السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ١٤ – سيّد قطب ج٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 16 محرّم 1439هـ الموافق 7 / 10 / 2017م

  • حديثنا يتواصلُ في طرح المُعطيات والتفاصيل التي نحتاجها للوصول إلى تحليل شخصيّة سيّد قطب.

  • مرّ الكلامُ أولاً فيما يرتبطُ بشأن طُفولتهِ، وكان الحديث عن الّلبنات الأولى التي تشكّلت منها شخصيتهُ حينما كان في قرية (موشا).
  • ثُمّ انتقل الحديثُ إلى مَرحلة الشباب (المَرحلة الأدبيّة) حينما بدأتْ علاقتهُ تتوثّق بالعقّاد وما تفرّع عن علاقتهِ تلكَ مِن تحوّلات وتنقّلات.

  • هناك نتيجتان مرّ الحديث عنهما:

  • النتيجة الأولى: هي النتيجة النهائية والتي قُلتُ بأنّ هذه النتيجة أنتم تُقرّرون صَوابها أو عدم صوابها بالنسبة لكم، أمّا بالنسبة لي فهي واضحة.. وهي: أنّ شخصيّة سيّد قطب شخصيّة قلِقةٌ وليست مُستقرّة، تذهبُ ذات اليمين إلى أقصاه، ثُمّ تذهبُ ذات الشمال إلى أقصاه، والدوافعُ ليستْ رصينةً وليست أكيدةً وليست واضحةً هي التي تأخذه إلى هذهِ الجهة أو إلى تلك.. وهذهِ هي أبرز سِمات الشخصيّة القلقة.
  • النتيجة الثانية: سيّد قطب مُثقّف مِن الدرجة الثانية، وأديبٌ وشاعرٌ مِن الدرجة الثانية.. ونتاجه الأدبيّ يتردّد ما بين الدرجة الثانية والدرجة الثالثة.

  • بعد الطفولة والشباب (ولازلنا في مَرحلة الشباب).. انتقل سيّد قُطب إلى حالةٍ ثالثة حينما صار ماسونيّاً.. فسيّد قطب كان ماسونياً بامتياز!

  • نحنُ لا نملكُ تأريخاً دقيقاً متى انتمى سيّد قُطب للماسونيّة ومتى تَركها.. فهو صار ماسونيّاً وغالى في الماسونيّة كثيراً وهذا واضحٌ مِن كتاباته.. ولكن من خلالِ قرآئن: يبدو أنّه بقي في أجواء الماسونيّة لسنين طوال، وهذا ما يتّضح مِن خلال تتبّع تفاصيل حياته.

  • (مجّلة التاج المصري) هي المَجلّة الرسميّة الناطقةُ بإسم المَحفل الماسوني في القاهرة.. سيّد قُطب كان مِن كُتّابها ومِن مُحرّريها.. لم يكتب فيها مرّة واحدة، وإنّما كان يكتبُ في تلك المَجلّة لمرّات كثيرة. (عرض لصُورة مَجلّة التاج المِصري الماسونيّة مع وقفة قصيرة تَعريفيّة بها، وحديث عن المَقال الإفتتاحي فيها الذي كتبه سيّد قُطب تحت عنوان: لِماذا صِرتُ ما سونيّاً؟).

  • ● أهمّ ما يُحرّر في (مجلّة التاج المِصري) هو المَقال الافتتاحي.. وهذا المقال الافتتاحي لمرّات كثيرة كان سيّد قُطب يكتبه – ما دامت المجلّة تصدر لعدّة سنوات – وهذا المقال على وجه الخصوص (لِماذا صِرتُ ماسونيّاً؟) تمّ اختياره؛ لأنّ سيّد قُطب هنا يُصرّح تصريحاً علنيّاً ويُبيّن بياناً واضحاً مِن أنّه ماسونيٌ حتّى النُخاع. أمّا المَقالات الأخرى فتشتملُ على مَوضوعات مُختلفة.. وسنأتي على الحديث عن مَقالاتهِ الأخرى.
  • ● في نهاية المقال وقّع مقاله فقط بكلمة (سيّد) وهذا عُرفٌ كان موجوداً لكلّ الذين يكتبون المقال الافتتاحي لِمجلّة التاج المِصري.. هو إشعارٌ بالتواضع أمام هذه المُنظّمة المُقدّسة في نظر أتباعها.. فهم يُظهِرون التواضع دائماً، وإنْ كان سيّد قُطب حتّى في كُتب أُخرى مِن كُتبهِ ذكر اسمه فقط في الإهداء مثل كتاب [التصوير الفنّي في القرآن]، وكذلك كتاب [مشاهد القيامة في القرآن] وفي مواطن أُخرى.. ولكن كان معروفاً في هذه المجلّة (مجلّة التاج المِصري) أنّ مَن يكتب المَقال الافتتاحي فقط يذكر اسمه.. وهذا المقال هو مقالٌ لسيّد قُطب، يعرفهُ كُلّ المُطلّعين على تأريخ الماسونيّة في مِصر، ويعرفهُ كُلّ المُتتبّعين لتأريخ سيّد قُطب، لأنّ الرجل بقي ماسونيّاً لفترة زمنيّة طويل.

