على ضفاف الحروف … عينيّة الجواهري – الأربعين ١٤٣٩ﻫ – المجلس ١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 19 صفر 1439هـ الموافق 9 / 11 / 2017م

  • وردتني أسئلة عديدة على إيميل البرنامج الذي كُنتُ أُقدّمه على شاشة القمر، و هو برنامج [سؤالك على شاشة القمر].. الأسئلة تطلب منّي أن أُبيّن معاني قصيدة “عينيّة الجواهري”.

  • سأحاول أن أشرح مضامين هذه القصيدة بشكلٍ مُختصر مُوجز و سريع.. في هذه الّليلة أتناول شطراً منها، و في الّليلة الآتية أتناول الشطر المُتبقّي من هذه القصيدة.

  • في البداية لابُدّ أن أُشير إلى نقطة مهمّة، و هي:

  • أنّه حينما يشرح شارحٌ قصيدةً مِن القصائد هو لا يعلم بالضبط ماذا يُريد الشاعر أن يقول، فالمعنى في قلب الشاعر – كما يقولون –
  • و لكن هناك معنىً إجمالي يظهرُ مِن القصيدة.. هو هذا الذي سأُشير إليه.. و ربّما يدفعني ذلك إلى إضافة بعض المطالب بشكل موجز، ربّما لا يقصدها الشاعر، و ربّما يقصد الشاعر شيء آخر.
  • ● (وقفة عند حادثة طريفة تُنقل عن الشاعر أبي نؤاس تُبيّن أنّ معنى القصيدة في قلب الشاعر، و ليس بالضرورة أنّ ما يأتي به شارح القصيدة مِن شرح هو ما يُريده الشاعر).
  •  

    فداءٌ لِمثواك مِن مضجع     تنوّر بالأبلج الأروع.

  • المثوى: هو المكان الذي يثوي إليه الإنسان، و معنى يثوي إليه: أي يعود إليه كي يستقرّ فيه.. و المضجع: هو المكان الذي ينام فيه الإنسان.
  • ● (تنوّر بالأبلج الأروع) تنوّر هنا ليس مِن النُور.. و إنّما مِن (النَور) يعني: الورود.. النَور في لُغة العرب: هو الورد، بقرينة البيت الذي يأتي بعدها:
  •  

    بأعبق مِن نفحات الجنان     روحاً و مِن مسكها أضوع.

  • فهناك عَبَق، و هناك مِسْكٌ يضوع، و هناك رائحة.. فهذه الرائحة لا تأتي مِن النُور، و إنّما تأتي مِن النَور و مِن النوّار هو الورد.. و العرب يُطلقون كلمة (النَور) على الورد الذي يُزهر بشكل طبيعي (يعني لا يأتي زارع يزرعه) و في الغالب يُستعمل في الورد الأبيض الذي ينبت مع الأعشاب في فصل الربيع.
  • فيُقال: (تنوّرت الأرض) أي أعشبتْ و خرج فيها الزهر و الورد الطبيعي.. و أمّا (النوّار) فهي الثمار.. يُقال شجرة تنوّرتْ: أي خرجتْ ثمارها مِن أكمامها.
  • ● (الأبلج) في لغة العرب هو صاحب الجبين الواسع المُشرق.. و يُقال كذلك للذي لا تنقعد حاجباه (أي لا تلتقي) يُقال له أبلج.
  • ● و أمّا (الأروع) فهي مِن الرائع.. و الرائع والأروع هو حسن الجسم، و حسن الوجه، و حسن الشعر، و لهُ مهابة بين الناس و بين قومه.
  • فالذي يظهر مِن قول الشاعر هنا في البيت الأوّل:
  • أنّ الشاعر يجعل نفسه فداءً لهذا المثوى.. لهذه الأرض التي استقرّ فيها الحُسين.. لأنّ هذا المثوى تنوّر بالأبلج الأروع.
  • فهذا الأبلج الأروع الذي ثوى في هذا المكان جعل هذا المكان مُزهراً مُورداً.. و هنا لا يتحدّث عن الأزهار و عن الورود بهذا المعنى الحسّي.. و إنّما يتحدّث عن معنىً حقيقي للأزهار و للورود.
  • أزهرتْ حقيقة الورود في هذا المكان حين ثوى فيه هذا الأبلج الأروع.
  •  

    بأعبق مِن نفحات الجنان     روحاً و مِن مسكها أضوع.

