يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ١٠ – المشروع الحسيني وفقاً لمنطق الكتاب والعترة ج٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 10 محرّم 1440هـ الموافق 20 / 9 / 2018م

  • في الحلقةِ الماضيةِ وصلَ الحديثُ بنا إلى هذا العُنوان: المشروعُ الحُسينيُّ وِفقاً لِمنطقِ الكتاب والعترة.

  • تقدّم الجُزء الأوّل في الحلقةِ الماضية وعُنوانهُ: “خارطةُ المشروع الحُسيني”.. ووعدتُكم أن يكونَ الحديثُ في هذهِ الحلقةِ في الجُزء الثاني أن أتناول مُفردتين من أهمَّ مُفردات المشروع الحُسيني: النَصر والثأر.
  • ولأجل أن أأخذَ الوقتَ المُناسبَ في الحديثِ عن هاتين المُفردتينِ المُهمَّتين.. مِن دُون فَهمِهما لا نستطيعُ أن نُطبّقَ بنحوٍ عمليّ على المُستوى الفِكري لِما تقدَّم ذِكرهُ في خارطةِ المشروع الحُسيني.. لأنّ الخارطةَ تُمثّلُ الجانب النظري، تُمثّل المُخطّط.
  • المُفرداتُ العمليّةُ والتي يتشخّصُ مِن خلالها واقعُ المشروعِ الحُسيني هي التي سأتحدّثُ عنها في هذهِ الحلقة وفي الحلقةِ القادمة يوم غد.

  • (النَصر) المفردةُ الأولى التي أُريدُ أن أحدّثكُم عنها.. وقطعاً نحن نتحدّثُ في أجواءِ المشروع الحُسيني.

  • أُريدُ أن أقفَ وقفةً ربّما يكونُ فيها شيءٌ مِن الطُول لأهميّةِ هذهِ المسألة.. وستلاحظون أهميّتها.
  • ما المُراد مِن مُفردة “النَصر”..؟
  • المعنى الذي يتردّدُ على مُستوى الألسنةِ، على مُستوى الكتابةِ والتأليف، على مُستوى الإعلامِ والتثقيف، على جميع المُستويات.. المُرادُ مِن النَصر: هُو الغَلَبةُ الظاهرةُ الواضحةُ لطرفٍ مِن الأطرافِ على طرفٍ آخر.. والذي نَعرفهُ هو أنَّ الأقوياء هُم الذين يكونون أصحابَ النَصر.. والانتصارُ هُو النتيجةُ التي يصِلُ إليها الغالبُ القوي.. هذا هو النصر والانتصار الذي يُتحدَّثُ عنهُ في أجواءِ لُغتنا العربيّة.
  • إنّني أتحدّثُ هُنا عن لُغةِ العرب وثقافةِ العرب، ولا شأن لهذا الكلام بما يَدورُ في الّلغاتِ الأُخرى.. لأنّنا إذا أردنا أن نتحدَّثَ عن الّلغاتِ الأخرى فلابُدّ مِن وجودِ ترجمةٍ دقيقةٍ جدّاً، ونَحنُ لا نَتحدّثُ في مِثل هذهِ الجهات.. فكلامُنا خاصٌّ بلغةِ العرب، بثقافةِ العرب.
  • ● النَصر في أصلِهِ وفي جُذورهِ هو: هو غَلَبةُ المظلومُ على الظالم فقط.. هذا هو معنى النَصر في أصل الّلغةِ وفي الثقافةِ العربيّة قبل تحريفِ مَعنى النَصر.. فإنَّ معنى (النَصر) في الثقافةِ العربيّة تمَّ تحريفهُ، وهذا الأمرُ ليسَ افتراضاً، وليسَ استنتاجاً.. مَن أراد أن يتأكّد ممّا أقول فليرجع إلى الموسوعاتِ الّلغويّة وليرجع إلى الشِعر الجاهلي، وليقرأ الأمثال العربيّة، وليُدقّق النظر في الحكاياتِ وحتّى في الأساطيرِ وفي الوقائع التي سُجّلت في دِيوان الأدب العربي.
  • ● النَصر هُو غَلَبةُ المظلومُ على الظالم فَقَط.. حينما يأخذُ المظلومُ حقّهُ مِن الظالم في لُغة العرب في أصلها.. راجعوا مَعاجمَ الّلغة، وراجعوا مُتون الأدب العربي، ولكن ابحثوا بدقّة.. ستجدون أنَّ لفظة النَصر في لُغةِ العرب لا تُقالُ لِغَلَبةِ أيّ غالب.. وإنّما النَصر هُو حينما يأخذُ المظلومُ حقّهُ مِن الظالم.
  • نعم قد تأتي هذهِ الكلمة (النَصر) بمعنى المَعونة، بغَضّ النَظَرِ أكانت هذهِ المعونة في طَريق العدل أم في طريق الظُلم، أكانت في طريقِ الحقّ أم في طريق الباطل.. فيُمكن لِظالمٍ أن يُعينَ ظالماً على مظلومٍ ويُقال أنّهُ نَصَرهُ.. أي نَصَرهُ في الإعانة.
  • أمَّا إذا كان هُناك مِن سجّالٍ أو مِن حَرَبٍ أو مِن صَراعٍ بين المظلومِ والظالم، وانتصرَ المظلوم (يعني تفوّق) فَهذا هُو الانتصارُ والنَصر.. أمَّا إذا كانَ الذي تفوّق هو الظُالم فلا يُقالُ لهُ نَصر، ولا يُقالُ لهُ انتصار.
  • ● (المظلومُ سَحَق الظالم بِحقٍّ، المظلومُ أخَذَ حقّهُ، المظلومُ انتقمَ مِن الظالم).. انتقامُ المظلومِ مِن الظالم نَصر، غَلَبةُ المظلوم على الظالم نَصر.. أخذُ المظلومِ لحقّهِ وبقوّةٍ من الظالم ذالكَ هو الانتصار.. هذا هو الموجود في نُصوص الأدب العربي، وهذا هُو الموجود في معاجم الّلغة.. وحديثي هُنا عن أصل الكلمة وعن جُذورها واستعمالاتها في الّلغةِ العربيّة.. وهذا الكلامُ كانَ مَوجوداً إلى زمانِ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” لكن حينما بدأ التحريفُ مِن يوم السقيفة حُرّفت الحقائق..!
  • ● هُناك حديثٌ مَشهور وهذا الحديثُ موجودٌ في كُتُبِ الشيعة وفي كُتُب السُنّة إلى الحدّ الذي صارَ كالأمثالِ يُضرَبُ مضربَ الأمثالِ لِشيوعهِ وانتشارهِ واشتهارهِ وهُو هذا الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)
  • النُصرةُ للمظلومِ واضحةٌ وهي تنسجِمُ مع المعنى الّلغوي والأدبي الذي أشرتُ إليه للنَصر.. أمَّا النُصرةُ للظالم بحَسَب تَفسير النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله” لهذهِ النُصرة فالمُراد مِنها: أن تمنَعَهُ وتَردعهُ بأن يستمرَّ في ظُلمهِ.. وفي الحقيقةِ هذا نَصرٌ للمظلومِ وليس للظالم.. وإنّما هي طريقةٌ بديعةٌ في التعبيرِ لأجلِ إيصالِ هذهِ المعلومة ولإلفاتِ النَظَرِ إلى المطلبِ الذي تحدّثَ عنهُ الحديث.
  • نعم هُو نَصرٌ للظالمِ مِن جهةٍ مِن الجهات، ومِن حيثيّةٍ مِن الحيثيّات.