  • هناك قضيّة واضحة جدّاً، وهي: أنّ سيّد قُطب هاجم جميع الاتّجاهات، ولكنّه لم يُهاجم الماسونيّة حتّى آخر عُمره! فقط أشار إليها بسطر واحد وفي حاشيّة كتابٍ من كُتبه. هاجم جميع الاتّجاهات خُصوصاً حينما بدأ يتوجّه بنحوٍ شديد في الاتّجاه الإسلامي.. الماسونيّة هي الجهة الوحيدة التي لم يُهاجمها سيّد قُطب في كُتبه! لربّما كان يخجلُ مِن نفسهِ أو يخجلُ مِن الآخرين.. أو ربّما ما كان يُريد أن يُثير هذا الأمر على نفسه من أن يُقال له: أنّك كُنت ماسونيّاً لمدّة زمنيّة طويلة، وكُنت تقول عن الماسونيّة ما تقول.

  • وقفة عند مقال سيّد قُطب الذي يحمل عنوان (لِماذا صرت ماسونياً) الذي كتبه في مجلّة “التاج المصري” العدد 787 الصادر يوم الجمعة 23 أبريل عام 1943م.. مقالٌ طرحَ فيه السؤال على نفسه وحاول الإجابة.. جاء في هذا المقال:

  • (كثيراً ما تمرُّ على المرء سُويعات يحلو لهُ فيها أن يخلوَ إلى نفسه، إمّا مُسترسلاً في الذكرى أو تائهاً في بيداء الفِكْر، ﻻ يكادُ يبدأ مِن ناحية ما حتّى ينتهي إلى أخرى، وهكذا دواليك يظلُّ مُتجوّﻻً بفِكْره بين جنباتِ الماضي، مُتطلّعاً إلى ميادين المُستقبل، فإمّا حسرةٌ وأسىً على ما ولّى وانقضى، وإمّا ابتسامةُ رضىً وقنوع بما فات وانصرم، ويلتقي هذا وذاك مع نظرةٍ إلى المُستقبل الغامض فيها أملٌ ورجاء لكن دون إسرافٍ أو مُبالغة.
  • كان ذلك مُنذُ أيّام حِين تَجاذبتني هذهِ العوامل، وغَمرتني لُجّة تلكَ اﻷحاسيس، فكان أوّل سُؤال قفزَ أمام عيني، وتجسّم حتّى طغى على مَن دونه ذلك السؤال هو: “لماذا صرتُ ماسونيا؟” حاولتُ مِن هذا السؤال خَلاصاً بل مِن هذا اﻷمر فِكاكاً، إذْ لستُ ابنَ بجدتها ولستُ فارسَ ذلك الميدان، ولكن ذَهبتْ مُحاوﻻتي أدراجَ الرياح، فتوقفتُ لحظةً بل لحظات حتّى نسيتُ نفسي ونسيتُ أنّ هناكَ إجابةً مُعلّقة عليّ أن أؤديها، ثُمّ لم ألبثْ حتّى عَجبتُ مِن أمر نفسي وساءلتها: لم هذهِ الحيرة وهذا التردّد؟ فأجابتني:
  • السُؤال سهلٌ وميسور، والجواب مِن القلب للقلب، فعرفتُ عندئذ أنّي صرتُ ماسونيّاً ﻷنّني أحسستُ أنّ الماسونيّة بلسمٌ لجراح اﻹنسانية، طرقتُ أبوابَ الماسونيّة ﻷُغذي الرُوح الظَمأى بالمزيد مِن الفَلسفة والحِكمة، وﻷقتبسَ مِن النور شُعلةً بل شُعلات تُضيءُ لي طريق الحياة المُظلم، وﻷستمدّ قوّةً أحطّم بها ما في الطريق مِن عراقيل وأشواك، ثُم ّلكي أكون مُجاهداً مع المجاهدين – أي مع الماسونيين – وعاملاً مع العاملين.
  • لقد صرتُ ماسونيّاً ﻷنّني كنتُ ماسونيّاً – أي بالفطرة – ، ولكن في حاجةٍ إلى صَقلٍ وتَهذيب، فاخترتُ هذا الطريق السوي، ﻷتركَ ليد البناية الحرّة – هذا عنوان للمُنظّمة الماسونيّة – مُهمّة التهذيب والصَقل، فنعمتْ اليد، ونِعْمَ البنّاؤون اﻷحرار. عرفتُ أنّ الماسونيّة ليستْ مبدءاً أو مذهباً يُعتنق، وإنّما هي الرجولة واﻹنسانية التي تدفع باﻹنسان إلى عمل الخير دُون وازع، إلّا وازعٌ مِن وجدانه وضميره، هي روحٌ عاليةٌ نبيلة تسمو باﻹنسان عن الصغائر وتُنزهه عن التُرّهات والسفاسف، هي المَثلُ اﻷعلى لكلّ مَن يَنشد كماﻻً أو يبغي رفعة ومجداً، هي الفضيلة التي تنطوي على أسمى المعاني وأشرف المقاصد وأنبلها، هي مبدأ الكمال ومُنتهاه.
