يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ٩ – المشروع الحسيني وفقاً لمنطق الكتاب والعترة ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 9 محرّم 1440هـ الموافق 19 / 9 / 2018م

  • عرضتُ بين أيديكم في الحلقاتِ المُتقدّمةِ مِن هذا البرنامج ما جاء مِن أقوالٍ إبليسيّةٍ ومِن أقوالٍ بتراء في شرحِ وتفسيرِ المشروع الحُسيني، وعطفتُ على ذلكَ ما وضعتهُ تحتَ هذا العنوان: “حُسين المرجعيّة الشيعيّة العُليا المُعاصرة في النجف” والنتيجةُ التي وصلنا إليها: حُسين أبتر..! قولٌ مِن جُملةِ الأقوال البتراء..!

  • ثُم عرَّجتُ على المكتبة الشيعيّة، وعرضتُ بين أيديكم مجموعةً مِن الكُتب التي أظنُّ أنّها مُتميّزةٌ فيما بين الكُتُب التي وُضعتْ في رُفوف المكتبةِ الشيعيّة.. وحدّثتكم عن ذلك. كُلُّ ما تقدَّم مِن بياناتٍ ومِن أقوالٍ – على الأقل مِن وجهة نظري المحدودة – كُلّ ذلكَ يقعُ في دائرة الأقوالِ الإبليسيّة، أو الأقوالِ البتراء، أو يقعُ في دائرةِ البحثِ الأبتر.

  • في أحاديثنا الشريفةِ كلمةٌ لإمامنا مُوسى بن جعفر “عليه السلام” كثيراً ما أُردّدها: (أفضلُ العبادةِ بعد المعرفةِ انتظارُ الفرج) فما بالكم إذا كانَ البحثُ المعرفيُّ هُو في أجواءِ الانتظار.. وهذهِ الّليالي ليالي زيارةٍ وذِكْر.. وأفضلُ الذِكْر فيها ذِكْرُ الحُسين “صلواتُ الله وسلامه عليه”.

  • في هذهِ الحلقةِ وفي الحلقةِ القادمةِ سأعرضُ وبنحوٍ مِن الإيجاز والإختصار (المشروعَ الحُسيني وفْقاً لمنطقِ الكتابِ والعترة) بِحَسَب فَهمي المحدود.. وسأجعلُ البحثَ تحتَ عُنوانين:

  • العنوان الأوّل والذي سأتناولهُ في هذه الحلقة: خارطةُ المشروع الحُسيني.
  • العنوان الثاني والذي سأتناوله في حلقةِ يوم غد: أهمُّ مفردتين مِن مُفردات المشروع الحُسيني: (النصَرُ والثأر).

  • البدايةُ في تحديدِ معالم خارطةِ المشروع الحُسيني هي مِن السيناريوهات الثلاثة (تعدُّد الخُطَطِ ووضعُ البرامجِ البديلةِ أو الإحتياطيّة) قضيّةٌ تَعودُ جُذُورها إلى الحكمة. مِن الحكمة أنَّ المُخطّطَ الذي يضعُ مُخطّطاً لبرنامجٍ كبيرٍ جدّاً أن يضعَ الخُطَط البديلة.

  • تعدد الخُطَط هُو مِن مُقتضيات الحكمة ويأتي مُنسجماً مع قانون البداء، فقانونُ البداء هُو “قانون البدائل”.. فَضْلاً عن أنَّ التجاربَ الإنسانيّة تجارب بني آدم الذين انتفعوا منها علّمتهم أن يضعوا الخُطَط البديلة.
  • ● حينما نقرأ مثلاً في الآية 144 مِن سُورة آل عمران: {وما مُحمّدٌ إلّا رسولٌ قد خَلَتْ مِن قبلهِ الرُسُل أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُم على أعقابكم ومَن ينقلب على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين}
  • الآية تتحدّثُ بوضوحٍ عن أمرين: (أفإنْ ماتَ .. أو قُتِل) فلابُدَّ أن يكونَ هُناك مِن برنامجٍ في حالةِ موتهِ، ولابُدّ أن يكون هُناك مِن برنامج في حالةِ قتله.

  • قضيّةٌ يُريدُ القرآن أن يفتح بصائرنا عليها وهي:

  • أنَّ الأحداثَ تتغيّرُ بحَسَب واقعنا الإنساني وبِحَسَب المُلابساتِ والظروف، ووفقاً لذلكَ لابُدَّ مِن وضعِ المُخطّطات، ونحنُ نتحدّثُ عن مشاريع كبيرة.. إنّنا نتحدّثُ عن أكبر برنامجٍ إلهي (وهو المشروعُ الإلهيُّ الأعظم على وجه الأرض، إنّهُ مشروعُ مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله” الفاتح الخاتم) وهذا المشروع تتجلّى ثمرتُهُ في دولةِ الحقّ التي تبدأُ أيّامُها في أوّلِ لحظةٍ مِن لحظاتِ ظُهورِ إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • النبيُّ “صلّى اللهُ عليه وآله” وضَعَ المشروعَ الأساس الأوّل، المُخطّط الأصل، إنّهُ (سيناريو الغدير)، ولكنَّ الأُمّةَ غدرتْ بالغَدير.. فكانَ السيناريو الثاني وهُو سيناريو: (القُربان).. وهذا العُنوان مأخوذٌ مِن قولةِ العقيلةِ حين خرجتْ ليلةَ الحادي عشر إلى ساحةِ كربلاء ووضعتْ يديها تحتَ جَسَدِ الحُسين ورفعتْهُ قليلاً عن الأرض باتّجاهِ السماء وقالتْ: الّلهمّ تقبّل مِن آل مُحمّدٍ هذا القُربان.

  • المسؤولونَ بالدرجةِ الأولى عن هذا السيناريو هُم شيعةُ عليّ، مثلما كان المسؤولون بالدرجةِ الأولى عن برنامج الغدير هُم المُهاجرون والأنصار وقد غدروا بالغدير..!
  • المسؤولون عن السيناريو الثاني: “سيناريو القُربان” هُم شِيعةُ عليّ.. فإذا ما غدروا أيضاً بعهد القُربان يأتي السيناريو الثالث وهُو سيناريو: (اليوم الأخير) الذي يُشير إليهِ حديثُ النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله”: (لو لم يبقَ مِن عُمْر هذهِ الدُنيا إلّا يومٌ واحد لَطوّل الله ذلك اليوم) يعني لو انتهتْ صلاحيّةُ الدُنيا الكونيّة.. انتهى عُمْرها الافتراضي – كما يقولون – لو لم يبقَ مِن عُمْر الدُنيا إلّا يومٌ واحد – وهو اليوم الأخير – لطوّل اللهُ ذلك اليوم كي يتحقّق المشروعُ المهدويُّ الأعظم.. إنّهُ مشروعُ الله.. إنّهُ مشروعُ مُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله”.
  • ● فهناك سيناريوهات ثلاثة:
  • السيناريو (1): سيناريو الغَدير: والمُهاجرون والأنصار غدروا به.. وقصّةُ السقيفة تعرفونها.
  • السيناريو (2): سيناريو القرابين.. وبدأ السيناريو بالقُربان الأوّل وهو: فاطمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.. لكنَّ العُنوانَ المركزيَّ لهذا السيناريو هُو (حُسين).. هذا الذي نُوجّهُ الخِطاب إليه: (يا حُسين) والبرنامج تدورُ مضامينهُ في فناء فحوى ومعنى ودِلالةِ هذا الخِطاب.
  • سيناريو القُربان إنْ لم تفِ شيعةُ عليّ للعهدِ القُرباني، ولم تنصُرْ المشروعَ الحُسينيَّ مثلما يُريد إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ومثلما خطّط لهُ سيّد الشُهداء، فإنَّ الأمر سينتقلُ إلى السيناريو الثالث.. ويا لسوء حظّنا..!
  • أنا لا أريدُ أن أتحدّثَ عن السيناريو الثالث، باعتبار أنَّ السيناريو الفعلي القائم هو: سيناريو القُربان.. وأملُنا في إمامِ زماننا أن يُوفّق مَن يُوفّق مِن شيعةِ عليٍّ وآل عليٍّ للوفاءِ بالعهد القُرباني، كي يتحقّقَ المشروعُ المهدويُّ كما خطّط الحُسينُ وكما خطّط إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.

