يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ٨ – المشروع الحسيني ما بين المنطق الإبليسي والمنطق الشيعي الأبتر ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 8 محرّم 1440هـ الموافق 18 / 9 / 2018م

  • في الحلقاتِ المُتقدّمةِ مِن هذا البرنامج عرضتُ بين أيديكم مَجموعةً مِن الأقوالِ الإبليسيّة والأقوالِ البتراء التي تُهيمنُ على ساحةِ الثقافةِ الشيعيّةِ والتي تنتشرُ في الأجواء الحُسينيّة. ما ذكرتهُ مِن أقوالٍ بتراء هذهِ الأقوالُ مصدرُها مراجعُنا مِن الأمواتِ والأحياء.

  • وفي حلقةِ يومِ أمس عرضتُ بين أيديكم الحُسين الذي تُقدّمهُ المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّةُ في النجف والذين يتبعونها مِن الشيعةِ في مُختلفِ أصقاعِ العالم. عرضتُ لكم حُسينَ المرجعيّةِ الشيعيّةِ العُليا المُعاصرة في النجف.. حُسينٌ أتبرّأ منهُ بالمُطلق وبالكامل، لأنَّ حُسيناً الذي تحدّثت عنهُ الوثائق التي عرضتُها بين أيديكم، الذي كان يُحدّثنا فيها هو الناطقُ الرسمي بإسم المرجعيّةِ الشيعيّة العُليا المُعاصرة في النجف وهُو الشيخ الوائلي.
  • ولا أُريد أن أتحدّث عن الهُراء الذي تقدَّم عرضُهُ وعن السخافاتِ والسفاهاتِ والأكاذيبِ والجهالاتِ وسائرِ ما ذُكِرَ مِن قذاراتٍ ناصبيّةٍ مُنافرةٍ لِذوقِ آل مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” حُسينٌ هذا الذي يتحدّثون عنهُ في أجواءِ المُؤسّسةِ الدينيّة الشيعيّة الرسميّة ليس هو حُسينُ فاطمة، هذا حُسينُ الشافعي، حُسين القُطبي، حُسين الصُوفي.. لا أدري مَن هو..!

  • لازالَ الحديثُ يتواصلُ في هذهِ النقطة: في مَعرفتنا وفَهمنا للمشروع الحُسيني، لأنَّ نُصرتَنا للحُسين هي نُصرةٌ لِمشروعه.

  • كل ما تقدّم مِن حديثٍ عن الأقوال الإبليسيّة وعن الأقوال البتراء، وعن حُسين المرجعيّة الشيعيّة العُليا المُعاصرةِ في النجف، كُلّ ذلك مُنافرٌ لمنهج إمام زماننا بدرجة 100%.

  • كي تكتملَ الصُورةُ عندكم: في هذهِ الحلقةِ سأُوجّه أنظاري إلى (المكتبة الشيعيّة).. سأعرضُ بين أيديكم – بِحَسَب وجهة نظري – ما أجدُهُ مُميزاً في المكتبةِ الشيعيّة فيما كُتِب عن سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. قَطعاً حِين أقول ما أجدُهُ مُميّزاً بالقياس إلى ما كُتِب بشكلٍ عام، فهذا لا يعني أنّني أتّفِقُ مع الكتاب الذي سأطرحهُ على هذهِ الطاولة.

  • وحينما قُلت أنّني سأعرضُ بين أيديكم أنّها مُميزةٌ بالقياسِ إلى الكُتُب الأُخرى، فهذا لا يعني أنّني لا أنتقدُها.. الحديثُ حديثُ كُتُبٍ ومكتبات، حديثُ فِكرٍ وقَلَم.
  • (الحسين عليه السلام في المكتبة الشيعية)

  • هناك مُقدّمةٌ وجيزةٌ سأعودُ إليها في حلقةِ يوم غد.. لكنّني مُضطرٌّ لِذكرها الآن كي تكون مِيزاناً إجماليّاً أزنُ بها هذهِ الكُتُب.

  • المشروعُ الحُسينيُّ بِحَسَب فَهمي لِما يتجلّى لي مِن آياتِ الكتابِ وأحاديثِ المعصومين وزياراتهم وأدعيتهم وسائرُ ما يرتبطُ بهذا الموضوع.. المشروعُ الحُسينيُّ يُمكنُني أن أُجمِلَهُ وأن أختصِرَهُ في ثلاثِ صحائف:
  • الصحيفة (1): تختصرُ الزمان مُنذ بدايةِ بعثةِ نبيّنا “صلّى الله عليه وآله” أي مُنذُ اليوم السابع والعشرين مِن شهر رجب ما قبل الهجرةِ بثلاث عشرة سنة.. إلى يوم عاشوراء سنة 61ه.
  • هذهِ الصحيفةُ الأولى مِن صحائفِ المشروع الحُسيني تختصرُ ما بينَ يومِ البعثة المُحمّديّة إلى يوم عاشوراء، إلى يوم الشهادةِ والدمِ الحُسيني.
  • الصحيفة (2): فإنّها تبدأُ مِن عاشوراءِ الشهادةِ والدم الحُسيني سنة 61 ه إلى عاشوراء يوم الظُهور.. فإنَّ إمامَ زماننا يكونُ ظُهُورهُ في يوم عاشوراء.
  • الصحيفة (3): مِن يوم عاشوراء الظُهور إلى يوم القيامة الحُسيني وهُو آخرُ يومٍ من أيّام الدولةِ المُحمّديّة والتي عُبّر عنها في أحاديثِ أهل البيتِ بجنّةِ الدُنيا.. إنّها تاجُ مرحلةِ الرجعة.. وهذا اليوم (يومُ القيامةِ الحُسينيّة) يومٌ لهُ خُصوصيّتهُ.
  • فكُلُّ حديثٍ وكُلُّ قولٍ وكُلُّ تفسيرٍ وكُلُّ قصيدةٍ وكُلُّ كتابٍ لا يأخذُ في فَهمهِ مضامين هذهِ الصحائف جميعاً في مشروعٍ واحد وفي خارطةٍ واحدة، فحتّى لو صحَّ في بعض جوانبهِ فهو طرحٌ أبتر- على الأقل مِن وجهة نظري – وهذا مُرادي مِن الأقوال البتراء.
  • فالأقوالُ البتراء هي التي لا تأخذُ بنظرِ الاعتبارِ هذهِ الحقائق فتبترُ المشروعَ الحُسينيّ بعيداً عن يومِ الظُهور والمشروع المهدوي، وبعيداً عن الرجعةِ بكُلّ تفاصيلها العظيمةِ الهائلة والتي تنتهي – أي مرحلة الرجعةُ – بيومِ القيامةِ الحُسينيّة.
  • إنّني أتحدّثُ عن المشروعِ الحُسيني في العالم الدنيوي، أمّا في العالم الأُخروي فذلك شأن آخر.
  • وِفقاً لهذا المنظار وبِحَسَب هذا المِيزان إنّني أزنُ أقوالَ مَراجعنا وأقوالَ عُلمائنا ومُعتقداتهم (ما قالوه، وما علّموا الناس، وما كَتَب الكُتّاب منهم في كُتُبهم) أزنُ أقوالهم جميعاً وفقاً لهذا الميزان (ميزان الصحائفِ الثلاثة).

  • وقفةٌ عند نماذج من الكُتُب التي أظنّ أنّها مُميزةٌ بالقياسِ إلى الكُتُب الأخرى التي كَتَبها مَن كَتَبَها في المكتبةِ الشيعيّةِ عن سيّد الشُهداءِ وعن مَشروعهِ العملاق.

