الخاتِمةُ – الجزء الرابع من ملفّ الكتاب والعترة – الحلقة ٨ – زيارة الإمام الحسين عليه السلام في زمن الكورونا

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 29 محرّم 1442هـ الموافق 18 / 9 / 2020م

  • زيارةُ الحُسين في زمن الكورونا.

  • أسئلةٌ كثيرةٌ وردتني في الأشهرِ الماضية مضامينها ترتبطُ بالعنوان الَّذي ذكرتهُ لكم قبل قليل (زيارةُ الحُسينِ في زمنِ الكورونا).
  • أخّرت الإجابة على هذهِ الأسئلةِ مُتعمِّداً لأنَّني أردتُ أن أبيَّنَ الإجابةَ في وقتٍ يكونُ قريباً من أيامِ زيارةِ الأربعين، فزيارةُ الأربعين زيارةٌ مركزيةٌ بل يمكنُ القول من أنَّها في زماننا صارت الزيارة المركزية الأهم، قطعاً من وجهةِ نظرِ عقيدةِ الشيعة وأتحدَّث عن عامَّةِ الشيعة، لا من وجهةِ نظرِ عقيدةِ مراجع النَّجف، يضحكون عليكم! زيارةُ الأربعين عند مراجع النَّجف ليست فقط أنَّها لا تكونُ في أُفقِ الزيارة المركزية، هم لا يعتقدون بصحتها، يُضعِّفونها من جهاتٍ عديدة..
  • ● أبدأ معكم من هذهِ النقطة: زيارةُ الحُسينِ واجبةٌ.
  • — وقفةٌ عند كتاب (كاملُ الزيارات)، صفحة 131، الباب الثالث والأربعون، الحديثُ الثالث: بسندهِ، عَن أَمِّ سَعيدٍ الأَحْمَسيَّة، عَن إِمَامِنا الصَّادِقِ صلواتُ اللهِ وسَلامهُ عليه، قَالَت – أُمُّ سعيدٍ الأحمسية – قالت، قَالَ لِي – الإمامُ الصَّادق قال لها – يَا أُمَّ سَعِيد تَزُورِينَ قَبرَ الحُسَين؟ قَالَت، قُلتُ: نَعَم، فَقَالَ لِي: زُوْرِيه فَإنَّ زِيارَة قَبرِ الحُسَينِ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاء – الإمامُ الصَّادقُ في أول كلامهِ أمرها (زُورِيه) مع أنَّها زارت ولكنَّ الوُجوب بقيَ مُتَّصلاً، هذا وجوبٌ عقائدي ليسَ كوجوبِ الحج الَّذي هو وجوبٌ عباديٌّ وطقوسي، تؤدي الحج مرةً واحدة ويسقط الوجوب، أمَّا زيارة الحُسين فإنَّها واجبةٌ بالوجوب العقائدي، الوجوبُ العقائدي أعلى رتبةً بكثير وأشدُّ وأهمُّ وأرقى في جو الحقيقةِ الدينيَّة والعقائدية.
  • — حديثٌ آخر من نفس الباب وهو الحديثُ الأول: بسندهِ، عَن مُحمَّدِ بن مُسلِم عَن أَبِي جَعفَرٍ البَاقِر صَلواتُ اللهِ عليه: مُرُوا شِيعَتَنا بِزِيارَةِ قَبرِ الحُسَين – وليسَ بزيارة الحُسَين، فلربَّما تكونُ الزيارةُ من بُعد – مُرُوا شِيعَتَنا بِزِيارَةِ قَبرِ الحُسَين – ثُمَّ يُفرِّع الإمام يشرح لنا معنى هذا الأمر إنَّهُ أمرٌ بالوجوب – مُرُوا شِيعَتَنا بِزيارَةِ قَبرِ الحُسَين فَإنَّ اِتْيَانهُ مُفْتَرضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يُقِرُّ للحُسَينِ بِالإِمَامةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ – هذا هو مرادي من الوجوبِ العقائدي، الوجوبُ العقائديُّ لن يتوقَّف يبقى مُستمرَّاً إلَّا أن يكون هُناك عذر، والروايات بيَّنت لنا تلك الأعذار الَّتي يتوقَّف عندها هذا الوجوب، وإلَّا فإنَّ الأصل في الأمر أنَّ زيارة الحُسينِ واجبةٌ مع التمكُّنِ من إتيانها.
