السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ١٣ – سيّد قطب ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 15 محرّم 1439هـ الموافق 6 / 10 / 2017م

  • في هذهِ الحلقة، سأتناولُ المُعطيات التي تَقودنا إلى تحليل شَخصيّة: سيّد قطب.

  • ذكرتُ لكم النتيجة التي وصلتُ إليها مِن خلال حشْدٍ مِن المُعطيات والحقائق والوثائق.. وأعرضُ التفاصيل بين أيديكم لا بنحوٍ مُطوّل جدّاً، ولا بنحوٍ قصير جدّاً، وإنّما بينَ بين.
  • ● النتيجة التي وصلتُ إليها هي: أنّ شخصيّة سيّد قُطب شخصيّةٌ قلِقة، ليستْ مُستقرّة.. تبحثُ عن التفرّد والتسيّد بأيّ ثمنٍ كان!
  • هذه النتيجة التي وصلتُ إليها سأعرض لكم المعطيات التي أوصلتني إليها.. وليس بالضرورة أن تقتنعوا بِما وصلتُ إليه.

  • ملاحظة لابدّ أن أشير إليها قبل أن أتناول المُعطيات والتفاصيل:

  • ما يتخلّل هذه الحلقات من مشاهد دراميّة مأخوذة مِن مسلسل الجماعة بجُزأيه (ما تقدّم من الحلقات وما بقي من الحلقات).. هذهِ المشاهد الدرامية ليستْ بالضرورة أن تأتي مُنسجمةً مع التفاصيل التي أتحدّث عنها، فإنّني لا أُرتّب البرنامج بحسب المُسلسل.
  • ● هذه فواصل أولاً تتحدّث عن حقائق في كثير من جوانبها، وفيها شيءٌ مِن الإمتاع للذين يُتابعون البرنامج.. هذه المشاهد المأخوذة من مُسلسل الجماعة بجزأيه، فيها جانب يتّفقُ مع الواقع ومع أحداث التأريخ، وهناك أدلّة ووثائق تشهد بهذه التفاصيل، وهناك جانبٌ في هذه المشاهد يعكس تحليل المؤلّف: وحيد حامد.. فما جاء فما جاء مِن وقائع تأريخيّة تثبتها الأدلّة بغضّ النظر شكّك فيها الأخوان المُسلمون أم لم يُشكّكوا فهي قضيّة تُثبتها الأدلّة والحقائق على الأرض.
  • وحتّى حينما يُشكّك الإخوان المُسلمون فيها، فهم إنّما يُشكّكون في تفاصيل الغايات والنوايا فقط.. فهم لا يستطيعون أن يُنكروا هذه الأحداث والوقائع إذ أنّ هذه الأحداث والوقائع الكثير منها مُثبّتٌ في كُتبهم هم، وهناك ما هو مُثبتٌ في كُتب الذين أرّخوا لهم مِن خصومهم.. وبالنتيجة: هذهِ حقائق تأريخيّة وقعتْ على الأرض.
  • وهناك جانبٌ في هذهِ المشاهد التمثيليّة يُظهِرُ وجهة نظر المؤلّف: وحيد حامد.. قد أتّفقُ معه في بعض الأحيان، وقد أختلف في أحيان أُخرى.. فأنا لا أتبنّى كُلّ شيء ورد في هذا المُسلسل.. بل إنّني أرى أنّ أنّ المُسلسل لم ينقل الصُورة الحقيقيّة لِحسن البنّا وكذلك لسيّد قُطب.. الصورة في المُسلسل ناقصة، باعتبار أنّ الأجواء التي أُنتج فيها هي أجواء سُنيّة، فلا يعبأون كثيراً في الجانب الناصبي (جانب النصب والعَداء لأهل البيت).. وهم يتحرّكون في جوّ علماني، لِذا ما يأتي مِن تحليل في هذا المُسلسل وفي هذهِ المشاهد مَردّه إلى المؤلّف.. قد أتّفق معهُ في بعض الأحيان وقد أختلف معه.
  • ما أتبنّاه هو ما أتحدّث بهِ، ولا شأن لي بما يأتي في تفاصيل هذه المشاهد الدراميّة.

  • أعود إلى تحليل شخصيّة سيّد قطب وإلى المُعطيات والتفاصيل:

  • سأبدأ مِن مرحلة الطفولة (علماً أنّني لستُ مُؤرّخاً هنا.. وإنّما أذكرُ فقط مِن المُعطيات ما يرتبطُ بهدفي وهو تحليلُ شخصيّته.. ولِذا لا أُركّز على الكثير مِن التفاصيل التي لا ترتبطُ بهذا الموضوع)
  • سيّد قُطب ولد في قرية (موشا) وهي مِن قرى مُحافظة (أسيوط) جنوب القاهرة، ولُد سنة 1906م، في عائلةٍ ثريّة بالنسبة لأهل القريّة ولأهل المنطقة التي كانوا يعيشون فيها، وفي عائلة يغلب عليها الجوّ الديني، فهُناك جذورٌ دينيةٌ في تربية سيّد قُطب مُنذُ بداياته الأُسريّة الأولى..
  • السؤال: هل كان سيّد قطب مُتديّناً بالمعنى الذي يعرفهُ المُتديّنون؟ هل كان مُلتزماً إلتزماً شرعيّاً؟ هل كان يُبالي في التفاصيل الشرعيّة في حياته؟
  • الجواب: لم يكن سيّد قطب مبالياً بهذا حتّى دخل جماعة الأخوان المُسلمين. (هذه المعلومة مُهمّة جدّاً أن تكون أمامنا على الطاولة).
  • فسيد قُطب لم يكن مُلتزماً إلتزاماً شرعيّاً بالتفاصيل الشرعيّة؛ ولِذا حين صار مُتديّناً لم يكن مُلتزماً بمذهبٍ مِن المذاهب.. يُمكنّنا أن نعدّه مِن أتباع مذهب حسن البنّا، وصار رأساً في هذا المذهب. فحسن البنّا صحيحٌ أنّه في أصولهِ شافعيٌ، ولكنّه في الحقيقة لم يكن شافعيّاً، وإنّما أسّس مذهبه الخاص به.. كذلك سيّد قطب لم يكن مُتديّناً على مذهبٍ من المذاهب.
  • ولكن هناك فارقٌ بين حسن البنّا وسيّد قُطب، وهو أنّ حسن البنّا كان مُتديّناً ومُلتزماً إلتزاماً شرعيّاً مُنذ نعومة أظفاره.. أمّا سيّد قطب فلم يكن كذلك.