  • الكتاب (1): كتابُ [الخصائص الحُسينيّة] لأحد مراجع الشيعة وأحد خُطباء المِنبر الحُسيني الكبار وهو: الشيخ جعفر التُستري.
  • اشتُهِر هذا الكتاب بهذا العُنوان.. أمّا العُنوان الذي وضعهُ المُؤلّف – بِحَسَب ما جاء في المُقدّمة – هو: “خصائصُ الحُسين ومزايا المظلوم”.. وهذا العُنوان هو الأوفق بِمضمون الكتاب.. لو أنّهُ يُعرَفُ بهذا التفصيل فإنَّ العُنوان يكشِفُ عن المُعنون.
  • — هذا الكتابُ تناول فيه الشيخ جعفر التستري ما يُمكن أن يُصطلَح عليه “خصائصَ الحُسين ومزايا المظلوم”.
  • وبالإجمال أقول: حينما يسألني سائلٌ عن أفضلِ كتابٍ كُتِبَ عن سيّد الشُهداء فإنّني أقول: هذا أفضلُ كتاب.. معنى أنّني أقولُ بأنّ هذا الفِكر فكرٌ أبتر بحسب الميزان الذي عرضتُهُ بين أيديكم.
  • لأنّ الذي جاء في هذا الكتاب بعبارةٍ مُختصرة: تسليطُ ضوءٍ على الدوافع التي تدفعُنا وعلى الأسباب التي تجعلُنا نعيشُ في أجواءِ مَظلوميّةٌ سيّد الشُهداء.. فهو ترسيخٌ وتفصيلٌ للجانب الوجداني في علاقتنا مع سيّد الشُهداء.
  • شيخ جعفر التستري حاول أن يستقصيَ كُلَّ الأحاديثِ التي وردت عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” وراحَ يبحثُ عن كُلّ كلمةٍ أو عن كُلّ مقطعٍ في زيارةٍ أو في دُعاءٍ، أو عن كُلّ آيةٍ وردَ في الرواياتِ ما وَرَدَ بِخُصوصها مِن ربطها بسيّد الشُهداء.. حاولَ أن يجمعَ كُلّ شيءٍ بقَدرِ ما يتمكّن لأجلِ أن يرسمَ برنامجاً وجدانيّاً رائعاً جدّاً.. فهُو في الحقيقةِ أفضلُ ما كُتِبَ عن سيّد الشُهداء، والسبب:
  • هُو أنَّ الشيخ جعفر اعتمدَ على حديثِ العترة الطاهرة.. هذا هُو الذي جعلَ هذهِ الخُصوصيّة في هذا الكتاب.
  • الكتابُ لم يتحدّث عن المشروعِ الحُسيني في أبعادهِ الواسعة العظيمة، ولم يتحدّث عن الصحائف الثلاثةِ التي أشرتُ إليها، وعن الرباطِ المِفصلي الوثيق مع المشروع المهدوي ومع عصرِ الرجعة الطويل الذي بكُلّهِ يرتبطُ ارتباطاً كاملاً بمقتلِ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”. علماً أنّ ما أقولهُ ليس استنتاجاً وليس تأثُّراً بِفكرٍ صُوفيٍّ أو بأوهام.. وإنّما هي ثقافةُ العترة الطاهرة وأحاديثهم، وهذا ما سأعرضهُ بين أيديكم فيما بقي مِن حَلَقاتِ هذا البرنامج.
  • — كتاب [الخصائص الحُسينيّة] كما ذكرت كتابٌ تناول الجانب الوجدانيّ مِن علاقتنا بهذه الجهة: بـ(ظُلامةِ سيّد الشُهداء) وما يترتّبُ عليها مِن حُزنٍ وانكسارٍ وتفجّعٍ، وما يرتبطُ بها مِن طُقوسٍ وزيارةٍ وبُكاءٍ وسائر ما يُمكن أن يكون في هذا السياق.
  • إذا أردتُ أن أُشكِلَ عليه فإشكالي عليه هو هذا: أنَّ البحثَ في هذا الكتاب بحثٌ أبتر، إذ لم يربط فيما بين عاشوراء الشهادة وعاشوراء الظُهور، ولم يربط فيما بين مشروعِ الحُسين وعصرِ الرجعةِ الطويل الذي يرتبطُ ارتباطاً مِفصليّاً أكيداً وشديداً بالمشروعِ الحُسيني.
  • وأنتم تلاحظون: الثقافةُ الحُسينيّة في الأجواء الشيعيّة وبشكلٍ خاص في أجواء المرجعيّات الشيعيّة هي أبعدُ ما تكون عن فَهمِ المشروع الحُسيني وعلاقتهِ بظُهورِ إمامِ زماننا وارتباطهِ ارتباطاً وثيقاً بعَصر الرجعة.. لأنَّ مراجعَ الشيعةِ أساساً لا يعبأونَ بعقيدةِ الرجعة، وإن آمنوا بها لا يعرفون أبعادها وأسرارها، لأنّهم أهملوا رواياتها وأحاديثها.
  • — فكتابُ [الخصائص الحُسينيّة] كما مرَّ هو أفضلُ كتابٍ كُتِبَ بنظري عن سيّد الشُهداء، لأنّ الكُتُب الأُخرى التي كُتُبت خُصوصاً مِن خمسينات القرن العشرين وإلى يومنا هذا إمّا هي كُتُبٌ تسطيحيّةٌ وساذجةٌ جدّاً.. وإمّا هي كُتُب حكايةٍ والحكاياتُ منقولةٌ عن الطبري وأضرابه في تأريخ الحادثةِ والواقعة، وإمّا كُتُبٌ يتمشدقُ أصحابها على أساسِ أنّهم مُفكّرون، وكُلُّ ما ذكروهُ قيٌ قُطبيٌّ لا غير ذلك – هذا مِن وجهةِ نظري على الأقل –
  • فهذا الكتابُ كتابٌ جميلٌ جدّاً، مُفيدٌ جدّاً، ولكنّهُ يبقى كتاباً أبتر..! مع أنّهُ اشتملَ على كمٍّ هائلٍ مِن أحاديث العترةِ الطاهرةِ.
  • مَن أرادَ أن يُعمّق علاقتهُ الوجدانيّة بسيّد الشُهداء فعليهِ بهذا الكتاب.. فهذا الكتابُ مُفيدٌ جدّاً في هذا الجانب، لكنّهُ كما قُلت لا يشرحُ ولا يتبنّى المشروعَ الحُسيني بِحَسَب الفَهم الإجمالي الذي أشرتُ إليهِ في الصحائفِ الثلاثة.. وهذهِ القضيّةُ حاضرةٌ في كُلّ الكُتُب.
  • قد لا يكونُ عناداً وإنكاراً مِن الشيخ جعفر التستري، فمِثلَ ما آمنَ واعتقد بكُلّ هذهِ النُصوص، فلو كانَ مُلتفتاً إلى هَذهِ الحقيقة لَذَكرها وتَحدّث عنها.. لكنَّ الثقافة العامّة هي الغالبة وهي المُسيطرة.. هذهِ ثقافةُ مراجعنا، إنّها ثقافةٌ بتراء.. فحينما يتحدّثون عن الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ” يتحدّثون عن واقعةٍ تأريخيّةٍ حدثت في يوم عاشوراء في السنة 61 ه، ولا يربطون ربطاً عقائديّاً فيما بينها وبين ما قبلها وبين ما بعدها.. وإذا ما أرادوا أن يتحدّثوا عن أشياء مِن هذا القبيل فإنّها تأتي في سياقِ تحليلٍ احتمالي. هذا هو الموجودُ في الثقافةِ الشيعيّة إن كان ذلك في الكُتُب، على ألسنةِ المراجع والخُطباء والفضائيّاتِ والإعلام، أو حتّى في عقولِ الشيعةِ عموماً وفي قُلوبهم.
  • يُمكنني أن أختصر المقال وأقول: “الساحةُ الثقافيّةُ الشيعيّة”.. يُمكن أن يكون هذا التعبير عُنواناً لكُلّ هذهِ التفصيلات.
  • — في الساحةِ الثقافيّةِ الشيعيّة هُناك ثقافةٌ عوراء تنظرُ إلى جهةٍ مُعيّنة وبضبابيّة، مِثلما ينظرُ النواصب والمُخالفون، ولكن تُضافُ إليها بعضُ البهارات الشيعيّة..! هذا هو الموجود في ساحتنا الثقافيّة الشيعيّة وخُصوصاً في وسطِ المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّةِ الرسميّة.
  • الكتاب (2): كتاب [الأنوار القُدسيّة] وهُو أيضاً لمرجعٍ مِن مراجع الشيعة الكبار: الشيخ محمّد حسين الأصفهاني.
  • هذا الكتاب هُو منظومةٌ شعريّة لكنّها منظومةٌ عقائديّةٌ مُركّزةٌ جدّاً.. في الحقيقةِ ما هي بِشعر، إنّها كتابٌ علميٌّ معرفيٌّ صاغهُ الشيخ محمّد حسين الأصفهاني بصياغةٍ نظميّةٍ شِعريّة. هذهِ معارف، معلومات، صِيغت بِصياغة الشِعر.
  • — الأنوار القُدسيّة قد يكون هذا الكتاب مِن النُصوص المَعرفيّة في العقيدةِ الشيعيّة العميقةِ جدّاً والمُميزةِ جدّاً.. قد يكونُ مُنفرداً بالقياسِ إلى ما كَتَبَهُ بقيّةُ مراجعِ الشيعةِ ممّن عاصروه، ممّن سبقوه، ممّن هُم في أيّامنا هذه.
  • — بِحَسَب الطبعة التي بين يدي في صفحة 34 فيما يرتبطُ بسيّد الشُهداء هُناك قصيدةٌ جميلةٌ جدّاً وتشتملُ على أهمِّ المطالبِ العقائديّة والمعرفيّة، قَطعاً بلسانِ الشِعر وبلسان النظمِ وهو قد أخفى مضامينها في حُزمةٍ واضحةٍ مِن الاصطلاحاتِ العرفانيّة المُستعملةِ في أجواء المدرسةِ العرفانيّة الشيعيّة، مع مُلاحظة أنَّ مُصطلحاتِ هذهِ المدرسة أُخذت مِن ابن عربي..!
  • فَإنَّ المدرسةَ العرفانيّةَ الشيعيّةَ في ثقافتها، وفي مُصطلحاتها، وفي قواعدها، وفي أصولها، خُصوصاً في الجانب النظري منها أُخذت عن ابن عربي.. فالكتابان الشهيران لابن عربي: فُصوص الحِكَم والفتوحات المكيّة يكادان يكونان قُرآناً للمدرسةِ العرفانيّةِ الشيعيّةِ..!
  • — ممّا جاء في منظومة الأنوار القُدسيّة.. يقول الشيخ محمّد حسين الأصفهاني في ميلاد سيّد الشُهداء:
  •  
    أسفرَ صُبح اليُمن والسعادة عن وجهِ سرّ الغَيب والشهادة
    أسفرَ عن مِرآةِ غيبِ الذاتِ ونُسخة الأسماءِ والصفاتِ
    تُعربُ عن غيبِ الغُيوب ذاتُه تُفصح عن أسمائهِ صفاتُه
    ينبئُ عن حقيقةِ الحقائق بالحقّ والصِدق بوجهٍ لائق
    لقد تجلّى أعظمُ المجالي في الذاتِ والصفاتِ والأفعالِ
    رُوحُ الحقيقةِ المُحمدية عقلُ العُقولِ الكُمَل العليّة
     
