحاربةُ هُنا على مُستوى الفِكْر.. ثُمّ بعد ذلك تظهرُ على مُستوى العاطفة، على مُستوى الأحاسيسِ والخَلَجاتِ النفسيّة وما يدورُ في صحائفِ وجدان الإنسان.. تتجلّى بعد ذلك إلى نيّتهِ وإلى مضمون ضميرهِ وقلبهِ وتظهرُ في قولٍ أو في عَمَلٍ أو في مُخطّطٍ مِن المُخطّطات.. في أيّ جانبٍ مِن جوانب حياتهِ الشخصيّة، أو ما يرتبطُ بعلاقاتهِ المُختلفةِ مع مَن حولَهُ وفيما يرتبطُ بكلِّ شُؤوناتِ حياتهِ الدينيّةِ والدنيويّة.
  • ● إنّني حين أقولُ يا حُسين وأنا أستجيبُ لنداءِ عاشوراء، وأنا أُقدّمُ جواباً لِسُؤالِ سيّد الشُهداء: (هل مِن ناصرٍ ينصُرني؟) حِين أقول: (يا حُسين) إنّني أُجيبُ على هذا السُؤال.. ولكن تكون إجابتي صحيحةً حينما يكونُ مضمونُ (يا حسين) صحيحاً.. والمضمونُ الصحيح لِهذهِ القولة ولهذا الشِعار: (يا حُسين) هو هذهِ العبارة الواضحة والواضحة جدّاً: (يا أبا عبدالله.. إنّي سِلْمٌ لِمَن سَالمكم وحَرْبٌ لِمَن حاربكُم إلى يوم القيامة..) إنّني على هذهِ النيّةِ إلى يوم القيامة، وهذا يُلزِمُني أن أكون حريصاً على أن أكون وفيّاً بهذهِ المُعاهدة، وأن لا آتي بشيءٍ يُؤدّي إلى انقطاع هذا الوفاءِ في الحياة في الحياةِ أو عند الممات أو ما بعد ذلك.. أحاولُ أن أجعل مِن إيماني إيماناً ثابتاً وليس إيماناً مُستودعاً.. فإنَّ الإيمان قد يكون عاريةً يعني مُستعاراً، مُستودعاً يُؤخذ مِن الإنسان في أيّةِ لحظةٍ من الّلحظات.
  • إنّنا حِين نقولُ: (يا حُسين) ونحنُ نَعرفُ ماذا نَقول.. إنّنا نُجيبُ على سُؤالٍ: (هل مِن ناصرٍ ينصُرني؟)
  • إذا أردنا أن تكون الإجابةُ صحيحةً فلا بُدَّ أن تشتمِلَ على هذا المضمون: (يا أبا عبدالله.. إنّي سِلْمٌ لِمَن سَالمكم وحَرْبٌ لِمَن حاربكُم إلى يوم القيامة..) والبدايةُ مِن هُنا أن يكون فكرنا حسينيّاً.

  • بعد كُلّ ما تقدّم مِن كلامٍ فَإنّني سأطرحُ سُؤالاً واضحاً يختصرُ كُلّ ما تقدّم وهو:

  • كيف ننصرُ الحُسين..؟
  • إذا كان قولُنا: (يا حُسين) هو جوابٌ على سُؤال سيّد الشُهداء: (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟) وأنا حين أقول يا حسين إنّني أزعمُ أنّني ناصرُ الحُسين.
  • والعبارةُ التي مرّتْ في زيارةِ عاشوراء تحدّثتْ عن حقيقةِ هذا المضمون: (يا أبا عبدالله.. إنّي سِلْمٌ لِمَن سَالمكم وحَرْبٌ لِمَن حاربكُم إلى يوم القيامة..)
    كيف ننصرُ الحُسين ونحنُ في زَمننا هذا..؟ والزيارةُ تتحدّثُ إلى يوم القيامة..!
  • نُصرتُنا للحُسين تتجلّى بشكلٍ واضحٍ جدّاً في نُصْرتِنا لِمَشروعهِ..
  • الحُسين الحُسين لا يحتاجُ إلى نُصرة.. الحُسينُ يحتاجنا في نُصرةِ مشروعهِ، وفي الحقيقةِ هي حاجتنا نحنُ وليستْ حاجة الحُسين، لأنَّ مشروعَهُ لأجلنا لا لأجلهِ.. الحسينُ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” مشروعهُ لي ولكم وليس لهُ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • فنُصرتي للحُسين هي نُصرةٌ لِمشروعهِ، ونُصرتي لِمَشروعهِ هي نُصْرةٌ لِنفسي.. أمَّا الحُسين فليس مُحتاجاً لِنُصرتي بما هو هو.
  • فإنّنا إذا أردنا أن نصدُقَ فيما نقول حينما نُلبّي: (يا حُسين) وحينما نهتِفُ بِصدْقٍ: (يا حُسين) ونُريدُ نُصْرةَ الحُسين، فعَلينا أن ننصُرَ مشروع الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وهذا هو معنى: (لبّيكَ داعي الله) هذا هو معنى: (لبّيكَ يا حُسين).
  • والمضمونُ هُو هو في سُورة الأنفال في الآية 24 بعد البسملة، قولهِ عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها الذينَ آمنوا استجيبُوا للهِ وللرسُول إذا دعاكم لِمَا يُحييكم…}
  • (لبّيكَ داعي الله) هذه التلبيةُ وهذهِ النُصرة هي لهذا البرنامج.. إنّهُ برنامج حياة.
  • وإذا رجعنا إلى حديث الإمام الصادق في [الكافي الشريف] وحديث الإمام الباقر في [تفسير القُمّي] في معنى هذهِ الآية مِن سُورة الأنفال، نجد أنّها تتحدّثُ عن ولاية عليّ.. هذا هُو المشروع.. مشروعُ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • ● برنامجُ الحياة إنّه برنامجُ الغدير حيثُ الدين، والتفسيرُ والفِقْهُ لا يُؤخَذُ إلّا مِن عليّ، وحيثُ الفَهْمُ والتقييمُ ومناهجُ البحثِ وطُرُقُ الاستدلالِ لا تُؤخَذُ إلّا مِن عليّ.. تلكَ هي مضامين بيعة الغدير.. وذلكَ هُو مشروع الحياة، وتلكَ هي دعوة مُحمّد “صلّى الله عليه وآله”.
  • نُصرتنا للحُسين هي نُصرةُ هذا المشروع.. إنّهُ مشروعُ مُحمّد، إنّهُ مشروعُ عليٍّ، إنّهُ مشروعُ فاطمة، إنّهُ مشروعُ إمامنا الحسن.. ولِذا نقرأُ في زياراتِ أنصارِ سيّد الشُهداء حينما نزورهم في كربلاء، نُسلّم عليهم على أنّهم هم أنصارُ رسول الله، وهُم أنصارُ أمير المُؤمنين، وهُم أنصارُ فاطمة، وهُم أنصارُ إمامنا الحسن.. إنّهم أنصار الحسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. ثُمّ نُخاطِبهم: “ياليتنا كُنّا معكم” في نُصرة مشروع الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ”.

  • وقفة عند مِثالين واضحين مِن أمثلةِ النُصْرةِ الحُسينيّة:

  • المِثال (1): مثالٌ للنُصْرةِ الحُسينيّة في أعلى مراتبها في حياةِ سيّد الشُهداء وفي يومِ الطفوف.
  • المِثال (2): مثالٌ للنُصرةِ الحُسينيّة بعد شهادةِ سيّد الشُهداء.
  • مثالانِ تتهاوى كُلُّ صُوَرِ الإخلاصِ والخِدمةِ في أعلى مَراتبهما عند ذِكْر هذين المِثالين.

  • المِثال الأوّل للنُصرةِ الحُسينيّة في حياةِ سيّد الشُهداء، هو: العبّاس.. هذا العُنوانُ الكبير، ولا أريدُ أن أتحدّثَ عن العبّاس هُنا وإنّما هي مُجرّدُ إشارة.