  • ● هل تبقى زيارةُ الحُسينِ واجبةً مع الخوفِ على النَّفسِ من الهلاك أو معَ الخوفِ من التعرُّض لأضرارٍ كبيرةٍ تؤذي الإنسان، فهل ستبقى زيارةُ الحُسينِ واجبةً؟!
  • إذا ما رجعنا إلى أحاديثهم الشريفة معَ الضررِ الـمُهلِكِ ومع الضررِ الـمُخيفِ يسقطُ وجوبُ زيارة الحُسين، لكن عندنا من الأحاديثِ الَّتي يُشجِّعُ فيها الأئِمَّةُ أشياعهم ويدفعونهم إلى زيارةِ الحُسينِ حتَّى مع الخوفِ من القتل أو مع الخوفِ من الإلقاءِ في الحبوس أو مع الخوفِ من التعذيب والضرب وغير ذلك من الأضرار، لكنَّ تلكم الأحاديث تتحدَّثُ عن منعٍ عقائديٍ من النَّواصب، هناك جهةٌ تمنعُ الناس منعاً عقائدياً عن زيارةِ الحُسين، حينما يكونُ الأمر هكذا فإنَّ الأئِمَّة صلواتُ اللهِ عليهم يحثُّونَ شيعتهم لا بمستوى الوجوب ولكنَّهم يبينون لشيعتهم أنَّهم يُحبُّون من شيعتهم أن يُضحوا بأنفسهم في سبيلِ زيارةِ الحُسينِ إذا كان الأمرُ مُواجهةً عقائديةً لا أن تكون الأضرارُ بسببِ أمورٍ أخرى..
  • لابُدَّ أن نعرف أنَّ فارقاً بين الوجوب العقائدي وبين الوجوب العبادي والطقوسي:
  • — الوجوبُ العبادي والطقوسي لهُ شروطٌ فتوائيةٌ تكونُ في مضانها وفي مواردها بحسبِ ما فُصَّلت في الكتبِ والمصادر.
  • — أمَّا الوجوبُ العقائديُ فجذرهُ وأساسهُ في قلبِ الإنسان، في عقلِ الإنسان، في باطنِ الإنسان.

  • نحنُ في هذا المقطع الزَّماني وحيثُ هذا المرضُ الفايروسي الَّذي ينتشرُ بين الناس (الكورونا)، ما هو الموقفُ في هذهِ الأجواء من زيارةِ الحُسين صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه في أُفقِ فقهِ العِترَةِ الطاهرة؟!

  • ● قد يكونُ الشيعيُّ الزائر للحُسينِ والَّذي يُدمنُ زيارة الحُسينِ قد يكونُ بسببِ هذا المرض وبسببِ اعتقادهِ وفهمهِ للحياةِ وشؤونها ولِمَا يمتلكهُ من مستوىً عقائديٍّ ومعرفةٍ دينيَّة أن يعتزلَ في بيتهِ وأن يلتزمَ بالتعليماتِ الطبيةِ والصحية يزورُ الحُسين من بُعدٍ وينتظرُ الوقت المناسب لزيارتهِ، هذا يكونُ مناسباً لهُ وليسَ من إشكالٍ عليه، إذا كانَ المستوى العقائدي الَّذي يعتقدهُ هو هذا، فيرى أنَّ في سفرهِ وأنَّ في حركتهِ لزيارة الحُسينِ من الضررِ الكبيرِ عليه ولذا سيعتزلُ في بيتهِ سيلتزمُ بالتعاليمِ الصحيةِ يزور الحُسين من بعدٍ وينتظرُ الوقت المناسب كي يعود إلى زيارتهِ، لا نستطيعُ أن نُشكِل عليه، هذا هو الَّذي يعتقدهُ، وهذا هو الَّذي يفهمهُ، ويُحاسَبُ الناسُ على قدرِ عقيدتهم وعلى قدرِ عقولهم، ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ على نيَّته، بمستوى فهمهِ، بمستوى بصيرتهِ وإدراكهِ.