  • وقفة عند نماذج من آياتِ الكتاب الكريم التي تحدّثت عن مادّة (النَصر) و (الانتصار).

  • هذه المادة مادة (النَصر، والانتصار) وردت كثيراً في الكتاب الكريم، ولا أستطيعُ أن أتناولها بكاملها، فذلكَ يحتاجُ إلى أكثر مِن حلقة.. لكنّكم لو دقّقتم في الآياتِ التي وردت فيها هذه المادّة (مادة: النَصر، والانتصار) لَوجدتم أنَّ هذهِ الآيات في الأعمّ الأغلب جاءت بِحَسَب المعنى الذي بيّنتُهُ وهو: غَلَبةُ المظلومِ على الظالم، وجاءت في بعض الموارد بمعنى المَعونة.. وهذا هو معنى النَصر في لُغةِ العرب.. النَصر هُو غَلَبةُ المظلوم، يعني أنَّ المظلومُ ينتقمُ مِن الظالم، أو أنَّ النَصر هُو الإعانة حينما نقول: نَصَر فلانٌ فلاناً يعني أعانه، فليس الحديثُ هُنا عن نهايةِ الأمر وعن نتيجة الموضوع، وإنّما عن نوعٍ مِن الفعل كان معونةً وكان إعانةً (سواءَ كانت هذهِ المعونة في اتّجاهِ العدل أو في اتّجاهِ الظُلم) بغضّ النظر عن اتّجاهها وعن تقييمها.. لكن في الأعمّ الأغلب الاستعمال الذي وردَ في الكتاب الكريم وردَ بنفس المعنى الّلغوي الذي أشرتُ إليه، لا بالمعنى الشائع الذي عليه الثقافةُ اليوم.
  • ● في سُورةِ مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله” في الآية (7): {يا أيُّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} لأنَّ الله مظلومٌ ظُلِمَ من قِبَل العباد، وهذا المعنى بيّنهُ القرآن في سُورة لُقمان في الآية 13 بعد البسملة: {وإذ قال لقمانُ لابنهِ وهُو يعِظُهُ يا بُنيَّ لا تُشرك باللهِ إنَّ الشركَ لَظُلمٌ عظيم} وأحاديثُ العترة الطاهرة قسّمت الظُلم إلى أنواع: (ظُلمٌ لله، وظُلمٌ للخَلق، وظُلمٌ للنفس)
  • فهُنا حين نقرأ في الآية (7) مِن سُورة مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله” {يا أيُّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} فإنّنا ننصرُ إلهنا لأنَّ المُشركين قد ظلموهُ، وهُو ينصُرُنا لأنّنا نصرناه.. هذا المضمون واضحٌ في آياتِ الكتاب الكريم.
  • ● في سُورة الشُورى الآية (39): {والذين إذا أصابهم البغيُ هُم ينتصرون} حينما يُظلَمون ينتصرون.. والمُراد مِن “ينتصرون” ليس أنّهم يُحصّلون نتيجةَ النَصر، وإنّما يتحرّكون لاستردادِ حُقوقهم.
  • فهذا المُصطلح (الإنتصارُ) بِحَسَب الّلغةِ وبِحَسَب آياتِ الكتاب الكريم هُو التحرّك لاستردادِ الحقّ.. والنَصرُ هُو نتيجةُ الصراع بين المظلوم والظالم ويكونُ المظلومُ هُو الغالب، أمّا الانتصارُ فهو حركةُ المظلومِ لاستردادِ حقّهِ.
  • ● في الآية (41) من سُورة الشُورى: {ولَمَن انتصرَ بعد ظُلمهِ فأُولئكَ ما عليهم مِن سبيل} وهذهِ الآيةُ بِحَسَب أحاديثِ العترة الطاهرة مُفسَّرةٌ في إمام زماننا، والمظلوميّةُ هُنا هي مظلوميّةُ سيّد الشُهداء.
  • الإنتصارُ هُو السعيُ والتحرّكُ لاستردادِ الحقّ.. قد يكونُ المظلومُ غالباً وقد لا يكون.. ولكنّهُ انتصرَ لنفسهِ.. في الغالب يُستعمَل هذا التعبير حينما يتحرّكُ المظلومُ لاستردادِ حقّهِ ويتغلّب على الظالم، ولكن ليس بالضرورةِ حينما نقول (إنّ فلاناً المظلوم انتصرَ لِظُلامتهِ ولحقّهِ) ليس بالضرورةِ أن تكونَ النتيجةُ بِحَسَب الغَلَبةِ الظاهرةِ على الظالم لهُ.. في الغالب تُستعمَل في حركةِ المظلوم لردّ حقّهِ مع حُصولهِ على نتيجةِ النَصر: أنَّ المظلوم يكون غالباً للظالم.
  • ● في الآياتِ الأخيرةِ مِن سورة الشُعراء: {والشعراءُ يتّبعُهم الغاوون* ألم ترَ أنَّهم في كُلّ وادٍ يهيمون* وأنَّهم يقولون ما لا يفعلون* إلّا الذينَ آمنوا وعملوا الصالحات وذَكَروا الله كثيراً وانتصروا مِن بعد ما ظُلِموا…}
  • — قولهِ: {وانتصروا مِن بعد ما ظُلِموا} أي مِن بعد ما ظلموا تحرّكوا يطلبون حقّهم.. حَرَكتُهم، وسعيهُم، ونشاطُهم لاستردادِ حقّهم.. هذا هو الانتصار.. فالمُراد مِن ينتصرُ يعني يُطالب بحقّه.
  • ● في سُورة القمر في الآية (10) دُعاءُ نوحٍ النبي: {فدعا ربَّهُ أنّي مَغلوبٌ فانتصر} معنى “مغلوبٌ” يعني أنّي مظلومٌ ولا أستطيعُ استردادَ ظُلامتي.
  • الخُلاصةُ مِن كُلّ هذا:
  • النَصرُ هُو غَلَبةُ المظلومِ للظالم.. والمُرادُ مِن الغَلَبةِ هُنا الغَلَبةُ الظاهرة وهذا ما لم يحصل على أرضِ كربلاء.. الذي حدَثَ أنَّ المُجرمين غالوا في ارتكابِ جريمتهم.. الذي حصَلَ أنَّ الظلامةَ اشتدّت واشتدّت ولازالت تشتدُّ هذهِ الظلامةُ إلى هذهِ الّلحظة..!