  • — ويستمرُّ وفقاً لهذا الذوقِ وعلى نفسِ هذا الاتّساق.. إلى أن يقول:
  •  
    لو كُشِفَ الغِطاءُ عنكَ لا ترى سِواهُ مركزاً لها ومِحورا
    وهل تَرى لِمُلتقى القَوسين أثبتَ نقطةٍ مِن الحُسينِ
     
  • — إلى أن يصِلَ إلى هذا العنوان: “الدمُ الأقدس والنهضةُ الكريمة”.. وهُنا هُو الآخرُ لا يخرجُ عن فَهمٍ شائعٍ يتردّدُ على الألسنة وموجودٌ في الشِعر الشيعي.. فيقول:
  •  
    بنى المعالي بمعالي هِمَمِهِ ما اخضرَّ عُودُ الدينِ إلّا بدمه
    بنفسهِ اشترى حياةَ الدين فيا لها مِن ثمنٍ ثمينِ
    أحيى معالمَ الهُدى برُوحه داوى جُروحَ الدينِ مِن جُرُوحه
    جفَّت رياضُ العِلم بالسَمومِ لو لم يُروّها دَمُ المظلومِ
    فأصبحت مُورقةَ الأشجارِ يانعةً زاكيةَ الثمارِ
    أقعدَ كُلّ قائمٍ بنهضته حتّى أقامَ الدينَ بعد كبوته
    قامت بهِ قواعدُ التوحيدِ مُذ لجأت برُكنها الشديدِ
    وأصبحت قويمةَ البُنيانِ بعزمهِ عزائمُ القُرآنِ
     
  • هذهِ المضامين تتعارضُ بالكامل مع منطق إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” والذي سأتناولهُ في حلقةِ يوم غد.. هذا المنطق منطقٌ مُخالفٌ لِحديثِ العترةِ الطاهرة.. هذا منطقُ المراجع والعُلماء
  • — إلى أن يقول:
  •  
    وكيف يرجى الخير من خمارها تبَّت يدٌ مُدّت إلى خِمَارها
    وأدركت مِن النبيّ ثارها وفي ذراريهِ قَضَت أوتارها
    واعجباً يُدرَك ثارُ الكَفَرة مِن أهل بَدرٍ بالبدورِ النيّرة
    فيا لثاراتِ النبيّ الهادي بما جنت بهِ يدُ الأعادي
    ومَن لها إلّا الإمامُ المُنتظَر أعزَّهُ اللهُ بفتحٍ وظَفَر
     