  • ● هناكَ شيعيٌّ آخر من زُوَّار الحُسين يتوجَّهُ إلى زيارةِ الحُسين بهذهِ النيَّةِ يقول: إنِّي لا أبالي أأصبتُ بهذا المرض أم لم أصب إنَّني قاصدٌ للحُسَين، زيارتهُ حُسينيَّةٌ، وقد يُصابُ بهذا المرضِ وقد لا يُصاب، وكذلك الَّذي يعتزلُ في بيتهِ قد يُصاب وهذا الَّذي يتحرَّكُ باتِّجاه زيارة الحُسين بهذهِ النيةِ من أنَّني لست ذاهباً لإهلاك نفسي أنا ذاهبٌ لزيارةِ الحُسينِ ولكنَّني لا أبالي لِمَا ألقى في طريقي، إنَّني أتحمَّلُ بكُلِّ استعدادٍ ما ألقاهُ في طريقي، هذهِ عقيدتهُ وهو مأجورٌ ومُثابٌ ومجازىً عند إمامِ زمانهِ، تلكَ هي عقيدتهُ لا يستطيعُ أحدٌ أن يُشكل عليه.
  • ● شيعيٌّ ثالث يتوجَّهُ إلى زيارة الحُسينِ ولكنَّهُ يؤمنُ بالأسبابِ ويُراعي التعليماتِ الصحية في سفرهِ وحركتهِ وزيارتهِ ويذهبُ إلى زيارةِ الحُسينِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه مأجورٌ ومرضيٌّ هو زائرٌ من زُوّار الحُسينِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه هذا هو مستوى عقيدتهِ ولكنَّهُ قد يُصابُ حتَّى مع التزامهِ بالتعليماتِ الصحيةِ وقد لا يُصاب.
  • ● وشيعيٌ رابع يقولُ: من أنَّ الشفاء عند الحُسين حتَّى لو كُنتُ مريضاً فإنَّ شفائي هناك، ورُبَّما أُصابُ في الطريق فإنَّ شفائي هناك، فإنَّ الأمن والأمان عند الحُسينِ وفي زيارةِ الحُسينِ وهو صادقٌ بعقيدتهِ هذهِ، إنَّهُ زائرٌ مرضيٌّ مأجورٌ مبرورٌ لكنَّهُ يختلفُ عن الثلاثةِ الَّذين حدَّثتكم عنهم، هذا لن يُصاب بالكورونا بحسبِ عقيدتهِ، إذا كانَ قاصداً للحُسينِ وفي عقيدتهِ أنَّهُ لن يُصاب بالكورونا أو بأيِّ مرضٍ آخر إنَّهُ لن يُصاب بذلك، هذا هو منطق ثقافة العترة رُبَّما يستهزئُ بهذا المنطقِ البعض هذا أمرٌ راجعٌ إليه، هذا هو منطقُ ثقافةِ العترةِ صلواتُ اللهِ عليها.

  • جولةٌ بين الأحاديث.

  • ● وقفةٌ عند (كامل الزيارات)، صفحة (288)، الباب الحادي والتسعون، الحديثُ الأول: عَن ابنِ أَبِي يَعفُور، قَالَ، قُلتُ لأبي عَبدِ الله عَلَيهِ السلام – لإمامنا الصادق – يَأخُذ الإِنْسَانُ مِن طِينِ قَبرِ الحُسَين فَيَنْتَفِع بِهِ وَيَأخُذُ غَيرهُ فَلا يَنْتَفِعُ بِه – لماذا؟! ماذا قال إمامنا الصَّادقُ؟ – فَقَالَ: لا – (لا) ردٌ على ما كان يفهمهُ ابنُ أبي يعفور من أنَّ تراب قبر الحُسين قد لا يكون نافعاً – فَقال: لَا – ثُمَّ يُقسِمُ الإمام – وَاللهِ الَّذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُو مَا يَأخُذُهُ أَحَدٌ وَهُو يَرَى أنَّ الله يَنْفَعهُ بِه إِلَّا نَفَعَهُ الله بِه – المدارُ مدارُ العقيدةِ في القلب، هذا الَّذي أخذ التُراب وما انتفع به لا يحملُ العقيدة الصحيحة المتينة الكاملة، لا يحملُ العقيدة الصحيحة بالتُراب عقيدتهُ مهزوزةٌ فهو لا ينتفع بها، من هنا قلتُ لكم من أنَّ زيارة الحُسَين واجبةٌ بالوجوب العقائدي وأصلُ وجذرُ الوجوبِ العقائدي هو في قلبِ الإنسان هو في عقل الإنسان، هذا مثالٌ يرتبطُ بعقيدةِ الإنسانِ وآثارها الَّتي تظهرُ على الواقع.