  • سيناريو القربان هُو السيناريو الفِعلي الذي نعيشُ في أجوائهِ مُنذ أن هجموا على دار الصدّيقةِ الكُبرى، وتسلستْ الأحداثُ إلى أن جاءتْ عاشوراء.. وهُنا بدأ المشروعُ الحُسينيُّ تتجلّى حقائقهُ.

  • المشروعُ الحُسينيُّ يُمكنني أن أُلخّص مَضمونهُ في ثلاثِ صحائف – بِحَسَب فهمي، وبِحَسَب ما تَصِلُ إليه مداركي – وهذه الصحائف هي كالتالي:
  • الصحيفة (1): يدورُ مضمونُها وتتعلّقُ فحواها فيما بينَ اليوم السابع والعشرين مِن شهر رجب، في يوم البعثةِ النبويّة المُحمّديّة الشريفة، قبل الهجرةِ إلى المدينةِ بثلاثِ عشرة سنة.. مِن هُنا تكونُ البدايةُ في الصحيفةِ الأولى وتنتهي عند عاشوراء في السنة 61 هـ. (فما بين بعثةِ النبيّ إلى عاشوراء الشهادة).
  • الصحيفة (2): فتبدأُ مِن عاشوراء الشهادة إلى عاشوراء الظهور.. فإنَّ ظُهورَ إمامِ زماننا بِحَسَبِ المُعطياتِ المُتوفّرةِ لدينا سيكونُ في يوم عاشوراء أيضاً.
  • الصحيفة (3): تبدأ مِن يومِ عاشوراء الظُهور، وتنتهي بيومِ القيامةِ الحُسينيّة، وهُو آخرُ أيّامِ الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة في عصْرِ الرجعة والتي تصفُها أحاديث العترة الطاهرة بجنّة الدُنيا.. وآخرُ مراحلِ الدولةِ المُحمّديّةِ الخاتمةِ هو: يومُ القيامةِ الحُسينيّةِ على الأرض.. إنّهُ يومُ الحساب الحُسيني.. الرواياتُ حدّثتنا عن ذلك، وبذلك ينتهي المشروع الحُسينيُّ على وجهِ الأرض.. أمّا آثارهُ في العالم الآخر فآثارهُ عجيبةٌ، عظيمةٌ، هائلةٌ وذلك يحتاجُ إلى كلامٍ لستُ بصدد أن أتناولَهُ في هذا البرنامج.. فحديثُنا عن المشروعِ الحُسينيّ على وجْهِ الأرض.

  • سأُحدّثكم عن هذهِ الصحائف الثلاثة صحيفةً صحيفة بالإجمال بِحَسَب ما يسنحُ بهِ المقام:

  • الصحيفةُ الأولى: والتي تشتملُ في عَمَلِها، في مُخطّطها على ما يَرتبطُ بكُلِّ المُعطياتِ التي دارتْ وجرتْ مُنذُ يومِ البعثةِ النبويّةِ الشريفة إلى يوم عاشوراء الشهادة. بيانُ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” البيان المعروف الذي كتَبَهُ في وصيّةٍ وسلّمها إلى مُحمّد بن الحنفيّة.. وإنّما فعلَ ما فعلَ سيّد الشُهداء لأجل أن يحفظَ هذهِ الوثيقة.
  • — وقفة عند المُحاورة التي دراتْ بين سيّد الشُهداء وبين مُحمّد بن الحنفيّة في [بحار الأنوار: ج44] حينما أرادَ الخُروجَ مِن المدينة إلى مكّة، يقول:
  • (وأمّا أنتَ يا أخي فلا عليكَ أن تُقيمَ بالمدينةِ فتكونَ لي عيناً لا تُخفي عنّي شيئاً مِن أمورهم – هذهِ وظيفةُ مُحمّد بن الحنفيّة التي أوكلها إليهِ سيّد الشُهداء – ثُمّ دعا الحُسينُ بِدواةٍ وبياض – أي ما يُكتب عليه – وكَتَب هذهِ الوصيّة لأخيهِ مُحمّد: بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم هذا ما أوصى بهِ الحُسين بن عليّ بن أبي طالب إلى أخيهِ مُحمّد المعروف بابنِ الحنفيّة أنّ الحسين يشهدُ أن لا إله إلّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له…) إلى أن يقول: (وأنّي لم أخرجْ أشِراً ولا بَطِراً – أشراً: أي طالباً للشرّ، وبَطِراً : أي طاغياً – ولا مُفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجتُ لِطَلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلّى اللهُ عليهِ وآله، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروف وأنهى عن المُنكر، وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب..)
  • أنا لستُ بصددِ شرح كلام سيّد الشُهداء، وإنّما أُريدُ أن أستلَّ الخُطوط العامّة في هذا البيان.. هذا البيان يتحدّثُ عن الوجهِ الإنساني وعن الوجهِ الديني وعن الوجهِ السياسي لموقفِ سيّد الشُهداء في الطُفوف.
  • فحينما يقول: (وإنّما خرجتُ لِطَلب الإصلاح..) الإصلاحُ حاجةٌ إنسانيّة لا علاقة لها بالدرجةِ الأولى بالدينِ أو بالسياسة.. فالناس حتّى لو لم يُؤمنوا بدينٍ بحاجةٍ إلى الإصلاح.. لأنَّ الإصلاح عنوانٌ كبيرٌ يتعلّقُ بكلِّ شُؤوناتِ حياة الإنسان (في بُعْدها المادّي، وفي بُعدها المعنوي.. في بُعْدها الفردي الشخصي، وفي بُعْدِها المجموعي) في جميع الجهات.
  • — حين يقول “عليه السلام”: (وإنّما خرجتُ لِطَلب الإصلاح في أُمّة جدّي “صلّى اللهُ عليه وآله”..) إنّهُ يُشيرُ إلى الوجهِ الإنساني في مشروعهِ ونهضته.
  • — وحين يقول: (أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكر) إنّه يتحدّثُ عن الوجهِ الديني لِهذهِ النهضة.. فإنَّ هذهِ المُصطلحات مُصطلحاتٌ دينيّة لها فِقهُها، لها أحكامُها، لها خُصوصيّاتُها.
  • — وحين يقول: (وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب) إنّهُ يتحدّثُ عن الوجهةِ السياسيّة، وعن الحُكْمِ والحُكومةِ وتغيير النظام الحاكم..
  • هذهِ الوثيقةُ لأهميّتها جعلها سيّد الشُهداء وصيّة، وأمَّن هذهِ الوصيّة عند شخصٍ موثوقٍ بهِ مِن الدرجةِ الأولى وهو مُحمّد بن الحنفيّة كي لا تضيع الحقائق، مثلما ضاعت وضاعت وضاعت حقائق وحقائق وحقائق..!