  • ذكرهُ للإمام “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” جاءَ في نفسِ السياقِ الشِعري الذي اعتادَهُ شُعُراءُ الشيعةِ مِن أن يُشيروا إلى الإمامِ الحُجّةِ حينما يتحدّثون عن ثأرٍ بنَفس الفَهم العربي للثأر وكأنّهُ ثأرٌ قبائلي، ثأرٌ عشائري..!
  • فهذا الكتاب هُو الآخر فكرٌ أبتر.. إذ لا يُوجد رباط واضح فيما طُرِحَ في هذا الكتاب، والذي أعتقدُ أنّهُ مِن أفضلِ الكُتُب المعرفيّة التي كُتُبت في مقاماتِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • ومع ذلك فإنّني أضعُ هذهِ المنظومة بِحَسَب المِيزان الذي حدّثتُكم عنهُ بالمُجمَل قبل قليل أضعُها في كفّةِ الفِكر الأبتر.
  • لأنّني أتحدّثُ عن المشروع الحُسيني بهذا التواصل: الذي يبدأُ مِن يوم المبعثِ إلى عاشوراء الشهادة، ومِن عاشوراء الشهادةِ إلى عاشوراء الظُهور، ومِن عاشوراء الظُهور إلى يوم القيامةِ الحُسينيّة على الأرض، وهُو آخرُ أيّام عَصرِ الرجعة وآخرُ أيّام الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة.
  • فما جاء في الخصائص الحُسينيّة أو ما جاء في الأنوار القُدسيّة لم يتناول هذهِ المطالب ولم يتحدَّث عنها لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد.. ومع ذلك فإنّني أقول: كتابُ الخصائص الحُسينيّة هو مِن أفضل ما كُتُب في المكتبة الشيعيّة بِلحاظ ما بأيدينا مِن الكُتُب.. وكذلك الأنوارُ القُدسيّة للشيخ محمّد حسين الأصفهاني.
  • الكتاب (3): كتاب [مقتل الحُسين] أو [حديثُ كربلاء] للسيّد عبد الرزّاق المُقرّم.
  • أنا لا أتحدّثُ هُنا عن الجانب الذي روى فيه السيّد عبد الرزّاق المُقرّم الواقعة، وإنّما أتحدّثُ عن المقالاتِ وعن الأبحاثِ التي جاءت في أوّل الكتاب.. فيه الجانبُ التأريخي.. تقريباً المقتل الذي يقرؤُهُ الشيخ عبد الزهرة الكعبي مأخوذ مِن هذا الكتاب.
  • السيّد عبد الرزّاق المُقرّم حاولَ أن يخرجَ مِن الثقافةِ الشائعةِ في الجوّ النجفي ولكنّهُ لم يستطع، بقي مُتردّداً فيها..!
  • — (وقفة سريعة أُشير فيها إلى بعض العناوين الموجودة في هذا الكتاب مع أرقام الصفحات.. لِمَن أراد أن يُراجعَ أو يُتابع)
  • في هذهِ الصفحات حاولَ السيّد عبد الرزّاق المُقرّم أن يشرحَ المشروعَ الحُسيني فلم يخرج بعيداً عن المضمون الذي نَظَمَهُ أستاذُهُ الشيخ محمّد حسين الأصفهاني.
  • السيّد عبد الرزّاق المُقرّم على المُستوى الشخصي كان يحملُ عقيدةً ولائيّةً راسخةً.. (في هذا الكتاب أو في غيره) واضحٌ ولاؤُهُ ومودّتُهُ الصادقة، ومُحاولتُهُ قدر الإمكان أن يُبعِدَ كُلَّ شائبةٍ مِن فناءِ عقيدتهِ بآلِ مُحمّد.. لكنّهُ يبقى مَحبوساً بهذهِ الأربطةِ الحوزويّة التي تُقيّدُ العُقول وتُقيّدُ الباحث مِن أن ينطلقَ في فضاءِ ثقافةِ الكتابِ والعترة مِن دُون أن يحملَ على ظَهرهِ أثقالَ مناهجِ المُخالفين والتي تُعيق مَسيره.. فهو لا يستطيعُ أن يسيرَ مُسرعاً، ولا يكونُ مُرتاحاً، ولا يأخذُ الحريّةَ الكاملةَ بسببِ الصنميّةِ الحاكمةِ في الجوّ الحوزوي.. وهذا ما ألمحُهُ في كُلِّ ما كَتَبَهُ السيّد عبد الرزّاق المُقرّم، فهو يُحاول أن ينفلت، ولكنَّ قيود علمِ الرجال والدرايةِ والأصول والأعراف المرجعيّة تُقيّدهُ وتُغلّلهُ بأصعبِ وأثقلِ الأغلال..!
  • ومع ذلك فإنَّ ما كَتَبَهُ السيّد عبد الرزّاق المُقرّم في شرحهِ للمَشروع الحُسيني هو أفضلُ بكثيرٍ مِن أولئك الذين كَتَبوا عن المشروع الحُسيني بذلك النَفَس القُطبيّ المشؤوم، وما أكثر هؤلاء..!
  • الخُلاصة: هذا الكتاب [مقتل الحُسين] هو بحثٌ أبتر أيضاً؛ لأنَّ السيّد المُقرّم لم يُشِر أيضاً إلى ظُهورِ إمام زماننا وارتباطِ المشروع الحُسيني بذلك، ولم يُشِر إلى عصر الرجعةِ وارتباطِ هذا العصر والمُجرياتِ التي تجري فيهِ بمشروعِ سيّد الشُهداء.. فهو بحثٌ أبتر كالأبحاثِ التي سَبَقتهُ.
  • هذهِ كُتُبٌ مِن وجهةِ نظري هي مِن أفضل الكُتُب التي أنصحُ مَن يسألني قراءتها (الخصائصُ الحُسينيّةُ للشيخ جعفر التُستري، منظومة “الأنوار القُدسيّة” للشيخ محمّد حسين الأصفهاني “للذي يفهمها”، وكتاب “مقتل الحُسين” للسيّد عبد الرزّاق المُقرّم).
  • الكتاب (4): كتابُ [الإمام الحُسين وراثُ آدم] القِسم الأوّل والقِسم الثاني للدكتور علي شريعتي (المُفكّر والكاتب الإيراني المعروف).
  • هذا الكتاب هو عبارة عن مقالاتٌ كتبها الدكتور عليّ شريعتي ومقالاتٌ ألقاها.. هذا الكتاب أصلُهُ بالّلغةِ الفارسيّة وتُرجمَ إلى الّلغة العربيّة والمُترجم: علي الحُسيني. الدكتور علي شريعتي مِن الشخصيّاتِ التي يدورُ حولها كلامٌ كثير.. وأنا هُنا لا أُريدُ أن أتحدّثَ عن عليّ شريعتي، وإنّما أتحدّثُ فقط عن كِتابهِ.. فهذهِ الحلقةُ ليست مُعدّةً للحديثِ عن الأشخاص، وإنّما الحلقةُ تتناول الكُتُب بغضّ النظر عن المُؤلّف وعن ما قِيل حَولهُ أو ما قِيل فيه.
  • — الكتابُ يبدأُ بذكر “زيارةِ وارث”، فعُنوان الكتاب: الإمامُ الحُسين وارثُ آدم.. وكما قُلت: فإنّني آتي بِكُتُبٍ أجدُها مُميّزة، ولكن ليس بالضرورةِ أنّني أتّفِقُ مع الكاتب. الغريبُ هُنا هو أنّ هذا الكتاب هُو الوحيد في كُلّ هذهِ الكُتُب وفي غيرها الذي حين تحدّث عن المشروع الحُسيني تحدّث عن ظُهور إمام زماننا وعن الرجعةِ ورَبَط هذهِ الأجزاء بِحَسَب فَهمهِ.. ولِهذا السبب جئتُ بهذا الكتاب. فهو الكتابُ الوحيد الذي رَبَط رَبطاً مِفصليّاً بين عاشوراء الشهادة، وظُهور الإمام، والرجعة.. قد لا أتّفقُ معهُ في التفاصيل، ولكنّني أردتُ أن أسألَ سُؤالاً وأن أُجيبَ عليه.
  • السُؤال هو: لماذا وصلَ الدكتور علي شريعتي في بحثهِ إلى هذهِ النتيجة؟ بينما البقيّةُ الباقيّة (مِن الذين جئتُ بِكُتُبهم أو مِن الذين لم آتي بِكُتُبهم مِن كبار مراجع الشيعة) لماذا هؤلاء لم يصِل بحثهم إلى هذه النُقطة؟!
  • الجواب: لأنَّ مراجعنا مُكبّلون بقواعدِ الفكر الناصبي.. وهذا لا يعني أنَّ علي شريعتي لم يكن مُتأثّراً بالفِكر الناصبي، ولكنّهُ ليس مُكبّلاً بأغلالِ البحثِ الحوزوي الشافعي.. هذا هو السبب.