  • ● صفحة (291)، من (كامل الزيارات)، الباب الحادي والتسعين، الحديث الثامن: عَن أبي بَكرٍ الحضرمي عن إمامنا الصَّادقِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه: لَو أنَّ مَرِيضَاً مِنَ الـمُؤْمِنَين يَعرِفُ حَقَّ أَبِي عَبد الله – حقَّ الحُسين – وَحُرمَتهُ وَوَلايَتهُ أَخَذ مِن طِينِ قَبرهِ مِثلَ رَأسِ أَنْمُلةٍ – رأسُ الأنملة إنَّهُ رأسُ الأصبع، أطرافُ الأصابع – مِثلَ رَأسِ أَنْمُلةٍ كَانَ لَهُ دَوَاء – لو أخذَ مقداراً قليلاً من تُرابِ قبرهِ لشفاءِ مرضهِ ولكن بهذهِ المواصفات (يَعرِفُ حَقَّ أَبِي عَبد الله وحُرمَتهُ وَوَلايَتهُ).. سيشفى، المدارُ مدار الاعتقاد.
  • ● ومن البابِ الثالثِ والتسعين صفحة (295) حديثٌ طويل ومهمٌ جدَّاً فيما يرتبطُ بتربةِ الشفاء، حديثٌ مروي عن إمامنا الصادق ينقلهُ لنا أبو حمزة الثمالي، الإمام الصَّادق هكذا يقول: فَأمَّا مَن أَيْقَنَ أَنَّها – أنَّ تربة الحُسين – أنَّها لَهُ شِفَاء إِذَا يُعَالَجُ بِها يُعالِجُ بِها كَفَتهُ بِإِذنِ الله مِن غَيرِهَا مِمَّا يَتَعالَجُ به أو يُتَعالَجُ بِه – المسألةُ مسألةُ عقيدة.

  • جولةٌ في فقهِ الزيارات.

  • ● نقرأ في الزيارةِ الجامعة الكبيرة، في بداياتها ونحن نُسلِّم عليهم صلواتُ اللهِ عليهم: السَّلامُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيح الدُّجَى – إلى أن تقول الزيارةُ الشريفة: وَأُولِي الحِجَى – والحِجى قمَّةُ العقلِ والحكمة – وَأُولِي الحِجَى وَكَهْفِ الوَرَى – هذا عنوانٌ من عناوينهم، نحن نتحدَّثُ عن الحُسين هنا، صلواتُ اللهِ عليه، هم كُلُّهم كهف الورى لكن البرنامج منعقدُ في حديثهِ عن زيارةِ الحُسين، فالحُسينُ كهفُ الورى، كُلُّهم كهف الورى، والحُسينُ كهفُ الورى، التعابيرُ هنا حقيقيةٌ، هذهِ التعابيرُ حتَّى لو وصفناها أدبياً بالاستعمال المجازي هذا بحدودِ الاستعمال اللفظي، أمَّا في الدلالاتِ العميقة فإنَّ المعاني كلَّها هنا في الزيارة الجامعة الكبيرة حقيقيةٌ بالتمامِ والكمال، فحينما نصفهم بأنَّهم كهفُ الورى هذا الوصفُ حقيقيٌّ.