  • حديثُنا عن الصحيفةِ الأولى والتي تتعلّقُ بكُلّ مُجرياتِ هذهِ الفترة: (مِن يوم البعثةِ النبويّة المُحمَّديّة إلى يوم عاشوراء الشهادة).

  • مُخطّط سيّد الشُهداء هو هذا: الإصلاح.. وتلكَ حاجةٌ إنسانيّة يحتاجها مَن كان على دين الإسلام أو كان على أيّ دينٍ آخر.. جميعُ البشرِ بل حتّى الحيوانات تحتاجُ إلى الإصلاح، لأنّ الإصلاحَ عُنوانٌ شاملٌ للأرضِ وما على الأرض.
  • نهضةُ الحُسين إصلاحيّةٌ إنسانيّةٌ بهذا المعنى، وهي نهضةٌ دينيّةٌ بِحَسَب دينِ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”.. فحين يقول سيّد الشُهداء: (أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المُنكر) فإنَّ ميزانَ المعروف والمُنكر هُنا هُو الحُسين نفسهُ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” لأنَّ قانونَ التمييزِ بين المعروفِ والمُنكر هُو ما بيّنتهُ زيارتُهم الشريفة حين قالتْ: (والمعروفُ ما أمرتم به والمُنكر ما نهيتم عنه)
  • المعروفُ ما أمرتم بهِ: في جميع المُستويات، ابتداءً مِن المُستوى المعرفي والعقائدي والفِكْري وهُو الأهم، وانتهاءً بالمُستوياتِ للآدابِ العُرفيّة وللتعاملاتِ الإجتماعيّة.. وما بين ذاك وهذا هُناك العباداتُ والطقوسُ وسائرُ التفاصيل.
  • ● قولهِ: (وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب) إنّهُ يُلغي كُلَّ سِيرةٍ كانتْ وصارتْ فيما بين مُحمّدٍ وعليّ.. إنّهُ إلغاءٌ كامل لِمشروع السقيفة الباطلة.. ولِذا اختصرَ التعبيرَ بهذهِ العبارةِ المُوجزة، والقضيّةُ.

  • كُلُّ برنامجٍ وكُلُّ مُخطّطٍ في صَحيفةٍ مِن هذهِ الصحائفِ التي أشرتُ إليها – والتي يتلخّصُ فيها مضمونُ المشروعِ الحُسيني – هُناك هدف:

  • الهدف في الصحيفة الأولى: فضْحُ السقيفةِ، وهذا هو الذي كان يُريدهُ سيّد الشُهداء.. خطّط لهُ ويُخطّط له.. وهُناك احتمالان:
  • — الاحتمال الأوّل: أنّ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ” ستجري معهُ الأمور بنحوٍ إيجابي.. أهلُ الكوفة سيقفون معه، وسيتحقّق الأمر الذي كانوا يطلبونهُ وهو أنّ النظام الأموي ستُطوى صفحتهُ في الكوفةِ في العراق، ويُؤسّس سيّد الشُهداء نظاماً جديداً وفقاً لِمشروعهِ، لبرنامجهِ، لنهضتهِ التي تحدّثتْ وصيّتهُ عنها في بُعدها الإنساني وفي بُعدها الديني الذي يتمثّلُ في شخصهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وفي بُعْدِها السياسي يسيرُ بسيرةِ جدّهِ وأبيهِ عليّ بن أبي طالب.
  • وهُنا إذا سارتْ الأُمور بهذا المسار فإنَّ الهدفَ سيتحقّقُ مِن فضْحِ مشروعِ السقيفة بكُلِّ أكاذيبهِ وضَلالهِ وانحرافهِ عن دين مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • وأمّا إذا سارتْ الأمورُ مِثلما وقعتْ وسارتْ في الاتّجاه السلبي – وهذا هو الذي وقع – فإنَّ الذي جرى على أرضِ كربلاء هو لأجل تحقيقِ هذا الهدف: لأجلِ فضْحِ مشروعِ السقيفةِ، جنّد سيّد الشُهداء العَواطف عِبْر الأجيال والعُصور.
  • — سيّد الشُهداء جنّد العواطف وجيّشها مِن خلال “التراجيديا” وهي المأساةُ في أقسى صُوَرها المُحْزنة.. جنّد العواطف مِن خلال المظلوميّة ومِن خلالِ الجريمة التي ارتكبها أبناءُ السقيفة، أبناءُ الشجرةِ الملعونة وجاءُوا بها على أرضِ كربلاء. لقد استخرجَ سيّدُ الشُهداء كُلّ توحُّشهم وكُلِّ إجرامهم بسببِ كبريائه وعزمهِ وثباتهِ وما رأوهُ منهُ ومِن أهل بيتهِ ومِن أنصارهِ الأوفياء، فكانوا يزدادونَ غَضَباً ويستشيطونَ غيظاً..
  • ألم يرتفِع الصوتُ مِن داخلِ جُموعهم وهُم في راحةٍ وفي رَواء، وأصحابُ الحُسين في عَطَشٍ وضَنَكٍ وأذىً شديد.
  • ألم يرتفع النداءُ مِن داخل الجيش الأموي.. مِن داخل أبناءِ السقيفةِ المشؤومة: أتدرون مَن تُقاتلون؟ “إنّكم تُقاتلون فُرسان المِصْر وأهل البصائر”.. هذا النداءُ كان يرتفعُ بين أوساطهم.
  • — قبل أن تبدأ المعركة، وكان البعضُ يتمنّى – خُصوصاً مِن أولئكَ الذين كاتبوا الحُسين – كان البعضُ منهم يتمنّى أن يستسلمَ الحُسين لهذهِ الجيوش خوفاً مِن الفضيحةِ بين الناس مِن أنّهم كاتبوا الحُسين ثُمَّ غَدَروا بهِ وقَتَلوه..!
  • فقال لهم عُمَر بن سعد: لن يستسلم، لأنّهُ يحملُ نفسَ أبيهِ عليٍّ بين جنبيه.. هذا هو عليٌّ.. فمتى استسلم عليٌّ..؟!
  • بكبرياء حقّهِ وبسموّ هُداه استخرجَ كُلّ جريمتهم، فكانتْ بانوراما عاشوراء يُلوّنها الحُسين بدمائه.. لقد رسم لوحةً لا مثيل لها.. جيّش العواطف وجنّد القلوب عِبْر العُصور. وها هُو الحُسينُ تمرُّ الأجيالُ بعد الأجيال شُموع فنائهِ لا تنطفىء، وشمسُ عليائهِ لا تذهبُ إلى الأفول.
  • سيّد الشُهداء جنّد العواطف وجيّشها، وجنّد البلاغةَ والفصاحةَ قبل الحادثة، قبل أن تقع المأساة.. وبعد أن وقعتْ فإنَّ إمامَنا السجّاد والعقيلةُ الهاشميّةُ وسائرُ المُطهّراتِ مِن آلِ مُحمّد مثّلوا البلاغةَ بجمالها، والفصاحةَ بِعُذوبتها، والأدبَ بِسْحْرهِ.. فكانتْ ظُلامةُ الحُسينِ صَوتاً وصَدىً ونَغمةً وشِعْراً وأسىً يتواصلُ عِبْر مُخطّطٍ دقيق يتوالى بشكلٍ تلقائي.. هكذا خطّط لهُ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وقد تحقّق هدفُهُ مِن فضْحِ مشروعِ السقيفةِ بشكلٍ واضحٍ للذين يبحثونَ عن الحقيقة.. أمّا أولئكَ الذين انطمستْ بصائرهُم فهؤلاءِ موجودون على طُول الخط.. فسيّدُ الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في صحيفتهِ الأولى يُخاطبُ الذين يبحثونَ عن الحقيقةِ والذين يُريدون أن يضعوا أقدامهم في طريق الله.. هذهِ رسالةُ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في الصحيفةِ الأولى مِن صحائفِ مشروعهِ العملاق.

