الخاتِمةُ – الجزء الرابع من ملفّ الكتاب والعترة – الحلقة ٣٦٦ – على مائدة القمر ج١٦ – طبقُ الخبز والمُعجّناتِ المالحة ق٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الإثنين 16 شهر رمضان 1443هـ الموافق 18 / 4 / 2022م

  • هذا هو جزؤنا الثالث من طبقنا السادسِ؛ إنَّهُ “طبقُ الخبزِ والمعجّناتِ المالحة”، من أطباقِ مائدة القمر.

  • مضمونُ هذا الطبق؛ الوعي.
  • آخرُ حديثٍ قرأتهُ عليكم في الحلقةِ الماضية، من الجزء الثاني من (الكافي الشريف) لشيخنا الكليني، طبعةُ دار الأسوة/ طهران – إيران/ الصفحة (433)، الحديثُ الثاني: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن إِمَامِنَا الصَّادِقِ صَلواتُ اللهِ عَليه، عَن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وآله: مَن تَابَ قَبْلَ مَوْتهِ بِسَنَةٍ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَه، ثُمَّ قَالَ – رسولُ الله – ثُمَّ قَالَ: إِنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرةٌ، مَن تَابَ قَبْلَ مَوْتهِ بِشَهرٍ قَبِلَ اللهُ تَوبَتَه، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ، مَن تَابَ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمُعَةٍ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَه – والمرادُ مِن الجُمُعة الأسبوع – ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الجُمُعَة لَكَثيرٌ، مَن تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَومٍ قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَه، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ يَوْمَاً لَكَثِير، مَن تَابَ قَبْلَ أنْ يُعَايِن – قبل أن يُعاينَ الموت في آخرِ لحظاتِ حياتهِ – قَبْلَ أَنْ يُعَايِن قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَه – الكلماتُ واضحةٌ وفحواها بَيِّنةٌ.
  • في البابِ نفسهِ صفحة (434): بِسندهِ، عَن زُرَارةَ – بسند الكليني عن زُرارةَ – عَن إِمَامِنا البَاقِرِ صَلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيه، إِذَا بَلَغَت النَّفْسُ هَذِهِ وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلى حَلْقِه – المرادُ من الحلق موطنُ الذبح وليسَ الفم – إِذَا بَلَغَت النَّفْسُ – ومُرادهُ من النَّفسِ هُنا الروح، لأنَّ الإنسانَ روحٌ وجسدٌ ونَفَس، النَّفسُ وجودٌ برزخيٌّ ما بينَ الروحِ والجسد، وجودٌ رابطٌ وجودٌ حرفيٌّ كما يُقالُ في المصطلحاتِ الفلسفيَّةِ والمنطقيّة.

  • إِذَا بَلَغَت النَّفْسُ هَذِهِ وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلى حَلْقِهِ لَم يَكُن لِلعَالِم تَوْبَة – سقطت توبةُ العالم – وَكَانَت لِلْجَاهِلِ تَوْبَة – تِلكَ رحمةُ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، فإذا بلغَ الإنسانُ إلى مرحلةِ الحشرجةِ ومرحلة الغرغرة إنَّها اللحظاتُ الأخيرةُ مِن حياة الإنسان – لَم يَكُن لِلعَالِمِ تَوْبَة – كانت لديهِ فُسحة وهو عالِـمٌ بالأمر، أمَّا الجاهلُ رحمةً بجهلهِ، ورحمةً لجهلهِ، فإنَّ بابَ التوبةِ لا زالَ مفتوحاً أمامه، (يُغْفَرُ لِلجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْب – هكذا تقولُ كلماتهم الشريفة – وَلا يُغْفَرُ للعالِمِ ذَنبٌ وَاحِد)، العالِـمُ مسؤوليّتهُ كبيرةٌ، وحسابهُ على قَدرِ مسؤوليَّته.