  • والكهفُ ملاذٌ آمنٌ يحتمي بهِ الناسُ من الأخطارِ ومن الأضرارِ ومن المخاوفِ ومن الوحوشِ الكاسرةِ ومن قُطَّاع الطريقِ وو.
  • ● ومضةٌ أخرى من الزيارة نفسها ونحنُ نقرأُ فيها: وَمَن اِعْتَصَمَ بِكُم فَقَد اِعْتَصَمَ بِالله – إنَّها العصمةُ المطلقة، العصمةُ المطلقة هل يتخلَّلها العيب؟ هل يتخلَّلها النقص؟
  • ● ونقرأ أيضاً: وَأَمِنَ مَن لَجَأ إِلَيكُم – إذا لجأنا إليهم مثلما مرَّ الحديثُ في أمثلةٍ لأنواعِ الزائرين، النوعُ الرابع من زُوَّار الحُسين بتلكَ النيةِ بذلكَ الوصف فحينما يلجأ إليهم سيكونُ آمناً، سيكونُ آمناً من كُلِّ شيءٍ لجأ إليهم فِراراً منه.
  • ● وفي الزيارةِ نفسها: وَجَعَلَ صَلَاتَنَا عَلَيكُم وَمَا خَصَّنَا بِهِ مِنْ وَلايَتِكُم طِيبَاً لِخَلْقِنَا – والزيارةُ مصداقٌ واضحٌ من مصاديقِ صلاتنا عليهم وعقدِ ولايتنا معهم.
  • ● وكثيرٌ من العبائرِ تتحرَّكُ في نفسِ هذا الاتجاه فحينما نقرأ في الزيارةِ أيضاً: مُسْتَجِيرٌ بِكُم زَائِرٌ لَكُم لَائِذٌ عَائِذٌ بِقُبُورِكُم – إلى أن تقول الزيارةُ: فَمَعَكُم مَعَكُم لَا مَعَ غَيرِكُم – هذهِ المضامينُ إذا فهمناها بشكلها الكامل فإنَّها تعني السلامة.
  • ● فهذا المضمونُ سنجده مُختصراً ومجملاً في الدعاءِ في خاتمةِ الزيارة، ما يُقرأ من دعاءِ الوداعِ بعد الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة: وَجَعَلَنِي مِمَّن يَنْقَلِبُ مُفْلِحَاً مُنْجِحَاً سَالِماً غَانِمَاً مُعَافى – أعتقد أنَّ العبارة واضحة لا تحتاجُ إلى شرحٍ كثير، لو لم تكن مزاراتهم سبباً لهذهِ المعاني هل تَرِدُ الأدعية عنهم؟! لو لم تكن مزاراتهم مصدراً لكُلِّ هذهِ المضامين هل من الحكمةِ أنَّ الأئِمَّة ينسجون لنا هذهِ الأدعية كي نقرأها في مزاراتهم وفي بيوتهم الشريفة.
  • وما هذا بغريبٍ ونحن نقرأُ في (الزيارةِ الجامعةِ الكبيرةِ): وَذَلَّ كُلُّ شَيءٍ لَكُم – إذا كانت عقيدتنا متواصلةً معهم بهذا الأفق: (فَمَعَكُم مَعَكُم لَا مَعَ غَيرِكُم)، إلى أن تقول الزيارةُ الجامعةُ الكبيرة: بِأَبِي أَنْتُم وَأُمِّي وَنَفْسِي كَيفَ أَصِفُ حُسْنَ ثَنَائِكُم وَأُحْصِي جَمِيلَ بَلَائِكُم وَبِكُم أَخْرَجَنَا اللهُ مِنَ الذُّل وَفَرَّج عَنَّا غَمَرَاتِ الكُرُوب وَأَنْقَذَنَا مِن شَفَا جُرُفِ الهَلَكَات وَمِنَ النَّار.