  • أُلفت أنظاركم إلى نُقطتين:

  • النقطة (1): كيف أنَّ الأقوياء وأصحابَ السُلطةِ يُحرّفون الحقائق.. التأريخ يكتبهُ الحُكّامُ والطواغيت.. الواقع يُفسّرهُ ويُحلّلهُ ويشرحَهُ الحُكّام.. وسائلُ الإعلام تُحلّلُ الأحداث والوقائع للناسِ بِحَسَبِ ما تُريد الحُكومات.
  • الحُكّامُ، الأقوياءُ، أصحابُ النُفوذ، زُعماءُ الدين (مِن أيّ دينٍ) زُعماءُ السياسةِ (مِن أيّ سياسةٍ) هؤلاء هُم الذين يكتبون التأريخ، وهُم الذين يُقيّمون الأشخاص.. وقَطعاً التأريخ لا يتحدَّث عن أيّ شخصٍ وإنّما يتحدّثُ عن الشخصيّاتِ المُهمّة.. والحُكّام (مِن حُكّامِ الدين أو مِن حُكّامِ السياسةِ) حِين يُقيّمون الأشخاص يُقيّمون الأشخاص الذين لهم مِن التأثير في الواقع المُحيط بهؤلاءِ الحُكّام، وإلّا فهم لا يعبأون بالآخرين.
  • النتيجة: أنّ الحُكّام والسُلطة هؤلاء هُم الذين يكتبونَ التأريخ بِحَسَب ما يشتهون، ويُحلّلون الواقع بِحَسَب ما يخدم مصالحهم، ويُحرّفون الّلغةَ مِن خلالِ (لسان الأديبِ، والشاعر، مِن خِلال قَلَم المُثقّف، والمُفكّر، مِن خلال معاهد العِلم، ومراكز الإعلام..) من خلال الوسائل التي يستطيعون استعمالها لِتحريفِ المُصطلحاتِ وتغييرِ مسار الّلغة.. وقد حَدَث مِثلُ هذا بشكلٍ كبير في الّلغةِ العربيّة.
  • — مُنذُ زمانِ السقيفةِ والتحريفُ ليسَ في القُرآن فقط.. وليس في حديثِ النبيّ، وليس في حقائق التأريخ، وإنّما في الّلغةِ والأدبِ أيضاً.. فإنَّهم يَحتاجون إلى تَحريفِ المُصطلحاتِ وإلى تحريفِ المُفرداتِ الّلغويّة.. وهذا مثالٌ واضح: فالنَصرُ في ثقافتنا العربيّة الآن هُو غَلَبةُ طَرفٍ على طَرف مِن دُون مُلاحظة المظلومين.. وهذا الأمرُ يكونُ في خِدمةِ الظَلَمةِ الأقوياء، وكُلُّ ذلكَ يقودُنا إلى التحكّم بِمُفرداتِ بناء العقل الفردي أو الجمعي.. فهذهِ المُفرداتُ تُؤثّرُ في بُنيةِ العقل الفردي مِن خلالِ معاهد العِلم، مِن خلال الدراسةِ في المدارسِ، في الكُلّيات، في الجامعات.. ويُمكن أن تُؤثّر في العقل الجمعي مِن خلال الإعلام، من خلال المساجد والمحافل العامّة وغيرها.. مِن هُنا يتمكّن الأقوياءُ مِن تغيير اتّجاهاتِ العقل، وهذا هُو الذي أُصِرُّ عليهِ دائماً وهُو أنَّ الواجب الأوّل علينا أن نُحصّنَ العقل الشيعي قَطعاً بعد تنظيفهِ مِن قذاراتِ الفِكر الناصبي، وأن نُعيد تشكيلهُ وفقاً لِمنطق الكتاب والعترة.
  • النقطة (2): إذا ما رجعنا إلى ما كُتُب عن سيّد الشهداء إلى فترةِ ما قبلَ الخمسينات فَإنّنا لا نَلمحُ في الكُتُبَ التي كُتُبت ولا في الأشعارِ التي نُظمت قبل خمسينات القرن العشرين.. لا نَلمحُ حَديثاً عن أنَّ سيّد الشُهداء قد حقّق النَصرَ بحَسَب المعنى الشائع والمعروف لدينا الآن.
  • — الشُعراء يتحدّثون عن بسالتهِ، يتحدّثون عن عُلوّ هِمتّه، يتحدّثون عن جُرأتهِ، عن وُضوحهِ، عن إقدامهِ، يتحدّثون عن أنّهُ بنى لنفسهِ ولِقومهِ مجداً عظيماً، يتحدّثون عن عزّةٍ وشموخٍ عِبر التأريخ وفي سُوح القتال والبِراز.. يتحدّثون بِمثل هذهِ المعاني، قَطعاً معَ ما يرتبطُ مِن حديثٍ في مفاخرِ سيّد الشهداء إن كان المُراد مِن هذهِ المفاخر، المفاخرُ الإلهيّة، المفاخرُ الدينيّة، المفاخرُ النَسَبيّة وأمثال ذلك.. هذا هُو الذي يدور في الكتابات.. أمّا هذا المضمون الذي يقول أنّ سيّد الشُهداء قد انتصر، وأنّهُ انتصر بهذا المعنى الشائع أنّه تغلّبَ على خَصمهِ، فهذا المعنى لم يكن موجوداً.. هذهِ الثقافةُ ثقافةٌ إخوانيّةٌ قُطبيّةٌ من الطِراز الأوّل.
  • — تُلاحظون مِن أنّنا نعاني مِن ابتعادٍ مُركّب.. فنَحنُ نستعملُ النَصر بالمعنى المُحرّف الذي حُرّف عن أصلهِ الموجود في كُتُب الّلغةِ والأدب.. ثُمّ بعد ذلك نستعملُ معنى النَصر ونُطبّقهُ على المشروعِ الحُسيني بِحَسَب ما جاءَنا مِن الثقافة الإخوانيّة والقُطبيّةِ الناصبيّة.
  • دُونكم الكُتب: كتابُ [الخصائص الحُسينيّة] هُو لِخطيبٍ حُسينيٍّ ولِمرجعٍ معروف، لم يتحدّث عن هذا الموضوع.. أمّا الكُتُب التي سبقت هذا التأريخ فَهي أبعدُ ما تكون عن الحديث في مثل هذا الموضوع.
  • — الذين جاءُوا مِن بعد الشيخ جعفر التُستري مثل الشيخ مهدي المازندراني كُتُبهم خليّةٌ مِن هذا المعنى.. وسائرُ الكُتُب التي جمعت المجالسَ الحُسينيّةَ لِكبارِ العُلماءِ وكبار الخُطباء ما قبل الخمسينات.. لا وُجود لِهذا المعنى، وإذا وُجِدَ فإنّما يُوجَدُ بمعنىً عشائري، بمعنىً قَبَلي.. أمَّا هذا المعنى الذي طُرِحُ مُنذُ الخمسينات وإلى الآن جاءَنا مِن الثقافةِ الإخوانيّة القُطبيّة الناصبيّة الإرهابيّة المُجرمة.. مِن هُنا جاءَنا هذا المعنى، فتلقَّفهُ مَراجعنا وبياناتهم رنّانةٌ في كُلّ سنةٍ بهذا المعنى، وهُم يَجهلون المعنى الّلغوي الأصل للكلمة والذي جاءَ به القرآن وجاءَت به أحاديثُ العترة الطاهرة.. وستأتينا الأحاديث.
  • ثُمّ بعد ذلك تمسّكوا بما جاءَ من فكرةٍ عن النَصر مِن هذا البوّابةِ البغَيضةِ الّلعينة، مِن البوّابة الإخوانيّة القُطبيّة المشؤومة.. فصارت مجالس الشيخ الوائلي وصارت مدرسة الشيخ الوائلي مُتمسّكةً بهذا الطرح، وهكذا بدأ الشُعراء ينظمون، والرواديد يقرأون، والعمائم القُطبيّة بدأت تُؤلّف وتكتب، فانتشرت هذهِ الفكرة.. وإلّا فهذهِ الفكرةُ لا تنسجمُ مع الّلغةِ في أصلها ومع الاستعمال القُرآني ومعَ حديث أهل البيت، ومعَ عقيدتنا وفَهمنا بحَسَب نُصوص المعصومين عن المشروع الحُسيني ولا حتّى بحسب الواقع التأريخي.
  • نصرُ الحسين لم يتحقّق إلى الآن، وإنّما مشروعُ الحُسين يتحرّك باتّجاهِ النَصر.. نَصرُ الحُسين طلائعهُ تكونُ عند ظُهور إمام زماننا.. نَصرهُ يتحقّقُ في الرجعة، ولِذا سُمّي الحُسينُ في مرحلةِ الرجعة بإسمٍ خاص.
  • اسمُ الحُسين في عصر الرجعة هو: الحُسين المُنتصر، السيّد المُنتصر.. هذا هو اسمُ الحُسين في عَصر الرجعة.. ولم يرد في زياراتِ الحُسين وصف “المُنتصر”.
  • هذا الوصف “المُنتصِر” وصفتهُ الروايات والأحاديث المعصوميّة التي تحدّثت عن عصرِ الرجعة وعن أحوال سيّد الشهداء في عصرِ الرجعة.
  • — الحُسينُ هُو المُنتصر.. والمُنتصرُ هُو الذي يَستردُّ حقّهُ وظُلامتهُ.. عِلماً أنّنا هُنا لا نتحدّثُ عن حقٍّ شخصي رُغم وجودهِ.. ولا نَتحدّث عن ظلامةٍ شخصيّةٍ مع وجودها.. إنّنا نتحدّثُ عن مشروعِ الله.. اللهُ سُبحانه وتعالى لهُ مشروع وهُو مشروع الخلافةِ الإلهيّة على الأرض، وهذا المشروع أُنيط بإمام زماننا بعدما غدرت الأُمّةُ بالغدير.. فبعدما غدرت الأُمّة بالغَدير صارَ المشروعُ الأوّل والأخير هو المشروعُ المهدوي ولكنّنا لا نستطيعُ تحقيقهُ إلّا مِن خلال هذا المشروع العملاق وهُو المشروع الحُسيني.. وقد حدّثتُكم في حلقةِ يوم أمس وأنا أرسم لكم خارطةَ المشروع وكيف أنَّ المشروع الحُسيني لهُ هدف قريب، وهدف مُتوسّط، وهدف بعيد.. والهدف البعيد هو الهدف الأصل وهو تحقيقُ المشروعِ المهدوي على أرض الواقع.
  • هذهِ بداياتُ وطلائعُ انتصار الحُسين.. نَصرُ الحُسين يتحقّقُ حينما تبدأُ الرجعة.. وبِحَسَب أكثر رواياتنا فإنَّ فاتحةَ الرجعةِ بحُسينٍ والخاتمةُ بِحُسين.
  • الدولةُ المُحمّديّة هي الخاتمة والنبيُّ الأعظم هُو الفاتحُ الأعظم وهُو الخاتم الأعظم.. ولكنّني حدّثتُكم يوم أمس عن يوم القيامةِ الحُسينيّة والذي يَجري في آخر مراحل الدولة المُحمّدية الخاتمة.. انتصارُ المُنتصِر يتحقّق في ذلك العَصر العجيب إنّه “عصر الرجعة”.. القُرآن يتحدّثُ عن هذهِ الحقيقةِ بِحَسَب منطقِ العِترة لا بحَسَبِ مَنطقِ سيّد قُطب وأضرابهِ مِن النواصب مِن أعداء العترة.