  • ليس الماسوني مَن أُجريت لهُ المراسيم بذلك – أي المراسيم التي تُجرى في المَحفل لِمَن يُنتخب كي يكون في جُملة أعضائها- واكتسبَ هذه الصفة في هذا الطريق، وإنّما الماسوني مَن يعمل ولكن في صَمتٍ دُون ضجّة أو إعلان، هو مَن يفتح قلبهُ للجميع، يتساوى لديه في ذلك الصغير والكبير، هو من يُواسي ذلكَ الذي تجهّم لهُ الدهر وعبس، ويمدُّ يده لِمَن تنكّب له الزمان وقسا، هو مَن يذرفُ الدمع على البُؤس والبؤساء، ويبكي على اﻷشقياء والشقاء، هو مَن يعمل الواجب ﻷنّه واجب، والخير لدواعي الخير، دون أن يبغي من وراء ذلك جزاء أو يطمح لنيل مطمح، هو مَن ليس له حق، وإنّما عليه واجب.
  • الماسونية هي الوحدةُ التي تجمعُ بين مُختلف اﻷديان، وﻻ تعرفُ للتحزّب معنىً، ولن تجد لكلمة التعصّب مكاناً في شَرعها، هي التعويذةُ السحريّة التي تؤلف بين القلوب جميعها في أقصى الشرق أو أدنى الغرب، هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الجميع – الصغير منهم والكبير – أن يتصافحوا مُصافحة اﻷخ ﻷخيه، ويجلسوا جنباً إلى جنب، دُون نظرٍ إلى فارق اجتماعي أو مركز أدبي، وﻻ غَرو في ذلك، إذ أنّ دَعائمها وأُسسها مُشيّدة على الحريّة واﻹخاء والمساواة، فما أعظمها دعائم، وما أقواها من أسس، وما أبذلها من مبادئ .
  • وأخيراً لقد اطمأنّ قلبي بعض الشيء، وهدأتْ نفسي عن ذي قبل، وارتاح ضميري، ولكنّني مازلتُ أشعر ﻷنّي مازلتُ المُقصّر المُذنب في حقّ أنبل وأسمى مبدأ إنساني واجتماعي، ولكن عُذري في ذلك واضحٌ ملموس مازلت في مبدأ الطريق، وسأترك للأيّام واﻷيام وحدها أن تُحقّق أمنيتي، فأُنعِمَ بأداء الواجب كاملاً غير منقوص – أي الواجب الماسوني -، ولعليّ أكون بهذا قد أرضيت نفسي، فعرفتُ لماذا صرتُ ماسونيّاً… الإمضاء: سيّد)
  • ● سيّد قُطب ليس ماسونيّاً فقط، بل هو مِن نُخبة كبار الماسون.. بحسب تصريح مجلّة التاج المصري، حيثُ كُتب تحت عنوانها هذه العبارة: “يشتركُ في تحريرها نُخبةٌ مِن كبار الماسون”..!
  • وسيّد قُطب هو الذي يكتبُ المقالات الافتتاحيّة في هذهِ المجلّة.. وقد عنون مَقاله هذا بهذا العنوان الصريح: “لماذا صِرتُ ماسونيّاً..؟”
  • ● كلام سيّد قطب في مَقالهِ هذا يُبيّن أنّه كان ماسونيّاً قبل تأريخ هذا العدد مِن المجلّة يعني قبل عام 1943.. وهذا شيءٌ طبيعي، لأنّه إذا كانت هذه المجلّة يُحرّرها نُخبةٌ مِن كبار الماسون، فها هو يُحرّر المقال الإفتتاحي في هذه المجلّة.. ثُمّ يُعنوّن مَقاله بهذا العنوان: “لماذا صِرتُ ماسونيّاً..؟” يعني هو يتحدّث عن شيءٍ وقع في الماضي.. فهو صار ماسونيّاً قبل هذا التأريخ 1943م.
  • ● لاحظوا المُغالاة والتقديس في مقال سيّد قُطب في مدحهِ للماسونيّة، حين يقول عنها مثلاً: “ﻷنّني أحسستُ أنّ الماسونيّة بلسمٌ لجراح اﻹنسانية”.. أو حين يقول عن الماسونيّة: “هي الفضيلة التي تنطوي على أسمى المعاني وأشرف المقاصد وأنبلها، هي مبدأ الكمال ومُنتهاه”..!
  • هذه طبيعةُ سيّد قُطب حين يتمسّك بناحية مِن النواحي، أو بفكرةٍ من الأفكار.. وهذا حالهُ على طول الخط..!
  • فهل يكون هذا الشخص مأموناً كي يكون مصدراً لِفهم الدين أو أخذ التشريع منه؟!
  • ● لاحظوا سيّد قطب حِين يقول في مَقالهِ هذا: (طرقتُ أبوابَ الماسونيّة ﻷُغذي الرُوح الظَمأى بالمزيد مِن الفَلسفة والحِكمة) لأنّنا سنجدهُ حينما يتوجّه توجّهاً إسلاميّاً يكفرُ بالفلسفةِ بكلّ أشكالها..!

  • وقفة عند كتاب [سيّد قطب سيرة التحوّلات] للأستاذ حلمي النمنم.