  • ● وفي الزيارةِ نفسها: وَبِكُم يُنَزِّلُ الغَيث وَبِكُم يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ – هذهِ معانٍ لها بعدٌ ماديٌّ حسي ولها بعدٌ ملكوتيٌّ أمري، وتستمرُ الزيارةُ الشريفة: وَبِكُم يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِه وَبِكُم يُنَفِّسُ الَهَمّ وَيَكْشِفُ الضُرّ – وما الأوبئةُ والأمراضُ إلَّا من المصاديقِ الواضحةِ الَّتي تقعُ تحت هذهِ العناوين، المدارُ مدارُ العقيدةِ عند الإنسان، فإذا كانَ الزائرٌ يحملُ بين جوانحهِ العقيدة الَّتي يطمئن من خلالها من أنَّ الشفاء عند الحُسين من أنَّ الأمان عند الحُسين فإنَّهُ قطعاً قطعاً سينالُ ذلك، وهذا هو النوعُ الرابع من زُوَّار الحُسينِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه مِمَّن تقدَّم الحديث عنهم.
  • ● هكذا نقرأُ في زيارةِ العبَّاسِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه، في أدعيةِ الزيارة: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد وَلَا تَدَع لِي فِي هَذَا الـمَكَانِ الـمُكَرَّم وَالـمَشْهَدِ الـمُعَظَّم ذَنْبَاً إِلَّا غَفَرتَه وَلَا هَمَّاً إِلَّا فَرَّجْتَه وَلَا مَرَضَاً إِلَّا شَفَيتَه – الكلامُ واضحٌ لو لم تكن هذهِ المواطنُ وهذهِ البيوتُ محلاً لصدورِ مثلِ هذا الفيض ومنبعاً لمثلِ هذا اللطف فليسَ من المنطقي أنَّهم صلواتُ اللهِ عليهم يقولون لنا قولوا وقولوا وقولوا، وينسجون لنا هذهِ الزياراتِ وهذهِ الأدعية، وهم يُعلِّموننا أن نقرأ ونتدبَّر، وأن نتعبَّد ونتفكَّر، وأن نتعلَّم ونتفهَّم، يريدون منا تفهُّماً مع العلم، وتدبُّراً مع القراءة، وتفكُّراً مع العبادة، والزياراتُ تشتملُ على هذهِ المضامين، تشتملُ على (العلمِ والقراءةِ والعبادة).

  • ماذا نقرأ في ثقافةِ الدعاء في فكرِ العترةِ الطاهرة؟!

  • هناك شروطٌ، هناك أسبابٌ لاستجابةِ الدعاء، من أهم هذهِ الأسباب: (حُسنُ الظنِ باللهِ سبحانهُ وتعالى)، من أنَّ الداعي يُحسِنُ الظن بربهِ ونبيّهِ وإمامه من أنَّ دعاءهُ سيُستجاب (حُسنُ الظن)، وحسنُ الظن هو حُسنُ العقيدةِ، هو الاعتقادُ من أنَّ دعاءهُ للطفهِ سبحانهُ وتعالى لجودهِ وكرمهِ للطفِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد فإنَّ الدعاء سيُستجاب، وهذهِ المضامينُ الَّتي أشرتُ إليها بنحوٍ مقتضب ومختصرٍ من ومضاتٍ اقتطفتها من الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة أو ما أشرتُ إليه هنا في زيارةِ العبَّاسِ صلواتُ اللهِ عليه، وإنَّما أخذتُ زيارة العبَّاسِ لأنَّ العبَّاس بابٌ مفتوحٌ إليهم صلواتُ اللهِ عليهم، ولأنَّ العبَّاس بيتهُ مزارهُ هو جزءٌ من الحرم الحسيني، من هنا أخذتُ هذهِ العبارة وهذهِ الجملة من زيارتهِ الشريفة: وَلَا همَّاً إِلَّا فَرَّجتَه وَلَا مَرَضَاً إِلَّا شَفَيتَه.