  • جاء في مقتل الحُسين للسيّد عبد الرزّاق المُقرّم الأبيات المعروفة للعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”:
  • يا نَفْسُ مِن بعد الحُسين هُوني* وبَعدَهُ لا كُنتِ أو تكوني
  • هذا الحُسينُ واردُ المَنون* وتشربينَ باردَ المَعينِ
  • تا اللهِ ما هذا فِعالُ ديني.
  • هذهِ لقطةٌ ظهرتْ في صِياغةٍ لَفظيّةٍ شِعريّةٍ تُنبئُ عن وجدان أبي الفضل.. لا أستطيعُ أن أسبُرَ أغوارها.. العبّاسُ هو الذي يعرفُ ماذا قال.. إنّما هي إشارةٌ خاطفة.
  • فهذهِ لقطةٌ يُمكنُني أن أصِفَها بحالةٍ وجدانيّة.
  • ● وهناك لقطةٌ أخرى، وتلكَ الّلقطةُ تتفاعلُ مع واقعٍ خارجيٍّ يُحيطُ بالعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حين قطعوا يمينهُ قال:
  • واللهِ إنْ قَطعتُمُ يميني* إنّي أُحامي أبداً عن دِيني
  • وعن إمامٍ صادق اليقين* نجلِ النبيّ الطاهرِ الأمينِ
  • في الصُورتين مشروعُ الحُسين واضحٌ جدّاً.. (تا اللهِ ما هذا فِعالُ ديني) وما مشروعُ الحُسين إلّا تحقيقُ دينِ الله، وسيأتي الحديثُ عن هذهِ النُقطةِ في الحلقاتِ القادمةِ إنْ شاء اللهُ تعالى.
  • لكن واضحٌ – إنْ كانَ الحديثُ العبّاسيُّ وجدانيّاً أو كان الحديثُ العبّاسيُّ إعلانيّاً فيما بين القوم – واضح أنّ المضمون هو هو.. نُصرةُ المشروعِ واضحةٌ في كُلّ المُستويات.

  • المِثال الثاني الذي هو للنُصرةِ الحُسينيّة بعد شهادةِ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” هُو: نُصرةُ زينب الكُبرى “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.

  • ● ممّا جاء في خُطبةِ العقيلةِ في الشام وهي تُخاطبُ يزيد، تقول: (فَكِد كيدك واسْعَ سعيكَ وناصبْ جُهدكَ فَواللهِ لا تمحو ذِكرنا ولا تُميتُ وحينا…)
  • بيانٌ صريحٌ واضح عن أنَّ المشروعَ الحُسيني مُتواصِلٌ بالنُصرةِ الصادقةِ وبالأولياء المُخلصين، وعلى رأسِ القائمةِ زينب “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.
  • ● وقفة عند كلمةِ العقيلة التي ينقُلها إلينا إمامنا السجّاد مِن حديثٍ طويل في [كامل الزيارات] تقول العقيلةُ وهي تُحدّثُ إمامنا السجّاد:
  • (فَواللهِ إنَّ ذلك لَعهدٌ مِن رسول الله إلى جدّكَ وأبيكَ وعمّكَ، ولقد أخذ اللهُ ميثاقَ أُناسٍ مِن هذهِ الأُمّة لا تعرفُهم فراعنةُ هَذهِ الأُمّة وهُم معرفون في أهْل السماوات أنّهم يجمعونَ هذهِ الأعضاءَ المُتفرّقة فيُوارونها وهذهِ الجسوم المُضرَّجة، وينصبونَ لهذا الطفِّ عَلَماً لِقَبر أبيكَ سيّد الشهداء لا يدرسُ أثرهُ و لا يعفو رَسْمُهُ على كُرورِ الّليالي و الأيّام، وليجتهدنَّ أئمةُ الكُفْرِ وأشياعُ الضلالةِ في مَحوهِ و تطميسهِ فلا يزدادُ أثرهُ إلّا ظُهوراً و أمرهُ إلّا عُلُوّا..)
  • هذهِ الكلمات صدرتْ من العقيلة “صلواتُ اللهِ عليها” حينما بدأ الركبُ الزينبيُّ السجّاديُّ الحزين يُغادِرُ كربلاء.
  • — هذه العناوينُ الكبيرةُ: (العبّاس، زينب) هي أمثلةٌ واضحةٌ ولا تحتاجُ إلى إثباتٍ أو إلى أدلّةٍ أو إلى براهين في أنّها العُنوانُ الأوّل في النُصْرةِ الحُسينيّة.. إنْ كانَ ذلكَ في حياةِ سيّد الشُهداء أو كان ذلكَ بعد شهادتهِ “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.
  • — (إحياءُ أمْرِ سيّد الشُهداء) هذا هُو العُنوان الواضحُ جدّاً في نُصرةِ مشروع سيّد الشُهداء.. إنّنا نَنْصرُ مشروعَ الحُسين في إحياءِ أمْره.
  • إحياءُ أمر الحُسين هو نُصْرةُ مشروعهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وسيأتي الحديثُ في الحَلَقاتِ القادمةِ عن مضمونِ مَشروعهِ، وعن مَضمونِ أهدافه.
  • — مِن أوضحِ مصاديقِ إحياءِ أمْرِ الحُسين هو: إحياءُ شعائرهِ الشريفة.. وأبرزُ مِصداقٍ مِن مصاديقِ “الشعائر الحُسينيّة” هي زيارةُ سيّد الشُهداء.. وإنّني أتحدّثُ هُنا عن الزيارةِ التي يُريدها سيّد الشُهداء، وليس الزيارة التي نحنُ نُريدُها.
  • فَهُناك زيارةٌ نحنُ نُريدُها حِين نذهبُ شوقاً للحُسين، وحِين نذهبُ للأجرِ والثواب، وحِين، وحين….
  • الكلام تسلسل بشكلٍ واضح:
  • (يا حُسين) نُصْرةٌ للمَشروع الحُسيني.. والنُصْرةُ للمَشروع الحُسيني تكونُ في إحياء أمر سيّد الشُهداء، في إحياء أمْر مَشروعهِ.. ومِن أبرز المَصاديق إقامةُ شَعَائرهِ، ومِن أوضحِها زيارتُهُ.. فَإنّنا لا نجدُ في ثقافةِ العترةِ شَعيرةً حُسينيّةً تحدّث عنها آل مُحمَّد مثلما تحدَّثُوا عن زيارة الحُسين..!
  • والروايات تُحدّثنا عن نوعين مِن الزيارة:
  • — زيارةٌ يُريدها الحُسين.
  • — و زيارةٌ نحن نُريدها.
  • أمّا الزيارةُ التي نحنُ نُريدها، فلا شأن لي بها.
  • الزيارةُ التي يُريدها الحُسين زيارةٌ مشروطة.. وضعوا لها شرطاً.. كما جاء في كتاب [كامل الزيارات] في الباب 54 : باب ثواب مَن زار الحُسين عارفاً بِحقّه.. هذه هي الزيارةُ المشروطة.. الزيارةُ التي يُريدُها آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ● الحديث (3) مِن الباب (54) مِن كتاب [كامل الزيارات] عن إمامنا الكاظم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ” يقول:
  • (أدنى ما يُثابُ بهِ زائرُ الحسين بشطِّ الفُرات إذا عَرف بحقّهِ وحُرمتهِ و ولايتهِ أن يُغفَر لهُ ما تقدَّم مِن ذنبهِ و ما تأخّر)
  • هذا هو النقاء حينما يُغفَرُ لهُ ما تقدَّم مِن ذنبهِ وما تأخّر.. ولكن بهذا الشرط: أن يكون الزائرُ عارفاً بِحقّ الحُسين وحُرمتهِ وولايتهِ.
  • زائرُ الحُسين الذي يزورُ الحُسين وهُو ليس عارفاً بحقّه، يُثاب ويُؤجَر.. لكنّني لا أُريدُ الحديث عن هذهِ الجهة.. إنّني أُحدّثُكم عن الزيارةِ المشروطة.
  • ● رواية أُخرى أيضاً في [كامل الزيارات] في نفس الباب (54) عن الإمام الرضا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ” يقول:
  • (مَن زار الحُسين بن عليّ عارفاً بحقّهِ كان مِن مُحدّثي اللهِ فوق عرشه – يعني أنّ الله يُحدّثهُ – ثُمّ قرأ: {إنَّ المُتّقين في جنّاتٍ ونَهَر* في مَقعدِ صِدْقٍ عند مليكٍ مُقتدر})
  • هذهِ المضامينُ مشروطةٌ بهذا الشرط: أن يزورَ الحُسينَ عارفاً بحقّهِ.. هذهِ هي الزيارةُ التي يُريدها الحُسين مِنّا.
  • والزيارةُ مِثلما قُلت هي مِن أبرزِ الشعائر الحُسينيّة، وقيامُنا بإحياءِ الشعائر الحُسينيّةِ هو إحياءٌ لأمر الحُسين وإحياءٌ لِمشروع الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ولكن بِهذا الشرط: (عارفاً بِحقّهِ).
  • هذا الأمرُ يجري على كُلّ الشعائر على اختلافِ أشكالها.
  • — أنا أقول للحُسينيّين وأقولُها لِنفسي قبل أن أقولها لهم: حينما تُحيونَ شعائرَ الحُسين فهل أنتم عارفون بِحقّهِ..؟!
  • المعرفةُ هي القضيّةُ التي لا تعبأُ بها الشيعة، لأنّهم يأخذونَ الثقافةَ المُخالفةَ البعيدةَ عن منابعِ العُيون الصافية.. هذهِ هي الحقيقة..!
  • قَطَعاً هذهِ الرواياتُ التي تتحدّثُ عن زائر الحُسين الذي يكونُ عارفاً بِحقّ الحُسين.. تتحدّث بِحَسَبهِ لا بِحَسَب الحُسين.
  • المعرفةُ على مَراتب وكُلُّ المراتب التي نتمكّن أن نصِلَ إليها هي بِحَسَبنا لا بِحَسَب الحُسين.. إنّنا نعرفُ الحُسينَ بحَسَب عُقولنا.
  • الحُسين يُريد منّا أن نعرفَهُ بِحَسَب عُقولنا وفقاً لبرنامجٍ مَعرفيٍّ حُسينيٍّ مِن العيون الصافية: (طَلَبُ المعارف مِن غير طريقنا أهل البيت مُساوقٌ لإنكارنا) هذهِ هي رسالةُ إمامِ زماننا الحُجّةِ بن الحسن إلينا جميعاً.
  • ● رواية أُخرى أيضاً في [كامل الزيارات] في نفس الباب (54) :
  • (عن فائد الحنّاط عن إمامنا مُوسى بن جعفر “صلواتُ اللهِ عليه”، يقولُ فائدُ الحنّاط: دخلتُ عليهِ – أي الإمام الكاظم “عليه السلام” – فَقُلتُ لَهُ جُعِلْتُ فِداك، إنَّ الحُسين “عليه السلام” قَد زارهُ الناس مَن يعرفُ هذا الأمْر ومَن يُنْكِرهُ، و ركبتْ إليهِ النساء، و وقَعَ حالُ الشُهرة – يعني عُرِفَ الناسُ الذين يَزورُونهُ – و قد انقبضتُ مِنهُ – أي انقطعتُ عن زيارتهِ – لِما رأيت من الشُهرة، قال: فمَكثَ مليّاً لا يُجيبني، ثُمَّ أقبل علي فقال: يا عراقي إنْ شهروا أنفُسَهم فلا تشهر أنتَ نفسكَ فو اللهِ ما أتى الحُسين آتٍ عارفاً بحقّهِ إلّا غفرَ اللهُ لَهُ ما تقدَّم مِن ذنبهِ و ما تأخَّر)
  • — قولهِ: (مَن يعرفُ هذا الأمْر ومَن يُنْكِرهُ) المُراد مِن “يُنكِرهُ” لا على سبيلِ العَداء لآل مُحمّد، وإنّما الإنكارُ مِن الجَهل، وقد يَعدُّ نَفسَهُ مِن شِيعةِ أهل البيت وهُو يفتقِدُ إلى المعرفةِ الصحيحة.
  • الإمام هُنا في هذهِ الرواية يتحدّث عن الزيارةِ المَشروطة، وأهملَ الحديثَ عن الزيارةِ التي لا تَستنِدُ إلى معرفة.. لا يعني أنّ الزيارة التي لا تستندُ إلى معرفة أنّها سيّئة، هي حسنةٌ ولكنَّ الأئمة يُريدونَ الزيارةَ المَشروطة.. أن يكونَ الزائرُ عارفاً بِحقّ الحُسين، كي تكونَ زيارتُهُ مِصْداقاً مِن مَصاديق إحياءِ الأمر.
  • كيف يُمكنُنا أن نُحي أمْرَ الحُسين ونَحنُ نَفتقِرُ إلى مَعرفةٍ أُصُولُها مِن العُيون الصافية.. المعرفةُ الشائعةُ واللهِ ما هي مِن الأصولِ الصافية، وإنّما أُخذتْ مِن العُيون الكدرة..! هذهِ هي الحقيقةُ الناصعة..!

تحقَق أيضاً

الحلقة ١٣ والأخيرة – المشروع الحسيني وفقاً لمنطق الكتاب والعترة ج٥

يازهراء …