  • في صفحة 64 وما بعدها يستعرضُ المؤلّف جانباً مِن المقالات الأخرى التي كتبها سيّد قُطب في (مَجلّة التاج المصري) الماسونيّة التي يشترك في تحريرها نُخبة من رجال الماسون.
  • (وقفة عند أمثلة وشواهد مِن مقالاتٍ أُخرى كتبها سيّد قطب في هذهِ المجلّة وقراءة مُقتطفات منها.. مِن هذه المقالات مقال كتبه بعد انتصار القوّات الإنكليزيّة في معركة العَلَمين على قوّات رُومل الألمانية، وكان يُشيد في مقاله بالقوّات الإنكليزيّة)
  • مقطع فيديو 1: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • بين الحالة القلِقة، وما بين الرغبة في التفرّد والتسيّد، وما بين الرُؤية الضبابية.. فلأجل الخلاص مِن كُلّ هذه الخلطة غير المُتجانسة ليس هناك مِن علاج إلّا الغُلو والمُغالاة في الجهة التي نحا وتحرّك باتّجاهها.. وهذا الأمر يتكرّر على طول الخط في سِيرة سيّد قُطب.. وكُلّ هذه المُعطيات التي مرّت الإشارة إليها في زمن الطفولة، في زمن الشباب، ثُمّ بعد ذلك حِين ارتبط بالماسونيّة وصار نجماً بحيث يكتب المقالات الافتتاحيّة لِمجلّة التاج المِصري.

  • قد يقول قائل:
  • هذه القضيّة لا تُطرحُ كثيراً؛ لأنّ ماكينة الدعاية عند هذه الجماعة المشؤومة (جماعة الأخوان المُسلمين) استطاعت أن تُغطّي على هذا الأمر.. وهو الآخر (أي سيّد قطب) لم يتحدّث عن هذا الموضوع.
  • أمّا على أرض الواقع، وفي منطق الحقائق والوثائق، فهذه القضيّة معروفةٌ للمُطّلعين على التأريخ الثقافي، وعلى تأريخ سيّد قُطب بشكلٍ خاص، وعلى تأريخ الماسونيّة في مِصر.. ولازالت هذه المجلّة بنُسخها الأصليّة موجودة في المكتبات التي تَجمع الكُتب والمجلّات القديمة.. فالقضيّة واضحة جداً؛ ولِذا فإنّ كُتب الأخوان التي كتبوها عن سيّد قُطب لن تجدوا فيها كتاباً واحداً ناقش هذهِ القضيّة ونفى الماسونيّة عن سيّد قُطب.
  • ● الذي يبدو للمُتتبّع أنّ سيّد قطب فترتهُ الماسونيّة كانت طويلة.. ولم يكن قد تخلّص مِن الفكر الماسوني ومِن العلاقة بالماسونيّة إلّا في فترة مُتأخرّة حينما انغمس كثيراً في الاتّجاه الإسلامي.
  • القرائن كُلّها تشهد أنّ سيّد قُطب إلى سنة 1948 لم ينفصل تماماً عن الماسونيّة، إلى أن ذهب إلى الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ورجع سنة 1950.. وبدأ ينغمسُ شيئاً فشيئاً بالجوّ الإسلامي، وتتوثّق علاقته شيئاً فشيئاً وتتأكّد مع جماعة الأخوان المُسلمين.
  • سيّد قُطب إلى هذا التأريخ لم يكن مُتديّناً، وأعني بهذه العبارة أي لم يكن مُلتزماً بمذهبٍ مِن المذاهب الفقهية، ولم يكن مُلتزماً بالتشريعات الدينية.. فقط كتب في الثقافة الدينية والإسلامية، وتلك الفترة توجّه الكثير مِن الأُدباء والكُتّاب في مصر نحو الثقافة الإسلاميّة، وسيّد قطب كان مُقلّداً للعقّاد.. فإنّ العقّاد في المقطع الثاني من حياته الثقافيّة والأدبيّة توجّه إلى الفكر الإسلامي.. وهذا هو أحد الأسباب التي أدّت بسيّد قطب إلى أن يكتب في الاتّجاه الإسلامي. فهو قد كتب في الاتّجاه الإسلامي حينما كان ماسونيّاً.. وكتابه [التصوير الفنّي في القرآن] كتبهُ حينما كان يعتنقُ الماسونيّة، وكتابه [مشاهد القيامة في القرآن] كتبهُ حينما كان يعتنقُ الماسونيّة.. والطامّة الكُبرى:
  • أنّ مِن مراجعنا الكرام مَن يُوصي خُطباء المِنبر بأن يحفظوا هذا الكتاب ويُلقوه ليليّاً على الناس في أيّام محرّم وغير أيّام محرّم.. وهو لا يعلم أنّ هذا الكتاب كتبهُ سيّد قُطب حينما كان ماسونيّاً..! (وسأطرحُ لكم هذا الأمر بالوثائق..)