  • هذه الورود و الأزاهير فاحتْ روائحها و عُطُورها بأعبق من نفحات الجنان.. (العَبَق) هو طيب الرائحة، و (الروح)) هو ارتياح النفس و ارتياح الذات إمّا لنسيم عذب قارب ذلك الإنسان، و إمّا لرائحة طيّبة، و إمّا لِطهارة مكان و نظافته، و إمّا لِجمالٍ و لِحُسنٍ في ذلك المكان أحاط به.. مثلما جاء التعبير في القرآن الكريم: (رَوحٌ و ريحان).
  • (المِسك) هو العِطر المُستخرج مِن نافجة الغَزال.. هو نوعٌ من أنواع الدم ذُو رائحة طيّبة.. و (ضاع المسك) أي انتشر في المكان و وصل إلى الآناف.
  • و هذان البيتان يتحدّث فيهما الشاعر عن كربلاء.
  •  

    و رعياً ليومك يوم الطفوف     و سقياً لأرضك مِن مصرعِ.

  • ● (رعياً) مفعول مُطلق، و المفعول المُطلق يُمكن أن يحذف الفعل و يقوم مقام الفعل.. فيكون التقدير هكذا:
  • (إنّي أُراعي رعياً ليومكَ يوم الطفوف) يعني عندي رعاية ليومك يوم الطفوف.. و الطفوف اسمٌ لكربلاء، و المُراد مِن الرعاية هو حفظ هذا اليوم.
  • ● (سَقياً) أي: أنّني أسقي أرضك و مصرعك سقياً.. و المصرع هو المكان الذي يُصرع فيه الإنسان – أي يُقتل – و هذا المعنى وارد في كلمات رسول الله “صلّى الله عليه وآله” حين يُخاطب العترة الطاهرة و يُحدّثهم أنّ مصارعهم شتّى.. و هذه الكلمة (مصارع) وردتْ في كُتبنا و في كُتب المُخالفين، و مِن خلال هذه الكلمة نُثبت أنّ الزهراء قُتلت.. لأنّ النبي الأعظم خاطب العِترة الطاهرة بأنّ مصارعكم شتّى، فالزهراء سيّدة العترة.. فهذه الكلمة فيها دلالة واضحة على أنّ الزهراء قُتلتْ.
  • و هذا التعبير (سُقياً) باعتبار أنّ السقي مِن علامات الخير للأرض.. و لذلك في الأشعار العربيّة دائماً يرد هذا المعنى.
  • دائماً الشُعراء يُشيرون إلى أنّ الأرض تُسقى، إشارة إلى التفاؤل و إلى الخير.
  •  

    و حُزناً عليكَ بحبس النفوس     على نهجك النيّر المَهيع.

  • الشعراء يقولون ما لا يفعلون.. و إلّا فهذا المعنى أين و الجواهري أين في حياته الواقعيّة..!
  • و المُراد: أنّ الحُزن عليك يا أبا عبد الله هكذا يكون بحبس النفوس.. أي بضبطها و إيقافها على نهجك النيّر المَهيع.. و المُراد من النهج: هو السبيل.. أمّا النيّر: فهو هو البيّن المُشرق الذي لا يحتاج إلى إيضاح، يعني أنّ الطريق يأخذك بنفسه لا تحتاج إلى علامات، فهذا الطريق مضمون.. هذا هو النهج النيّر.
  • ● أمّا (المَهيع) فهو نفس معنى النيّر، فهو تأكيد.. المَهيع هو: الواضح.
  •  

    و صوناً لِمجدك مِن أن يُذال     بما أنت تهواه مِن مُبدَعِ.