  • من الإشاراتِ الواضحة التي تُشير إلى ارتباطِ المشروع الحُسيني بالذي يتعلّقُ ببرنامجِ السقيفةِ وما تفرّع عنها هو ما جاءَ في الجزءِ الثامن مِن الكافي الشريف، وقد قرأتُ ذلك عليكم فيما سَلَف مِن هذا البرنامج. يقول الإمام الصادق “عليه السلام”:

  • (وهكذا كانَ في سابقِ عِلْمِ الله عزَّ وجلَّ الذي أعلمَهُ رسولَ الله أن إذا كُتِبَ الكتاب قُتِل الحُسين..) والكتاب هُو الصحيفةُ المشؤومة التي كتبها جمْعٌ مِن الصحابة أيّام رسول لله “صلّى اللهُ عليه وآله” جعلوها برنامجاً نُفّذ بشكلٍ فعليّ في سقيفة بني ساعدة..! هناك ارتباطٌ واضح.. الإمامُ هُنا لا يتحدّثُ بمنطق التأريخ.. الإمامُ هُنا ينقلُ لنا لقطةً يصوغُها بتعابير تتناسب ومدارك عقولنا.. إنّها لقطةٌ مِن عِلْمِهم الإلهي “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • وقفة عند مَجموعةٍ مِن الإشارات مِن أرض الواقع تُنبئُنا (مِن قريبٍ، مِن بعيد) إلى أنَّ هدفَ الحُسين في الصحيفةِ الأولى قد تحقّق، فهو قد فضَحَ برنامج السقيفة وبشكلٍ واضح.

  • الإشارة (1): أكثرُ الذينَ تحدَّثوا عن نشأةِ التشيّع مِن المُستشرقين (الأوروبيّين وغيرهم) وحتّى مِن المُخالفين، أكثر الذين تحدّثوا عن نشأةِ التشيّع قالوا أنَّ التشيّع بدأ وظَهَر بعد واقعةَ عاشوراء.. لأنّهم يتناولون المسألة تناولاً تأريخيّاً، يبحثون عن المُعطياتِ أو عن الظواهر أو عن التفاصيلِ التي تُشْعِرُ مِن أنَّ خطَّاً أو اتّجاهاً بدأ يتحرّكُ بشكلٍ مُميّزٍ ومُنفصلٍ عن الاتّجاهِ العام الذي كان يتبعُ السقيفةَ المشؤومة.
  • التشيّع عندنا – بِحَسَبِ منطق الكتاب والعترة – بدأ في اليوم السابع والعشرين مِن شهر رجب، في أوّل يومٍ مِن أيّامِ بعثةِ نبيّنا “صلّى اللهُ عليه وآله”.. التشيّعُ هو الإسلام، التشيّع في عقيدتنا هو دينُ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”
  • — هذه النتائج التي يتوصّلون إليها: مِن أنّ التشيّع بدأ بعد عاشوراء وفقاً للمُعطياتِ التأريخيّة، هذهِ دلائل أو على الأقل إشارات تُشير إلى أنّ عاشوراء قد ميّزتْ بين منهج عليٍّ ومنهج السقيفة.. وحينما يتميّزُ المنهجُ العَلَوي عن منهج السقيفةِ فإنَّ الباحثينَ عن الحقيقةِ سيعرفونَ فضائحَ السقيفة ومفاسدها وضلالها.
  • الإشارة (2): أكثرُ الذين دَرَسوا الواقع الشيعي مِن الغربيّين ومِن غيرهم – وخُصوصاً ما بعد انتصار الثورةِ الإسلاميّة في إيران – صارتْ الشيعةُ مَحلَّاً لتوجّهِ الأنظارِ إليهم.. فإنّ الغربيّين قبل انتصارِ الثورةِ الإسلاميّةِ في إيران لم يكونوا يهتمّون كثيراً للشيعةِ، لإبتعادِ الشيعةِ عن الواقع السياسي.
  • فحينا جاء الغربيّين – وبِحَسَب المُعطياتِ التأريخيّة والمُعطياتِ الإجتماعيّةِ المُتوفّرة – حينما جاءُوا لتحليلِ الواقع الشيعي، ركّزوا على أنَّ نقطةً مُهمّةً ومُهمّةً جدّاً لها التأثيرُ الكبير في البناءِ النفسي وفي البناء الإجتماعي للواقع الشيعي، أطلقوا عليها: عقدة عاشوراء.. فقالوا أنَّ هذهِ العُقدة لها مِن التأثيرِ الكبير على البُنية الإجتماعيّة وعلى البُنيّةِ النفسيّةِ، وعلى البُنيّةِ الثقافيّة.. وهذا الأمر واضحٌ جدّاً انعكسَ على شِعْر الشيعة وآدابهم.. انعكس على الفولكلور الشيعي وعلى الطبائع الشيعيّة.
  • (وقفة توضيح لهذهِ النقطة بأمثلة مِن الواقع تتحدّث عن أنّ مائزاً صارَ واضحاً على جميع المُستويات حتّى على المُستوياتِ البعيدةِ عن مركز الفِكْر الديني في العقل الشيعي)

  • ملامحُ التشيّع صارتْ واضحةً بعد عاشوراء.. إنّني لا أتحدّث كما يتحدّث المُستشرقون، فالتشيّع – كما قُلتُ – بدأ مُنذ أوّل لحظةٍ بدأتْ فيها البعثةُ النبويّةُ المُحمّديّة.. ولكنّ عاشوراء خطّتْ طريقاً واضحاً هُو طريقُ عليٍّ وآل عليّ.. هذا هُو طريق الغدير، هذا هو طريقُ الكتاب والعترة.

  • وبدأ الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين” بدأوا شيئاً فشيئاً يُوضّحون ملامحَ هذا الطريق.. في البدايةِ لِمجموعةٍ خاصّةٍ مِن شيعتهم كما فعلَ الإمام السّجاد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حين وضعَ الأُسس المتينة التي بنى عليها الإمام الباقر مِن بعده.. ولذا حين نعودُ إلى الرواياتِ والأحاديث نجد أنَّ خُصوصيّةَ الحجِّ الشيعي تظهرُ في أحاديث الإمام الباقر.. وقد جئتُ بالحجّ مثالاً باعتبار أنَّ الحجّ أمرٌ ظاهرةٌ واضحةٌ يراها الجميع.. أمّا الصلاة فإنّ الإنسان قد يُصليّها الإنسان في بيتهِ، أمّا الحجّ فهو ظاهرٌ للعيان، فالجميع يرى الجميع ماذا يفعلون وكيف يُؤدّون مناسكهم.

  • قضيّةٌ لابُدّ أن أُشير إليها قبل أن أنتقلَ للصحيفة الثانية، وهي:

  • أنَّ المشاريعَ الستراتيجيّة الكبيرةَ والكبيرةَ جدّاً.. هذهِ المشاريعُ الأساسيّة بطبيعتها وبطبيعةِ كَثْرةِ مُفرداتها، وتَنوّع مُحتوياتها، وتعقيدِ مضامينها، وأهميّةِ غاياتها، فإنّ هذهِ المشاريع يكونُ لها مِن الأهداف ما هُو قريبٌ وما هُو مُتوسّطٌ وما هُو بعيد.. قطعاً الهدفُ الأهمّ هُو الهدف البعيد. الأهدافُ القريبةُ والمُتوسطّةُ هي الأُخرى أهدافٌ يجبُ أن تُحقّق، تُشكّلُ مُقدّماتٍ مُهمّةً جدّاً لِتحقيقِ الهدف الأبعد.. هكذا كُلّ المشاريع العملاقة والبرامج والمُخطّطات الستراتيجيّة.. لها أهدافٌ قريبة، ولها أهداف متوسطّة، ولها أهداف بعيدة (سواء كانت هذه المشاريع مِن مشاريع الحقّ أو كانت مِن مشاريعِ الباطل).

  • المشروعُ الحُسينيّ هدفُهُ القريب هُو الذي تحقّقَ وتحقّق فعلاً عِبْر تنفيذِ ما جاء مَرسوماً في الصحيفة الأولى، وهو: فضْحُ برنامجِ السقيفةِ عِبْر وُجودِ خطٍّ مائز يُميّز بين جهةِ الحقّ وجهةِ الباطل.. وهذا ما نجَحَ فيهِ المشروعُ الحُسينيّ أشدَّ النجاح وأوضحَهُ وأبينَهُ.

  • الهدف المُتوسّط للمشروع الحُسيني: هُو إحياءُ منهجِ الغدير والحِفاظُ على مَضمونهِ (أعني منهجَ الكتاب والعترة) ولو في دائرةٍ محدودةٍ تُحافظُ عليه وتنقلُ هذهِ الأمانةَ عِبْر الأجيالِ وتُخطّطُ لإيصالهِ إلى الغايةِ التي خُطّط لها أن يصِلَ هذا المشروع.. علماً أنَّ جزءاً مِن هذا البرنامج موكولٌ إليهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” وقطعاً هذا الجزء يتحقّقُ 100%.
  • وهناك جُزءٌ موكولٌ إلى الشيعةِ والأمرُ حينئذٍ يكونُ بين السَلْبِ والإيجاب.. وهُنا تتشتّتُ الآراء، وهُنا تختلفُ الأذواق، وهُنا تقعُ الإختلافات.. وهُنا، وهُنا، وهُنا.. وهذا الأمرُ وهو الحِفاظُ على مضمون الغدير عِبْر تركيزِ منهج الكتاب والعترة في هذه الأجواء تُصنَعُ حاضنةٌ حُسينيّةٌ، هذهِ الحاضنةُ الحُسينيّة هي التي تُحافِظُ على حرارةِ المشروع الحُسيني حتّى يصِلَ إلى غايته ومُبتغاه.
  • الهدف البعيد للمشروع الحُسيني: تحقيقُ المشروع المهدوي، وهُو الدولةُ المهدويّة الأولى وهي فاتحةٌ ومُقدّمةٌ لِعَصْر الرجعة، وعصْرُ الرجعةِ يَرتبطُ إرتباطاً مِفصليّاً ضروريّاً بالمشروعِ الحُسيني.. هذهِ قضيّةٌ غيبيّةٌ لا تُستَنتجُ بطريقةِ الاستنتاج الرياضي وإنّما نَعودُ بها إلى أحاديثِ العترة الطاهرة وإلى زياراتهم وإلى أدعيتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • فهذهِ هي الأهدافُ الواضحةُ مِن خلال تتبّعِ النُصوصِ مِن الخُطَبِ ومِن الأحاديثِ ومِن الأحاديثِ التفسيريّةِ لآياتِ الكتاب الكريم، ومِن الزياراتِ الكثيرةِ جدّاً، ومِن الأدعية ومِن كُلّ الوقائع والمُعطياتِ على الأرض، مِن كُلّ ذلك تُستنتَجُ هذه المضامين.. المشروعُ الحُسينيّ مشروعٌ عملاق، مشروعٌ أكثر مِن أن يُوصَف بأنّهُ سِتراتيجي.. فإنَّ المشاريعَ الستراتيجيّة قد يكونُ التخطيطُ فيها إلى 50 سنة، إلى 100 سنة، إلى 200 من السنين.. أمَّا المشروعُ الحُسينيُّ فيستمرُّ ويستمِرُّ إلى عصْرِ الظُهور.. ويستمِرُّ بشكلٍ أقوى وآكد عِبْر عصْرُ الرجعةِ الذي هو نتاجٌ طبيعيٌّ إلهي للمشروع الحُسيني.
  • زُبدةُ المخضِ: هُناك ثلاثة صحائف تتضمّن المشروع الحُسيني.. في كُلّ صحيفةٍ مُخطّط، وفي كُلّ صحيفةٍ هُناك هدفٌ قريب، هُناك هَدفٌ مُتوسّط، وهُناك هَدفٌ بعيد.. هذهِ المُخطّطاتُ قد تلتقي في نُقاطٍ وقد تفترق في نُقاط.. فما يأتي في الصحيفةِ الأولى ما يرتبطُ بزمانها الخاصّ بها قَطْعاً ستكونُ لهُ مُلابساتُهُ وظُروفهُ وحيثيّاتهُ.. وما يكونُ مُتواصلاً ومُتّصلاً عِبْر المُخطّط الواحد الذي يُرسَمُ باتّجاهِ الهدف البعيد فهناك سيكونُ تواصلٌ ما بين ما جاء في الصحيفةِ الأولى وفي الصحيفةِ الثانية، وفي الصحيفةِ الثالثة.
  • فهذه الأهدافُ قد تلتقي عِبْر برنامج تحقيقها في نقاطٍ وقد تفترق.. الزمانُ لهُ مدخليّةٌ، والمكانُ لهُ مدخليّةٌ، السياسةُ والحُكومةُ والحُكّام، المُجتمعُ والناسُ والأعراف، الوضعُ الإقتصادي، الوضعُ النفسي، الوضعُ الثقافي، المواهبُ التي يمتلكُها الأفراد الذين يرتبطون بهذا المشروع، الإمكاناتُ، العوائقُ.. وسائرُ التفاصيل الأُخرى التي تُلامسُ أيّ مشروعٍ عظيمٍ وكبيرٍ في مُختَلفِ مُفرداتهِ وجهاته.
  • مشروعٌ بهذه العَظَمة وبهذا الاتّساع لابُدّ أن يكونَ فيه جانبٌ صارمٌ، وأن يكونَ فيه جانبٌ مرن.. وما (التقيّةِ) إلّا عُنوانٌ واضحٌ للمرُونةِ في هذا المشروع.. وما المُداراةُ الإعلاميّةُ والثقافيّةُ والفِكْريّةُ إلّا وجْهٌ مِن وجْهِ الّليونةِ ومُعايشةِ الواقعِ لا بنحوِ الخُضُوع المُطلقِ إليه، وإنّما لأجلِ استثمارهِ كي يعبُرَ المشروعُ مُتجاوزاً العوائق.
  • الصحيفة الثانية مِن صحائف المشروع الحُسيني العملاق: هي التي يدورُ مضمونها حول الفترةِ مِن يومِ عاشوراء الشهادة إلى يوم عاشوراء الظُهور.
  • في هذا المقطع الزماني الهدفُ الذي يبدو واضحاً في هذهِ الصحيفة هو الحِفاظُ على مضمون الغدير وهُو (منهجُ الكتاب والعترة) وإنشاءُ المُقدّماتِ للحاضنةِ الحُسينيّة التي يتوالدُ فيها أنصارُ إمامِ زماننا.. ويتأكّد موضوعها كُلّما اقتربنا مِن عصْر ولادتهِ، ويشتدُّ الأمرُ كُلّما اقتربنا مِن عصْر ظُهورهِ.

  • في زيارة الأربعين نقرأ هذهِ العبارات: (وبذلَ مُهجتهُ فيكَ ليستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة) الزيارةُ تتحدّثُ عن الذينَ يَتوالدونَ في الحاضنةِ الحُسينيّة، وإلّا فإنّ الأُمّةَ بعد عاشوراء قد ضلَّتْ وازدادَ ضلالُها، وهذا ما تتحدّثُ عنهُ النُصوصُ الكثيرة.. أمّا هذا الذي يشيعُ في ساحةِ الثقافةِ الشيعيّة مِن أنَّ الأُمّة اهتدتْ وصَلُحتْ بعد عاشوراء فهذا هُراء مِن هُراء مراجعنا في بياناتهم وفي كُتُبهم، ومِن هُراء خُطبائنا الذي لا أصل لهُ في ثقافة الكتاب والعترة. الزيارة تتحدّث عن المجموعة المُلتصقةِ بمنهج الكتاب والعترة، المُحافظةِ على منهج الغدير.. إنّهم شيعةُ عليٍّ وآل عليّ، وليس الحديثُ عن غيرهم أبداً.. وسأعرضُ عليكم الروايات والأحاديث الواضحة والواضحة جدّاً التي تُبيّن ذلك.

  • ● قولهِ: (وبذلَ مُهجتهُ فيكَ) المُهجةُ هي الرُوح، هي طعمُ الحياة، هي لُبابُ القلب.. وهُنا نسألُ أنفُسنا: هل نحنُ نجونا مِن الضلالةِ وحيرةِ الضلالة ونحنُ ثقافتنا بتراء..؟!
  • إذا كانت ثقافتُنا بتراء فلسنا مِن أصحاب الحاضنةِ الحُسينيّة.. لأنّ الذين ينتمون إلى الحاضنةِ الحُسينيّة هُم الذين يُوصَفون بهذه الأوصاف (وبذلَ مُهجتهُ فيكَ ليستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة).
  • ● وقفة أُشير فيها بشكلٍ سريع إلى مجموعةٍ مِن النُصوص الشريفة التي تُخبرنا عن كيفيّة نُشوء هذهِ الحاضنة الحُسينيّة.. (المضامين الموجودة في أحاديثهم الشريفة والتي تُبيّن أنّ الحُسين يُحاصرنا مِن جميع الجهات).

  • وقفة عند نماذج مِن نُصوص حديثهم “صلوات الله وسلامه عليهم” تُنبئنا عن الرعاية الحُسينيّة لهذهِ الحاضنة:

  • ● وقفة عند مقطع مِن حديث الإمام الصادق في كتاب [بحار الأنوار: ج44] صفحة 292 – الحديث (35)
  • يقول الإمام الصادق “عليه السلام” لِمُحمّد بن بُكير: (وإنّهُ – أي الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه – لَعَن يمين العرش مُتعلّقٌ بهِ يقول: يا ربّ أنجزْ لي ما وعدتني – مِن النصر- وإنّهُ لَينظُرُ إلى زُوّاره وهُو أعرفُ بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم وبمَنزلتهم عندَ الله مِن أحدكم بولدهِ وما في رحله، وإنّهُ ليرى مَن يبكيه فيستغفرُ لهُ رحمةً لهُ ويسأل اباءَه الاستغفار لهُ ويقول: لو تعلم أيُّها الباكي ما أعدَّ لكَ لفرحتَ أكثرَ ممَّا جزعت، ويستغفر لهُ رحمةً لهُ كلّ مَن سَمِع بكاءَهُ مِن الملائكة في السماء وفي الحائر، وينقلب وما عليه من ذنب).
  • الرواية واضحة وصريحة جدّاً في حديثها عن الحاضنة الحُسينيّة التي تحظى بهذهِ الرعاية الخاصّة الغَيبيّة مِن الحُسين نفسه.
  • هُناكَ رعايةٌ حُسينيّةٌ غيبيّةٌ إلى زُوّارهِ العارفين بِحقّه.. ومرَّ علينا في الحلقاتِ الماضيّة مِن أنّهم “صلوات الله عليهم” يهتمّون ويعبأون بالزيارة المشروطة.
  • نعم يُؤجَرُ الزائرُ الذي ليسَ عارفاً بحقّ الحُسين، ولكنّ الأئمةَ لا يعبأونَ بزيارته.. الأئمة يعبأون بزيارةِ العارفِ بِحقّ الحُسين كي يكون مُؤهّلاً للدخولِ في الحاضنةِ الحُسينيّة.. هذهِ هي الحاضنةُ الحُسينيّة (الرعايةُ الحُسينيّةُ لِزوّارهِ العارفين بِحقّهِ).
  • — قول الرواية: (وإنّهُ لَينظُرُ إلى زُوّاره وهُو أعرفُ بهم وبأسمائهم وأسماء ابائهم وبدرجاتهم وبمَنزلتهم…) هُناك رعايةٌ حُسينيّة غَيبيّة لأولئكَ الذين يُقيمونَ شعائرَهُ وهُم عارفون بِحقّه، مثلما تقدّم الحديث عن الزيارة، لأنَّ الزيارة هي أهمّ الشعائر عند آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • — قول الرواية: (وإنّهُ ليرى مَن يبكيه فيستغفرُ لهُ رحمةً لهُ ويسأل آباءَه الاستغفار لهُ) الحُسين بنفسهِ يستغفِرُ لزائرهِ العارف بحقّه.. ومرَّ علينا مِن أنّ أدنى أجرٍ ينالهُ زائرُ الحُسين العارفُ بحقّهِ أن تُغفر جميعُ ذنوبهِ ما تقدّم منها وما تأخّر.. وهذا واضحٌ مِن أعداد هائلة وهائلة جدّاً مِن نُصوص الثقافة الحُسينيّة مِن أحاديثِ العترة الطاهرة. فهُناك رعايةٌ حُسينيّة غَيبيّة لِمَن يكونُ في هذهِ الحاضنة الحُسينيّة.. ومِن هذهِ الحاضنةِ الحُسينيّة يتولّدُ أنصارُ إمام زماننا.. وحِين سُئِلَ إمامُنا الصادق عن إمام زماننا، قال: (لو أدركتهُ لَخَدمتْهُ أيّام حياتي).
  • هذا توجيهٌ واضح.. يعني أنّكم يا أيّها الشيعةُ الذين وُفّقتُم أن تكونوا في الحاضنةِ الحُسينيّة فَإنَّ الخدمةَ الأولى هي أن تكونوا في خدمةِ إمام زماننا.. والخِدمةُ الحُسينيّةُ لا معنى لها ولا قيمةَ لها مِن دُون خِدمةِ إمامِ زماننا الحُجّةِ بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [مُستدرك الوسائل ومُستنبطُ المسائل: ج10] صفحة 318 رقم الحديث (13):
  • (نظَرَ النبيّ “صلّى الله عليه وآله” إلى الحُسين بن عليٍّ وهُو مُقبل، فأجلسه في حِجْره، وقال: إنَّ لقتلِ الحُسين حرارةً في قُلوب المُؤمنين لا تبردُ أبداً، ثمَّ قال “عليه السلام” بأبي قتيلُ كلُّ عبرة، قيل: وما قتيلُ كلّ عَبرة يا بن رسول الله؟ قال: لا يذكرهُ مُؤمن إلّا بكى)
  • هذه الحرارة تتولّد في هذهِ الحاضنة مِن خلال هذهِ الرعاية الحُسينيّة الغيبيّة للذين يكونون في هذهِ الحاضنة.
  • مشروع الحُسيني مُستمرٌّ وهُو يرعاهُ بنفسهِ.. فمِثلما كان يرعى مَشروعَهُ على الأرض، فهو يرعى مَشروعَهُ مِن عند العَرش.. ولو اقتضى أن ينزلَ إلى الأرض فهو نازلٌ إلى الأرض.. الأمكنةُ لا تُقيّدهم “صلوات الله وسلامه عليهم” والأزمنةُ لا تُقيّدهم.
  • — قولهِ: (وما قتيلُ كلّ عَبرة يا بن رسول الله؟ قال: لا يذكرهُ مُؤمن إلّا بكى) يعني إذا ما ذكرنا الحُسين وبكينا فإنّنا في جوّ الإيمان.. وإذا ما ذكرناهُ وما بكينا فإنّنا سنكونُ خارج جوّ الإيمان الخاصّ الذي يتحدّث عنهُ إمامُنا الصادق “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.
  • والعَبرةُ هي الدمعة، والعَبَرات هي الدُموع، والعَبَرات ربّما تُطلق على الحالةِ النفسيّةِ التي تسبقُ جريانَ الدموع.. والعَبرةُ أيضاً تُطلَقُ على الدُموع.. فَقتيلُ العَبَرات هو قَتيلُ الدموع، وقَتَيلُ الأحزان.
  • — لفظة (حُسين) هي في حدَّ ذاتها لو كانَ باطنُ الإنسان صافياً ومُنسجماً لبكى عند ذكرها، وإنّما يكونُ باطنُ الإنسانِ مُنسجماً حين تنسجِمُ مُتطلّبات الرُوح مع مُتطلّباتِ الجَسَد.. ولا أن يكون هُناك خصامٌ بين مُتطلّباتِ الجسد ومُتطلّباتِ الرُوح كما هو حالنا جميعاً.
  • من خُصوصيّات لفظة (حُسين) أنّها تضربُ على وَتَرِ الرقّةِ في داخلِ التكوينِ النفسي للإنسان.. (وقفة توضيح وتقريب لهذهِ النقطة).
  • — الحاضنة الحُسينيّة التي مرَّ الحديثُ عنها حين قرأتُ عليكم مقطعاً مِن حديث الإمام الصادق في كتاب [بحار الأنوار: ج44] والذي يتحدّث عن عناية سيّد الشُهداء بزُوّارهِ والباكين عليه.. وكذلك الرواية التي بعدها مِن كتاب [مُستدرك الوسائل] والتي تتحدّث حرارة القلوب التي لا تبرد على الحُسين.. كُلُّ هذهِ الرعايةِ تتجلّى بشكلٍ واضحٍ في أجواءِ هذهِ الحاضنةِ التي يحوطُها ما يحوطُها من رعايتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • — وقفة عند حديث الإمام السجّاد مع أبي خالد الكابلي في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] والإمام يتحدّث عن أوصاف المُنتظرين في زمان الغَيبة.. يقول “عليه السلام”: (يا أبا خالد: إنّ أهل زمان غيبتهِ القائلين بإمامته والمُنتظرين لظُهوره أفضلُ أهل كلّ زمان؛ لأنّ الله تَعالى ذكره أعطاهم مِن العقول والأفهام والمعرفة ما صارتْ به الغَيبةُ عندهم بمنزلة المُشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمَنزلة المُجاهدين بين يدي رسول الله “صلّى الله عليه وآله” بالسيف، أولئكَ المُخلصون حقّاً وشيعتنا صِدْقاً والدُعاة الى دين الله سرّا وجهرا)
  • حديث الإمام السجّاد هُنا مع أبي خالدٍ الكابلي هو حديثٌ عن الحاضنةِ التي مِن المُفترضِ أن تكونَ في زماننا هذا مُتّصلةً بالأزمنةِ السابقةِ ومِن أنّها تستمرُّ إلى يوم الظهور الشريف.. ولكن السؤال الذي يطرحُ نفسه هُنا: هل أنّنا مِن أهل هذهِ الحاضنة؟ هل انتفعنا منها؟ هل ارتبطنا بها؟
  • المضمون الموجود في هذهِ الرواية هو نفسُ المضمون الذي تتحدّثُ عنهُ زيارة الأربعين حين تقول:
  • (وبذلَ مُهجتهُ فيكَ ليستنقذَ عبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة). فهُناك استنقاذٌ مِن الجهالة.. والجهالة ليستْ في مُقابل العِلْم، وإنّما الجهالة في مُقابل العقل وفي مُقابل الفَهْم، وفي مُقابل المعرفة.. لأنّ المعرفة غير العلم. ولِذا عبّرت رواياتهم الشريفة بهذا التعبير: (مَن لم يعرفْ إمام زمانهِ مات مِيتةً جاهليّة) لأنّ المعرفة تستقرُّ في العقل وفي القلب، أمّا العلم فيستقرُّ في العقل فقط.
  • — هؤلاء المُنتظرين الذين ذُكْرتْ أوصافُهم في حديث الإمام السجّاد مع أبي خالدٍ الكابلي هُم أبناء الحاضنةِ الحُسينيّة. إذا ما وُفّقتْ الشيعةُ فقد يكثرُ أبناءُ هذه الحاضنة، أمّا إذا لم يكنْ هُناك مِن توفيق فإنّ أعدادهم قد تكونُ قليلةً جدّاً.. وربّما لا يكونُ أحدٌ فيها..! فسيناريو اليوم الأخير يأتي حينما لا يكون هُناك أحدٌ في الحاضنةِ الحُسينيّة، لأنَّ الحاضنة تنتظرُ ولا مِن أحد..! حتّى ينتهي العُمْر المُفترضُ للدنيا.. وحينئذٍ يُطوّلُ اللهُ ذلك اليوم كي يتحقّق المشروعُ المهدوي.. وقَطْعاً ستكونُ هُناك مُتغيّرات.. علماً أنّني لا أُريدُ أن أتحدّث عن اليوم الأخير، ولكن هذا الاحتمال قائمٌ وموجود.
  • — وقفة عند مقطع مِن رسالةِ إمام زماننا الأولى إلى الشيخ المُفيد في كتاب [بحار الأنوار: ج53] صفحة 153:
  • (فإنّا نُحيطُ علماً بأنبائكم، ولا يعزبُ عنّا شيءٌ مِن أخباركم، ومعرفتنا بالذُلّ الذي أصابكم، مُذ جنحَ كثيرٌ منكم إلى ما كان السَلَفُ الصالحُ عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراءَ ظهورهم كأنهم لا يعلمون).
  • هل هؤلاء (الكثرة المُتكاثرة من فقهاء الشيعة الذين نبذوا عهد بيعة الغدير وراء ظُهورهم كأنّهم لا يعلمون) هل هؤلاءِ مُؤهّلون أن يكونوا مِن قُطّان الحاضنة الحُسينيّة..؟!
  • قطعاً لا.. فهؤلاء قد نبذوا العهد المأخوذ منهم (وهو عهدُ بيعةِ الغدير).
  • والمشروع الحُسيني في صفحتهِ الثانيةِ هدفهُ هُو المُحافظةُ على مضمون الغدير (وهو منهج الكتاب والعترة).
  • والذين يأخذون دينهم وعقائدهم مِن هؤلاء الفُقهاء النابذين لعهد الغدير.. هُم أيضاً لا يُمكن أن يكونوا في الحاضنةِ الحُسينيّة.
  • هذا هو الواقع الشيعي.. ولذلكَ الواقعُ الشيعي لا يفْهَمُ المشروع الحُسيني ولا يتناغمُ معه.. فالمؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة في جانبٍ بعيدٍ عن المشروع الحُسيني. أساساً مراجع وعلماء الشيعة لا يفهمون المشروع الحُسيني ولا يعرفونه.
  • — هدف الصحيفة الثانية – كما أشرت – هو المُحافظةُ على مضمون الغدير (أعني منهج الكتاب والعترة) وفي خلال ذلك تنشأُ الحاضنةُ الحُسينيّة التي تكونُ مصنعاً ومركزاً ومقرّاً لتوليد أنصارِ إمامِ زماننا وتهيئتهم. وليس بالضرورةِ أن تتكامل دائماً عِبْر التأريخ، فالهدفُ سيكونُ ناجحاً حينما يتحقّق الظُهور، وحينما تكونُ هذهِ الحاضنةُ قادرةً على مدّ إمام زماننا بالأنصار الحُسينيّين المُخلصين.
  • قَطْعاً ستخضَعُ هذهِ الحاضنة للتقلّبات، فإنّنا هكذا وُعِدْنا مِن أنّنا سنُغربَلُ غَربلة، وسنُبلبلُ بلبلة، وسنُمحّصُ تمحيصا، وأنّنا سنُساطُ كما يُساطُ القِدْر فيعودُ أعلانا أسفلنا ويعودُ أسفلُنا أعلانا، ومِن أنّنا سنُكفِّر بعضُنا بعضاً ويلعنُ بعضُنا بعضاً، ويتفلُ بعضُنا في وُجوه بعض، ويُعادي بعضُنا بعضاً.. ومِن أنّ الفتن ستترا حتّى لا ينجو فيها الذي يشقُّ الشعرة بشعرتين..! هذه التقلّباتُ التي قد تجعلُ الرجلَ يُمسي على أمرٍ ويُصبحُ على أمرٍ آخر.. ويُصبحُ على أمرٍ ويُمسي على أمرٍ آخر.. فإنَّ الرجل منّا قد يُصبحُ مع إمام زمانهِ ويُمسي مع غيره..!
  • الرواياتُ تحدّثتْ بإسهابٍ وبتفصيلٍ في هذا الموضوع.. وقَطْعاً يجري ما يجري على الحاضنةِ الحُسينيّةِ مِن كُلّ هذهِ التفاصيل ومِن كُلّ هذهِ الإجراءات.. قد تكون هُناك رعايةٌ مُعيّنةٌ لِهذه الحاضنة، في بعض الأوقات، في بعض الظروف، لبعض الأشخاص.. أمّا بالنحو العام فإنَّ الحاضنة الحُسينيّة ستكونُ محكومةً بكُلّ هذا الذي يجري في زمانِ غيبةِ إمام زماننا الحجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.
  • استجابة الحاضنة الحُسينيّة لِما يُريده إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” لا تتحقّقُ إلّا عِبْر المعرفةِ الصحيحة.. ومِن هُنا كانتْ رسالة إمام زماننا إلينا هي: (طَلَب المعارفِ من غير طريقنا أهل البيت مُساوقٌ لإنكارنا) فلا يتوقّع أحدٌ أن يأخذ المعارف مِن غير أهل البيت ويظنّ أنّهُ مِن قُطّان الحاضنة الحُسينيّة.. لا يكون هذا أبداً..
  • الصحيفة الثالثة مِن صحائف المشروع الحُسيني والتي تبدأ مِن عاشوراء الظُهور إلى يوم القيامة الحُسينيّة في آخر مراحل الدولةِ المُحمّديّةِ الخاتمة التي هي جنّةُ الدُنيا. هذا الموضوع موضوعٌ كبير، ولكنّي سأعرضُ بين أيديكم نُصوصاً تُوضّحُ مقصدي وتُبيّنه.
  • — وقفة عند مقطع من الدعاء الذي يُستحبُّ قراءتهُ في يوم مولدِ سيّد الشُهداء (في اليوم الثالث من شهر شعبان) والدعاء مرويٌّ عن إمامنا الحسن العسكري “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.
  • ممّا جاء في هذا الدُعاء: (قتيلِ العَبرة، وسيّد الأُسرة، الممدودِ بالنُصرة يومَ الكرّة..) الكرّةُ هي الرجعة.. فالحُسينُ لم ينصَرْ.. وإنّما بعضُ أهدافهِ تحقّقت، وهُناك أهدافٌ لازالتْ تتحرّكُ مُقدّماتُها كي تتحقّق على أرض الواقع. أمّا الانتصارُ فهو في الرجعة.. فهناك ارتباطٌ مِفصليٌّ أكيد بين المشروع الحُسيني وبين عصْرِ الرجعةِ بكُلّ ما فيه مِن عظيم الوقائع وهائل الأحداثِ والحوادث.
  • — الكلامُ الخطيرُ في الدُعاء الشريف هُو في هذهِ العبارات التي تقول: (المُعوّض مِن قتْلِهِ أنَّ الأئمةَ مِن نَسْلِهِ والشفاءَ في تُربتهِ والفوزَ معهُ في أوبتهِ والأوصياء مِن عترتهِ بعد قائمهم وغَيبتهِ حتّى يُدركوا الأوتار ويثأروا الثأر ويُرضوا الجبّار ويكونوا خير أنصار..) فالرجعةُ في ثقافةِ أهل البيت هي عِوَضٌ عن قتل الحُسين..!
  • حين يقول الدُعاء عن الأئمة “ويكونوا خير أنصار” إنّهم أنصارُ مُحمّدٍ في دولته.. فالدُعاء هُنا يتحدّث عن الدولةِ المُحمّديّة التي يكون المسؤولون فيها هُم الأئمةُ المعصومون تحت إمامةِ ورعايةِ وقيادةِ رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • وفي آخر أيّام الدولةِ المُحمّديّةِ يأتي يوم القيامةِ الحُسينيّة كما تُحدّثنا الرواياتُ الشريفة.
  • — وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات] للشيخ حسن بن سليمان الحلّي. في صفحة 27:
  • (إنَّ الذي يلي حسابَ الناس قبلَ يومِ القيامة الحُسينُ بن عليّ “عليه السلام” فأمّا يومُ القيامةِ فإنّما هو بَعْثٌ إلى الجنّة وبَعْثٌ إلى النار).
  • الحديثُ هُنا عن يوم القيامةِ الحُسينيّة والذي يكونُ في آخر أيّام الدولةِ المُحمّديّة.

  • جولةٌ سريعةٌ أعرضُ لكم فيها نماذج مِن زيارات أهل البيت التي تحدّثتْ عن عقيدة الرجعة وارتباطها بالمشروع الحُسيني، ونماذج أُخرى مِن أحاديث العترة الطاهرة التي تُبيّن أهميّة عقيدة الرجعة وموقعيّتها في ثقافة العترة الطاهرة.

  • ثُمّ أعرض لكم إلى جانبها مجموعةً مِن الوثائق التي تُبيّن جهل المُؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة بالمعنى الصحيح لعقيدة الرجعة وتُبيّن استسخاف المُؤسّسة الدينيّة الشيّعيّة الرسميّة لعقيدة الرجعة.. حتّى تُقارنوا بأنفسكم، وتلاحظوا مدى التنافر الكبير بين مفهوم عقيدة الرجعة وموقعيّتها في ثقافة الكتاب والعترة.. ومفهوم الرجعة ووزنها وقيمتها عند علمائنا ومراجعنا..!

تحقَق أيضاً

ندوة في رحاب الكتاب والعترة

الأسئلة التي وردتْ في الندوة: السُؤال (1) كيف يُصلِحُ إمامُنا الحُجّةُ "عليه السلام" ما فَ…