  • وقفة عند كتاب [الإخوان المُسلمون أحداثٌ صنعتْ التأريخ – رؤية من الداخل: ج1] وهو كتاب يتألّف مِن 3 أجزاء للمؤلّف محمود عبد الحليم، وهو من أعضاء الهيئة التأسيسيّة (مِن رموزهم وقياداتهم)

  • هذا الكتاب تُقدّمه جماعة الأخوان المُسلمين تأريخاً رسمياً لها.. ولِذا كتب المُقدّمة لِهذا الكتاب المُرشد العام للأخوان المُسلمين: مُصطفى مشهور.
  • ● تحت عنوان الماسونيّة، جاء فيه وهو يتحدّث عن أهداف الماسونيّة، يقول:
  • (فأهدافُها المُعلنة هي: أنّهم يُريدون إيجاد أُخوّة عالميّة تذوب في غِمارها فوارق العقيدة والقوميّة والوطنيّة، وهذا الهدف يبدو للرجل الخالي الذهن القليل التجارب هدفاً إنسانيًا رائعًا تهفو إليه النفوس وتتهافت عليه القلوب.. إنها إخوة إنسانية رفيعة. ولكن هاك حقيقة هذا الهدف:
  • إنّ خطورةَ هذا الهدف إنّما تكمنُ في نصفه الأخير الذي يقول: تذوب في غمارها فوارقُ العقيدة والقوميّة والوطنيّة
  • فالإسلامُ إنّما جاء وهدفهُ هو إيجادُ أخوّة عالمية {يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} ولكن إذابةُ العقيدة والقوميّة والوطنيّة هي بمثابة الديناميت لهذا الهدف كمن يبني صرحًا شامخًا ويضعُ في أساسه ديناميتًا يكفي لنسفهِ ونسف ما حوله من صروح.. وتوضيحًا لذلك أضرب المثل التالي
  • إذا كُنت ماسونيًا مُسلمًا فأخوّتك العالميّة هذهِ تقتضيك أن تُفضّل أخاك في الماسونيّة ولو كان غير مُسلم أو كان مُلحدًا على إخوتك في الإسلام.
  • إذا كُنت ماسونيًا مصريًا فأخوّتك العالميّة هذه تقتضيك أن تفضّل أخاك في الماسونيّة ولو كان غير مِصري علي إخوانك في الوطنيّة..)
  • ● هذا الكلام الذي يذكره مُؤلّف الكتاب محمود عبد الحليم عن الماسونيّة قد يكون صادقاً في هذا الكلام، باعتبار أنّ جماعة الأخوان المُسلمين لم تكن على علاقة مُباشرة بالماسونيّة.. ولكن إذا كُنّا والواقع: فهناك تأثّر واضح بالفكر الماسوني في بُنيّة جماعة الأخوان المُسلمين، والسبب : حسن البنّا.
  • فكرة (إسلام بلا مذاهب) هذه الفكرة التي بُنيت على قاعدةٍ ما أنزل الله بها مِن سُلطان وإنّما ابتدعها أُستاذ حسن البنّا وهو “رشيد رضا”.. ما سُمّيتْ بقاعدة المنار الذهبيّة – ومرّ الحديثُ عنها – مِن أنّنا نتعاون على ما نتّفقُ عليه، ويعذرُ بعضُنا بعضاً فيما نختلفُ فيه..
  • هذه القاعدة يُمكن أن تُقبَل في ضوء العلاقات الإجتماعيّة، في ضوء الأعراف العشائريّة، فيما بين زُملاء في العمل.. ولا يُمكن أن تجري في الجانب العقائدي (وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع). وفكرُ حسن البنّا مبنيٌ على هذه القواعد التي تستند إلى فكر ماسوني!
  • مقطع فيديو 2: فاصل درامي آخر مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • وقفة أخرى أيضاً عند كتاب [الإخوان المُسلمون أحداثٌ صنعتْ التأريخ – رؤية من الداخل: ج1] لمحمود عبد الحليم.