  • ● (يُذال) أي يُهان.. و المُراد أنّي أصون مجدك صوناً.. و أماّ قوله (بما أنت تهواه مِن مُبدَعِ) فالذي يغلب على ظنّي أنّ الجواهري هنا يُشير إلى الاختلافات التي حدثتْ آنذاك في النجف و كربلاء و البصرة.. فهذه القصيدة نظمها الجواهري في عام 1947م و بالضبط في تلك السِنين كان هناك صراع داخل الوسط الشيعي بخصوص قضيّة الشعار الحُسينيّة.. فهناك مجاميع تُدافع عن الشعائر الحُسينيّة، و هناك مجاميع كانت ترفض الشعائر الحُسينيّة حتّى قُسّم الناس في النجف و في كربلاء وفي البصرة إلى حزبين: الحزب العَلَوي، والحزب الأموي. (والحزب الَعَلوي لهُ مراجعه و له خُطباؤه و شُعراؤه، و الحزب الأموي له مراجعه من كبار المراجع).. و لكن يبدو لي أنّهُ يُشير إلى هذه القضيّة، فهو من المجموعة التي تُعارض الشعائر الحُسينيّة.. لأنّه يقول:
  •  

    و صوناً لِمجدك مِن أن يُذال     بما أنت تهواه مِن مُبدَعِ – من البدعة –

  • باعبار أنّ هذه بِدع يقولون عنها.. و إلّا فلا أجد معنى للبيت في القصيدة.. إلّا أن يكون مُرادُه هو: أنّي أصون مجدك عن المُفتريات الموجودة في الكُتب، فيُمكن أن يكون هذا.
  • ● هذه الأبيات بمثابة فاتحة للقصيدة.. الشاعر هنا يتحدّث عن موقفه أمام سيّد الشهداء، و عن موقفه و هو في كربلاء.. فهذه القصيدة حِين نظمها الجواهري كان في حفل في كربلاء.
  •  

    فيا أيّهاالوتر في الخالدين     فذّاً إلى الآن لم يُشفَعِ.

  • الجواهري هنا يتحدّث عن المعنى اللغوي الأدبي.. فالوتر: هو المُفرد، و الشفع هو : الزوج.
  • إذا أردنا أن نأخذ المعنى بالإجمال، فهو جميل.. أمّا إذا أردنا أن نأخذ بالدقّة العقائديّة (بمنطق الزيارة الجامعة الكبيرة) فإنّ ما لآخرهم هو لأوّلهم، و ما لأوّلهم لآخرهم، فهم نورٌ واحد، طينة واحدة.
  •  

    و يا عِظة الطامحين العِظام     لِلاهين عن غدهم قُنّع

  • (العظة) هي الموعظة، والموعظة تعني العِبرة.. و (الطامحون) هم الذين ينظرون إلى العُلو، أو ينظرون إلى الشيء البعيد.. و طَمَح ببصره: إمّا أن رفعه إلى الأعلى، و إمّا أن نظر إلى أبعد نُقطةٍ يُمكن أن يراها.. فالمُراد من قوله: (و يا عِظة الطامحين العِظام) الذين يملكون مشاريع و أهداف كبيرة.. و هذه العِظة تُوجّه إلى هؤلاء الّلاهين عن غدهم، الذين يشتغلون في السفاسف و لا يملكون بُعد نظر.
  • الذي يلهو عن غده، لا ينظرُ إلى غده، لا يملكُ نظراً.. فأساس الدين يتلخّص في هذه العبارة: (رحم الله امرئاً عرف من أين و إلى أين) فهو لا يلهو عن غده.
  • ● (القُنّع) جمعٌ لقانع.. فهؤلاء مُقتنعون بما عندهم، مشغولون بالذي بين أيديهم، لا يبحثون عمّا هو أبعد من ذلك.. هم قانعون.. و قد يشتمل أيضاً على هذا المعنى أنّ (القُنّع) من التقنّع، فهم مُقنّعون لا يرون شيئاً.. قنّعوا أنفسهم بسفاسفهم وجهالتهم و قلّة همّتهم، و ضعف سفاسفهم.
  •  

    تعاليت مِن مُفزعٍ للحتوف     و بُورك قبرك مِن مَفزعِ.