  • الحديثُ الرابع: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن مُعاويَةَ بنِ وَهْب قَالَ: خَرَجْنَا إِلَى مَكَّة – مجموعةٌ مِن الشيعة – وَمَعَنَا شَيْخٌ مُتَأَلِّهٌ مُتَعبِّد – “مُتألِّهٌ مُتعبِّد”؛ قد تفرَّغَ للعبادةِ، قد اعتزلَ حياةَ الدُّنيا – لَا يَعرِفُ هَذا الأَمْر – ليسَ على ولايةِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، ليسَ على بيعة الغدير -يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيق – هو لا يَقْصرُ صلاته على الفقه الَّذي هو عليه – وَمَعهُ ابنُ أَخٍ لَهُ مُسْلِم – مُسلم وليسَ بكافر، لأنَّ الشيخَ هذا وإنْ كانَ مُتألِّهاً مُتعبِّداً فهو كافرٌ بحسب الآيةِ السابعةِ والستين بعدَ البسملةِ من سورة المائدة – فَمَرَضَ الشَّيخُ فَقُلتُ لابنِ أَخِيه – الَّذي كانَ على هذا الأمر على بيعة الغدير – لَو عَرَضتَ هَذَا الأَمْر عَلَى عَمِّك لَعَلَّ الله أنْ يُخلِّصَه، فَقَالَ كُلُّهُم – كُلُّ الباقينَ مِن الشيعة – دَعُوا الشَّيْخ حتَّى يَمُوت عَلى حَالِهِ فَإِنَّهُ حَسَنُ الهَيْئَة – يبدو عليه الصَّلاح – فَلَم يَصبِر ابنُ أَخِيه حَتَّى قَال لَهُ: يَا عَم، إِنَّ النَّاس ارتَدُّوا بَعدَ رَسُول الله إِلَّا نَفَرَاً يَسِيراً، وكَانَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ مِن الطَّاعَةِ مَا كَانَ لِرَسُولِ الله، وَكَانَ بَعدَ رَسُول اللهِ الحقُّ وَالطَّاعَةُ لَهُ قَالَ: فَتَنَفَّسَ الشَّيْخُ وَشَهِق وَقَالَ: أَنَا عَلَى هَذا وَخَرَجت نَفْسُه – هو لم يَكُن قبلَ هذهِ اللحظة على هذا الأمر، لكنَّهُ في هذهِ اللحظةِ الأخيرةِ أقرَّ بالأمر – فَدَخَلنَا عَلَى أَبِي عَبد الله – لَمَّا وصلنا إلى مكّة دخلنا على أبي عبد الله، أو رُبَّما دخلوا عليهِ في المدينةِ – فَعَرَضَ عَليُّ بنُ السَّري هَذا الكَلامَ عَلَى أَبِي عَبد الله – على الإمام الصَّادق، عليُّ بنُ السَّري من الشيعةِ حَدَّثَ الإمامَ بالَّذي جرى في الطريق – فَقَالَ: هُو رَجُلٌ مِن أَهْل الجَنَّة – لأنَّهُ في آخرِ لحظةٍ أقرَّ بمضمونِ بيعة الغدير – قَالَ لَهُ عَليُّ بنُ السَّري: إِنَّهُ لَم يَعرِف شَيْئَاً مِن هَذا غَيرَ سَاعَتِهِ تِلك – في آخرِ لحظةٍ، فماذا قَالَ إمامُنا الصَّادقُ صلواتُ الله عليه؟ – فَتُريدُونَ مِنهُ مَاذَا – ماذا تريدون؟! – قَدْ دَخَلَ واللهِ الجَنَّة – هذهِ رحمةُ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، (أَبْوابُ الجنَّةِ ثَمانِية – إمامُنا الصَّادقُ يقول صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه – بَابٌ للأنبياءِ وَالصدِّيقِين، وبَابٌ للشُّهَداءِ وَالصَّالِحِين، وَخَمْسَةُ أَبْوابٍ لِشيعَتِنا، وَبَابٌ لِمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله – لم يَقُل إنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، قال لا إِله إلا الله – ولكن بهذا الشرط – وَلَيسَ فِي قَلبهِ ذَرَّةٌ مِن بُغْضِنَا أَهْلِ البَيْت)، هذا هو البابُ الثامنُ من أبواب الجنَّة، هذا الرجلُ دخل في الأبواب الخمسة، هذا من الشيعةِ، لكنَّهُ صارَ شيعيَّاً في اللحظةِ الأخيرة، ويُمكن لِمَن عاش شيعيَّاً في هذهِ الدنيا أنْ يُسلَبَ منهُ إيمانهُ في آخرِ لحظةٍ، هذهِ قوانينُ الله وسُننهُ وشرائِعُه.