  • في صفحة 211 المُؤلّف يوثّق مسألةً مِن المسائل، وهي معروفة عند الذين يعرفون تأريخ سيّد قُطب فهي تطبيقٌ مِن تطبيقات الماسونيّة.. ممّا جاء فيه – وهذا الكلام كان في أيّام حسن البنّا – يقول:
  • (وقد قرأتُ في ذلك الوقت في جريدة الأهرام مقالاً لسيد قطب يدعو فيه دعوة صريحة إلى (العري التام)، وأن يعيش الناس عَرايا كما ولدتهم أمهاتهم، وكانت هذه البدعة قد انتشرت في بعض بلاد أوربا، وقد أثارني هذا المقال إثارة لم أستطع معها أن أقاوم القلم الذي وجد في العقل والمنطق والخُلُق والحياء ألف دليل ودليل يدحض هذه الدعوة، ويُثبتُ أنّها دعوةٌ تخريبيّة بهيميةٌ دخيلة..)
  • ويستمرّ في حديثه ويقول:
  • (حملتُ المقال الذي كتبتهُ وذهبت إلى الأستاذ المُرشد – حسن البنّا – كدأبي في كلّ مقالٍ أكتبهُ في غير مَجلّتنا، وكنتُ مُزمعاً نَشرهُ في الأهرام مُطالباً إيّاه بنشرهِ في نفس المكان الذي نُشرَ فيه المَقال المَردود عليه، قرأه الأستاذ المرشد ثم اطرق طويلاً على غير ما عوّدني..) الكلام طويل موجود في صفحة 212، 213.
  • حسن البنّا يقول لِمحمود عبد الحليم: اترك هذا الموضوع، واترك نشر الردّ على سيّد قُطب، فلربّما يُسبّب هذا انتشار ما ذكره سيّد قُطب أكثر وأكثر.
  • إلى أن يقول:
  • (وهذا الكاتب شابٌ، وتركُ الفُرصة أمامهُ للرجوع إلى الحقّ خيرٌ مِن إحراجه، وما يُدريك لعلّ هذا الشاب يفيق من غفلته ويفيء إلى الصواب، ويكون مِمّن تنتفعُ الدعوة بجهوده في يومٍ من الأيّام..) وهنا يعدّ المؤلّف هذا الكلام كرامةً ونبوءةً لحسن البنّا..!
  • ● هل فعلاً كان سيّد قُطب يدعو إلى التعرّي، ويدعو الناس إلى أن يكونوا عُراة؟!
  • محمود عبد الحليم ذكر الواقعة، ولكنّه لم ينقل لنا نصّ كلام سيّد قُطب.. أمّا حِلمي النمنم في كتابه [سيّد قُطب سيرة التحوّلات] في صفحة 182 ذكر لنا نفس كلام سيّد قُطب، فقال حلمي النمنم:
  • (كان سيّد قطب دائما كاتبا مُحافظاً، والمقال لِمَن يُقرؤه يجد أنّه يأسف لأنّ المصايف كانتْ خاوية ذلك الصيف من المُصيّفين، وتعرّض في المقال إلى أنّ ارتداء المايوه على الشاطىء ليس مُثيراً للشهوات كما يتصوّر البعض.. يقول سيّد قُطب:
  • إن الذين يتصوّرون العُري على الشاطىء في صُورته البشعة الحيوانية المُخيفة جِدُّ واهمين، وهم إمّا لم يذهبوا إلى الشاطىء، ولكن قرأوا أو رأوا الصُور منشورةً في الصُحُف، وإمّا ذهبوا وفي نيّتهم أن ينتقدوا، فعاشوا في هذه الصُورة الخياليّة المُشوّهة في أذهانهم، ولم يعيشوا على الشاطئ والأمواج.
  • إنّ صورةَ واحدةٍ عارية ممّا يُنشَرُ في الصحف، أفتنُ مِن شاطئ كامل يموجُ بالعاريات، لأنّ الصُورة المُصغّرة تُثيرُ الخيال، الذي يأخذ في تكبيرها والتطلّع إلى ما وراءها مِن حقيقة، وهذا هو الخطر. أما الجسم العاري نفسه فليس فيه ما يثير الخيال، لأنّه واضح مكشوف).
  • ● مضمون كلام سيّد قُطب هو: أنّه يقول في وقتٍ كانت الشواطىء خالية مِن المُصيّفين العُراة.. تحت عنوان: “خواطر مُصيّف – الشواطىء الميّتة” في وقتٍ مِن الأوقات لم يكن هُناك مُصيّفون. وكان هناك جدلٌ في أنّ الذين يتعرّون مِن الرجال والنساء على الشواطىء يُسبّبون الفساد والإفساد في المُجتمع. طبعاً الكلام يُمكن أن يُناقش، ولكن بالنسبة لِمحمود عبد الحليم فإنّه لم يفهم كلام سيّد قُطب.. وأنا أقول:
  • لو كان حسن البنّا صاحب نُبوءة وصاحب كرامة ومُعجزة لنبّه محمود عبد الحليم إلى أنّ سيّد قُطب لا يدعو إلى العُري والتعرّي هنا، وإنّما يُدافع عن حالة التعرّي عند الشاطىء، بغضّ النظر هل أنّنا نتّفق مع سيّد قُطب أم نختلف معه.. فأيّ كرامةٍ هذه التي تكون مبنيّة على كلامٍ ليس صحيحاً بالأساس؟!
  • — أنا أقول: لا كلام محمود عبد الحليم دقيق، ولا كلام حلمي النمنم دقيق.. محمود عبد الحليم قال: أنّ سيّد قُطب دعا إلى التعرّي والعُري.