  • المُفزع: هو المُخيف.. و الحتوف: جمعٌ لحتف، و الحتف هو الموت.. ولكن إذا أردنا أن نُشخّص المعنى بدقّة: فالحتف هو الموت المؤلم.
  • هذا الأسلوب الموجود في البيت يُسمّى جناس.. يعني أنّ الكلام يشتمل على مُفردات ذات لفظ واحد و لكن المعاني مُختلفة.
  • (مُفزِع، و مَفْزَع) نفس الحروف.. و لكن المعاني هنا مُختلفة.. (و الجناس يُعدّ من المُزوّقات الشعريّة التي تُستخدم لتجميل النظم الشِعري).
  • و المراد من البيت:
  • أي أنّك يا حُسين تُخيف الحتوف.. (و بُورك قبرك مِن مَفزعِ) يفزع إليه الخائفون.. ففي الوقت الذي أنت تُخيف الحتوف، فإنّ الخائفون يتدافعون إلى مثواك العظيم هذا.
  •  

    تلوذ الدهور فمِن سُجّدٍ     على جانبيه و مِن رُكّع.

  • قطعاً المُراد من تعبير (الدهور) هنا ليس هو الدهر الذي هو الزمان.. و إنّما المراد من الدهور: أبناء الدهر، أبناء الزمان.. و إلّا فالزمان ناشئٌ من حركة الأفلاك.. الزمان من المعاني الانتزاعيّة التي تُنتزع مِن حركة الأفلاك.. و إنّما الذين يصنعون الأفاعيل ويصنعون الأحداث هم الناس.
  • فالمُراد مِن (تلوذ الدهور) أي الدهور بأحداثها، و أحداث الدهور بِصُنّاعها، و صُنّاعها هم البشر.
  •  

    شممتُ ثراكَ فهبّ النسيم     نسيمُ الكرامةِ مِن بلقع.

  • الثرى في لغة العرب: تُطلق على التراب بشكلٍ عام.. و إذا أردنا أن نُشخّص المعنى بالدقّة فإنّ الثرى في لغة العرب تُقال على التراب الندي الذي هو تحت الطبقة الأولى من التراب.
  • ● (فهبّ النسيم) هذا النسيم هبّ من نفس الثرى.. أمّا (البلقع) فهي الأرض الخالية التي لا يُوجد فيها أي شيء
  • لربّما الشاعر يُريد أن يقول: أنّ كُلّ شيءٍ سِواك فهو بلقع.. و لا يُوجد أيّ أثر حسنٍ جميل في كلّ ما سِواك، فلا كرامة في كُلّ هذه البلاقع.. نسيم الكرامة جاء مِن ثراك فقط.. و لربّما أراد الشاعر أن يقول: أنّ نسيم الكرامة جاء واضحاً جدّاً، لأنّه لا تُوجد رائحة أخرى، فالأرض خالية ليس فيها شيء.. فما شممت إلّا نسيم الكرامة هذا.
  •  

    و عفّرتُ خدّي بحيثُ استراح     خدٌّ تفرّى و لم يضرعِ.

  • و لا أعتقد أنّ الشاعر يتحدّث عن آداب الزيارة.. و إنّما يتحدّث عن إنبهاره بهذا الطود الأشم، و لِذا يتهواه على ثراه.
  • (تفرّى) أي تشقّق و سال دمه، تمزّق.
  • عندنا صُورة في أخبار المقتل الحُسيني مِن أنّ سيّد الشهداء صنع له وسادةً مِن الرمل، و وضع خدّه الشريف عليها مُستريحاً.. لربّما الجواهري اقتنص هذه الصورة.
  • (لم يضرع) أي لم يُصبه الهوان و لم يخضع.
  •  

    و حيثُ سنابكُ خيل الطغاة     جالت عليه و لم يخشعِ.

  • السنابك هي الحوافر.. و إذا أردنا أن نُحدّد المعنى بالدّقة.. فإنّ سنابك الخيل هي النهايات الحادّة في مقدّم حافر الفَرَس.. و هي جمعٌ لسُنبك.
  • (جالت عليه) أي غاديةً رائحة.. و هي هكذا صنعتْ بالحُسين.
  •  

    و خِلتُ و قد طارت الذكرياتُ     بروحي إلى عالمٍ أرفعِ.