  • وقفة عند بعض الأمثلة وبعض النُصوص التي تُركّز هذا الموضوع وُتوضّحه بنحوٍ أكثر.

  • ● الآية 51 من سورة غافر: {إنَّا لننصُر رُسُلنا والذين آمنوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقومُ الأشهاد}
  • وقفة عند حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج7] في معنى الآية (51) مِن سُورة غافر.
  • (عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: قلتُ لهُ: قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إنَّا لننصُر رُسُلنا والذين آمنوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقومُ الأشهاد}؟ قال: ذلكَ واللهِ في الرجعة، أ ما علمتَ أن أنبياءَ اللهِ تبارك وتعالى كثيراً لم يُنصَروا في الدُنيا وقُتِلُوا، وأئمةً مِن بعدهم قُتِلوا ولم يُنصَروا – يُشير إلى أئمتنا – فذلك في الرجعة).
  • هذا هُو منظورُ الأئمةِ للنَصر.. لا بالمعنى الذي يتحدّثون عنه (عن نَصرٍ سياسيٍّ، عن نَصرٍ إعلاميٍّ..) هذا هُو معنى النَصر إن كان في الّلغة، وإن كان في القرآن. فالإمام لم يقل أنّهم بعد قتلهم انتصروا.. كيف ينتصرون وهُم قُتِلوا..؟! يُمكنننا أن نقول أنَّ أهدافهم تحقّقت لو كان هُناك مَن يسعى في تحقيق أهدافهم.. ولكن تحقيقَ الأهداف شيء، وهذا المُصطلح مُصطلحُ النَصر شيءٌ آخر.
  • أمّا هذهِ الإستعمالات فهي إمّا مِن لُغةٍ مُحرّفةٍ حرّفتها السقيفةُ ومَن جاءَ بعدهم، أو مِن تحريفٍ فكريٍّ جاءَنا مِن سيّد قُطب وأضرابه.. وركضَ مراجعُنا بجهلهم بثقافةِ الكتاب والعترة وراحوا يكرعون في هذهِ العيون الكدرة القَذرة، فنشأت هذهِ الثقافة، فكتبَ الكُتّاب ونظمَ الشُعراء وأنشدَ الرواديد.. وبقيت ثقافةُ العِترة مَحبوسةٍ في آياتِ الكتاب التي يجهلُها مَراجعنا وفي أحاديثِ العِترة التي هَجروها ووصفوها بالضَعفِ وعدمِ الصحّة بسببِ قذاراتِ علم الرجال.. والنتائج هذا الهراء على المنابر وفي الفضائيّاتِ وفي دراسةِ الحوزة.
  • ● رواية أُخرى أيضاً في [تفسير البرهان: ج7]:
  • (عن أبي بصير، عن أبي جعفر “عليه السلام” قال: تلا هذهِ الآية: {إنَّا لننصُرُ رُسُلنا والذين آمنوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقومُ الأشهاد} قال: الحُسين بن علي منهم، قُتِلَ ولم يُنصَر بعد، ثمّ قال: والله لقد قُتِلَ قَتَلَةُ الحُسين ولم يُطلَبَ بدمهِ بَعد). قَتَلة الحُسين قُتِلوا أيّام المُختار.. ولكن هذا ليس نصراً للحُسين.. النصر يتحقّقُ في الرجعة.. لابُدَّ مِن غَلَبةٍ للمظلومِ على الظالم بشكلٍ حسّيٍّ وظاهرٍ ومُباشر.
  • ● وقفة عند ما جاء في الدُعاء الذي يُستحبُّ قراءتهُ في اليوم الثالثِ مِن شهر شعبان، وهُو يوم ميلاد سيّد الشُهداء.. الدُعاء مرويٌّ عن إمامنا الزاكي العسكري “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.. ممّا جاء في هذا الدعاء وهو يتحدّث عن سيّد الشُهداء:
  • (قتيل العَبرة وسيّدُ الأُسرة الممدود بالنُصرةِ يوم الكرّة، المُعوّضِ مِن قَتلهِ أنَّ الأئمةَ مِن نَسلِهِ، والشفاء في تُربتهِ والفوزَ معهُ في أوبته، والأوصياء مِن عترتهِ بعد قائمهم وغيبته، حتّى يُدركوا الأوتار ويثأروا الثار، ويُرضوا الجبَّار ويكونوا خيرَ أنصار، صلّى اللهُ عليهم مع اختلاف الليل والنهار…)
  • دقّقوا النظر ستجدون أنّ المعاني التي ذُكرت في هذهِ العبارات تنطبقُ إنطباقاً كاملاً على الذي ذكرتُهُ وبيّنتهُ مُنذ بدايةِ الحلقةِ إلى هذهِ الّلحظة.. الدُعاء كأنّهُ خُلاصةٌ كاملةٌ لِكُلّ الذي قُلت. لم نجد في كُلِّ زياراتِ سيّد الشُهداء وفي كُلّ الأدعيةِ والتوسّلاتِ والمُناجياتِ التي بخُصوصهِ في الأجواء الحُسينيّة لم يرد عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” أنّهم تحدّثوا عن نصرٍ قبل الرجعة.
  • المشروعُ الحُسينيُّ يتحرّك باتّجاهِ الانتصار.. تعرفون الدقّة والحكمة في هذه الهندسةِ والعقائديّة؟
  • ● حينما نَفهمُ المشروع الحُسينيَّ بهذا الفَهم ومُنذ نعومةِ أظفارنا ونتربّى على هذا الفَهم مِن أنَّ المشروع الحُسينيَّ حقّق بعضاً مِن أهدافه.. أمَّا الأهدافُ العُظمى لم يُحقّقها لحدّ الآن.. هو يتحرّك باتّجاهها.. ألا تتبرمجُ عقولنا باتّجاهِ أن نتحرّك وأن نعملَ وأن ننشطَ بخلاف ما لو قُلنا أنّ الحُسين قد انتصرَ وحقّق أهدافهُ وتمَّ الإصلاح وأُصلحت أوضاع الأُمّة.. فيبقى الشيعةُ يطبخون الطعام ويتصوّرون أنّهم يفتحون الفُتوح.
  • أنا لا أُشكِلُ على طبخ الطعام.. فأنا مِن خَدَمةِ الحُسين، وأنا أُنفِقُ الأموال في طَبخ الطعام، وأنا نفسي حينما تسنحُ لي الظروف أُشاركُ بنفسي في طَبخ الطعامِ وتهيئةِ مُقدّماتهِ.. أنا واحدٌ منكم يا خَدَمةَ الحُسين، فلستُ مُعترضاً.. ولكنّني أقول: أينَ هذا مِن هذا..؟!
  • هذهِ الطُقوس وهذهِ الشعائر التي تُؤدّونها لا قيمةَ لها مِن دُون المعرفة.. ولِذا أئمتنا حِين تحدَّثوا عن أهمّ شعيرةٍ وهي الزيارة قالوا: (عارفاً بِحقّه)
  • فأنا أقول: أقيموا هذهِ الشعائر، واصلوا إقامتكم لهذهِ الطقوس، أنفقوا أموالكم، واصرفوا أوقاتكم، ولكن بوعيٍّ ومعرفة بعيداً عن القذاراتِ الناصبيّة التي ملأت الواقع الحُسينيّ بسبب مَراجعنا وبسبب خُطبائنا وبسبب المكتبةِ الشيعيّة وبسبب الفضائيّاتِ الشيعيّة..!
  • ● هؤلاء الذين يقولون لكم أنّ الحُسين انتصر، وأنّ الحُسين حقّق أهدافهُ وأنّ الأُمّة قد أُصلحت هؤلاء ينطقُ الشيطان على ألسنتهم.. لأنَّ الشيطان قد استحمرهم وهُم لا يشعرون..!

  • عرض حُزمةٍ مِن النُصوص تُحدّثنا عن واقع الأُمّة بعد عاشوراء، بعد مقتل سيّد الشهداء.. وأنتم حكّموا عقولكم ولاحظوا منطق آل مُحمّد، ولاحظوا المنطق الذي يتحدّث به علماؤنا ومراجعنا ومُعمّمونا وفضائيّاتنا.. ستجدون أنَّ منطق محُمّدٍ وآل مُحمّد مُشرّق.. ومنطقُ مراجعنا وخُطبائنا وشُعرائنا والأجواءِ الحُسينيّةِ طُرّاً مُغربّة.

  • ● وقفة عند وصف وتحليل إمام زماننا لِما جَرَى بعد قَتل الحُسين في زيارة الناحيّة المُقدّسة في [بحار الأنوار: ج98] يقول “عليه السلام”:
  • (..فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قَتَلوا بقتلكَ الإسلام، وعطلَّوا الصلاةَ والصيام ونقضُوا السُننَ والأحكام، وهَدمُوا قواعدَ الإيمان، وحرَّفوا آيات القرآن وهملجُوا في البغي والعدوان. لقد أصبحَ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” مَوتوراً، وعَادَ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ مَهجورا، وغُودِرَ الحقّ إذ قُهِرتَ مَقهوراً، وفُقِدَ بفقدكَ التكبيرُ والتهليل، والتحريمُ والتحليل، والتنزيلُ والتأويل، وظهَر َبعدكَ التغييرُ والتبديل، والإلحادُ والتعطيل والأهواءُ والأضاليل والفتنُ والأباطيل)
  • هذا هو حالُ الأُمّة بعد عاشوراء.. فأيُّ إصلاحٍ هذا الذي يتحدّثون عنه، والإمام الحجّة يقول: (لقد قَتَلوا بقتلكَ الإسلام).
  • المشروعُ الحُسينيُّ لازال يتحرّك.. هؤلاء قتلوا الإسلام مِن حيث هُم، قتلوا الإسلام مِن حيث عامّة الأُمّة التي ركضت وراءَهم.. الحُسين فضَحَ مشروعَ السقيفةِ بكُلّ تفاصيلهِ ووضعَ خطّاً مائزاً بين النهج العَلَوي وبين نهج السقيفة.. فالهدفُ الأوّل للمشروع الحُسيني تحقّق ولكنّ المشروع الحُسيني لم يُحقّق النصر إلى هذهِ الّلحظة.. إنّه يتحرّك، وعلينا أن نتحرّك معه، لا أن نُذعِن لِما يُريدهُ الشيطان عِبر علمائنا وعِبر مراجعنا فيقولون لنا أنّ المشروع الحُسينيّ حقّق النصر والأمّة أُصلحت.
  • — قول الزيارة: (وظهَر َبعدكَ التغييرُ والتبديل، والإلحادُ والتعطيل) قطعاً سينصرفُ ذهنكم حين تسمعون “الإلحاد” إلى ما يُطلق عليه الإلحاد في أيّامنا هذه وهو إنكارُ وُجودِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى.. وهذا غير صحيح، فإنَّ الإلحاد هُنا في زيارة الناحيّة المُقدّسة يختلفُ عن معنى الإلحاد الشائع في أذهانكم. المرادُ مِن الإلحاد هُنا في زيارة الناحية المُقدّسة هُو الإلحاد الذي تحدّث عنهُ القُرآن، وهو الإلحادُ الذي تحدّثت عنه العترة وهو الإلحادُ بحقّ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.
  • فأنا أقول لأصحاب العمائم الكبيرة: مثلما تجهلون معنى النصر في ثقافةِ الكتاب والعترة، تجهلون أيضاً معنى الإلحاد.
  • الإلحادُ في ثقافة الكتاب والعترة هُو الإلحادُ بحقّ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. والآياتُ والروايات تحدّثت عن هذا المعنى.
  • ● وقفة عند مقطع مِن حديث أمير المؤمنين لحُذيفة بن اليمان في كتاب [غيبة الشيخ النعماني] يقول سيّد الأوصياء في صفحة 145 :
  • (فو الذي نفسُ عليّ بيده لا تزالُ هذه الأمّة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظُلمةٍ وعسف – وهو الظُلم الشديد في مسار الإنسان وطريقه – وجور واختلاف في الدين وتغيير وتبديل لما أنزل الله في كتابه، وإظهار البدع وإبطال السُنن، واختلالٍ وقياسِ مُشتبهات‌ وترك مُحكمات حتّى تنسلخ من الإسلام وتدخل في العمى والتلدّد والتسكّع)
  • هذا هُو حالُ الأمّةِ بعد مقتل سيّد الشُهداء بِحَسَب أمير المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [وسائل الشيعة: ج7] – الباب (13) الحديث الثاني، وهُو مِصداقٌ واضح يشرح بشكلٍ عمليّ هذه المضامين التي مرّت، يقول الإمام “عليه السلام” في صفحة 213:
  • (لَمَّا ضُرِبَ الحُسين بن عليّ بالسيف فسقط ثُمَّ ابتُدِرَ ليُقطَع رأسهُ – لمّا جاء شِمر مُتوجّهاً لسيّد الشُهداء كي يقطع رأسهُ الشريف – نادى مُنادٍ مِن بطنان العَرش ألا أيُّتها الأُمّة المُتحيّرة الضالّة بعد نبيّها لا وفَّقكم اللهُ لأضحى ولا لِفطر قال: ثُمَّ قال: أبو عبد الله عليه السلام فلا جَرَم واللهِ ما وُفّقُوا ولا يُوفَّقون حتّى يُثأر بثأر الحُسين).
  • — قول الإمام: (لَمَّا ضُرِبَ الحُسين بن عليّ بالسيف فسقط ثُمَّ ابتُدِرَ ليُقطَع رأسهُ) لربّما الإمام هُنا يتحدّث عن هذهِ الّلقطة: حينما كان إمامُنا الحُسين على ظهر جوادهِ، طعنوهُ في خاصرتهِ طعنةً عظيمة، فسقطَ الإمام مِن على ظَهر الجواد.. لمّا سقط بقي جالساً، وهُنا أحاطوا بهِ وضربوهُ بكُلّ شيءٍ إلى أن سقطَ الإمامُ على الأرض وصنَعَ لهُ وسادةً مِن الرمل، وتمدّد إمامُنا جسدٌ مُدمّى.. فالجراحاتُ في كُلّ أجزاءِ بدنهِ الشريف.
  • — قولهِ: (لا وفَّقكم اللهُ لأضحى ولا لِفطر) الأضحى إشارة إلى الحجّ، والفِطر إشارة إلى الصيام وكلاهما يُشيران إلى الصلاةِ وإلى طُقوسِ وتفاصيل الدين.. وربّما نجدُ نحن هذا الواقع حتّى فيما بيننا.. فلا الحجُّ حجٌّ في مواعيده، ولا الصيامُ صيامٌ في أيّامهِ ولا العيدُ عيدٌ.. فلربّما تنطبِقُ هذهِ الروايات علينا نحنُ أيضاً..!
  • ● وقفة عند مقطع مِن دعاء النُدبةِ الشريف.. ممّا جاء فيه:
  • (أينَ المُعدُّ لقَطعِ دابرِ الظَلَمة؟ أين المُنتظَرُ لإقامةِ الأمتِ والعِوَج؟ أين المُرتجى لإزالةِ الجَور والعدوان؟ أين المُدَّخرُ لتجديدِ الفرائض والسُنن؟ أين المُتخيّرُ لإعادةِ المِلّةِ والشريعة؟ أين المُؤمّل لإحياءِ الكتاب وحُدودهِ؟ أين مُحيي معالمِ الدين وأهله؟ أين قاصمُ شوكةِ المُعتدين أين هادمُ أبنيةِ الشركِ والنفاق؟ أين مبيدُ أهل الفُسوق والعصيان؟ أين حاصدُ فروع الغيّ والشقاق؟ أين طامس آثارِ الزيغ والأهواء؟ أين قاطعُ حبائل الكذب والافتراء؟ أين مُبيد العُتاةِ والمَرَدَة؟ أين مُستأصل أهل العناد والتضليل والإلحاد؟ أين مُعزُّ الأولياء ومُذلُّ الأعداء؟ أين جامعُ الكلمةِ على التقوى؟ أين بابُ اللهِ الذي منهُ يُؤتى؟ أين وجهُ اللهِ الذي إليه يتوجّه الأولياء؟ أين السَبَبُ المُتّصلُ بين الأرض والسماء؟ أين صاحبُ يومِ الفتح وناشرُ رايةِ الهدى؟ أين مُؤلّف شَمل الصلاح والرضا؟ أين الطالبُ بذحولِ الأنبياء وأبناءِ الأنبياء؟ أين الطالبُ بدمِ المقتولِ بكربلاء؟..)
  • — بحسب ما عندنا من الروايات والأحاديث والوقائع فإنَّ هذه الأوصاف بالدرجة الأولى في واقعنا الشيعي، وفي واقعنا العربي، وفي واقعنا السُنّي.. أحاديثُ أهل البيت لم تتحدّث عن المسيحيّين ولا عن اليهود.. كُلّ ما عندنا مِن الروايات والأحاديث في الثقافة المهدويّة تُخبرنا أنّ الإمام أوّل ما يبدأ يبدأ بكذّابي الشيعة.. يبدأ بمَن انتحلَ مودّة أهل البيت (يعني اعتقد بمودّتهم ولكنّه يتحرّك في اتّجاهاتٍ أُخرى مُخالفة للعترة الطاهرة).
  • — قوله: (أين المُرتجى لإزالةِ الجَور والعدوان؟) العدوان المُباشر على الكتاب والعترة هل جاءنا مِن المسيحيّين مثلاً..؟! أم مِن الهندوس والبُوذيّين؟! أم جاءَنا بشكلٍ مُباشر مِن مراجع شيعة يصِفُهم الإمام الصادق بهذا الوصف: (أنّهم أضرُّ على ضُعفاء الشيعةِ مِن جيش يزيد على الحُسين بن عليّ وأصحابه)..؟! ولِذا أهل البيت يقولون أنّ كُلّ سُوءٍ هو في عُنُق الصحيفة وأصحابها، وكُلّ جُرمٍ يعودُ إلى هناك.. هذا هو منطقُ العِترة، وهكذا يجبُ أن نفهم أدعيتها وزياراتها.
  • — لو لم تكن هذهِ العناوين هي الحاكمة في الواقع الشيعي وفي الواقع العربي وفي الواقع السُنّي، وفي واقعِ منطقةِ الظُهور.. لو لم تكن هذه العناوين هي الحاكمة لَما جاء الدُعاء يُركّز ويُؤكّد عليها وما تركَ كلمةً مِن العناوين التي تُشير إلى أسوأ حالاتِ الأمّة وأقبحِ حالاتِ الأُمّةِ وحشدها هُنا.
  • — قولهِ: (أين مُستأصل أهل العناد والتضليل والإلحاد) المعنى المُراد للإلحاد هُنا هُو المعنى الذي بيّنتهُ وهو التقصيرُ في مقاماتِ الأئمة كما بيّنت الروايات.. وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع (عن معنى الإلحاد في ثقافة العترة) بشكلٍ مُفصّل في برامج سابقة.
  • — ما قرأتهُ عليكم مِن جُمَلٍ وعبائر مِن دُعاءِ النُدبةِ الشريف تَرسمُ لنا صُورةً واضحةً عن الواقع السيّء.. فهذا الدُعاء بهذهِ الألفاظ هُو مُنذ زمن إمامنا الصادق، واستمرَّ الحالُ السيء فصَدَر لنا هذا الدُعاءُ مِن إمامِ زماننا بعد زمن صادق العترة الطاهرة.. ولازالَ الحالُ هُو الحال.. فأينَ الإصلاح يا مَن تتحدّثون وتقولون أنّ الحُسين قد انتصرَ وقد حقّق النصر وتحقّقت أهدافهُ وأنَّ الأمّة قد أُصلِح حالها.؟!
  • ● وقفةٌ عند عبائر مِن دُعاء زيارة الإمامين العسكريّين “صلواتُ الله وسلامه عليهما وآلهما” في مفاتيح الجنان.. ممّا جاء في هذا الدعاء وهُو يتحدّث عن إبليس، يقول:
  • (وقد عشَّش وكثرت جُنودهُ وازدحمت جُيوشُهُ وانتشرت دُعاته في أقطار الأرض، فأضلّوا عبادك، وأفسدوا دينكَ، وحرَّفوا الكَلِمَ عن مَواضِعهِ، وجعلوا عبادك شِيَعاً مُتفرّقين وأحزاباً مُتمرّدين، وقد وعدتَ نقضَ بُنيانه وتمزيقَ شأنهِ فأهلك أولاده وجيوشَهُ، وطهّر بلادكَ مِن اختراعاته واختلافاته، وأرح عبادك مِن مذاهبه وقياساته..)
  • هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم في الوسط الشيعي ويُعلّمونكم الفكر الناصبي، هُؤلاء دُعاة آل مُحمّد؟ أم دُعاةُ إبليس؟ قطعاً دعاةُ إبليس.
  • — بعد هذهِ البيانات سيتّضحُ لكم ما جاء في زيارة سيّد الشُهداء في أربعينه، حين تقول الزيارة:
  • (وبَذَل مُهجتهُ فيكَ ليستنقذَ عبادك مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة..) إنّه لا يتحدّثُ عن هذهِ الأمّة الضالّة، وإنّما يتحدّث عن تلكَ المجموعة العارفة بحقّهِ التي تنشأ في الحاضنة الحُسينيّة.. وهذا المعنى شرحتهُ وبيّنتهُ في الحلقة الماضية.. إنّها المجموعة القليلة التي حِين تزور الحُسين تزوره عارفةً بحقّه، وحين تُقيمُ شعائرهُ الحُسينيّة تُقيمُ الشعائر وهي عارفةٌ بحقّ الحُسين.. هؤلاء هُم أبناء الحاضنة الحُسينيّة الذين يُتوقّع لهم أن يكونوا أنصاراً أو يكونوا مِن المُمهّدين لإيجادِ قاعدةٍ وأرضيّةٍ ينبتُ فيها أنصارٌ للإمام الحجّة “صلواتُ الله وسلامه عليه”
  • فليس بالضرورةِ أنّ كُلَّ الذين ينشؤون في الحاضنةِ الحُسينيّة أن يكونوا أنصاراً مُباشرين للإمام الحجّةِ.. وإنّما عِبر الأجيال يكونون مُمهّدين للمَجاميع القادمة ينقلونَ الأمانة العقائديّة عِبرهم إلى الأجيال التي تُوفّق كي تنصرَ إمام زماننا بشكلٍ مُباشر.