  • ● وقفةٌ عند (كامل الزيارات)، البابُ التاسعُ والستون، صفحة (184)، الحديث الخامس: بسندهِ، عَن مُحمَّد بن مُسلِم عَن بَاقرِ العُلوم صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه قالَ: إِنَّ الحُسَينَ صَاحِبَ كَربَلاء – يِعني الَّذي جرى ما جرى عليه في كربلاء – إِنَّ الحُسَينَ صَاحِبَ كَربَلاء قُتِلَ مَظْلُومَاً مَكْرُوبَاً عَطْشَاناً لَهْفَانَاً وَحَقٌّ عَلَى اللهِ عزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَأتِيهُ لَهْفَان وَلَا مَكْرُوب وَلَا مُذْنِب وَلَا مَغْمُوم وَلَا عَطْشَان وَلَا ذُوْ عَاهَة – وذو العاهةِ ذو مرضٍ عُضال ذو ألمٍ شديد – وَلَا ذُوْ عَاهَةٍ ثُمَّ دَعَا عِنْدَهُ وَتَقَرَّبَ بِالحُسَينِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا نَفَّس اللهُ كُربَتَه وَأَعْطَاهُ مَسْأَلَتَه وَغَفَرَ ذُنُوبَهُ وَمَدَّ فِي عُمْره وَبَسَطَ فِي رِزْقِه فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَار – مدَّ في عمره، بَسَطَ في رزقه، وقبل ذلك استجاب دعوته.. ومن جُملة الَّذين ذكروا في الرواية (صاحبُ العاهة)، إنَّهُ صاحبُ المرض الشديد فما بالك بالَّذي لم يُصب أساساً بمرضٍ وإنَّما يطلبُ الحماية من الحُسين من هذا المرض؟! مع شرطِ العقيدةِ كما تقدَّم الكلام.
  • أعيد قراءة الرواية: عَن مُحمَّدِ بن مُسلم عَن أَبي جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلام – إنَّهُ باقر العلوم – قَالَ: إنَّ الحُسَينَ صَاحِبَ كَرْبَلاء قُتِلَ مَظْلُومَاً مَكْرُوبَاً عَطْشَاناً لَهْفَانَاً وَحَقٌّ عَلَى اللهِ عزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَأتِيَهُ لَهْفَان وَلَا مَكْرُوب وَلَا مُذْنِب وَلَا مَغْمُوم وَلَا عَطْشَان وَلَا ذُوْ عَاهَةٍ ثُمَّ دَعَا عِنْدَهُ – عند الحُسين – وَتَقَرَّبَ بِالحُسَينِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا نَفَّسَ اللهُ كُربَتَه وَأَعْطَاهُ مَسْأَلَتَه وَغَفَرَ ذُنُوبَه وَمَدَّ فِي عُمْرهِ وَبَسَطَ فِي رِزْقِه فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَار.
  • أنتقلُ بكم إلى حديثٍ آخر وهذهِ الأحاديثُ إنَّما أوردها لكم على سبيلِ الأنموذج، على سبيلِ المثال، الرواياتُ في مثلِ هذا المضمون كثيرةٌ جِدَّاً في هذا الكتابِ وفي غيره.
  • ● صفحة (340) من (كامل الزيارات)، البابُ (108)، الحديثُ الأول: بسندهِ، عَن عَبد الله بن حمّاد البَصري عَن صادق العترة صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه.. فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا فَضلُ مَن أَتَاه – من أتى الحُسين – هَلْ تَدْرِي مَا فَضلُ مَن أَتَاه وَمَا لَهُ عِنْدَنا – عند مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ – مِن جَزِيلِ الخَير؟ فَقُلتُ: لا، فَقَالَ: أَمَّا الفَضْلُ فَيُبُاهِيه مَلَائِكَةُ السَّمَاء، وَأَمَّا مَا لَهُ عِنْدَنا – وموطنُ الشاهدِ هنا: وَأَمَّا مَا لَهُ عِنْدَنَا فَالتَرَحُّمُ عَلَيهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاء – آلُ مُحَمَّد يترحمون على زائرِ الحُسينِ كُلَّ صباحٍ ومساء، قطعاً بالمواصفاتِ والعقيدةِ الَّتي مرَّ ذكرها.
  • ● نقرأ في رسالةِ إسحاق بن يعقوب الَّتي كتبها إمامُ زماننا صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه بخط يده، من (كمال الدين) للشيخ الصدوق، صفحة 512، في آخر التوقيع الإمام هكذا يقول: (وَإِنِّي لأَمَاٌن لِأَهْلِ الأَرض كَمَا أنَّ النُّجُوم أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاء)، هذا الأمانُ في بُعدهِ الحسي وفي بُعدهِ المعنوي.
  • — في بُعدهِ المعنوي يتجلَّى فيما يقول: (وَأَمَّا وَجهُ الاِنْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالاِنْتِفَاعِ بِالشَّمس إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ الأَبْصَارِ السَّحَاب)، لا يعني أنَّ الكلام هنا ينحصرُ فقط في اللطف المعنوي لكنَّهُ يتجلَّى أكثر.
  • — وهذهِ العبارةُ: (وَإِنِّي لأَمَاٌن لِأَهْلِ الأَرض كَمَا أنَّ النُّجُوم أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاء)، لا يعني أنَّها تنحصرُ في اللطف المادي لكنَّها أوضح، اللطف المادي هنا أوضح، اللطف المعنوي يختفي وراء اللطف المادي، بينما في العبارةِ السابقة يتجلَّى لنا أولاً اللطف المعنوي، ويختفي اللطف المادي وراءهُ..
  • ● وقفةٌ عند دعاءِ إمامنا الصادقِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه لزُوَّار الحُسين في (كاملِ الزيارات)، البابُ الأربعون، الحديث الثاني: بسندهِ، عَن مُعاوية بن وَهب عن إمامنا الصَّادق – أذهبُ إلى موطن الحاجة، كان الإمام يدعو لزوار الحُسين وهو في حالةِ سجود هذا جزءٌ من الدعاء: اللَّهُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيهِم بِخُرُوجِهِم – بخروجهم لزيارتنا، الحديثُ هنا عن زيارة الحُسين – اللَّهُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيهِم بِخُرُوجِهِم فَلَم يَنْهِهِم ذَلِك عَن الشُّخُوصِ إِلَينَا خِلَافَاً مِنْهُم عَلَى مَن خَالَفَنَا فَارْحَم تِلكَ الوُجُوه الَّتي غَيَّرَتْهَا الشَّمْس – الإمام الصَّادق ساجدٌ ويدعو بهذهِ الكلمات ودعاءُ الإمامِ المعصوم لا ينحصرُ بزمانِ ألفاظهِ حينما تلفَّظ به، فدعاء الإمامِ الصَّادقِ لا زال مستمراً، نحن أصواتنا تبقى في هذا الفضاء..
  • فَارْحَم تِلكَ الوُجُوه الَّتي غَيَّرَتْهَا الشَّمْس وَارْحَم تِلكَ الخُدُود الَّتِي تَتَقَلَّبُ عَلى حُفْرَة أَبِي عَبدِ الله الحُسَين، وَارْحَم تِلكَ الأَعْيُنَ الَّتِي جَرَت دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا وَارْحَم تِلْكَ القُلُوبَ الَّتِي جَزَعَت وَاحْتَرَقَت لَنَا وَارْحَم تِلكَ الصَّرْخَة الَّتِي كَانَت لَنَا – الإمامُ الصَّادقُ ساجدٌ دموعهُ تجري ويدعو لزوار الحُسينِ بهذهِ التفاصيل يدعو لوجوههم، لخدودهم، لأعينهم، لقلوبهم، لصرختهم، لكُلِّ شيء فيهم، إلى أن يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُك تِلكَ الأَبْدَانَ وَتِلْكَ الأَنْفُس حَتَّى تَرويهُم عَلَى الحَوض يَومَ العَطَشِ الأَكْبَر – أبدانهم ونفوسهم وديعةٌ، مَن الَّذي استودعها؟ الصَّادقُ يستودعُ أبدانهم ونفوسهم عند الله، فهل يُصابون بضرر، لكن بشرط! بشرطِ العقيدةِ السليمة، هذا الَّذي أردده دائماً يا ليتنا نملكُ هذهِ العقيدة السليمة.

تحقَق أيضاً

الحلقة ١٧ – مرجعيّة السيستاني صمّام أمان للبرنامج الأمريكيّ في العراق ج٢

يازهراء …