  • (خِلتُ) لغوياً: من خال، أي حسِب أو ظنّ.. و لكن الشاعر يبدو أنّه هنا يُشير إلى الخيال بقرينة البيت الذي بعده.
  • ● القصيدة إذا كانت قصيدة فلابُدّ أن تشتمل على وحدة موضوعيّة و إلّا فلا تُسمّى قصيدة.. العرب تقول أنّ القصيدة تبدأ من سبعة أبيات فما فوق.. فيقولون أنّ الشاعر في سبعة أبيات يستطيع أن يُبيّن مقصوده.. و الشاعر يستطيع أن يُبيّن مقصوده إذا كانت هناك وحدة موضوع في القصيدة.
  • فبعد هذه المقدّمات الشاعر يُريد أن يرسم هنا صُورةً مِن وجدانه الذي أطلق لهُ العنان في الخيال.. يعني الشاعر هنا يجنح إلى خياله.
  •  

    و طِفتُ بقبركَ طوف الخيالِ     بصومعةِ المُلهم المُبدِعِ.

  • الصومعة: هي المكان الخاص، قد يكون خاصّاً بالعبادة، أو قد يكون خاصّاً بأيّ شيءٍ آخر.. أساساً كلمة (الصومعة) في لغة العرب كانت تُقال للمكان الذي يُحفظ فيه الحبوب.. لأنّ هذه الأماكن عادةً ما تُوضع فيها الحبوب و تُطيّن حفاظاً عليها من الفساد.. فالأماكن المُغلقة يُقال لها صوامع.. فيُقال للمكان الذي يختلي فيه الإنسان بعبادته يُقال له: صومعة.
  • ● و أمّا قوله (المُلهم المُبدِعِ) فهو يُشير هنا إلى الحُسين.. و الصومعة هو مزاره،
  •  

    كأنّ يداً مِن وراء الضريح     حمراء مبتورةَ الإصبع.

  • هذه اليد هي يد الحُسين.. و الضريح هو القبر.. و كُتب المقاتل تُحدّثنا أن “بجدل البدوي” هو الذي قطع خُنصر الحُسين.. فقد كان خاتم الحُسين في خُنصره، و قد تجمّد الدم عليه.. فحاول هذا الّلعين أن يُخرج الخاتم ما استطاع، فأخرج خنجره وقطع خنجر الحُسين..!
  • و الأخبار التي تُحدّثنا عن مجيء الإمام السجّاد “صلواتُ الله عليه” لدفن الأجساد الشريفة، فبعد أن جمع جسد الحسين على بارية (حصير).. الأسديّون رأوا الإمام يبحث في الأرض.. و كان يبحث عن الخُنصر الشريف.
  • ● أمّا قوله عن اليد أنّها (حمراء) فذاك لأنّها تخضّبتْ بالدماء.. و سيّد الشهداء تخضّبت يده بالدماء أكثر من مرّة.
  •  

    تُمّد إلى عالمٍ بالخُنوع     و الضَيم ذي شَرَقٍ مُترَعِ.

  • (الخنوع) هو المَهانة والمذلّة.. و (الضَيم) هو ما يُصيب الإنسان مِن أذى الإذلال..
  • (الشَرَق) الغصّة التي تعترض في حلق الإنسان.. و أمّا (المُترَع) فهو المملوء.. والقدح المُترَع: هو القدح المملوء.
  • فهذه اليد الحمراء التي بُتِر خُنصرها.. هذهِ اليد ممدودة إلى عالمٍ فاض خُنوعه، و فاضتْ مَهانته، و فاضَ ضيمه، و فاضتْ ذِلّته.. عالم ذليل.
  •  

    تخبّط في غابةٍ أطبقتْ     على مُـذئبٍ مـنهُ أو مُسْبِعِ.

  • المُتخبّط هو الذي يتعثّر يمنةً و يسرة.. لا يدري إلى أين يتّجه.
  • (المكان المُذئب) هو المكان الذي تكثرُ فيه الذئاب، و (المكان المُسبِع) هو المكان الذي تكثرُ فيه السِباع.
  •  

    لِـتُبدِلَ مـنه جديبَ الضمير     بـآخَـرَ مُـعْشوشِبٍ مُـمرِعِ.