  • الأنكى في واقعنا أنَّ إبليس الّلعين أكثرُ فَهماً وأكثرُ وعياً للمشروع الحُسيني مِن مراجعنا وعلمائنا وخُطبائنا..!

  • ● وقفة عند مقطع مِن حديث إمامنا السجّاد مع زائدة في كتاب [كامل الزيارات] – الباب (88).. ممّا جاء في حديثٌ دار بين إمامنا السجّاد وبين عمّتهِ العقيلة، والعقيلة تُحدّث عن أمير المُؤمنين، وأمير المُؤمنين يُحدّثُ عن رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • فهذهِ الكلمات تنقلُها العقيلة عن أبيها سيّد الأوصياء في الّلحظات الأخيرة مِن حياته بعد أن ضُرِبَ في مسجد الكوفة.. يقول سيّد الأوصياء للعقيلة:
  • (ولقد قال لنا رَسول الله “صلّى الله‌ُ عليه‌ وآله‌ وسلّم” حين أخبرنا بهذا الخبر: أنَّ إبليس “لعنه الله” في ذلك اليوم – يوم عاشوراء سنة 61 ه بعد أن يُقتل سيّد الشُهداء- يطِيرُ فَرَحاً فيَجول الأرض كلّها بشياطينهِ وعَفارِيتِه فيقول: يا مَعاشِرَ الشّياطين قد أدركنا مِن ذُريّة آدم الطَلِبَة وبَلَغنا في هَلاكهم الغاية وأورثناهم النارَ، إلاّ مَن اعتصَمَ بهذه العِصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيكِ الناس فيهم وحَملِهم على عَداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم حتّى تستحكمَ ضَلالةُ الخَلق وكُفرُهم ولا ينجو مِنهم ناجٍ، ولقد صَدَقَ عليهم إبليسُ وهو كَذوب، أنّه لا ينفعُ مع عداوتكم – أي عداوة العترة – عَمَلٌ صالِح ولا يضرُّ مع مَحبَّكم ومُوالاتكم ذَنبٌ غيرُ الكبائر.. قال زائدة: ثمَّ قال عليُّ بن الحسين عليهما‌ السلام بعد أن حدَّثني بهذا الحديث: خُذهُ إليك، أما لو ضربتَ في طَلَبهِ إباط الإبل حَولاً لكان قليلاً)
  • هذا هو فَهم إبليس لواقع الأمّة ولطبيعة المُجتمع بعد مقتل سيّد الشُهداء.. بالله عليكم: إذا كان إبليس أفهمُ مِن مراجعنا فكيف يستطيعون مُواجهته، وكيف نثقُ بهم كي نحتمي بهم في مواجهة المشروع الإبليسي وهو يُحيط بنا مِن كُلّ مكان..؟!
  • — قول الإمام لزائدة: (أما لو ضربتَ في طَلَبهِ إباط الإبل حَولاً لكان قليلاً) المُراد مِن إباط الإبل: أي جوانب جسم البعير، فلأجل تسريع الحركة عليه فإنَّ الراكب عليه يضربُ إباطه بيدهِ أو بأيّ شيء آخر، فإنّه إنّما تُضرَبُ إباط الإبل لأجل تسريع حركتها.. والمُراد: أنّك لو ضَربتَ إباطَ الإبل حَولاً كاملاً كي تُسرع بكَ لطلبِ هذا الحديث لكان ذلك قليلاً.
  • — قول إبليس: (إلاّ مَن اعتصَمَ بهذه العِصابة) هؤلاء الذين سيكونون في الحاضنة الحُسينيّة، الذين استُنقِذوا في المشروع الحُسيني مِن الضلالةِ وحيرةِ الجهالة.
  • والمراد من العصابة في قوله: “اعتصَمَ بهذه العِصابة” أي اعتصم بالعترة، لأنَّ مَن اعتصمَ بهم فقد اعتصمَ بالله عزّ وجلّ.. والعصابةُ مجموعةٌ مِن الناس تتفق في آرائها وتتحد في همومها وأفراحها وأتراحها وتضربُ بيدٍ واحدة.
  • — (فاجعلوا شغلكم بتشكيكِ الناس فيهم وحَملِهم على عَداوتهم) أي بتشكيكِ الناس في هذهِ المجموعة التي تكون في الحاضنةِ الحُسينيّة.
  • — الملائكة حينما كانت تتحدّث مع الله سُبحانه وتعالى كما في الآية 30 من سُورة البقرة:
  • {وإذ قال ربُّكَ للملائكةِ إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نسبّح بحمدكَ ونُقدّسُ لكَ قال إنّي أعلمُ ما لا تعلمون* وعلَّم آدم الأسماءَ كلّها ثُمَّ عَرَضَهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماءِ هؤلاء إن كُنتم صادقين…} إلى أن تقول الآيات: {قال يا آدم أنبئهُم بأسمائهم فلمَّا أنبأهُم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلمُ غيبَ السماواتِ والأرض وأعلمُ ما تُبدون وما كُنتم تكتمون}
  • — قولهِ: {أتجعلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء} الملائكة يتحدّثون عن أقدس الدماء وهي دِماء الحُسين.. والرواياتُ حدّثتنا عن ذلك.. وحتّى لو لم تكن هناك روايات، فالمنطق يقول ذلك أنّ الملائكة تتحدّث عن أقدسِ دمٍ يُسفَكُ على وجه الأرض وهو دم الحُسين.
  • — قولهِ: {ونحنُ نسبّح بحمدكَ ونُقدّسُ لكَ} هذا التسبيحُ هُو لآل مُحمّد كما نقرأ في زيارة سيّد الشهداء “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” – الزيارة المُطلقة الأولى بحسب تبويب مفاتيح الجنان.. نُخاطبُ فيها سيّد الشُهداء ونقول:
  • (وبكم تُنبتُ الأرضُ أشجارها، وبكم تُخرجُ الأرض ثمارها، وبكم تُنزلُ السماء قَطرها ورِزقها، وبكم يكشفُ اللهُ الكرب، وبكم ينزّلُ اللهُ الغَيث، وبكم تُسبّح الأرضُ التي تحملُ أبدانكم، وتستقرُّ جبالها على مراسيها…)
  • — قولهِ: {وعلَّم آدم الأسماءَ كلّها} قطعاً الحديث ليس عن أسماء وألفاظ في حُدود حروفٍ لها أصوات كالألفاظ التي نتكلّم بها.. الموضوع كبيرٌ جدّاً يتجاوز مسألة الّلغة والّلسان والألفاظ.. حتّى إذا أردنا أن نفترض وجود ألفاظٍ في البين، فإنّها لا أهميّة لها.. لا يُمكن أن تكون مِيزةُ آدم بحيث تسجدُ كُلّ الملائكة لأجل ألفاظ أو كلمات، لأجل حروف أو أصوات.. القضيّةُ ترتبطُ بدرجةِ الوجود، بمَرتبةِ آدم على صفحةِ الوجود وترتبطُ بالجوهر الإنساني وماذا يُراد منه وماذا يُراد لَه، وترتبطُ بالجوهر الذي تصوّر عنه آدم.. فآدم صُورتهُ على صورة الله، وصورةُ الله هي مُحمّدٌ “صلّى الله عليه وآله”.. فهذه صورةٌ مُصغّرةٌ تتناسبُ مع العالم الذي ظَهر فيه آدم.
  • ثُمّ يأتي مضمون آدم الذي تحدّثت عنه الروايات وهو نفحةٌ منهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.. نورٌ أشرقَ في ذاتِ آدم، ولأجلِ ذلك النُور سَجَد الملائكةُ كُلّهم أجمعون.. القضّية تتجاوز الألفاظ، والأسماء هي سمات، علامات، رموز، إشارات.. أمّا إذا أردنا أن نغورَ في المعنى العميق فإنَّ أسماء الله ليست ألفاظ.. وما الإلحادُ الذي أشرتُ إليه قبل قليل إلّا الاعتقاد بأنّ أسماء الله ألفاظ.. هذا هو الذي تحدّثت عنه الروايات والأدعية والزيارات. هذه الألفاظ التي تُسمّى بالأسماء الحُسنى هذهِ عبارة عن إشارات صوتية اعتباريّة تتناغم مع الطبيعة التي عليها الإنسان في تلقّي المعلومات.. والذين يعتقدون أنّ أسماء الله الحُسنى هي هذه الألفاظ فهؤلاء هُم الذين يُلحدون في أسمائه سُبحانه وتعالى.. فأسماء الله هم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم” وليست ألفاظ.
  • — وتستمرّ الآياتُ مِن سورة البقرة فتقول:
  • {وإذ قُلنا للملائكة اسجدوا لآدم فَسَجدوا إلّا إبليس أبى واستكبرَ وكان مِن الكافرين} الملائكةُ سجدوا أجمعون لأنّهم عرفوا أنَّ البرنامج الإلهي سيتحقّق الانتصارُ فيه لهذا الدم المسفوك في مرحلة الرجعة التي هي مرحلةُ الخلافةِ الحقيقيّة.. وإنّما مِن زمان آدم إلى عاشوراء الظهور هذهِ هي دولةُ إبليس التي عبَّر عنها رسول الله بجولة الباطل التي هي في قبال دولة الحقّ التي تبدأ مقدّماتها عند ظُهور إمام زماننا الذي هو مقدّمة لدولة الحقّ الكاملة في عصر الرجعة، وتاجها الدولة المُحمّدية الخاتمة.. وهذا هو معنى (الفاتح الخاتم).

تحقَق أيضاً

ندوة في رحاب الكتاب والعترة

الأسئلة التي وردتْ في الندوة: السُؤال (1) كيف يُصلِحُ إمامُنا الحُجّةُ "عليه السلام" ما فَ…