  • وأُذكّركم بقضيّة وهي: أنّ الذين تابعوني في برنامج [السرطان القُطبي الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة] حين كُنتُ حدّثتُكم في البرنامج المذكور عن سيّد قُطب، وعن مراحل حياته.. في المرحلة التي بدأ فيها يقتربُ من الفِكر الإسلامي نوعاً ما.. حينما كَتَب كتابهُ [العدالة الإجتماعيّة] وقد حدّثتُكم عن هذا الكتاب، وكيف أنّ المُخالفين المُعاصرين لهُ وصفوهُ بالتشيّع..!
  • هُو لم يكن شيعيّاً، ولم يكن قد تأثّر بالفِكر الشيعي، ولكنَّ الرجل في تلكَ الفترة كان حُرَّ التفكير، فحينما يبحثُ مسألةً مِن المسائل يبحثُ في جميع المُعطيات، فحينما بَحَث في جميع المُعطيات وصلَ إلى نتائج صحيحة قريبة مِن الفِكر الشيعي، مِن فِكر أهل البيت.. قَطعاً في الخُطوط والاتّجاهات العامّة.. فهو قد انتقد عُثمان بن عفّان، وانتقد مُعاوية بن أبي سُفيان، ووقفَ إلى جانب أمير المؤمنين في كتابهِ [العدالة الإجتماعيّة] ولذا قالوا عنه أنّهُ تشيّع.. والأمرُ لا علاقةَ لهُ بالتشيّع، وإنّما السبب هو أنَّ الرجُلَ في تلكَ الفترة كان يُفكّرُ بشكلٍ طبيعيٍّ بعيداً عن أغلال التعصّب وعن قواعد الفِكر الناصبي.. ولكن حينما صارُ مُتديّناً انقلبَ بالعكس..! ولا شأنَ لنا هُنا بسيّد قُطب.
  • — المُشكلةُ في المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّة الرسميّة هي أنّ علماءنا ومراجعنا حين يبحثون في الجانب العقائدي لا يصلونَ إلى النقطةِ القريبةِ مِن الجهةِ التي يُريدُها أهل البيت والسبب: لأنّهم يعملون بقواعد الفَهم الناصبي، بالمنهج الشافعي والتفاصيل الأخرى التي جاءُوا بها مِن الأشاعرةِ والمُعتزلةِ وغيرهم.
  • أمَّا علي شريعتي فيتعاملُ مع المُعطيات بطريقةٍ حُرّة.. يتعامل مع المُعطيات بالطريقةِ التي يتعامل بها عُلماءُ الغَرب.. فَعلي شريعتي قد تأثّر كثيراً بالفِكر الذي قد دَرَسهُ وتعلّمهُ في الجامعاتِ الفرنسيّة.
  • فحينما نجد في كُتُب شريعتي شيئاً ينسجِمُ مع الفِكر الناصبي، فذلك لأنّهُ يتعامل مع جميع النُصوص على حدٍّ سواء.. فيأخذ النصَّ مِن الطَبَري ومِن البُخاري، ويأخذُ النصَّ مِن الكافي، أو مِن الإنجيل، أو مِن القُرآن.. يتعاملُ مع النُصوصِ بشكلٍ واحد بطريقةِ البحث الحُرّ.. ولذا حين وصلَ إلى دراسةِ المشروعِ الحُسيني وجدَ أن النصوصَ تقودهُ إلى ظهورِ الإمامِ وإلى الرجعةِ.. ومِن هُنا ربَطَ في دراستهِ للمشروع الحُسيني بين هذهِ العناوين الثلاثة.
  • — أتعلمونَ أنَّ السببَ وراءَ هُجومِ الحوزويّين على علي شريعتي ليس هُو ما كَتَبَهُ مُوافقاً فيهِ للمُخالفين، أو ليس هُو ما كَتَبهُ وفيهِ شيءٌ مِن التوهين بعقيدةِ آلِ مُحمّد، وإنّما ما كَتَبهُ مِن انتقادٍ لِرجال الدين.. وإلّا فالمُستوى العقائدي في أهل البيت على رغم التقصير والنقص عند علي شريعتي هُو أفضلُ ممّا كَتَبهُ مراجعنا في كُتُبهم..! (لا أتحدّثُ هُنا عن الجميع ولكن عن الأعم الأغلب).. فإنَّ الأعمّ الأغلب مِن مراجعنا يُعيدون الشيعةَ إلى عِلم الكلام، وعلمُ الكلام لا يُنتجُ إلّا عقيدةً ناقصة.. لا يُنتجُ إلّا عقيدةِ التقصير.. وكُتُب المراجعِ موجودةٌ بين أيدينا، ولقد حدّثتُكم كثيراً عن هذا وبالوثائق والحقائق.
  • علماً أنّني هُنا لا أُريدُ الدفاع عن علي شريعتي، ولا أتّفقُ مع علي شريعتي، ولكنّني مثلما حدّثتُكم عن سيّد قُطب وقُلت أنّهُ لابُدّ أن نتحلّى في البحث بالإنصافِ العلمي.. فَمِن دُون الإنصاف العِلمي ومِن وضع النقاط على حُروفها فإنّنا لن نصِل إلى الحقيقة.
  • ولِذا فإنَّ علي شريعتي اعتمدَ في دراستهِ للمشروع الحُسيني في هذا الكتاب اعتمدَ المنطق الديالكتيكي، والمنطق الديالكتيكي إذا ما أراد أن يعتمِدهُ في دراستهِ للمشروع الحُسيني سيقودهُ حَتماً إلى ظُهور الإمام وإلى الرجعة.
  • — ربّما الآن مَن يُتابعني يتبادر إلى ذهنهِ مُباشرةً أنّ المنطق الديالكتيكي هو الفِكرُ الماركسي.. والحال أنّ الديالكتيك لا علاقة لهُ بالماركسيّة إلّا في جهةٍ من الجهات.. الديالكتيك منطق ومنهج واسع، والماركسيّةُ اتّخذت جانباً مِن المنطق الديالكتيكي وهو خاصٌّ بهم.
  • — نحن في الدين عندنا ما يتناغم مع المنطقِ الديالكتيكي:
  • قانون التوفيقِ والخُذلان هُو تطبيقٌ للمنطقِ الديالكتيكي بوجهٍ مِن الوجوه، وكذلك قانون الترابط بين الحقائق وأنّهُ ما مِن شيءٍ إلّا ونُزّلَ بِقَدَرٍ معلوم، وما من شيءٍ جرى في الأُممِ السابقةِ إلّا ويجري في هذهِ الأُمّة حذو القُذّةِ بالقُذّةِ وحذو النعل بالنعل، ذراعاً بذراع وباعاً بباع، حتّى لو أنّهم دخلوا جُحر ضبٍّ لَدَخلتم فيه. أنا هُنا لا أُريد الحديث عن هذهِ القضيّة، ولكن أقول أنَّ فكرَنا الديني لا يتعارضُ كثيراً مع منطق الديالكتيك، ولكن شاع في الأذهان دائماً الربطُ بين الديالكتيك والماركسيّة.. نعم هُناك منطقٌ ديالكتيكي خاصٌّ بالماركسيّة.
  • فلأنّ علي شريعتي تبنّى هذا المنطق ما يُسمّى بنظريّة الحتميّةِ التأريخيّة.. هذا المنطقُ وهذا الفِكرُ فِكرٌ حُرّ، فعاد إلى النُصوصِ وإلى المضامين فَوصلَ إلى هذهِ النتيجة.. ولِذا في صفحة 272 مِن كتابهِ يُعنون علي شريعتي هذا العنوان: (الإنتظار حتميّةٌ تأريخيّة) يعني لابُدّ مِن الانتظار، فلابُدّ مِن الغائب، فلابُدّ مِن الظُهور.. يعني أنّ تسلسل الأحداث يقودُ إلى هذهِ النتيجة.
  • فهو يُثبتُ هذا الأمر لا لأنّ الروايات والأحاديث تقول بذلك، وإنّما لأنّهُ يفهمُ منطق الواقع بهذا المنطق.
  • — وفي صفحة 283 يتساءل: “لماذا درعُ رسول الله؟” يعني لماذا يخرجُ المهدي لابساً درع رسول الله، ويتحدّث عن هذا المضمون في سياقِ الحتميّةِ التأريخيّة.
  • ويطرح تساؤلات وعناوين أُخرى مُختلفة.
  • فلأنّ الرجل تبنّى البحث الحُرّ وصلَ إلى هذهِ النتيجة.. أمَّا هؤلاء المراجع والعُلماء الكبار لأنّهم حَبَسوا أنفُسَهم في زنزانِة الفِكر الناصبي، لذلك ما استطاعوا أن يدرسوا المشروع الحُسيني وأن يصِلوا إلى هذهِ النتائج التي تتحدّث عنها زياراتُ آل مُحمّد وأدعيةُ آل مُحمّد.
  • — علي شريعتي لا يعتمدُ الزيارات ولا يعتمدُ الأدعية كي يُؤسّس منهجاً، ولكن هذا لا يعني أنّهُ لا يأخذها بنظر الاعتبار، ولكنّهُ اعتمد منهجيّة “الفِكر الحُرّ” فوصل إلى النتائج الصحيحة.. بينما علماؤنا ومراجعنا بسبب ارتباطهم بالفِكر الناصبي ما استطاعوا أن يصلوا إلى النتائج الصحيحة التي وصل إليها علي شريعتي.