  • الجَدَب هو الحالة التي تعتري الأرض حينما لا ينزل المطر.. و العام الجَدَب هو عام المجاعة، هو العام الذي لا تخضرّ فيه الأرض.
  • ● (لِـتُبدِلَ مـنه جديبَ الضمير) هذه الضمائر الميّتة المُجدبة التي لا حياة فيها.. و (المُعشوشب) هو كثير العُشب، حينما تكثرُ الخُضرة في مكان يُقال له مكان مُعشوشب.. و المكان المُمرع: هو المكان الذي تكثرُ فيه الخُضرة، و يكثرُ فيه الماء.
  • فالمعنى المُراد:
  • أنّ يدكَ هذه التي صُبغتْ بنجيعك الأحمر و التي مُثّل فيها و قُطع خُنصرها، هذه اليد ممدودة إلى عالمٍ الضمائر فيه ميّتة.. هذه اليد تُريد أن تبعث الحياة في هذه الضمائر الميّتة.
  •  

    و تـدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ     خـوفـاً إلـى حَـرَمٍ أمـنَعِ.

  • هذه اليد تُريد أن تُنشيء حرماً منيعاً و مكاناً آمناً لهذه النفوس (الصغار).. و إنّما تكون النفوس صِغاراً حينما تكون ضعيفة الهِمّة.. كِبَرُ النفوس بِكَبر الهمّة.
  • و بعبارة أدق: إذا أردنا أن نستعمل المُصطلح الشرعي فإنّ كِبَر النفوس بِكبَر النيّة.. فكِبر النفوس بِكبر النيّة.
  • في أحاديث أهل البيت المُراد من قوله {قل كُلٌ يعمل على شاكلته} أي كُلٌ يعملُ على نيّته.. النيّة هي الحالة النفسيّة المُسيطرة على الإنسان دائماً.. هي الهاجس المُستمر الذي يُسيطر على الإنسان فيُحرّك الإنسان.
  • ● ثُمّ يلتقط الشاعر صورة، و يُحاول أن يُجري مُقارنة بين هذه الصورة و بين سيّد الشهداء.. فكأنّ الشاعر هنا يبحث عن شيء يُريد أن يُقرّب صُورة الحسين بهذا المثال و هو قوله:
  •  

    تـعاليتَ مِـن صاعِقٍ يلتظي     فــإنْ تَـدْجُ داجـيةٌ يَـلمعِ.

  • أخذ الشاعر (الصاعقة) لأنّها عالية، و لأنّها مُنيرة و سريعة و مُخيفة.. و لأنّ لها صوتٌ مهول، و هي مؤثّرة.. فإذا نزلتْ على شجرةٍ فإنّها ستجعلها هشيمة.
  • فكان الشاعر يبحث عن مثالٍ تتجمّعُ فيه أوصافاً نادرة، لِذا وجد الصاعقة.
  • ثُمّ يقوم بعمليّة مُقارنة بين هذا الصاعق الحُسيني و بين الصاعقة الصاعقة، فيقول:
  •  

    تـعاليتَ مِـن صاعِقٍ يلتظي     فــإنْ تَـدْجُ داجـيةٌ يَـلمعِ.

  • (يلتظي) أي يتوقّد.. فهذا الصاعق نوره مُستمر، و ليس كالصاعقة.. فالصاعقة تُبرق ثُمّ يذهب نورها.. و لكن هذا الصاعق الحُسيني يلتظي أي يتوقّد، يعني لا ينقطع توقّده و توهّجه.. أمّا فهي (الداجية) الظلام الدامس.
  •  

    تـأرّمُ حِـقداً على الصاعقاتِ     لـم تُـنْءِ ضَـيراً و لم تَنْفَعِ.