  • صفحة (431) من المصدرِ نفسهِ، من الجزء الثاني من (الكافي الشريف) بابُ الاستغفارِ من الذنب، الحديثُ الثالث: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن عَبد الصَّمدِ بنِ بَشِير، عَن إِمَامِنا الصَّادِقِ صَلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيه: العَبْدُ الْمُؤْمِنُ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبَاً أَجَّلَهُ اللهُ سَبْعَ سَاعَات – أعطاهُ فُرصةٌ كي يستغفرَ مِن ذلك الذَّنبِ الَّذي ارتكبه – فَإِنْ اسْتَغْفَرَ لَم يُكْتَب عَلَيه شَيء – إنْ استغفرَ في هذهِ الساعات في هذهِ المهلةِ في هذهِ الفُرصة – وَإِنْ مَضَت السَّاعَاتُ وَلَم يَسْتَغْفِر كُتِبَت عَلَيهِ سَيِّئة، وَإِنَّ الْمُؤمِنَ لَيَذكُرُ ذَنْبهُ بَعدَ عِشْرِينَ سَنَة حَتَّى يَسْتَغفِرَ رَبَّه فَيَغْفِرُ لهُ وَإِنَّ الكَافِرَ لَيَنْسَاهُ مِنْ سَاعَتِهِ – وأبرزُ عُنوانٍ للكافرِ هُو الكافرُ ببيعةِ الغدير.
  • أمَّا المؤمنُ يتذكَّرُ ذُنوبهُ حتَّى لو كانت في زمنٍ سابق وتِلكَ رحمةٌ من رحمةِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كي تُغفَر ذُنوبه.
  • كُلُّ هذا يُخبرنا مِن أنَّ فُسحةً موجودةٌ بينَ أيدينا بإمكاننا أن نعودَ إلى أحضانِ إمامِ زماننا.
  • في صفحة (426)، الحديثُ الثالث مِن الباب الَّذي عُنوانهُ من يَهمُّ بالحسنةِ أو السيئة، حديثٌ مُهمٌّ جِدَّاً: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن عَبد اللهِ بنِ مُوسَى بنِ جَعفَر، عَن أَبيهِ – عبدُ الله هذا هو من أبناءِ إمامنا الكاظم يُحدِّثنا عن أبيهِ الكاظم صلواتُ اللهِ عليه – قَالَ: سَأَلتُهُ عَن الْمَلَكَين – عن الـمَلَكَينِ الـموكَّلَينِ بالإنسان، عن مَلَك الحسنات ومَلَك السيئات – هَلْ يَعْلَمَان بِالذَّنْبِ إِذَا أَرَادَ العَبْدُ أنْ يَفْعَلَهُ أو الحَسَنَة؟ فَقَالَ: رِيحُ الكَنِيفِ وَرِيحُ الطِيْبِ سَواء؟ – عبد الله يسألُ إمامَنا الكاظم يسألُ أباه، هَل لَهُما مِن عِلمٍ بالسيئاتِ والحسنات إذا ما نوى العَبد، قطعاً إذا فَعلَ العبد فإنَّ الـمَلَكَينِ سيعلمانِ لأنَّهما ينظرانِ إلى العبد وهو يفعلُ حسنتهُ أو يفعلُ سيئتهُ.
  • الإمامُ سألهُ: رِيحُ الكَنِيفِ – بالوعةُ بيت الخلاء – وَرِيحُ الطِيْبِ – العطور المسك الروائح الطَّيِّبَة – رِيحُ الكَنِيفِ وَرِيحُ الطِيْبِ سَواء؟ قُلتُ: لا، قَالَ: إِنَّ العَبْدَ إِذَا هَمَّ بِالحَسَنَةِ فَإِذَا فَعَلَها خَرَج نَفَسُهُ طَيِّبَ الرِّيْح، فَقَالَ صَاحِبُ اليَمِينِ لِصَاحِب الشِّمَال – صاحبُ اليمين هو صاحبُ الحسنات، وصاحبُ الشِّمال هو صاحبُ السيئات – فَقَالَ صَاحِبُ اليَمِينِ لِصَاحِب الشِّمَال: قُم فَإنَّهُ قَد هَمَّ بِالحَسَنَة، فَإِذَا فَعَلَهَا كَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ وَرِيْقُهُ مِدَادَهُ فَأَثْبَتَهَا لَه وَإِذَّا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ خَرَجَ نَفَسُهُ مُنْتِنَ الرِّيْح فَيَقُول صَاحِبُ الشِّمَال لِصَاحِب اليَمِين: قِفْ فَإِنَّهُ قَدْ هَمَّ بِالسِّيِّئَة – هذهِ مسؤوليّتي – فَإِذَا هُو فَعَلَهَا كَانَ لِسَانُهُ قَلَمَهُ، وَرِيقُهُ مِدَادَهُ وَأَثْبَتَهَا عَلَيْه – الملائكةُ تعرفُ نوايانا هل هي حسنةٌ أم هي سَيِّئة مِن روائحنا، ولذا فإنَّ الأحاديثَ الشريفةَ تقول: لو أنَّ النَّاسَ يَشمُّونَ روائحَ أعمالِ بعضهِم لَمَا استطاعَ أن يجتمعَ اثنان لتفرَّقَ النَّاس.
  • صفحة (427)، بابُ التَّوبة، الحديثُ الأوَّل: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن مُعاويةَ بنِ وَهْب قَالَ: سَمِعتُ أَبَا عَبد الله – إمامَنا الصَّادقَ صلواتُ اللهِ عليه – يَقُول: إِذَا تَابَ العَبْدُ تَوْبَةً نَصُوْحَاً – التَّوبةُ النَّصُوح التَّوبةُ الواضحةُ الصَّادقةُ النَّاصعةُ النَّظيفةُ، موضوعُ التَّوبةِ هذا موضوعٌ مُفصَّلٌ، هُناكَ توبةٌ من عقيدةِ الضلال، وهُناكَ توبةٌ من المعاصي، وفارقٌ بينَ التوبتين، التَّوبةُ من عقائد الضلال لها شؤونها، والتَّوبةُ من المعاصي لها شؤونها، التَّائِبُ مِنَ المعاصي هو على عقيدةٍ سَليمةٍ ولكنَّهُ يتوبُ مِن أعمالهِ القبيحة، أمَّا التائبُ مِن عقيدة الضلال فهو كانَ على عقيدةٍ ضالَّة، هذا شأنٌ وهذا شأن، والتَّائِبونَ على نحوين؛

  • هُناكَ تائبٌ يتوبُ توبةً قطعيَّةً ليسَ عندهُ مِن تَردُّد وهذا هو الَّذي يُوفَّق.

  • أمَّا التَّائِبُ الَّذي يكونُ مُتردِّداً ستكونُ توبتهُ توبةً مريضةً، التَّوبةُ المريضةُ في أغلب الأحيانِ تموت لن تستطيعَ أن تُقاوم.

  • التَّوبةُ لابُدَّ أن تُولَدَ صحيحةً مُعافاة، إذا ولِدت مريضةً من الصَّعبِ جِدَّاً أن تعيش فإنَّ حالتها المرضيَّةَ ستؤدِّي بها إلى الوفاة وستموتُ التَّوبة، التَّوبةُ لابُدَّ أن تكونَ نظيفةً واضحةً بعيدةً عن المجاملةِ والتردُّد، بعيدةً عن الخوف، التَّائِبُ هو العائِدُ، هُو الرَّاجعُ إلى أحضانِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد.

  • التَّوبةُ مِنَ المعاصي والذُّنوبِ والسيئات على مرتبتين؛

  • ● هُناكَ المعاصي والذُّنوبُ والسيئات الواضحة لإنسانٍ انغمسَ فيها.
  • ● وهُناكَ توبةُ التقصير الَّتي يجب علينا أن نتوبها دائماً بل في كُلِّ يومٍ. فنحنُ قاصِرون ومُقصِّرون.
  • معاويةُ بنُ وَهْب يقول: سَمِعْتُ الصَّادِقَ صَلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيه يَقُول: إِذَا تَابَ العَبْدُ تَوْبَةً نَصُوْحَاً أَحَبَّهُ الله – إذا كانت التَّوبةُ نظيفةً واضحةً مِن دُونِ تَردُّد، فماذا ترتَّبَ على ذلك؟ – فَسَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة – أيَّة رحمةٍ هذهِ؟! هذا سَتْرٌ في الدُّنيا والآخرة – فَقُلتُ: وَكَيفَ يَسترُ عَلَيه؟ فَقَالَ الإمامُ الصَّادِقُ صلواتُ اللهِ عَلَيه: يُنْسِي مَلَكَيهِ مَا كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوب وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ – الجوارحُ اللسانُ الريقُ وسائلُ كتابةِ ذنوبنا – وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَه، وَيُوحِي إِلَى بِقَاعِ الأَرْض اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيكِ مِنَ الذُّنُوب – فحينئذٍ ستُمحى تِلكَ الصورُ من الكتاب الكبير، لأنَّ الكتابَ الكبير الَّذي لا يُغادِرُ صغائرَ الأمورِ ولا يُغادِرُ كبائرها مصادرهُ في جهةٍ من جهاتهِ هي هذهِ؛ جوارحنا، بقاعُ الأرضِ، عالمُ الطبيعةِ، ملائكةُ الحساب حساب السيئاتِ وحساب الحسنات – فَيَلْقَى اللهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيسَ شَيءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَيءٍ مِنَ الذُّنُوب – أيُّ جمالٍ وأيَّةُ حلاوةٍ وأيُّ إبداعٍ في هذا الفنِّ العجيب الغريب في معرِضِ لوحاتِ حقائقِ أعمَالِنا، هذا نظامٌ غريبٌ في عرضِ لوحاتِ أعمالنا الَّتي رسمناها بألسنتنا، أيُّ نظامٍ هذا تُدارُ فيهِ صالاتُ العرض الغيبيَّة، أيَّةُ دِقَّةٍ وأيُّ اتِّساقٍ هذا!
  • أيَّةُ رحمةٍ هذهِ عندَ هذا الإله العظيم، سُبُّوحٌ قُدُّوس، أيَّةُ رأفةٍ وأيَّةُ أخلاقٍ هذهِ؟! وأيُّ دينٍ هذا الَّذي وَفَّقَنا إليه؟! إمامنا السجَّادُ يقولُ لنا: (الله الله في دِينِكُم – لماذا يا بن رسول الله؟ – فإنَّ السِّيَّئة فِيهِ في دِينكُم خيرٌ مِن الحسنةِ في غَيرهِ)، هذا هو ديننا، هذا دينُ عليٍّ وآلِ عليّ، هذا هو دينُ القيِّمةِ فاطمة، ﴿وَذَلِكَ دِيْنُ الْقَيِّمَة﴾، إمامُنا السجَّادُ يُشيرُ إلى جوهرِ ديننا؛ (حُبُّ عَلِيٍّ حَسَنَةٌ لَا تَضرُّ مَعَهَا سَيِّئة – هذهِ هي السيئةُ الَّتي في ديننا خيرٌ من الحسنةِ في غيره – وَبُغْضُ عَلِيٍّ سَيِّئةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَة)، هذهِ الحسنةُ الَّتي نحنُ لا نريدها، وهذهِ السيئةُ الَّتي هي في ديننا خيرٌ من الحسنةِ تِلك، كلامٌ دقيقٌ وعميقٌ، هذا الكلامُ يحتاجُ إلى مذاقٍ نظيفٍ، هذا الكلامُ ما هو بدعوةٍ إلى عمل السيئات، عملُ السيئاتِ يُضْعِفُ عقيدتنا، وإذا ما تراكمت السيئاتُ فإنَّ الإيمانَ سيُسْلَبُ مِنَّا، الإمام السجَّادَ يُوجِّهُ أنظارنا إلى عُمق العقيدةِ وإلى لُطف الوَلايةِ لـمُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد.
  • من باب التَّوبة، الحديثُ السادس صفحة (428): بِسندهِ – بسند الكليني – عَن مُحمَّد بنِ مُسلِم، عَن إِمَامِنَا البَاقِرِ صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيه: يَا مُحمَّدَ بنِ مُسلِم – الإمامُ يقولُ لمحمَّدِ بن مُسلم – ذُنُوبُ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ مِنْهَا مَغْفُورَةٌ لَه فَلْيَعْمَل الْمُؤْمِنُ لِمَا يَسْتأنِفُ بَعدَ التَّوبَةِ وَالـمَغْفِرَةَ – لما يستأنفُ؛ يستأنفُ يبدأ من جديد إنَّها صفحةٌ جديدةٌ، صحائفُ أعمالنا عنوانها حُبُّ عليِّ بن أبي طالب، ماذا نُسَجِّلُ بعدَ هذا العنوان؟ إذا سَجَّلنا التَّوبةَ فعلينا أن نستأنفَ مِن جديد فإنَّ الصفحةَ بيضاء وعلينا أن نكتُبَ فيها ما نكتُب، هذا هو الَّذي يُشيرُ إليهِ إمامنا الباقرُ وهو يتحدَّثُ مع محمّد بن مسلم.

  • أَمَا وَاللهِ إِنَّهَا لَيْسَت إِلَّا لِأَهْلِ الإِيْمَان – ما هي هذهِ؟ هذا القانون تكونُ التَّوبةُ صادقةً مِن الـمُؤمِنِ العارفِ بإمامِ زمانهِ فيُقبِلُ إمامُ زمانهِ عليهِ بالمغفرة، تُغفَرُ ذُنوبهُ، التَّائِبُ مِن الذَّنبِ كمن لا ذنبَ له، فُتِحت لهُ صفحةٌ جديدة عليهِ أن يستأنفَ العمل، هذا هو الَّذي يتحدَّثُ عنهُ إمامنا الباقر، مِن أنَّ الحالةَ هذهِ خاصَّةٌ بالمؤمنين.

  • قُلتُ: فَإِنْ عَادَ بَعدَ التَّوْبَةِ وَالاسْتغفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ وَعَادَ فِي التَّوْبَة – رجعَ عن توبتهِ وارتكبَ ما ارتكبَ من الذُّنوب الَّتي تابَ منها وبعدَ ذلكَ رجعَ وتاب – فَقَالَ: يَا مُحَمَّد بنَ مُسلِم، أَتَرَى العَبْدَ الْمُؤْمِنَ يَنْدَمُ عَلَى ذَنْبِهِ وَيَسْتَغْفِرُ مِنه وَيَتُوب ثُمَّ لَا يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه؟ – هل تعتقدُ هذا؟! حتَّى وإنْ نَقضَ توبتهُ وارتكبَ ما ارتكب لكنَّهُ بعدَ ذلكَ نَدَمَ على ما فعل وعادَ تائباً إلى رَبِّه، الإمامُ يقول لهُ: أَتَرَى يا مُحمَّد بن مسلم أنَّ الله لا يقبلُ توبته؟! – قُلتُ: فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوب وَيَستَغفِرُ الله – ويُكرِّرُ هذا الأمر، فماذا قالَ إمامنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه؟ – كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ – المؤمنُ الَّذي آمَنَ بالغديرين – كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاستغفَارِ وَالتَّوبة عَادَ اللهُ عليهِ بِالْمَغْفِرَة، وَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم يَقْبَلُ التَّوْبَة وَيَعْفُو عَن السِّيِّئَات، فَإِيَّاكَ – إِيَّاك يا ابنَ مُسلم – فَإِيَّاكَ أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ الله – رحمةُ اللهِ تتجلَّى في إمامِ زماننا، رحمةُ إمامِ زماننا أوسعُ مِنَّا جميعاً، أوسعُ مِن العالَم كُلِّه، مِن هُنا جاءَ في وصف الفقيهِ حقِّ الفقيه من فقهاءِ آلِ مُحَمَّد أن لا يُقَنِّطَ النَّاسَ مِن رحمة الله.

  • من البابِ نفسهِ، الحديثُ التاسع: بِسَندِ الكُليني، عَن عَبد الله بنِ عُثمان، عَن أبي جَمِيلَةَ قَال: قَالَ أَبُو عَبد الله – إمامُنا الصَّادقُ صلواتُ اللهِ عليه – إِنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ الـمُفَتَّنَ التَّوَّاب – هذا الَّذي يقعُ في المعاصي، ثُمَّ يندمُ ويتوب ويبقى على توبتهِ لمدَّةٍ مِن الزَّمنِ أكانت قصيرةً أم طويلة ثُمَّ يعودُ إلى المعاصي وبعدَ ذلكَ يندمُ ويتوب ويتكرَّرُ هذا الأمرُ مِنهُ دائماً، يقعُ في المعصيةِ لكنَّهُ يندمُ ويتوبُ ويستغفر ويبكي على حالهِ ويُحاولُ أن يستمرَّ على الصَّوابِ لكنَّهُ يَعثَرُ ويعثَر، هذا هو الَّذي تصطلحُ الأحاديثُ الشريفةُ عليه؛ (العَبدُ المفَتَّن)، قطعاً بالقياسِ لذلك الَّذي لا يتوبُ أصلاً، صحيحٌ مِن أنَّ هذا يرتكبُ المعاصي لكنَّهُ يندم ويعتذر ويتوب ويستغفر، فإنَّ اللهَ يُحبُّهُ مِن هذهِ الجهة بالقياسِ لأولئكَ الَّذينَ يُصرّونَ على المعاصي حتَّى وإنْ نَدَموا فإنَّهم لا يُرتِّبون أثراً عمليَّاً على ندمهم.
  • الإمامُ يستمرُّ في كلامهِ يقول: وَمَن لَم يَكُن ذَلِكَ مِنْه كَانَ أَفْضَل – قطعاً الَّذي يتوب ولا يكسرُ توبتهُ بالمعاصي أفضل مِنَ الـمُفَتَّنِ التَّوَّاب الَّذي تكثرُ توبتهُ وتتكرَّر بسببِ تكرُّرِ وقوعهِ في المعاصي والآثام.
  • الحديث العاشر: بِسَندهِ – بسند الكليني – عَن جَابرٍ – عن جابرٍ الجعفي – عَن إِمَامِنا البَاقرِ صَلواتُ اللهِ عَلَيه – جابرٌ يقول – سَمِعتُهُ – سَمِعَ الباقر – يَقُول التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لَا ذَنْبَ لَه – قطعاً إذا كانت توبتهُ حقيقيَّةً وكانَ مؤمناً كانَ مؤمناً بالغديرين – وَالْمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُو مُسْتَغْفِرٌ مِنه كَالْمُسْتَهْزِئ – هذا يستهزئُ بإمامِ زمانهِ والَّذي يستهزئُ بإمامِ زمانهِ يستهزئُ بالله، لأنَّ إمامَ زمانهِ ناظرٌ إليه وهوَ المسؤول عنه وهو الَّذي يُراقبهُ.
  • هذا الَّذي يستهزئُ بإمامِ زمانهِ ماذا يترتّبُ عليه؟ فإنَّ إمامَ زمانهِ سيستهزئ بهِ، الويلُ لهُ، هذهِ مُشكلتنا فإنَّ إمامنا إذا لم يرعانا سيتخلَّى عنَّا، وحينما يتخلَّى عنَّا فإنَّه يُوكِلُ أمورنا إلى أنفُسنا، هذا الَّذي دائماً تُحذِّرُ منهُ الأدعية؛ (وَلا تَكِلني إلى نفسي طرفةَ عَينٍ أبداً)، المشكلةُ أنَّ الشيعةَ مُنذُ بدايةِ الغيبةِ الكبرى الإمامُ أوكلَ أمورهم إلى أنفُسهِم، وأدلُّ دليلٍ على ذلك أن أوكلوا أمورهم إلى هؤلاءِ المراجع البتريِّين، هؤلاء المراجع أُوكِلت أمورهم إلى أنفُسهم، عبثوا بأنفسهم وعبثوا بالدينِ وعبثوا بالشيعةِ وضَحِكوا على ذقونهم، ولا زالَ الأمرُ هكذا منذُ بداياتِ الغيبةِ الثانية وإلى يومنا هذا، ماذا يترتّبُ على هذا؟ يترتّبُ على هذا أنَّ الإمامَ سيُعاملهم بالَّذي عاملوا الإمام به بحسبِ القانون؛ (وَمَن لَزِمَنَا لَزمْنَاه)، أمَّا الَّذي لا يكونُ كذلك فنحنُ سنكونُ معهُ مثلما يكونُ معنا.
  • الحديثُ الثامن، من الباب نفسه: بِسَنده – بسند الكليني – عَن أبي عُبيدَة الحَذَّاء، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا جَعفرٍ – إمامنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه – يَقُول: إِنَّ اللهَ تَعَالى أَشَدُّ فَرَحَاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتهُ وَزَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاء فَوَجَدَهَا – فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدهِ مِن ذلكَ الرجلِ براحلتهِ حين وجدها، صورةٌ تقريبيَّةٌ، رجلٌ مُنفردٌ في الصحراء يسيرُ لوحدهِ لا يملكُ في تِلكَ الصحراء إلَّا راحلتهُ، إلَّا ناقتهُ، فهي وسيلةُ سفرهِ ووسيلةُ انتقالهِ، وعلى راحلتهِ قد وضعَ كُلَّ ما عندهُ في تِلكَ الصحراء، وسائلُ سَفرهِ من ثيابٍ، من دواءٍ، من سلاحٍ يحتمي بهِ من الأعداءِ والحيواناتِ المفترسة، من طعامٍ يأكُلهُ ويتقوَّى به، مِن ماءٍ يشربهُ، كُلُّ ما تقومُ عليهِ حياتهُ في تِلكَ الصحراء موجودٌ على ظهرِ تِلكَ النَّاقة، ليلةٌ مُظلمة ما فيها من قمر، صحراء مُمتدَّة على طول البصر، الرجلُ مُنفردٌ في تلك الصحراءِ الموحشة وضاعت ناقتهُ، ضاعت راحلتهُ وضاعَ معها كُلُّ شيء، ضاع الماءُ والطعامُ والدواءُ والشرابُ والثيابُ، فُجأةً بعدَ أن أصابهُ اليأس وأصابهُ الحُزن وأصابهُ الضَّجَر وهيمنَ عليهِ القلق وسيطرَ عليهِ الخوفُ والفزع مِن دُونِ سلاحٍ من دُونِ راحلةٍ مِن دُونِ طعامٍ مِن دُونِ شرابٍ إلى أينَ سيُعطي وجهه؟! فجأةً وإذا بهِ يعثرُ على راحلتهِ على ناقته، ها هو يُمسكُ بها كم ستكونُ فرحتهُ، الإمامُ يقول؛ مِن أنَّ الله أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدهِ بعودةِ عبدهِ إليه من فرحةِ هذا الرجلِ الَّذي عَثرَ على ناقتهِ في تِلكَ الليلةِ الظَّلماء بعدَ قلقٍ، وفزعٍ وخوفٍ وإياسٍ.
  • إنَّهُ يدعونا إليه، إنَّهُ يقولُ إلينا؛ هَيَّا هَيَّا عَجِّلوا، عَجِّلوا إِليّ.
  • هذهِ مضامينُ واقعِ ديننا الشيعي، واقعِ دينِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ صلواتُ اللهِ عليهم، وفي هذهِ الأجواء نرسمُ حدودَ علاقتنا الوجدانيّةِ مع اللهِ سبحانهُ وتعالى عِبرَ وجههِ عِبرَ إمامِ زماننا عِبرَ الحُجَّةِ بن الحسن.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٩ والأخيرة – المنهج اليماني وأشياءٌ أخرى

يازهراء …