  • [الإمام الحُسين وارث آدم] لماذا اختار علي شريعتي هذا العُنوان وبدأ الكتاب بزيارةِ وارث؟

  • الجواب: لأنّهُ مثلما قال مِن أنّهُ سيدرس الموضوع وسيفهمهُ وفقاً لِما اصطلحَ عليهِ “التسلسل المنطقي” والحتميّة التأريخيّة، وهذا هو المنطقُ الديالكتيكي.
  • وهذه الكلمة (ديالكتيك) في أصلها كلمة يُونانيّة.. وهي تعني “الجدل”، تعني “الحوار في المُتناقضات والمُختلفات”.
  • ● أعود إلى كتاب علي شريعتي الذي اعتمدَ فيه على هذا المنطق، فبدأ بزيارةِ وارث لأنّهُ يفهمُ الزيارة بهذا المنطق مِن أنَّ الحُسين وراثٌ لآدم، لنوح، ولِسائر الأنبياء.. وهذا تسلسلٌ منطقيٌّ في الوراثة.. ووراثةُ الحُسين حقيقةٌ حتميّةٌ لِهذهِ السلسلة المُتواصلة التي تصِلُ إلى مُحمّدٍ ومِنهُ إلى حُسين.. ألا تجدونَ أنَّ هذا الفَهم هو أرقى بكثيرٍ مِن هذا الهُراء الذي يتقيّأ بهِ خُطباءُ المِنبر على المنابر؟!
  • علي شريعتي وصلَ إلى هذهِ النتائجِ الصحيحة لأنّهُ لم يكن مُقيّداً بقواعدِ الفِكر الناصبي، وكما قُلت فإنَّ هذا لا يعني أنَّ علي شريعتي لم يكن مُتأثّراً بالفِكر الإخواني والفكر الناصبي.
  • فهو يتعاملُ مع النُصوصِ بشكلٍ واحد في نفسِ الحدّ.. فالنصُّ الذي يَجدُهُ مِن جُملةِ المُعطياتِ التي قد تَخدمُ بحثَهُ حتّى لو كان مِن المُخالفين فهو لا يَجدُ مانعاً مِن أن يُدخِلَهُ في دائرةِ بحثهِ العقائدي، وهذا الشيء واضحٌ في كُتُبهِ ودراساته.. ولكنّهُ مع ذلك وصلَ إلى كثيرٍ مِن النتائج التي لم يصِل إليها مراجعنا وعُلماؤنا في الجانب العقائدي.
  • هذا هُو كتاب علي شريعتي، وقد جئتُ بهِ مُتعمّداً لبيان هذهِ النقطة وهي أنَّ علي شريعتي وجدَ الارتباطَ إرتباطاً حتميّاً بين عاشوراء الشهادة وبين الظُهور والإنتظار.. فجَعَلَ مِن الانتظار حقيقةً حتميّة.. أمَّا علماؤُنا لم يخرجوا مِن دائرة الفِكر التسطيحي والمُتخلّف بسبب أغلال الفِكر الناصبي.. هذهِ هي الحقيقة الواضحة الصريحة.
  • قد يقول قائل: فهل أنّ بحث علي شريعتي لا يُوصَف أنّهُ بحثٌ أبتر؟
  • وأقول: مِن هذه الجهة (جهة ربط عاشوراء الشهادة بعاشوراء الظهور بالرجعة) مِن هذه الجهة لا يكون البحث أبتر، ولكن مِن جهة التفاصيل هو بحثٌ أبتر..! فرُغم أنّهُ قد تحدَّث عن هذهِ الأركان الثلاثة، إلّا أنَّ المنهجيّة التي يتّبعُها علي شريعتي منهجيّةٌ أخرى لا تنسجم مع منطق الكتاب والعترة – بحسب فهمي – ولكن قطعاً بحث علي شريعتي هُو أفضلُ من كُلّ أبحاث الذين كتبوا كُتُباً كثيرةً مشحونةً بالفكر القُطبي المشؤوم (مِن كبار المراجع ومن كبار الخُطباء ومِن كبار المُفكّرين مِن أصحاب العمائم الكبيرة ومن أصحاب الألقاب الطويلة العريضة).
  • الكتاب (5): كتابُ [الملحمةُ الحُسينيّة] للشيخ مُرتضى مُطهّري، والذي اغُتِيل سنة 1979 م في بداية انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.
  • الملحمةُ الحُسينيّة مجموعةُ مُحاضرات وأبحاث مكتوبة تُرجمت مِن الّلغة الفارسيّة إلى الّلغة العربيّة وهو في ثلاثة أجزاء.
  • — الملحمةُ الحُسينيّة مِن وجهة نظري أيضاً كتابٌ مُميّزٌ أيضاً بالقياس إلى بقيّة الكُتُب.. في بعض الجهات أتّفِقُ معه، وفي كثيرِ من الجهات أرفضهُ رفضاً قاطعاً.. ولكنّني هُنا أتحدّث عن المكتبة الشيعيّة. حاول الشيخ مُرتضى مُطهّري في هذا الكتاب – بِحَسَب ما هُو يعتقد – حاول أن يرسمَ برنامجاً لتنقيّةِ المشروع الحُسيني مِن الشوائب ومِن الأكاذيب والافتراءات، وهذهِ قضيّةٌ تتردّد دائماً.. ولكن بالنتيجة هذا الكتاب لم يخرج مِن هذهِ الدائرة الضيّقة التي يتحرّكُ فيها عُلماء الشيعة.. فالبحثُ فيه بحثٌ أبتر.. بل فيهِ نقدٌ لِكتاب علي شريعتي.. ونقدهُ لهذا الكتاب مِن جهة أنّه تبنّى تفسير التأريخ وفقاً للمنطق الماركسي.. والحال أنَّ علي شريعتي لم يُفسّر التأريخ وفقاً للمنطق الماركسي وإنّما وفقاً للمنطق الديالكتيكي.. والمنطقُ الديالكتيكي في الفلسفة الغربيّة منطق مُتنوّع، ليس مَحصوراً وخاصّاً بالفِكر الماركسي.
  • ● الشيخ مُرتضى مُطهّري حاول أن يُسلّط الضوءَ على الجانبِ الإنساني في المشروع الحُسيني.. والمشروعُ الحُسيني لا شكَّ أنَّ جنبةً إنسانيّةً واضحةً تتجلّى فيه.. هذا الأمر لا يُمكن أن يخفى على كُلّ باحثٍ أراد أن يبحثَ في تفاصيلِ المشروعِ الحُسيني.. ولكنَّ المشروعَ الحُسينيَّ فيهِ جنبةٌ غيبيّةٌ واضحةٌ جدّاً.. وفيهِ جنبةٌ سياسيّةٌ عميقةٌ جدّاً.. وفيه، وفيه. الشيخ مُرتضى مُطهّري على طُول هذا الكتاب أراد أن يُركّز على نقطتين:
  • النقطة (1): مُحاولة الشيخ المُطهّري على طول الكتاب تنقية الثقافة الحُسينيّة ممّا لَحِقَ بها مِن أكاذيب وأساطير وخُرافات – بحسب ما يراه هو -.
  • النقطة (2): تصوير المشروع الحُسيني بمُستوىً إنساني لا يستطيع الآخرون أن يُشكِلوا عليه.. وهذا غريبٌ في كُلّ كُتُب الشيخ المُطهّري، فهُو يُحاول أن يُفسّرَ كُلّ ما يرتبطُ بالغَيب وكُلّ ما يرتبطُ بالدين بنحوٍ يتناسب مع عقل الآخر الذي يُشكِلُ على ثقافتنا ويُشكِلُ على فِكرنا..!
  • وهذهِ حالةٌ تسرّبت إلى أجواء ثقافتنا (في إيران، العراق، لُبنان..) في الجوّ الشيعي وحتّى في الجوّ السنّي.. ولكنّنا نحنُ في الجوّ الشيعي نُحاولُ أن نُرضي المُخالف بالدرجة الأولى.
  • وفي الفترة الزمانيّة التي كانت فيها هذهِ المُحاضرات وهذهِ الأبحاث وهذهِ الكتابات، في تلك الفترة كان هُناك نقدٌ، هٌجومٌ لاديني، قد يكون علمانيّاً أو غير ذلك على الجوّ الديني الشيعي في إيران الذي كان في مُواجهةِ حُكومةِ الشاه والتفاصيل الأخرى التي ربّما تعرفونها.. ولِذا ردّة الفعل كانت بِمُحاولة أنسنةِ الواقع الديني (أي نُحاول أن نُسهّل الموضوع إلى الحدّ الذي يُمكن أن يقبلَهُ أيّ أحد..)!
  • وأقول: ماذا نصنعُ مع الجانب الغيبي؟ كيف نستطيع أن نُأنسِنهُ..؟!
  • هذهِ الهاوية التي وقع فيها الشيخ مُرتضى المُطهّري رغم الكثير مِن المطالب الدقيقةِ والمُهمّةِ التي تحدَّث عنها.. ولكنَّ الكتاب مِن وجهة نظري إذا ما تمَّ الإعتقادُ بهِ أو تمّ العَمَلُ على أساسهِ فإنّهُ سيُشكّلُ لطمةً شديدةً في واقع الثقافةِ الحُسينيّةِ خُصوصاً والشيعيّةِ عُموماً.. ففيهِ الكثير والكثير من الهُراء مثلما فيه مقدار مِن المنطق الصحيح ومن الكلام الواقعي والحقيقي.. ولكن فيه الكثير مِن الهُراء وفيه الكثير مِن المُبالغةِ في أنسنةِ المشروع الحُسيني.. والمُبالغةُ في كُلّ شيءٍ تقلبُ الصوابَ إلى خطأ وتُؤدّي إلى شلل الموازين الصحيحة وبالتالي نتحوّلُ إلى ثقافةٍ مُستدبرة.
  • — حتّى هذهِ التسميّة “الملحمةُ الحُسينيّة” حين نتوغّلُ في الكتاب نُريد أن نبحثَ عن دلالتها في مضامين الكتاب، نجد أنّ الكتاب يتحدّث عن ملحمةٍ إنسانيّة.. فمُرادهُ مِن الملحمةِ الحُسينيّة هي الملحمةُ الإنسانيّة. استعمالُ المُصطلحات التي تُشير إلى مضمونٍ جميل لا يعني أنّه سيقودنا إلى الطريق الصحيح.. لابُدّ أن نزن الأمور بالميزان الصحيح وأن نضعَ كُلّ شيءٍ في مكانه.
  • — على سبيل المِثال صفحة 95 من كتاب [الملحمة الحُسينيّة: ج1] – بحسب الطبعة التي بين يدي – يقول:
  • (إنّ واقعة عاشوراء ومعركة كربلاء لها وجهان: وجه أبيض ونوراني – يُشير إلى سيّد الشُهداء – والآخر مُظلم وأسود قاتم السواد – يُشير إلى الجهة الثانية – وكلتا الصفحتين إمّا لا نظير لهما أو نادرتان جدّاً، أمّا الصفحة السوداء والمُظلمة فإنّها كذلك؛ لأنّها عبارة عن جريمة نادرة أو لا نظيرَ لها أبداً..)!
  • يعني يُمكن أن يكون هُناك مُشابهٌ للوجه الأبيض النوراني (وهو الحُسين) وما جرى في كربلاء..! هذا هو جزءٌ من منطق “أنسنة الفكر”.
  • — ويستمرّ الشيخ المُطهّري في الحديث فيقول:
  • (لقد فكّرتُ مرّة بدرجةِ وحجم الجريمة المُرتكبةِ في عاشوراء، فرأيتُ أنّ واحداً وعشرين نَوعاً مِن أنواعِ الرذالة والّلؤم قد ارتُكب كحدٍ أدنى في هذه الواقعة، ولا أعتقدُ أنَّ هُناك واقعةً أُخرى في الدُنيا يُمكن لها أن تُوازي مِثل هذهِ الواقعة في حجم تنوّعها. بالطبع يوجد هناك في تاريخنا الحروب الصليبية التي لم يترك فيها الأوروبيّون مجالاً للتعجّب عندما يُنظَر إلى سواها مِن حوادث التأريخ الإجرامي. وإذا كنتُ قد تردّدتُ في الإدّعاء بعدم وجود شبيهٍ لحادثةِ كربلاء مِن ناحية حجم الجريمة، فالسببُ إنّما يعود لحجم الجريمة الّتي ارتكبها الغربيّون في المعارك الصليبيّة، وكذلك الجرائم الّتي ارتكبها هؤلاء الأوروبيّون أنفسُهم في الأندلس الإسلاميّة وهي عجيبة للغاية…)
  • الشيخ المُطهّري فرّ مِن البُعد الغيبي الذي تتحدّث عنه الآياتُ التي فُسّرت في الحُسين ومشروعِ الحُسين، وفرَّ مِن الرواياتِ والزيارات.
  • هو يُقارنُ القضيّة بواقعٍ إنسانيٍّ تأريخيٍّ عادي.. هذا هو الذي قصدتهُ حينَ قلت أنَّ الشيخ مُرتضى مُطهّري على طُول الكتاب يُحاولُ أنسنةَ الموضوع.. وهذا مثالٌ مِن الأمثلة.
  • المُشكلة أنَّ هذا المنطق قد يتسرّبُ بسهولةٍ ويُسرٍ إلى قُلوبِ شباب الشيعةِ لِعدمِ اطّلاعهم على حديث أهل البيت.
  • إذا كانَ مراجعُ الشيعةِ لا اطّلاع لهم على حديثِ أهل البيت، وكُتُبهم تدلُّ على ذلك.. فكيفَ نلومُ شباب الشيعة..؟! فحينما يتسرّب لشباب الشيعةِ مثل هذا الفكر، فهذا الفكر يتناغمُ مع الطبيعةِ الإنسانيّة.. وهذا هو الذي يطرحهُ الشيخ مُرتضى مُطهّري كي ينسجمَ حديثهُ مع أُولئكَ الذين كانوا يشنّون هجوما على الفِكر الديني أيّام مُواجهةِ نظام الشاه.
  • — قوله: (وإذا كنتُ قد تردّدتُ في الإدّعاء بعدم وجود شبيهٍ لحادثةِ كربلاء) الذي يقرأ زيارة عاشوراء فقط كيف يتردّد في الاعتقاد مِن أنَّ واقعةَ كربلاء لا مثيل لها..؟! الشيعيُّ مِن دُون نُصوص فقط بوجدانهِ – إذا كان في أجواء الحُسين – فإنَّ وجدانهُ يقودهُ إلى أنَّ المُصيبةَ لا لها مثيل لها.
  • — وفي صفحة 96 يقول:
  • (لو كانت المعركةُ تدور مع يهود فلسطين المحلّيين لَما ارتُكبت مِثلُ هذه الجرائم في حرب سيناء وهي من صنع اليهودي الغربي، على كُلّ حال فإنّني لا أستطيعُ القول بأنّ جريمةً مِثل جريمةِ كربلاء لم تقع، ولن يقعَ مِثلُها في العالم، لكنّني أستطيع القول بأنّها لا مَثيل لها في العالم الشرقي..)
  • أنسنةٌ للموضوع مع عُقدةٍ مِن العَداءِ مع الغربيّين..! هذهِ القضيّةُ موجودةٌ على طُول الخطّ
  • بغضّ النظر عن موقف الغربيّين، بغضّ النظر عن قسوةٍ أو وحشيّةٍ.. بغض النظر عن كُلّ هذا، نحنُ نريد أن نصلَ إلى الحقيقةِ فيما يرتبطُ بالمشروع الحُسيني.. هذا الغُبار وهذه الأوساخ ما علاقتها بالموضوع..؟!
  • القضيّة تنتهي إذا ما رجعنا إلى زيارة عاشوراء فقط وينتهي الكلام.. هذه المُصيبةُ هي المُصيبةُ الأعظم التي لا مثيل لها.
  • — إلى أن يقول في صفحة 100:
  • (نحنُ إذا ما قرأنا وطالعنا الوجه النوراني للتأريخ الحُسيني فإنّنا عند ذلك نتمكّن من الاستفادة من الوجه الرثائي للواقعة، وإلّا فإنّ الوجه الرثائي لوحده لا فائدة تذكر منه، فهل تتصوّرون أنَّ الحسين بن عليّ جالس بانتظار مَن يأتي ليشفق عليه! أو العياذ بالله أنّ فاطمة الزهراء وهي التي تسكن إلى جوار رحمة ربها تنتظر مَن يأتيها مِن أمثالنا نحن صغار البشر ليواسيها ويخفف مِن معاناتها بعزاء الحسين بعد مرور أكثر من ألف وثلاثمائة عام على تلك الفاجعة!!)
  • هذا مُرادي مِن أنسنة البحث.. إلغاءُ الجانب الغَيبي مِن القضيّة، وهذا إغراقٌ عمقٌ وشديد جدّاً في بتريّة البحث.
  • فإذا ما أشكلتُ على كتاب [الخصائص الحُسينيّة] مِن أنّه بحثُ أبتر.. لا مِن هذهِ الجهات التي هي مطبّاتٌ مُظلمة ومُخيفةٌ التي وقعَ فيها مُرتضى مُطهّري.. وإنّما لأنَّ الشيخ جعفر التستري لم يأخذ بنظر الاعتبار ما جاء مِن الأحاديثِ والزياراتِ والأدعيةِ فيما يرتبط بظُهور إمامنا وعصرِ الرجعة.. وكذا الحال مع الأنوار القُدسيّة، وكذا الحال مع مقتل السيّد المُقرّم.
  • وكتاب علي شريعتي أقرب بكثيرٍ إلى منطق أهل البيت مِن هذا المنطق، مع أنّني لا أتّفِقُ مع علي شريعتي.. ولكنّني لو قايستُ بين هذا المنطق وهذا المنطق فإنَّ منطق عليّ شريعتي أقرب إلى دائرة أهل البيت من هذا المنطق الأعوج الذي طرحهُ الشيخ مرتضى مُطهّري.
  • هذا لا يعني أنَّ كُلّ شيءٍ في كتاب الملحمة الحُسينيّة هُو بهذا المُستوى، ولكنّ كثيراً مِن المطالب والأفكار هي بهذا المُستوى وأسوأ.. فإنّهُ في حالاتٍ يذهب إلى حدّ السُخرية..! مثلما جاء في صفحة 21 وهو ينتقدُ الأخبار التي تقول أنَّ الحُسين “صلواتُ الله وسلامه عليه” قد قتلَ عدداً كبيراً مِن جيش بني أُميّة.. فهو يستبعدُ ذلك، ومِن حقّه.. وأنا لا أُريد أن أناقشَ في هذهِ المسألة في هذهِ الّلحظة.. ولكنّني أردُّ على مُطهّري حين تحدَّث بهذا الأسلوب وقارنَ فيما بين قنبلة هيروشيما وسيّد الشُهداء.. هذا سُوء أدب واضح.
  • — يقول في صفحة 21:
  • (وكما ورد في نفس هذا الكتاب – أي كتاب أسرار الشهادة للدربندي – فإنَّ الإمام الحسين قتل (300.000) شخص بيدهِ فقط !! في هيروشيما كان عدد قتلى القنبلة الذّرية (60.000)…) !!
  • المُقارنة بين سيّد الشُهداء وبين قنبلة هيروشيما ضربٌ من سُوء الأدب.
  • هذا تحرّكٌ بشكلٍ سريعٍ وقوي باتّجاه تسطيح كُلّ شيءٍ يتعلّق بالمشروع الحُسيني لأجل أنسنتهِ..! وما الغايةُ من ذلك؟! الجانبُ الإنساني واضحٌ في المشروع الحُسيني ومحفوظٌ، وإذا أردنا أن نُسلّط الضوء عليه فبإمكاننا أن نُسلّط الضوء على هذا الجانب ولكن بِحُدود المنطق السليم.. لا بهذهِ الطريقة التي تدفعُ الشيخ مُرتضى مُطهّري إلى حدّ الاستهزاء – وأنا لا أظنّهُ قاصداً لِذلك – ولكنّهُ اندفعَ اندفاعاً شديداً باتّجاهِ أنسنةِ البحث..!
  • والأمر هو هو في صفحة 209 مِن الجزء الثالث من كتابهِ، حيثُ يُجري مُقارنة بين عيسى المسيح وبين سيّد الشُهداء، فيجعل التشابه والتساوي الكامل فيما بين والدة السيّد المسيح وبين والدة سيّد الشُهداء.. فيجعل مقام السيّدة مريم ومقام الصدّيقة الزهراء واحد..!! وهذا مُخالفٌ لثقافة العترة الطاهرة بشكلٍ واضح. علماً أنّ كتاب الملحمة الحُسينيّة مشحونٌ بإنكاراتٍ كثيرةٍ جدّاً لكثيرٍ مِن الطُقوسِ والوقائع والأحداث التي تَعتقدُ بها الشيعةُ في أجواءِ الثقافةِ الحُسينيّة الجماهيريّة. قد يُصيب الشيخ مُرتضى مُطهّري القول في بعضها، ولكنّهُ يُخطىء القول في أكثرها. في الحقيقةِ لا أنصحُ شباب الشيعةِ بقراءةِ هذا الكتاب للشيخ مُرتضى مُطهّري لأجلِ الاعتمادِ عليه.. نعم إذا كان فقط للاطّلاع وللثقافةِ العامّة، فذلك شيءٍ حسن.
  • أفضلُ الكُتُب التي ذكرتها لأبنائي وبناتي هو كتابُ: الخصائصُ الحُسينيّة.
  • الكتاب (6): كتاب [الصحيحُ مِن مَقتل سيّد الشُهداء وأصحابه] للشيخ محمّد الريشهري وهو حيٌّ مُعاصر مِن علماء إيران.
  • هذا الكتاب يتألّفُ مِن جُزئين، وأنا لا أتحدّث عمّا أوردهُ مِن الحوادثِ والوقائع التأريخيّة.. إنّما أتحدّث عن مجموعةٍ من الأبحاث كَتَبها في أوّل الجزء الأوّل وهي تبدأ مِن بداية الجزء الأوّل إلى صفحة 190.
  • أمّا من صفحة 191 إلى نهاية الجزء الأوّل وكذلك الجزء الثاني مِن هذا الكتاب.. فتلكَ هي وقائعُ التأريخ، وأنا لا أريدُ أن أتحدّثُ عن هذا الموضوع، لأنّه هُو أيضاً سيردُّ على كثيرٍ من الحوادث والوقائع (يُضعّفها، يُنكرها، يُشكّك فيها..) هذهِ وجهةُ نظره.. أنا هُنا أتحدّثُ عن مجموعةِ الأبحاث التي ذكرها مِن أوّل الكتاب إلى صفحة 190 مِن الجزء الأوّل والتي عُنونت بهذا العنوان: أبحاث هامّة حول ملحمة عاشوراء.
  • هذا الكتاب وكتابُ الملحمة الحُسينيّة كلاهما يدخلان في ضِمن الأبحاث البتراء.
  • — الشيخ محمّد الريشهري ذكر العديد مِن الآراء والنظريّات في تشخيص أهداف المشروع الحُسيني، ولا شأن لي بما ذكر.. لكنّني أتحدّثُ عن رأيه هُو عن الذي تبنّاه والذي ذَكَرَهُ في صفحة 71 وما بعدها.. فتحدّث عن الهدفيّة المُتعدّدةِ الطبقات.
  • فقد مرَّ في الأقوال البتراء أنَّ هُناك مَن يقول أنّ الحُسين خرجَ طالباً للحُكم..! وهُناكَ مَن قال أنّ الحُسين قُتِلَ وانتصرَ بعد قتلهِ وتحقّق الإصلاحُ في الأُمةّ..! وهُناك مَن قال أنّ الحُسين كان خارجاً لِطَلب الشهادة، وأنّ واقعةَ كربلاء واقعةٌ خاصّةٌ بأحكامها وتكاليفها بسيّد الشُهداء.
  • الشيخ محمّد الريشهري يقول: أنَّ هدف الحُسين في مشروعهِ في كربلاء مُتعدّدُ الطبقات.. فيتحدّث مِن أنّهُ في الطبقةِ الأولى ما عَرَضهُ سيّد الشُهداء في خِطاباتِه: (إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً…) إلى أن يقول: (وإنّما خرجتُ لِطَلب الإصلاح في أُمّة جدّي…)
  • الطبقة الأولى: التغيير، الإصلاح، تبديلُ النظام الحاكم القائم.. والطبقات الأخرى ما ذُكِرَ في الأحاديثِ وفي الرواياتِ مِن الشُؤون الغَيبيّة التي أشار إلى بعضها، فقال: (أولاً: حليّة الأكل من تربة الإمام الحُسين للإستشفاء، ثانياً: استحبابُ السجدةِ على تُربة كربلاء…) وأمثال ذلك.. إلى أن يقول: (استحبابُ ذكر الحُسين عند ذكر الماء.. وكلُّ ذلك‌َ يدلُّ على أنَّ اللَّه وأولياءَه كان لهم أيضاً بعضُ الأهداف مِن هذهِ الثورة، فَضلاً عن الأهداف التي كان الإمامُ يسعى لتحقيقها مِن خلال ثورته. وهي نفسُ الأهداف التي عبّرنا عنها بالأهداف المتعدّدةِ الطبقات…)
  • هذا هُو تقريباً خُلاصةُ ما ذَكَرهُ الشيخ محمّد الريشهري، ولم يُشِر لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيدٍ إلى المشروع المهدوي ولا إلى عصرِ الرجعة، ولا إلى بقيّة التفاصيل التي سأُحدّثكم عنها في حلقةِ يوم غد، حيثُ سأشرحُ لكم المشروعَ الحُسينيَّ وفقاً لِمنطق الكتاب والعترة.
  • الأبحاثُ أبحاثٌ جيّدة ولكنّها أيضاً تقعُ في دائرةِ الأبحاثِ البتراء..!

  • ملاحظتان قبل أن أختم الحلقة:

  • الملاحظة (1): هذهِ الكُتب جئتُ بها بِحَسَب وجهةِ نظري الشخصيّة، فإنّني أجدُها مُميزةً في الكُتُب التي كُتُبت في أجواء الثقافة الحُسينيّة، وهذا لا يعني أنّي أتّفق مع مُؤلّفيها ومعَ كُتّابها ومع الذي جاء فيها.. وأعتقدُ أنَّ الأمرَ كان واضحاً مِن خلال حديثي وتعليقي.
  • أمّا بقيّة الكُتب في المكتبة الشيعيّة لا أظنُّ أنّها تستحقُّ المُناقشة لأنّها إمّا أن تكونَ سطحيّة جدّاً، وإمّا أن تكونَ مُغرقةً كثيراً في الفِكر القُطبي فلا تستحقُّ المُناقشة – على الأقل من وجهة نظري -.
  • الكُتُب التي كتبها مراجعنا مِن الأموات أو مِن الأحياء المُعاصرين: إمّا كتبوها بشكلٍ مُباشر، أو كانت أجوبةً منهم على أسئلةٍ وُجّهت إليهم.. هي كُتُب ساذجة إلى أبعد الحدود، لا تستحقّ المُناقشة ولا تستحقُّ الوقوف عندها.. وأنا لا أتحدّث بالإطلاق، وإنّما أتحدّث بحُدود اطّلاعي.
  • ● وهُناك كُتُب هي شبيهةٌ بهذهِ الكُتب ولكن دُونها في المُستوى، لذلكَ لم أُشِر إليها ولا جئتُ بنموذج منها.. هذهِ نماذج مِن المكتبة الشيعيّة.
  • ربّما يقولُ قائل: أنَّ أوسع المِساحات في الساحة الشيعيّة الحُسينيّة هي المساحة الشيرازيّة.. وحقّاً فإنَّ المساحة الشيرازيّة هي أوسعُ من غيرها في أجوائنا الثقافيّة الحُسينيّة أو في الأجواء الحُسينيّة عُموماً (في الجانب الطقوسي، أو في الجانب الثقافي) وأعني بالجانب الثقافي: الإعلام، الفضائيّات، المنابر، الخُطباء، الشُعراء، الرواديد.. هؤلاء هُم يُمثّلون مُفردات الثقافة الحُسينيّة في الواقع الشيعي العملي المعاصر.. الشيرازيّون لهم الحظّ الأوفر في هذهِ الجهة، ولكنّني في الحقيقةِ ما عثرتُ على كتابٍ عندهم يستحقُّ المُناقشة – رُغم كثرةِ الكُتُب عندهم -!
  • السيّد مُحمّد الشيرازي لهُ ما لهُ مِن الفَضل في تأسيسِ الحُسينيّات ونَشرها في مُختلفِ أنحاءِ العالم.. هذا أمرٌ لا يُنكَر.. لهُ مِن الفضل في تأسيس الفضائياتِ – بغضّ النظر عن مُستواها – ولكنّها فضائيّاتٌ على الأقل تصدحُ بإسم الحُسين.. وكذلكَ لهُ ما لهُ من الفَضل في نشرِ المراكز والهيئات والمواكب.. ولكنّني حين عُدتُ إلى ما كَتَبهُ هو أو ما كَتَبه الذين مِن حَولهِ مِمّن ورثوا المرجعيّة مِن بعدهِ مِن تلامذته في الجوّ الشيرازي، لم أجد ولا ورقةً تستحقُّ أن تُناقَش وأن تكونَ مميزةً في أجواءِ المكتبة الشيعيّة.. تسطيحٌ في تسطيح في تسطيح، وهُزالٌ في هُزالٍ في هزال..!
  • الملاحظة (2): وقفة عند رواية التقليد في [تفسير الإمام العسكري] وحديثٌ عن الصنفين الأهمّ في أصناف الفقهاء المذكورين في هذهِ الرواية.

تحقَق أيضاً

ندوة في رحاب الكتاب والعترة

الأسئلة التي وردتْ في الندوة: السُؤال (1) كيف يُصلِحُ إمامُنا الحُجّةُ "عليه السلام" ما فَ…