  • أنت أيّها الصاعق الحُسيني تتأرّم حقداً على الصاعقات.. (يتأرّم) يعني اصطكّت أسنانه، و صدر منها صوت أثناء الغضب.. فهو هنا استعار هذه الصورة للحُسين استعارةً.
  • هو لا يتحدّث عن صاعقٍ كصاعقة الطبيعة.. و إنّما استعار صُورةً مِن ذلك الصاعق الطبيعي و أضاف إليها ما أضاف.. فأنتَ أيّها الصاعق الحُسيني في حالةِ غضبٍ شديد على هذه الصاعقات؛ لأنّ هذه الصاعقات برغم ما عندها من المواصفات (جهة العلو، الصوت، القدرة على الإفناء) لكنّها لا جلبتْ نفعاً و لا دفعت ضرّاً.
  •  

    و لـم تَـبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ     و قـد حـرَّقَتَهُ و لـمْ تَـزرعِ.

  • إذا افترضنا أنّ هذه المزروعات حينما نزلتْ الصاعقة و أحرقتها لأنّها كانتْ فاسدة، فلماذا لم تقم هذهِ الصواعق ببذر الحبّ بعد أنّ حرّقتْ هذا الهشيم.. و المُراد مِن الهشيم: أي الأشجار المُحترقة، أو التي تكون يابسة أساساً.
  • ● (و قـد حـرَّقَتَهُ ولـمْ تَـزرعِ) أي و في نفس الوقت هو من خلال هذا العيب يُشير إلى كمالٍ و إلى حُسنٍ في ذلك الصاعق.. من أنّ ذلك الصاعق حاله ليس كحال هذه الصاعقة.. هذا الصاعق يبذر الحبّ إثر الهشيم.
  •  

    و لـم تُخلِ أبراجَها في السماء     ولـم تـأتِ أرضـاً ولم تُدْقِعِ.

  • هذه الصواعق بقيت في مكانها، ليست مثلك أيّها الصاعق حين هويت إلى الأرض جريحاً.
  • (تُدقع) يعني تتلطّخ بالتراب.. و الأرض يُقال لها : الدقعاء.
  •  

    و لـم تَـقطعِ الشرّ مِن جِذْمهِ     و غِـلَّ الـضمائرِ لـم تَنْزعِ.

  • و المُراد: أنّ هذه الصواعق (صواعق الطبيعة) بكلّ ما عندها من مواصفات عالية ما استطاعت أن تفعل هذا:
  •  

    و لـم تَـصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ     عـليهِ مـن الـخُلُقِ الأوضَعِ.

  • بينما هي تمتلك القدرة الهائلة على الإخافة والإرعاب.. و هنا ينتقل إلى صورة أُخرى.. يُريد أن يقول:
  • إنّني لا أريد أن أُقارن فيما بينك و بين هذه الصواعق.. فيقول:
  •  

    تـعاليتَ مـن ” فَلَكِ ” قُطْرهُ     يـدورُ عـلى المِحوَرِ الأوسعِ.

  • فالقضيّة تتجاوز أن أُقارن فيما بينك و بين الصواعق و الطبيعة.. فالشاعر هنا يقول: أنّ مركز الفلك الحُسيني هو كُلّ الوجود.
  • ● ثُمّ يصعد الشاعر في المعنى إلى ما هو أوسع من ذلك.. فمُباشرة بعد هذا البيت يقول:
  •  

    فـيابنَ “البتولِ” و حَسبي بها     ضـماناً عـلى كلّ ما أدّعي

  • القضيّة تتجاو كُلّ الادّعاءات.. و الادّعاءات ليستْ محصورة بالعلم.. فالادّعاءات يُمكن أن تنطلق من الظن، ومن الاحتمال، و من الشك، ومن الوهم، و يُمكن أن تنطلق من الخيال.. فالادّعاءات لا يُوجد لها حدّ مُعيّن.
  • بعبارة أخرى: لنجمع كُلّ المعاني فإنّ هذه المعاني داخلة في معناك يا حُسين..
  • فهذا البيت يُريد أن يُلغي جميع المعاني التي تقدّمتْ في القصيدة من أوّلها إلى هذا المكان.
  •  

    و بـابنَ الـتي لم يَضَعْ مِثُلها     كـمِثلِكَ حَـملاً و لـم تُرْضِعِ.