  • ● شخصيّة سيّد قُطب – كما مرّ – شخصيّة قَلِقة، ليست مُستقرّة، وهذا ما أظن أنّكم ستكتشفونه معي مِن خلال المُعطيات التي سأُوردها وأضعها على الطاولة بين أيديكم.. ومُرادي من الشخصيّة القلقة هي: الشخصيّةُ التي لا تملكُ وُضوحاً كاملاً في الرؤية.. وأكثرُ الناس هم كذلك.
  • أكثرُ الناس شخصيّتهم قلِقة لعدم امتلاكهم للوضوح في الرؤية.. ربّما يُوجد أناسٌ لا يمتلكون الوضوح في الرؤية ولكنّهم لا يُعانون مِن قلق الشخصيّة؛ لشيءٍ قد خدّرهم.. وفي الغالب هو: الصنميّة.. حينما يُصاب الإنسان بمرض (الصنميّة).
  • هناك صنميّة دينية، وهناك صنميّة مالية (اقتصاديّة)، وهناك صنميّة جنسيّة، فالصنميّة على أصناف..! فإذا ما أُصيبَ الإنسان بمرض الصنميّة في (الجوّ الديني، في الجوّ السياسي، في الجوّ الإجتماعي) فإنّ الصنميّة تُخدّره..!
  • — الناس عِبْر الأجيال يُعانون مِن هذه الصنميّة.. الصنميّة مُخدّرٌ يُخدّر الإنسان.. وهذا الذي عانتْ منه جماعة الأخوان المُسلمين، ونُعاني منه نحنُ أيضاً في الوسط الشيعي! فحينما تتوجّه الأنظار والعقول والقلوب إلى تصنيم شخصيّة ما، وبالتالي إلى الإعتقاد بعصمتها في عالم الحقيقة، لا في عالم الألفاظ (ربّما في عالم الألفاظ لو قُلت لشخص أنّك تعتقد بِعصمة فلان فإنّه يرفضُ ذلك.. أمّا في عالم الحقيقة، في عالم ترتيب الآثار والاتّباع فإنّه يعتقد بِعصمته وهذا هو التصنيم..).
  • لو كان معصوماً الأمر يختلف.. ولكن هذا الشخص شخصٌ ناقص كُلّه أخطاء.. مثلما كان حال أتباع حسن البنّا مع حسن البنّا..!
  • فهنا يتحوّل الدين فِعلاً إلى أُفيون، بل إلى ما هو أكثر مِن الأفيون.. إلى عمليّة تبنيج.. تُبنّج الأُمّة عندئذٍ إذا ما أُصيبتْ بداء الصنميّة!
  • ● كما قُلت الشخصيّة القلِقة هي الشخصيّة التي لا تملكُ وضوحاً في الرؤية، ولِذلك ما إن تلمح شيئاً يُرى ولو كان ضبابيّاً فإنّها تتمسّك بهِ إلى أبعد الحدود في هذه الجهة، وحِين تلمحُ شيئاً ضبابيّاً يُرى في جهة أخرى فإنّها تترك ما رأته قبلاً وتتمسّك بالآخر.. فهي مرّة في ذات اليمين وأخرى في ذات الشمال! وحينما تكون في ذات اليمين تتنقّل مِن هذه الزاوية إلى تلك الزاوية، وهكذا حينما تكون في ذات الشِمال تتنقّلُ مِن هذه الزاوية إلى تلك الزاوية، وحين تلتزم بزاوية مِن هذه الزوايا تقطعُ بأنّ الكمال والصواب والحكمة في هذهِ الزاوية، وبعد ذلك تتّضحُ لها رُؤيةٌ ضبابيّة أخرى في زاوية مُناقضة لتلك الزاوية، فتميل تلك الشخصيّة إلى تلك الزاوية المُناقضة وتُغالي في تلك الزاوية.. هذه هي الشخصيّة القلِقة.
  • وهذهِ المُشكلة مُشكلة عامّة، ولكن الناس لا يستشعرون بها لأنّهم مُبنّجون ببنج الصنميّة.. فحينما يُبنّجون بفايروس الصنميّة تكون القُدرة العقليّة مشلولة بالكامل.. ستتحرّك فقط في إطارٍ معيّن ولا تجرؤ أن تخرج عن هذا الإطار.
  • وهذا الإطار إمّا أن ترسمهُ المجموعة المُشتركة مع هذه الشخصيّة في التصنيم (يعني مجموعة كاملة تُصنّم شخصاً ما) وهذه الشخصيّة تشتركُ مع هذه المجموعة في عمليّة التصنيم.. فالمجموعة هنا تضعُ سوراً للمساحة التي تتحرّك فيها عقول أفراد المجموعة!
  • — أو إذا كان الأمر مُرتبط بشخصيّة مُعيّنة وتلك الشخصيّة تُحدّد سُوراً لهذا الفرد أو للمجموعة التي تُصنّم هذا الصنم.. تتحرّك عقولهم داخل هذا السور، ولا يستطيعون أن يتسلّقوا السُور لِيروا ما وراء هذا السُور..! هذهِ المُشكلة موجودةٌ في كلّ المجموعات الدينية، وموجودة في كُلّ المؤسّسات الدينية في العالم من أيّ دين كان.. لأنّ رجال الدين أُناسٌ عاديّون مثلي ومثْل الباقين مِن البشر.
  • نحنُ جميعاً بحسب الإنصاف والعدل: أخطاؤنا أكثر مِن صَوابنا، جهلنا أكثر مِن علمنا، مَعاصينا الدينية أكثر من طاعاتنا، غَفلتنا أكثر مِن انتباهنا، جهالتنا أكثر مِن حِكمتنا.. هذا في أحسن أحوالنا.
  • أمّا إذا ساءتْ الأحوال: فهناك جهلٌ مِن دون علم، وجهالة من دون حكمة، ومعصية من دون طاعة، وغفلة من دون تذكّر وانتباه.
  • رجالُ الدين في كُلّ الأمم هذا هو حالهم.. بل إنّ حال رجال الدين أسوأ مِن عامّة الناس، لأنّ مسؤوليّة رجال الدين أكثر، والحِساب معهم أشدّ.. ومع ذلك هم يتصرّفون إمّا كبقيّة أفراد المجتمع أو أسوأ، ولكنّهم يفرضون على الناس أنّهم جهة معصومة، جهة مُقدّسة، لا تُسأل..! وإنّما هُم الذين يَسألون. ويجعلون مِن أنفسُهم ميزاناً للتقييم وهم في أكثر الأحيان يفتقدون للمعرفة التامّة نسبياً، يفتقدون إلى الثقافة..!
  • ● في أجوائنا الدينيّة في الوسط (السُنّي أو الشيعي) الثقافةُ عند الكثير مِن رجال المُؤسّسة الدينية مَعدومة بالكامل.. وإذا كان البعضُ منهم يمتلك قِسطاً مِن الثقافة فهو قِسطٌ قليل.. وهذا هو السبب الذي جعل المُتديّنين في الوسط السُنّي وفي الوسط الشيعي في حالةِ انبهارٍ بسيّد قُطب.. فسيّد قُطب ما جاء مِن الوسط الديني، وإنّما جاء يحملُ ثقافةً مِن خارج الوسط الديني.. مع العلم أنّ ثقافته ما كانت بالمُستوى الأوّل وإنّما بالمُستوى الثاني.. ولكن لأنّ الساحة الدينية في الأجواء السُنيّة وفي الأجواء الشيعية إمّا أن تكون في كثيرٍ مِن جهاتها معدومة الثقافة، أو أنّ الثقافة فقيرةٌ وقليلةٌ فيها.. وقطعاً الأجواء السُنيّة في المِعيار الثقافي أكثر ثقافة مِن الأجواء الشيعيّة. طامّتنا في الجوّ الشيعي، أنّه لا تُوجد ثقافة في الوسط الديني..!
  • وهذا هو سببُ انبهار السُنّة والشيعة بسيّد قُطب، لأنّ الرجل كان يحملُ ثقافة وجاء بهذه الثقافة مِن خارج الوسط الديني.. أمّا الوسط الديني فلا يحملُ ثقافةً، وإنّما يحملُ معلومات هي بمثابة قوائم ثابتة مُشخصّة مِن قبل المؤسسة الدينية الرسميّة (عناوين ثابتة لا يستطيع أن يخرج عليها)
  • والوسط الديني الشيعي والسُنّي مضروبٌ بداء الصنميّة.. وهذه الحقائق ستتجلّى لكم شيئاً فشيئاً
  • مقطع فيديو 1: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]
  • ولُد سيّد قُطب في سنة 1906م في قرية موشا – كما مرّ – وعاش في أسرةٍ متموّلة، وعائلته منذُ صغره اهتمّوا بتعليمه، كان طفْلاً نابهاً وذكيّاً، وبسبب ما كان يتوفّر لهُ مِن مصروف ومن وضْع مالي مُريح، كان يشتري الكُتب، وكان مُحبّاً للقراءة والمُطالعة مُنذ صغره.
  • — الذين أرّخوا له حدّثونا بأنّه: كان هناك بائعٌ متجوّل اسمهُ: صالح، يأتي إلى هذه القرية يحملُ الكُتب المُتنوّعة التي يبيعها عادةً الباعةُ المُتجوّلون.
  • بائعٌ مُتجوّلٌ يبيعُ الكُتب في إحدى قُرى أسيوط.. فما عسى أن تكون الكُتب التي يحملها معه؟!
  • الكُتب التي يبيعها هي:
  • (سيرةُ أبي زيد الهلالي، وحكايةُ الزناتي خليفة، وقِصص ألف ليلة وليلة..) إلى قائمة طويلة مِن أمثال هذه الكُتب التي كان سيّد قُطب في طُفولته يشتريها ويأنس بها ويُطالعها.. وكُلّما جاء صالحٌ هذا (البائعُ المُتجوّل) كُلّما هرعَ إليه سيّد قُطب ليشتري منه ما يستطيع أن يشتريه.. وقد اشترى تقريباً أغلب الكُتب عند هذا البائع المتجوّل.
  • ● (حكايات شارلوك هُولمز، حكايات أرسين لوبين “الّلص الفرنسي النبيل”) وأمثال هذه الكُتب، وأمثال هذه الروايات الأدبيّة.
  • وهناك كُتبٌ لها خصوصيّة مُعيّنة عند هذا البائع المُتجوّل “صالح”.. مِن هذه الكُتب مثلما يُحدّثنا عادل حمودة في كتابه [سيّد قطب مِن القرية إلى المشنقة].. مِن هذه الكُتب التي حدّثنا عنها في كتابه هذا:
  • — كتاب أبي معشر الفلكي في التنجيم. (هو الكتاب المعروف بـ”الطوالع الحَدَسيّة للرجال والنساء” فهو كتابٌ في التنجيم.. في معرفة الحظّ، في معرفة عودة الغائب، في معرفة الوصول إلى الربح في التجارات وأمثال ذلك، فيما يرتبط بالزواج، ما يرتبط بعلاقات النساء والرجال.. وهي الأمور التي يبحث عنها الكثير مِن الناس).
  • — كتاب شمهورش في السِحر.. وهو كالكتاب الأوّل.
  • (وهذه الكُتب تُباع عادةً على الأرصفة عند الباعة المُتجوّلين)
  • ● وقفة عند كتاب [الشهيدان] لِصلاح شادي.. وهذا الكتاب يُعد مِن الكُتب التي تتبّناها جماعةُ الأخوان المُسلمين في تأريخ الشهيدين.. والمُراد مِن [الشهيدان] هنا، أي: حسن البنّا، وسيّد قطب.
  • ● جاء في صفحة 50، والمؤلّف هنا ينقل عن كتاب لسيّد قطب عنوانه: طفلٌ مِن القريّة (وهو كتابٌ للسيرة الذاتية، كتابٌ للمذكّرات.. فهو قد أرّخ سيّد قُطب نفسهُ بنفسهِ في هذا الكتاب).. فصلاح شادي ينقل لنا في كتابه هذه الّلقطة، فيقول:
  • (وكان في مكتبتهِ – أي مكتبة سيّد قُطب حينما كانَ صغيراً – كتابان: الأوّل لأبي مَعشر الفلكي، والثاني كتاب شمهورش – وهو كتابٌ في السِحر – ويتحدّث عن قصّة هذين الكتابين فيقول – أي سيّد قُطب -:
  • “تسامع نساءُ القرية وشبابها بالكتابين فأقبل الجميع على صاحبنا الصغير – يعني نفسه – إقبالاً مُنقطعَ النظير، وذلك لأسباب كثيرة، منها:
  • أنّه لا يتناول أجراً على الخَدَمات التي يقوم بها، ومنها: أنّه صبيٌ يدخل البيوت وتُقابِلهُ النسوة والفتيات بلا تحرّج..”
  • ثُمّ يستطرد فيقول:
  • “الحقّ أنّه كان يحسّ بنشوة عجيبة والطلبات تتوالى عليه، والأبواب جميعها تُفتّح له – يقصد أبواب الإحترام فيما بين النساء والرجال -، ولقد كان صغيراً لم تثر في نفسهِ نوازع الجنس بعد، وتربيته المنزلية تجعل في نفسه كثيراً مِن الحشمة والحياء حتّى لو ثارتْ بعض هذهِ النوازع، ولكن إحساسه بالجمال الحيّ – أي جمال النساء والفتيات -كان مُرهفاً، فكانت هذه الزيارات والمقابلات ومُعظم موضوعاتها يدور على الحبّ ودواعيه، ممّا يُغذّي فيه هذا الشعور الوليد الغامض ويُحبّب إليه هذه الزيارات والمقابلات التي يجدُ فيها لذّة غامضة عجيبة..”).
  • هذا كلام سيّد قُطب عن نفسهِ، بقلمه وهو في تمام وعيه.
  • علماً أنّه لا يتحدّث عن كُلّ الحقائق، فالذين يكتبون المُذكّرات والسِيرة الذاتيّة لا يتحدّثون عن كُلّ التفاصيل.. في الأعمّ الأغلب يُجمّلون سِيرتهم بقدر ما يتمكّنون.. وإنْ أرادوا أن يذكروا شيئاً مُخلّاً فلأجل أن يُشعروا القارىء بأنّهم صُرحاء صادقون في كِتابة هذه السِيرة.
  • — قول سيّد قطب (فأقبل الجميع على صاحبنا الصغير إقبالاً مُنقطعَ النظير) هو يبحثُ عن هذه القضيّة: يبحث عن التفرّد ومِنذ الطفولة..!
  • وإلّا ما علاقة سيّد قُطب بكتاب: أبي معشر الفلكي، أو كتاب شمهورش؟! وهذه الكُتب عادةً يستعملونها الذين يدّعون الخِبرة في أعمال السِحْر.. يستعملها المُشعوذون والمُشعبذون!
  • — قوله (أنّه لا يتناول أجراً على الخَدَمات التي يقوم بها) المُراد مِن الخدمات هي: الخدمات التي يقوم بها وفقاً لِما تطلبهُ النساء والشباب لوصول إلى مُرادهم (لِمعرفة الأبراج، لِمعرفة الحُظوظ، للإصلاح فيما بين المرأة وزوجها.. إلى غير ذلك مِن أمثال هذه الأمور التي جاءتْ مذكورةً في هذه الكُتب)
  • — قوله (أنّه صبيٌ يدخل البيوت وتُقابِلهُ النسوة والفتيات بلا تحرّج) صحيح أنّه صبي، ولكنّه لم يكنْ صبيّاً عادياً، كان على نباهةٍ وكان على ذكاء.. والنسوة والفتيات حِين يتعاملن معه ما كُنّ يعرفن مَدى نباهتهِ.. وأدلّ دليل على نباهتهِ أنّهُ يشتري كتاب: أبي معشر الفَلَكي، وهذا الكتاب التعامل معهُ يَحتاج إلى ذكاء وإلى خِبرة وإلى معرفة بالتفاصيل والرموز والمُصطلحات.. فإنّها تحتاج إلى وقتٍ طويل كي يستطيع الإنسان أن يتعامل معها.
  • — قولهِ (وتربيته المنزلية تجعل في نفسه كثيراً مِن الحشمة والحياء حتّى لو ثارتْ بعض هذهِ النوازع) هذا يعني أنّ هذه النوازع كانت موجودة، والنساءُ عادةً حينما يتحدّثون مع أشخاصٍ يتعاملون مع هذه الكُتب فلابُدّ أن تكشف المرأة أسرارها حتّى الجنسيّة (سواء كانتْ مُحلّلة أو مُحرّمة) ولِذلك أشار إلى قضيّة النوازع الجنسيّة.. فهل هذه الحالة حالةٌ طبيعيّة لصبيّ في هذا العُمر أن ينشأ في مِثل هذه الأجواء؟!
  • وبغضّ النظر عن هذه التفصيل.. ولكن هناك قضيّة واضحة، وهي:
  • صبيٌ يستعملُ هذهِ الكُتب مِن دون أن تكون له معرفة بهذا الموضوع، ولكنّه يستطيع أن يفكّ عباراتها ورموزها، والقضيّة تحتاج إلى نوع مِن الدهاء، وإلى نوع من الشيطنة التي تتناسب مع هذه الكُتب ومع هذه المعلومات.
  • ● هذا المعطى مِن المعطيات المهمّة جدّاً.. من هنا تتشكّل البدايات.. فالعِلم في الصِغر كالنقش في الحجر:
  • صبيٌ في بداياته يقرأ الروايات (قِصص ألفِ ليلة وليلة – وهي قصصٌ مُشْبعة بالوقائع الجنسيّة، وتكثرُ فيها الأشعار تصريحاً وتلميحاً بعلاقاتِ العِشق والغرام المُؤدّي إلى المُمارسات الجنسيّة) وكذا بقيّة الروايات الأدبيّة والحكايات الشعبيّة التي كان سيّد قُطب يشتريها.
  • هذا لا يعني أنّ قراءة هذه الكُتب كان شيئاً سيّئاً.. ولكن حينما يقرأ الإنسان هذا الّلون مِن الروايات وباستمرار (سِيرة أبي زيد الهلالي، وتغريبة بني هلال الكُبرى، بطولات عنترة العبسي، الزناتي خليفة، ألف ليلة وليلة.. وأمثال ذلك)
  • إذا كان الإنسان يُدمن على قراءة هذه الكُتب، فإنّ هذهِ الكُتب ستجعلهُ يعيش حالماً.. يعيشُ في واقعٍ غير الواقع الذي يحيا فيه حقيقةً.
  • — قراءةُ الحكايات والروايات أمرٌ حسن، ولكن الإدمان على قراءتها يصنع للإنسان عالماً وجوّاً ثانياً.. يُضاف إلى ذلك أنّها كُتب لا يعرف حقيقتها مِثل كتاب: أبي معشر الفلكي، وغيره من كُتب السِحر والتنجيم.. هو لا يعرف حقيقتها، ولكنّه يستطيع أن يقرأها، ويستطيع أن يتعامل معها وتنشأ لهُ هذهِ العلاقات مع النساء والفتيات والشُبّان.. وأكثر تلك الّلقاءات تدور حول الحُب ودواعيه.. فهل هذه التنشئة تنشئة طبيعيّة؟!
  • وبغضّ النظر عن هذه التنشئة.. هذهِ التفاصيل التي تحدّث عنها، عن ذلك الشعور الغامض والغامر، وعن تلك الّلذة، وعن هذا الإحساس بالتفرّد..
  • مِن هنا تبدأ الّلبنات الأولى لشخصيّة سيّد قُطب، وبعد ذلك نتدرّج في التفصيل والمعطيات الأخرى
  • مقطع فيديو2: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • مرّت الأيّام على هذا الحال، ثُمّ انتقل سيّد قُطب للعيش في مدينة القاهرة. (وقفة عند كتاب [سيّد قطب ناقداً] للدكتور أحمد محمّد البدوي)

  • يقول في صفحة 6 من الكتاب:
  • (ثُمّ جاءت النقلة المُؤثّرة في حياته بانتقاله إلى القاهرة ليلتحق بتجهيزيّة دار العلوم، ولِيدخل دار العلوم إلى أن ينال درجتها الجامعيّة.. فأقام مع خاله، وكان خاله على صِلة شخصيّة بالعقّاد، فقدّمه إليه، وتوثّقتْ الصِلةُ بين الرجلين: الأستاذ العقّاد وتلميذه سيّد قطب الطالب في المرحلة الثانوية الذي شرع في نشر أعماله – أي الأدبيّة – في الصُحُف والمجلّات التي يكتب فيها العقّاد، ومن بينها: صُحف حزب الوفد، ومُعظم ما ينشر مِن قصائد من نظمه، وهو من حيث الإنتماء وفديٌ، ومُجارٍ للعقّاد في علاقاته السياسيّة المُتشابكة مع الوفد وصُحفه..)
  • — قوله (وهو من حيث الإنتماء وفديٌ) الوفديون كانوا على خلافٍ مع الأخوان المسلمون، وكانوا على خلافٍ أيضاً مع البلاط الملكي، وإنّما تأتي بهم الانتخابات بخلاف رغبة البلاط الملكي.
  • — وبعد مرحلة الطفولة في قرية موشا، جاءت مرحلة الشباب في القاهرة.. وبحكم علاقة خاله – الذي كان سيّد قُطب يُقيم عنده في بيته – بحكم علاقة خال سيّد قطب مع عبّاس محمود العقّاد وبما كان يمتلكه سيّد قطب مِن ثقافة رغم صِغَر سِنّه، ومِن قُدرة أدبيّة (قدرة على نظم الشِعر، وقُدرة على الكتابة الأدبيّة) فكان خالهُ وسيطاً فيما بينه وبين العقّاد.. حيثُ صار سيّد قُطب مِن تلامذة العقّاد ومن السائرين على منهجه الأدبي والسياسي.. فالعقّاد كان على علاقة وثيقة بالوفديّين، وكذاك صار سيّد قطب، وكان ينشر ما يُنتجه من نتاج أدبي في الصُحف التابعة لحزب الوفد عن طريق علاقته بالعقّاد الذي كان يمتك علاقة ممتازة مع الوفديين.
  • ● في صفحة 8 من نفس الكتاب .. جاء فيها:
  • (لم تنحصر صلة سيد قطب بالعقّاد في نطاق الأدب، والصداقة الشخصية فحسب بل ضمّهما التوافق في مجال السياسة فنجد سيّد قطب الطالب يُزاول الكتابة في الصحف الوفدية التي يكتب فيها العقّاد، بمعنى أنّ العقّاد تولّى تقديم سيّد قطب وحرص على مُساندته، وعندما يقف سيّد قطب في رثاء سعد زغلول يتلبّث عند مشهد جنازة سعد، وتدلّ وقفته على انتماءٍ راسخ للوفد وولاء لبطل الأُمّة، وحين يختلف العقّاد مع الوفد ويبتعد قلمهُ عن صحافة الوفد وينتقل إلى صُحُف أخرى يتبعه سيّد قُطب ويحلّ حيثُ نزل أُستاذه..)
  • فسيّد قطب في شبابه لا علاقة لهُ بالأجواء الإسلاميّة.. فهو وفديٌ مِن الجهة السياسيّة، والوفديون لا علاقة لهم بالعمل الإسلامي وبالعمل الديني، وهو عقّاديٌ في الاتّجاه الأدبي، يُقلّد العقّاد في كُلّ صغيرة وكبيرة، والعقّاد ليس محسوباً على الاتّجاه الديني لا من قريب ولا من بعيد.. العقّاد ثقافته جُماعٌ ما بين الثقافة الشرقيّة والثقافة الغربية.. رجلٌ لهُ منهجه الأدبي المعروف، لا صِلة له بالاتجاهات الدينية!
  • — بل مَرّ الكلام مِن أنّه هو الذي طرح هذا الموضوع أنّ حسن البنّا مِن المغرب ومن اليهود.. فالاتّجاه الذي كان يسير فيه العقّاد اتّجاه بعيد عن الجهة الأخوانية وعن جهة حسن البنّا.. وكان سيّد قطب آنذاك في نفس هذا الاتّجاه، كان مُغالياً جدّاً في الالتزام بمنهج العقّاد وفي الدفاع عن العقّاد وعن منهجه، فحيثما كان العقّاد كان سيّد قطب (في الاتّجاه الأدبي، وفي الاتّجاه السياسي، وفي الاتّجاه الاجتماعي أيضاً..)
  • فحيثما حلّ العقّاد في عالم الأدب كان هُناك سيّد قطب، وحيثما حلّ العقّاد في عالم السياسة كان هناك سيّد قطب، وحيثما حلّ العقّاد في الوسط الاجتماعي كان هناك سيّد قُطب!
  • ولِذا لشدّة هذا الإلتزام من قبل سيّد قطب بمنهجيّة العقّاد كان العقّاد يهتمّ به كثيراً.
  • ● وقفة عند بعض الأبيات مِن قصيدة قالها سيّد قطب بمناسبة زواج الملك فاروق (يمدح فيها الملك فاروق).. الأبيات مذكورة في نفس هذا الكتاب [سيّد قُطب ناقداً] للدكتور أحمد البدوي.
  • وهنا آتيكم بصورة تُصدّق ما قُلته مِن أنّ سيّد قُطب مَرّةً يذهبُ إلى ذات اليمين، وأُخرى يذهبُ إلى ذات الشمال.. فهو وفديٌ متعصّبٌ للوفد حينما كان العقّاد مع الوفد، وحين ساءت علاقة العقّاد مع الوفد ساءتْ علاقة سيّد القطب مع الوفد.. فقد كان تابعاً للعقّاد!
  • — الوفديون لا يحتفظون بعلاقةٍ حسنة مع البلاط الملكي، فهم في حالة نُفْرة مع البلاط الملكي.. وسيّد قُطب هنا يمدح الملك فاروق – وهنا يلتقي مع حسن البنّا في مدح الملك فاروق – سيّد قطب مِن الأمور التي اقترحها على عبد الناصر والضبّاط الأحرار – كما سمّاهم حسن البنّا – اقترح أن يمنعوا كُلّ الفنّانين ويمنعوا كُلّ الأُدباء وكُلّ الشُعراء الذين مدحوا الملك فاروق أن يمنعوهم مِن ممارسة نشاطاتهم بعد ثورة يوليو..!
  • (علماً أنّ الذي سمّاها بهذه التسميّة “ثورة يوليو” هو سيّد قطب)
  • فسيّد قطب كان يقترح على عبد الناصر ومَن معه مِن الضبّاط الأحرار – كما يُسمّونهم – كان يُطالبهم بمنع الفنّانين والأدباء والشعراء مِن مُمارسة نشاطاتهم لأنّهم كانوا يكيلون المدح للملك فاروق.. مع أنّه حتّى هو نفسه نظم أبيات يكيل فيها المدح للملك فاروق في قصيدة كتبها بمُناسبة زواجه..!
  • ولكنّني كما قلت: سيّد قطب شخصيّة قلِقة، مرّةً تذهبُ إلى ذات اليمين، وبعد ذلك تذهب إلى ذات الشِمال.. وهذه القضيّة ستلحظونها على طول الخط! والدافع لها هو الوصول إلى التفرّد..!
  • هو كان يطمح أن يصير كالعقّاد، ولِذلك التصق بالعقّاد وضبط ساعته الأدبيّة والسيّاسية وفقاً لساعة العقّاد.. فحِين يتّجه العقّاد باتّجاه الوفد، فهو يذهب باتّجاه الوفد أيضاً.. وحِين يتّجه العقّاد باتّجاه آخر تاركا للوفد فإنّ سيّد قطب سيذهب بنفس اتّجاه العقّاد..! (وهذا نحوٌ مِن أنحاء الصنمية)
    وقد تحدّثت فيما سبق عن حالة الصنميّة، وأنّ الإنسان لا يشعر بحالة القلق حينما يكون مُصاباً بالصنميّة!
  • ● لم يكن سيّد قطب شاعراً مُبرّزاً.. كان شعرهُ مِن الدرجة الثانية أو الثالثة فيما بين الشُعراء.. أكثر شيء نجح فيه سيد قُطب في الجانب الأدبي هو في موضوع النقد الأدبي.. وإلّا فلم ينجح في عالم الرواية، ولم ينجح في عالم الشِعر.. وكذلك هو العقّاد، فالعقّاد نجح بشكلٍ واضح في عالم النقد الأدبي أكثر من سائر التخصّصات الأخرى.
  • ● أيضاً ممّا جاء في هذا الكتاب [سيّد قطب ناقداً] للدكتور أحمد محمّد البدوي.. في صفحة 8 يقول:
  • (ففي مجالٍ صدر في مجلّة الهلال – مجلّة مصريّة معروفة – وفي كتابٍ تحدّث سُليمان فيّاض الكاتب المصري الذي عقد صِلة صداقة شخصيّة وفِكريّة وهو في مُقتبل يفاعته مع سيّد قطب، أنّه سمع سيّد قطب يتحدّث في محاضرة بجامعة القاهرة عام 1954م – أي بعد انتمائهِ للأخوان المُسلمين – قائلاً: إنّه صار مُلحداً على مدى أحد عشر عاماً..)
  • ثُمّ يقول المؤلّف مُعلّقاً على هذا الموضوع:
  • (وممّا يعضدُ هذه المعلومة أنّ الكاتب الإسلامي الهندي أبا الحسن الندوي في كتابه: مُذكرات سائح في الشرق العربي روى خبر مقابلته لسيّد قطب في القاهرة عام 1951 – أي بعد عودته من أمريكا – وأنّه سمعه يقول له: أنّ العقّاد هو الذ أنقذه مِن الإلحاد)
  • هذا الكلام بهذا النصّ لم أجده في هذا الكتاب [مذكّرات سائح في الشرق العربي] لأبي الحسن الندوي.. لكن الموجود في كتاب [مذكّرات سائح في الشرق العربي] في صفحة 96 أنّ أبا الحسن الندوي يقول لسيّد قُطب:
  • (قلتُ: كان الأستاذ العقّاد يَخشى عليه – أي على سيّد قطب – أن يجنحَ إلى الشيوعيّة، كما فعل غيرهُ – مِن المثقّفين في ذلك العصر – فكيف جنح – سيّد قطب – إلى المُعسكر المعارض لها – أي إلى الشيوعيّة -؟
  • قال: هذا يرجعُ إلى سببين أوّلهما: أنّ في الشيوعيّة ضَغْطاً عَقليّاً وكبتْ الأفكار، وأنّها لا تسمحُ لحُريّة التأليف وإبداء الرأي وتُنكر القِيم الروحيّة.
  • والثاني: سُوء تمثيل بعض دُعاتها وأنصارها في مِصْر، فذلك الذي حال بينه وبين الشيوعيّة).
  • فمثلما جاء في هذه العبارات أنّ هذه القضيّة كانت معلومةً لدى الآخرين.. حتّى كانت معلومة عند هذا العالم الهندي (أبو الحسن الندوي) بحيث قال له: مِن أنّ العقّاد كان يخشى عليك أن تكون شيوعيّاً.. فلربّما كان المُراد مِن موضوع الإلحاد الذي تمّتْ الإشارة إليه في هذا الكتاب: [سيّد قطب ناقداً] هو إشارة إلى هذا المعنى وهذا المضمون..
  • ● أيضاً في نفس هذا الكتاب ينقل عن سيّد قُطب أنّه يقول:
  • (لا شك أنّي تلميذٌ مِن تلاميذ الأستاذ العقّاد في الأدب والأسلوب الأدبي، وله عليّ فضلٌ في العناية بالتفكير أكثر مِن الّلفظ وهو الذي صرفني عن تقليد المنفلوطي والرافعي – من أُدباء مصر – ولكن الذي وجّهني هذا التوجيه الذي هو أكثر مِن الأدب والنقد والمعاني الشعرية هو أنّ نفسي لم تزل مُتطلّعة إلى الروح وما يتّصلُ بها، وكُنت في صِغري مشغوفاً بقراءة أخبار الصالحين وكراماتهم، ولم تزل هذه العاطفة تنمو في نفسي مع الأيّام..)
  • إلى أن يقول: (ومن هنا عن عنيتُ بدراسة أشعار الشرقيين كطاهور وغيره – طاهور هو من أكبر شعراء الهند-)
  • مرّ الكلام في حلقة يوم أمس مِن أنّ سيّد قطب أُصولهُ هندية.. اهتمامهُ الكبير بِطاهور وأمثال طاهور مِن شعراء الهند، وتأثّره الكبير بالمَودودي (وهو من علماء الهند) لربّما بسبب الأصول الهنديّة في عائلته.
  • ● تلاحظون هذا التنقّل الواضح في حياة سيّد قُطب من بدايات الطفولة ومن عائلة ثريّة دينية، من كُتب الحكايات (أبو زيد الهلالي، الزناتي خليفة) إلى كتب السِحر (كتاب أبي معشر الفلكي.. وأمثاله) إلى الجلسات مع النساء والفتيات والشباب يُحدّثونه عن أسرارهم في العشق والغرام والجنس، إلى التلمذة عند العقّاد، إلى علاقته السياسيّة مع الوفد وغير الوفد، إلى مدح الملك فاروق، إلى خوضه غمار الإلحاد، إلى خوف العقّاد عليه مِن أن يكون شيوعيّاً، إلى رجوعه إلى الحالة الدينية بسبب جذور قديمة.. إلى تنقّلات وتحوّلات في سِيرة هذا الرجل وفي تفاصيل حياته حتّى وصل إلى النهاية المعروفة التي وصل إليها.
  • — بالمُجمل: سيّد قطب في هذه المرحلة (يُمكن أن نُسمّيها بالمرحلة الأدبيّة حينما كان يعيشُ في أجواء العقّاد) كان يبحث عن التفرّد والتسيّد.. ولكن السؤال هنا: هل كان سيّد قُطب مُبدعاً إبداعاً إلى الحدّ الذي يسمح لهُ أن يكون مُتفرّداً ومُتسيّداً في هذا المجال؟
  • حين نُلقي النظر على نتاجه الأدبي، كان نِتاجهُ متواضعاً إذا ما أردنا أن نقيسه بنتاج مُعاصريه (أمثال طه حسين، وأمثال أُستاذه العقّاد وأمثال آخرين)
  • ● وقفة عند كتاب [سيّد قطب سيرة التحوّلات] للمؤلّف حلمي النمنم.
  • في صفحة 74 وما بعدها، هناك مقارنة وتتبّع لِما كتبه وأنتجه سيّد قطب.. على سبيل المثال، ممّا جاء في هذا الكتاب فيما يرتبط بِمحاولة سيّد قُطب في تقليده للعقّاد ولطه حسين.
  • — العقّاد عنده رواية معروفة اسمها (سارة) وهذه الرواية ما كانت مِن الخيال، كانت تتحدّث عن حقيقة واقعة على الأرض (العقّاد يحكي قصّته مع حبيبته التي خانته) فسيّد قطب هو الآخر كتب رواية أدبيّة بعنوان: أشواك.. وهذا العنوان مأخوذ مِن القصّة التي كتبها وهي قِصّة حقيقيّة.
  • سيّد قطب كتب رواية وعنونها: أشواك.. وهذا العنوان مأخوذ من القصّة التي ذُكرت وهي قصّة حقيقيّة.. فإنّ سيّد قطب أحبّ فتاة وخطبها، وكان عازماً على الزواج منها، ولكنّها صارحته بماضيها بعلاقاتٍ سابقة فنفر منها سيّد قطب وتركها وهجرها.. والأشواك هذه التي عنون بها الرواية هي الأشواك التي نتجتْ من مُصارحتها له بماضٍ لها في سابق الأيّام. فسيّد قُطب هنا أيضاً حينما كتب رواية الأشواك فهو يُقلّد العقّاد في رواية (سارة).. ولكن قطعاً هناك فارق أدبي في المستوى الأدبي فيما بين رواية سارة للعقّاد، وبين رواية أشواك لسيّد قطب.
  • — العقّاد له كتاب [بين الكُتب والناس] في هذا الكتاب العقّاد استعرض مجموعة من الكُتب التي قرأها ونقدها وقيّمها، وأيضاً استعرض مجموعة من الشخصيّات الذين يعرفهم أو ممّن عاصروه مِن الشخصيات المعروفة.. وسيّد قُطب هو الآخر ألّف كتاب [كُتب وشخصيّات] وقد تناول أيضاً في هذا الكتب مجموعة من الكُتب بالعرض والتقييم وتحدّث عن مجموعة من الشخصيات ممّن له علاقة بهم أو ممّن عاصروه.. ولكن فارقٌ أيضاً في الحلاة الأدبيّة بين الكتابين.
  • ● طه حسين في كِتابه المعروف: الأيّام .. والذي مُثّل على مُستوى (السينما والدراما) كتاب مشهور وهو سيرةٌ ذاتيّة لطه حسين.. وقد لاقى رواجاً في الأوساط الأدبيّة في أيّام طه حسين وحتّى بعد رحيل طه حسين.
  • سيّد قطب أيضاً ألّف كتاباً في السيرة الذاتية طفلٌ من القرية. (وقطعاً هناك فارق كبير بين هاتين السِيرتين)
  • ● طه حسين أيضاً ألّف رواية معروفة (أحلام شهرزاد) استقى مضامينها مِن قصّة ألف ليلة وليلة.. أيضاً هرع سيّد قطب ليكتب رواية اسمها: المدينة المسحورة، وأيضاً مضمونها من قصّة ألف ليلة وليلة.. والأمر هكذا يجري.
  • فسيّد قطب كان باحثاً عن التفرّد، وباحثاً عن التسيّد، ولكنّه في المستوى الأدبي لم يكن في الدرجة الأولى، فلم يلقَ نجاحاً مثلما لاقى العقّاد وطه حسين.. هناك فارق كبير بين طه حسين وسيّد قطب.
  • سيّد قُطب كان يُحاول أن يُجاري هذهِ الشخصيّات الأدبيّة ولكنّه لم يستطعْ ولم ينجح.. ولكنّه نجح في الأجواء الإسلاميّة لضعف المُستوى الثقافي فيها..!
  • السُنّة انبهروا به، والشيعة انبهروا به لضعف بل ربّما انعدام المُستوى الثقافي في الأجواء السُنيّة والشيعيّة!
  • فسيّد قُطب صار إماماً وصار نابغةً لا يُشقُّ له غُبار لأنّه جاء مُحمّلاً بثقافة مِن الدرجة الثانية من خارج الأجواء الدينية.. فالأجواء الدينية أجواء خالية من الثقافة، معبّئة بمعلومات مُحنّطة رسميّة يسودها قانون الصنميّة وقانون التقليد الأعمى (التقليد لِمن سبق) فعلماء هذا القرن يُقلّدون العلماء الذين سبقوهم.. وهكذا.. وهذا تقليدٌ مركّب كالجهل المُركّب الذي يفتك برجال الدين في المؤسّسة الدينية السُنيّة والشيعيّة على حدّ سواء.
  • مقطع فيديو 3: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]
  • ● وقفة عند أبيات من قصيدة لسيّد قطب نشرها حينما كان في سان فرانسيسكوا.. في الولايات المتحدّة الأمريكيّة. ( والتي تعكس المستوى الشعري لسيّد قطب)… وحتّى قصائده الأخرى هي بنفس هذا المُستوى، وبنفس هذا الّلحن وهذه الدرجة.
  • فلا رواياته الأدبيّة (كرواية أشواك وغيرها) بتلك الدرجة العالية، ولا مُستواه الشِعري.. ربّما أبدع نوعاً ما في نقده الأدبي إلى حدّ ما.. وحينما نقرأ كتاباتهِ في النقد الأدبي تظهر لنا ظاهرة تتحدّث عن الحالة النفسيّة التي أشرتُ إليها.. فهو حينما يتناول نصّاً في النقد ويُريد أن يأتي بمثالٍ نموذجي لا عيب فيه يأتي بأشعاره، خلافاً للسيرة التي جرى عليها النُقّاد! فالنُقّاد عادةً يأتون بأمثلة من أشعار الشعراء المعروفين من الطراز الأوّل.
  • وكذلك حينما يتحدّث عن كتابٍ ويتناول ذلك الكتاب بالنقد، فإنّه يُقارنه بكُتبهِ التي ألّفها هو..! وهذا يكشف عن عُقدة نقصٍ، لا كما يُرقّعون لهُ مِن أنّ ذلك يكشف عن ثقة عالية بالنفس.. فالثقة العاليّة بالنفس تجعل الناقد يترك إنتاجه الأدبي للناقدين كي يُقيّموه، لا أن يُقيّم إنتاجه ويُعطيه السَبَق بالقياس إلى نتاج الآخرين!
  • ● وقفة أخرى عند كتاب [سيّد قطب ناقداً] لأحمد محمّد البدوي
  • يقول في الصفحة 6 والحديث عن سيّد قُطب:
  • (وأثناء دراسته في دار العلوم قدّم مُحاضرته التي طُبعتْ في كتاب [مُهمّة الشاعر في الحياة] وتُطلعُنا على مَوقفين: ولاؤه المُلتزم بمفاهيم نقد الشِعر عند العقّاد – ومرّ هذا الكلام – واعتزازه بنفسه حتّى لا يجدُ حرجاً في الاستشهاد بشعره الخاصّ في مقام الإستدلال، وفي ذلك إشادةٌ بالنفس وتزكيةٌ لها..). هذا شعور بالنقص.. فنُقّاد الأدب حينما يتناول نصّاً شِعريّاً أو نصّاً أدبيّاً أو كتاباً مِن الكُتب بالتحليل والتقييم والنقد لا يأتون بأشعارهم وبكتبهم نموذجاً للحالة المثالية الأدبية وإنّما يتناولون أشعار ونتاج الشعراء والأدباء الآخرين.
  • ● وقفة عند كتاب آخر لأحمد محمّد البدوي عنوانه [سيّد قطب].
  • قراءة سُطور مِن هذا الكتاب تحت عنوان: تزكية الشاعر لنفسه) يقول فيها:
  • (رأينا سيد قطب منذُ كتابه الأوّل [مُهمة الشاعر في الحياة] يحرص على التمثيل بشعره والانتصار لهُ تحت اسم: شاعر ناشئ، ولمّا جادل مندور – أديب مصري كان معاصراً لسيّد قطب – حول مسألة الشعر المَهموس ساق نموذجاً مِن نثرهِ، وسبق أن قال عنه زكريا إبراهيم – وهو أيضاً ناقد أدبي قال عن سيّد قطب – راح يثني على نفسهُ بكلمات يَعجبُ لها المرءُ عجباً يستنفذ كُلّ عجب، وفي كتابه النقد الأدبي يتحدّث عن المقالة والقصيدة والخاطرة، فيسوق نماذج مِن أعماله في معرض التمثيل للمقالة فيقول: يقول المؤلّف بعنوان: منهج الأدب الإسلامي، وحين يتكلّم عن البحث يقول: فهذا الكتاب مثلاً هو بحثٌ عن النقد الأدبي، أي أنّ نموذجه للبحث هو كتابه..)
  • وهكذا يستمرّ في كلامه، وكُلّ هذا يكشف عن أمرين:
  • الأمر الأول: شعور بالنقص، وشعور مِن أنّه لم ينلْ حقّه لأنّه يرى في نفسه أنّه الأفضل، لذلك هو يُريد أن يُعطي لنفسه حقّه من التفرّد والتسيّد!
  • الأمر الثاني: أنّ هذا يكشف عن نقصٍ في نتاجه الأدبي، وإلّا لَما جاء به واستدلّ به.. لأنّه يُريد أن يُبعد الإثارات التي يُثيرها الآخرون على نصوصه الأدبية.
  • مقطع فيديو 4: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]
  • لازال الحديث طويلاً.. هناك الكثير مِن المعطيات.. في هذه الحلقة وقفتُ عند طُفولة سيّد قطب حيث تشكّلت اللّبناتُ الأولى لشخصيّته.. ثُمّ انتقلتُ إلى مرحلة الشباب وهي المَرحلة الأدبيّة.. لم ينجح فيها سيّد قطب نجاحاً كاملاً، كان أديباً، كان شاعراً، كان ناقداً أدبيّاً، كان روائيّاً، ولكن ما بين الدرجة الثانية والثالثة، مع أنّه حاول أن يُقلّد عمالقة عصره في الأدب ولكنّه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
  • هذه التفاصيل وغيرها التي تأتي لابُدّ أن تجتمع جميعاً حتّى نصِل إلى النتيجة التي أشرتُ إليها في بداية الحديث: مِن أنّ شخصيّة سيدّ قطب شخصيّة قلِقة تسعى إلى التفرّد والتسيّد.. ولن تستطيع ذلك ما دامت في هذه الأجواء التي كانت فيها، لذلك هي تبحث عن جوّ تستطيع أن تتسيّد فيه وأن تتفرّد وقد وجدت ذلك في تلكم الجماعة المشؤومة (جماعة الأخوان المُسلمين) وقد زادها سيّد قطب شؤماً فوق شُؤمها، فعمّق ظاهرة الإرهاب والإجرام إضافة إلى ظاهرة النصب الشديد للعترة الطاهرة خُصوصاً لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢١ – عقيدة التوحيد ما بين مراجع الشيعة والعترة الطاهرة ج٢

يازهراء …