  • وحلمي النمنم يردّ على محمود عبد الحليم فيقول: أنّ سيّد قُطب كان دائماً كاتباً مُحافظاً.. وإنّما حاول أن يُبيّن مِن أنّ مسألة التعرّي بِحدود الملابس التي تُلبس عند الشواطىء لا تُثير الفساد والإفساد.. لكن القضيّة في تصوّري أبعد مِن ذلك، فما قالهُ سيّد قُطب هو انعكاس لِفكره الماسوني، فالماسونيّة تدعو لذلك.
  • أنا لا أقول أنّ الماسونيّة تدعو إلى التعرّي التام، وإنّما الماسونيّة تدعو إلى الحُريّة المُطلقة للجميع.. فإيماناً مِن سيّد قُطب بالحُريّة الماسونيّة المُطلقة للجميع فهو هنا يُدافع عن هذه الظاهرة الموجودة على الشواطىء.
  • — بغضّ النظر عن كلام محمود عبد الحليم، وبغضّ النظر عن كلام حلمي النمنم، فإنّ سيّد قُطب هنا يتحرّك في ضوء عقيدتهِ الماسونيّة.
  • وفي نفس هذا الاتّجاه يُحدّثنا عادل حمّودة في كتابه [سيّد قُطب مِن القرية إلى المشنقة] في صفحة 58 وهو ينقلُ كلاماً ذكرهُ سُليمان فيّاض في مقال في مجلّة الهلال في العدد الصادر في سبتمبر 1986 – وسُليمان فيّاض هو صديق قريب جدّاً مِن سيّد قطب – يقوم عادل حمّودة بِمُقارنة بين ما كان عليه في بداية أمره: ناقداً أدبيّاً، وبين تبنّيهِ لِفكرة الحاكميّة والجاهليّة حينما توجّه اتّجاهاً إسلاميّاً.. فيقول تحت عنوان: “سيّد قُطب بين النقد الأدبي، وجاهليّة القرن العشرين”، يقول: (نفس الموقف اتخذه سيد قطب من الفنون بما في ذلك فن الطرب الذي كان مُتحمّساً لهُ ومُعجباً به إلى حدّ أن وصف أُمّ كلثوم ومحمّد عبد الوهّاب بأنّهما مِن الظواهر الكونيّة التي لا تتكرّر..!)
  • وهذا هو نفس الذوق الماسوني.. كُلّ هذه الملامح هي ملامح ماسونيّة بامتياز.. وكما قُلت: بأنّ الماسونيّة في أجواء المُثقّفين المِصريين كانت بوجهها الناعم المُضيء النهاري، لا بِوجهها الخفي المُوحش المُظلم.
  • ● أوّل كتاب قد يُشكّل علامةً لتوغّل سيّد قُطب في الفكر الإسلامي هو كتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام]، ولكن ليس إلى حدّ بعيد.
  • سيّد قُطب كتب [التصوير الفنّي في القرآن]، وكتاب [مشاهد القيامة في القرآن] وهي مِن كُتب الجوّ الإسلامي وترتبط في جهة النقد الأدبي والتصوير الأدبي.. لكن أوّل كتاب يُمكن أن يكون رسميّاً هو كتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام]
  • هناك مَن تتبّع طبعات هذا الكتاب.. تحدّث عن الشيوعيّة.. وكان مألوفاً في ذلك حينما يتحدّثون عن الشيوعيّة يربطونها بالماسونيّة، ولكن سيّد قُطب لم يتحدّث عن الماسونيّة إطلاقاً في هذا الكتاب!
  • هذا الكتاب – بحسب سيّد قُطب – صدر سنة 1949.. لهُ طبعات عديدة.. في طبعة 1964 – وفي هذه الفترة سيّد قُطب كان قد دخل عميقاً في جماعة الأخوان المُسلمين – في هذه الطبعة (أي عام 1964) أحدث فيها تغييرات، وأضاف حاشيّة صغيرة أشار فيها إلى الماسونيّة.. وهذه هي الكلمة الوحيدة لسيّد قُطب في مؤلّفاته الكثيرة التي أشار فيها إلى الماسونيّة مع أنّها كانت ظاهرة واضحة في مِصر وفي الثقافة العالميّة آنذاك.
  • — يقول سيّد قُطب في صفحة 11 من كتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام]:
  • (ومن هنا كان العداء الجاهر الصريح بين الشيوعيّة والدين..) ووضع إشارة هنا، وكتب في الحاشية: (لا ينبغي أن ننسى مع ذلك أنّ الشيوعيّة مؤسّسة يهوديّة كالماسونيّة، وأنّ أُولى ركائز الخطّة اليهوديّة في تدمير العالم غير اليهودي هو سلبُ الدين منه وإبعاده عن هذا المقوّم الأساسي في الحياة)
  • فقط شبّه الشيوعيّة بالماسونيّة.. فقط تشبيه.. ولم يتحدّث عن الماسونيّة لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد مع أنّه كان قُطباً مِن أقطابهم، ومُفكّراً مِن مُفكّريهم، وكاتباً مِن كُتّابهم!
  • مقطع فيديو 3: فاصل درامي آخر مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • تمّ الحديث عن هذه المراحل مِن حياة سيّد قُطب: (الطفولة، الشباب “المرحلة الأدبيّة”، “الماسونيّة”..) ووصلنا إلى المرحلة الرابعة وهي: “الإنكفاء إلى الأجواء الإسلاميّة”

  • فبعد الطفولة كان الحديث في المرحلة الأدبيّة أو في الالتصاق بالعقّاد وما يرتبط بذلك المقطع مِن حياة سيّد قُطب من تفاصيل مرّت الإشارة إليها.. ثُمّ الماسونيّة والتي طال مكوث سيّد قُطب فيها قياساً باتّجاهات أخرى تبنّاها.
  • ● حدث في تلك الفترة في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات استمراراً إلى الخمسينات، حدث نزوعٌ في الأجواء الثقافيّة والأدبيّة عند المِصريين (وحتّى خارج مِصر) .. نزوعٌ نحو الإسلام.. ولا أتحدّث هنا عن التديّن، وإنّما نزوع ثقافي فِكري نحو الإسلام.
  • على سبيل المِثال (عبّاس محمود العقّاد) أستاذ سيّد قُطب.. أديب معروف، ثقافته شرقيّة غربيّة.. كتاباته الأولى لا علاقة لها بالأجواء الإسلاميّة، ولكن بعد ذلك نحا في الشطر الثاني مِن عمره الثقافي نحا نحو الإسلام، فكتب كتابات وألّف مؤلّفات في الأجواء الإسلاميّة.. ومن تلك الكُتب التي ألّفها مجموعة كُتب عُرفتْ بالعبقريات.
  • ● طه حسين أيضاً.. فقد كان طه حسين بالأساس أزهرياً، ثُمّ بعد ذلك ابتعد عن الأزهر كثيراً، وذهب إلى فرنسا، وتزوّج زوجة فرنسيّة وجاءت معه وعاشتْ في مِصر، وبقيتْ معه إلى أن مات طه حسين، وماتت هي أيضاً في مِصر.
  • طه حسين أيضاً في بداياته لم يكن يكتب ويُؤلّف في الأجواء الإسلاميّة، ولكن بعد ذلك اتّجه في كتاباته نحو الإسلام، كما في كتابه [الفتنة الكبرى] وكتب أخرى.. ولربّما من أشهر الكُتب التي كُتبتْ في ذلك الوقت وثار حولها جدل في الوسط الشيعي وفي الوسط السُنّي أيضاً: كتاب [محمّد] لِمحمّد حسين هيكل وهو شاعر وأديب وكاتب مِصري تُوفيّ في الخمسينات.
  • — علماً أنّ الحديث لا يقف عند هذه الأسماء، ولكن هذه الأسماء كانت بارزة جدّاً.. فهم لم يكتبوا كتابة دينية، لم يتوجّهوا توجّهاً دينيّاً.. هذه الرموز مثل (العقّاد، وطه حسين، ومحمّد حسين هيكل) وغيرهم.. هؤلاء لم يتديّنوا في حياتهم، وإنّما كتبوا كتابات تنحى بالاتّجاه الإسلامي.. فيها مزيج من التأريخ الإسلامي، ومزيج من أدب المُسلمين، ومزيج من بعض المعاني والأفكار والمفاهيم القرآنية.. هذه كانت ظاهرة واضحة جدّاً.
  • ● مع هذه الموجة، سيّد قطب كعادته يركب الموجة الموجودة بين يديه، مع أنّه كان يعيشُ عيشاً تامّاً في أجواء الماسونيّة.. فهو ما بين صدمات الحياة التي صدمته مثلما صُدِم بِحبّه لتلك الفتاة التي أراد أن يتزوّج منها، ومثلما صُدِم بخيبة أمل في أن يكون في الصفّ الأوّل في الجوّ الأدبي.. ومثلما ومثلما..
  • ركب أيضاً موجة الماسون وكتب في مجلّاتهم وقدّسهم إلى أبعد حدود التقديس، وكلماته شاهدة على ذلك.. ركب أيضاً موجة الانكفاء إلى الثقافة الإسلاميّة، وأوّل ما كتب – وكان ماسونيّاً آنذاك – كتب كتابه [التصوير الفنّي في القرآن] هذا أوّل كتاب نحا فيه باتّجاه الثقافة الإسلامية في عموم الجوّ الإسلامي.. فكتاب [التصوير الفنّي في القرآن] هو كتاب أدبي، لا علاقة له بالتديّن.. لكنّه في جوّ الثقافة الإسلاميّة.
  • هو يقول في مُقدّمة الكتاب صفحة 9 يقول:
  • (وخطر لي أن أعرض للناس بعض النماذج ممّا أجده في القرآن مِن صور – أي صور أدبيّة – ففعلت، ونشرت بحثًا في مجلة المقتطف عام 1939 تحت عنوان: “التصوّر الفنّي في القرآن”..) إلى أن يقول:
  • (إلى أن شاء الله أن أتوفّر عليه بعد خمسة أعوام كاملة من نشر البحث الأوّل في مجلّة المُقتطف..) وكتب هذا الكتاب.
  • يعني هذا الكتاب تمّ في سنة 1944 وآنذاك كان سيّد قُطب في أجوائه الماسونيّة.
  • — بعد هذا الكتاب سنة 1947 – ولازال سيّد قُطب في أجوائه الماسونيّة – ألّف سيّد قُطب كتابه باتّجاه الثقافة الإسلاميّة “مشاهد القيامة في القرآن”.. جاء في مُقدّمة هذا الكتاب:
  • (هذا هو الكتاب الثاني في مكتبة القرآن الجديدة التي صحّ عزمي على إنشائها بعون الله، كان الكتاب الأوّل “التصوير الفنّي في القرآن” الذي صدر في مثل هذا اليوم مُنذ عامين..) وفي نهاية الكتاب يضعُ تأريخاً : 31 ديسمبر سنة 1947م
  • — هذا الكتاب أيضاً كتبه سيّد قُطب وهو لا يزال يرفل في آثار الفكر الماسوني.. هذه بدايات كتاباته حين انكفأ نحو الثقافة الإسلاميّة مثلما حدث لغيره من بقيّة الأُدباء والكُتّاب والمُفكّرين والمُثقّفين في مصر وفي باقي البُلدان العربية.
  • مقطع فيديو 4: فاصل درامي آخر مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • وقفة عند كتاب [العدالة الإجتماعيّة في الإسلام] لسيّد قُطب.. هذا الكتاب في تأريخ سيّد قُطب يُعتبر نُقطة مِفصليّة على المُستوى الأدبي والفِكري، وعلى مُستوى التوجّه.. أترك الحديث عن هذه النقطة المِفصليّة لحلقة يوم غد.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…