  • هذا البيت لا أدري في الحقيقةِ كيف أشرحه..!
  • البطين مِن أسماء سيّد الأوصياء و الجواهري في دقّةٍ مُتناهية.. (البِطنة) مرض يُقال لهُ البِطنة، و البِطنة كِظّةٌ حينما يمتلئ الإنسان بالطعام و الشراب و يشعر بالاختناق.. و البِطنة تُقال للتُخمة، و البِطنة تُقال للشهوة العارمة في تناول الطعام، و البِطنة تُقال وصفاً لصاحب الكرش.. و عليٌ مُنزّهٌ عن كُلّ هذه المعاني.
  • فهذه الأوصاف التي تتحدّث عن كِبَر البطن، هذه أوصاف مُعاوية كما تُحدّثنا كُتب التأريخ.
  • (الحاسر) هو الأبلج الذي مرّ ذكره في بداية القصيدة.. الحاسر هو واسع الجبين، و صاحب الجبين المُشرق.. و الحاسر أيضاً في لُغة العرب تُقال للذي يخلو جبينه من الشعر، فهناك الأغم و هناك الحاسر.. الأغم: هو الذي تكون عنده مساحة الجبهة ضيّقة، و تكون منابت شعره قريبة مِن حاجبيه.
  • و يُقال كذلك لشُجعان العرب أنّهم حاسرون لأنّهم في المعارك لا يضعون شيئاً على رؤوسهم.
  • ● و أمّا الأنزع: فهو الذي عنده نزعتان.. (منزوع الشعر) يعني يُوجد بياض على جبهته.
  •  

    و يـا غُصْنَ “هاشِمَ” لم ينفَتِحْ     بـأزهرَ مـنكَ ولـم يُـفْرِعِ.

  • هاشم هو جدّهم.. و هاشم هو أوّل مَن لُقّب من لُقّب بالقمر هو و أبوه.. و لقب العبّاس (القمر) أخذه من جدّه القمر.
  •  

    و يا واصِلاً مِن نشيدِ “الخُلود     خِـتـامَ الـقصيدةِ بـالمطلع.

  • و القصيدة لها وحدة موضوعيّة.. لها مَطلع و هو البيت الأوّل، و لها ختام و هو البيت الأخير، و لابُدّ أن يكون المعنى مُترابطاً.. فأنت يا حُسين هو هذا الموضوع الذي يربط قصيدة الوجود.. فهذا الوجود قصيدة.. فأنتَ المُستهلُّ، و أنت الخاتمة، و أنت ما بينهما.. أنتَ الواصل بين البداية و النهاية (بكم فتح الله و بكم يختم).
  •  

    يَـسيرُ الورى بركاب الزمانِ     مِـن مـستقيمٍ و مـن اظـلعِ.

  • (الورى) قد تُطلق على بني آدم، و قد تُطلق على كُلّ المخلوقات.. فحين نقول: محمّدٌ خير الورى.. أي خير الوجود، خير الكائنات طُرّاً.. و لكن الحديث هنا على ما يبدو عن الناس.
  • و كأنّ الزمان هنا مَلِكٌ و الناس تسيرُ في ركابه.. والركاب هو النعل الذي ينتعله الفارس و هو على ظهر جواده.. فكأنّ الزمان ملِكٌ يحكم الناس و الناس تسير بركابه.. هو يتحكّم فيها.. و (المُستقيم) هو الذي يسير مشيةً سليمة صحيحة.. و (الأظلع) هو الأعرج، أو هو مَن يعوّج في مشيتهِ.
  •  

    و أنـتَ تُـسيِّرُ ركْبَ الخلود     مــا تـسـتَجِدّ لـه يَـتْبَعِ.

  • أنت الذي تُحرّك كُلّ شيءٍ من حولك.. أنت الذي تفتح الطريق لكلّ الذين يأتون مِن خلفك.
  • ● كُلّ هذه الصُور التي مرّت، و الصور التي ستأتي.. و كُلّ الصور التي رسمها الشعراء عِبر العصور، و كُلّ الآداب وكُلّ الفنون لا يُمكننا أن نُقايسها بتلك الّلوحة التي لا يستطيعُ رسّامٌ أن يرسمها و لا يستطيع شاعرٌ أن يتحدّث عنها حين ارتفعتْ صيحاتُ رقيّة في ذلك الّليل البهيم، و جاؤها بالطشت الذهبي الذي وضعوا فيه رأس الحُسين..!

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …