السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ١٦ – سيّد قطب ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الإثنين 18 محرّم 1439هـ الموافق 9 / 10 / 2017م

  • لازال حديثنا يتوالى فيما يرتبطُ بشخصيّة سيّد قُطب.. مرّ الحديثُ في مرحلة الطفولة، مرحلة الشباب التي أسميتُها (المرحلة الأدبيّة)، مرحلة الماسونيّة، ثُمّ مرحلة الإنكفاء إلى أجواء الثقافة الإسلاميّة.

  • وصل الحديثُ بنا إلى كتاب سيّد قطب [العدالة الإجتماعية في الإسلام] والذي يُشكّل نقطةً واضحة في تأريخ مُؤلّفاته؛ لأنّه قد يُمثّل الخطوةَ الأوضح في توجّهه نحو الثقافة الإسلامية.

  • وصلَ الكلام بنا إلى النقطة (3) وهي: أنّه حِين صدرَ هذا الكتاب [العدالة الإجتماعية في الإسلام] اتُّهِم سيّد قُطب بالتشيّع..! والذين اتّهموهُ بذلك هُم الأزهريون.. هناك في الأزهر مَن يُعارض جماعة الأخوان المُسلمين على طول الخط، مُنذ الأيّام الأولى لهذه الجماعة وإلى يومنا هذا.

  • وهناك أيضاً من يُتابع ما يصدرُ مِن كتب ومؤلّفات تتناولُ موضوعات لها صِلة بالثقافة الإسلاميّة.. فقِيل بأنّ سيّد قُطب تأثّر بالتشيّع، ونقل الفِكر الشيعي في كتابه هذا [كتاب العدالة الإجتماعية في الإسلام].. ولا صِحّة لهذا الكلام على الإطلاق.
  • سيّد قُطب كان أديباً مُثّقفاً بثقافةٍ عربيّة أدبيّة في المستوى العام، ممزوجةٍ بثقافة غربيّة.. وأضاف إليها ثقافته وفكره الماسوني، بسبب انتمائه الشديد والصريح وعلاقته الوثيقة بالماسونيّة، كما ظهر ذلك مِن كتاباته في مجلّة “التاج المصري” الماسونيّة.

  • لماذا اتّهم سيّد قطب بالتشيّع بسبب هذا الكتاب؟!

  • الجواب: مثلما بيّنتُ في الحلقتين الماضيتين مِن أنّ انكفاء الأدباء والمُثقّفين والمُفكّرين المِصريين وغيرهم باتّجاه الثقافة الإسلاميّة في الوقت الذي صدر فيه هذا الكتاب وأمثاله، لم يكن التوجّه دينياً، وإنّما كان التوجّه نحو عُموميات الثقافة الإسلامية.
  • فسيّد قُطب حين ألّف كتابه الأوّل في أجواء الثقافة الإسلامية [التصوير الفنّي في القران] ما كان مُتديّناً.. وحين ألّف كتابه الثاني [مشاهد القيامة في القرآن] وحين ألّف وكتب [العدالة الإجتماعية في الإسلام] ما كان سيّد قُطب متديّناً.. وإنّما توجّه إلى أجواء الثقافة الإسلامية، وأخذ يكتبُ ويُفكّر في هذا الاتّجاه مِن دون أيّ التزام ديني.. بعبارة أخرى:
  • سيّد قطب كان يفكّر بالطريقة العادية الطبيعيّة للإنسان.. فهو لم يتلبّس بالقوالب الدينية، ولذلك المُتديّنون في الأزهر وفي غير الأزهر رأوا أنّ كتابة سيّد قُطب كتابةً شيعيّة؛ لأنّ سيّد قُطب وهو يتحدّث عن العدالة الإجتماعيّة في الإسلام لابدّ أن يمرّ على التأريخ الإسلامي، ولابُدّ أن يتصفّح تأريخ خُلفاء المُسلمين وتأريخ حُكّام المُسلمين.
  • فحين تصفّح التأريخ قيّم الأحداث والوقائع بشكل عادي طبيعي، مِن دون القَوالب الدينيّة التي يلتزم بها المُتديّنون السُنّة.
  • ● بشكل عام المؤسّسات الدينيّة بسبب مرض الصنميّة أحدثتْ شلّلاً للعقول.. وسيّد قُطب حينما كان يكتبُ كتابه [العدالة الإجتماعية في الإسلام] ما كان يُعاني مِن شلل العقل بسبب الصنميّة الدينيّة، فهو قرأ كُتب التأريخ، وقرأ كُتب السِيَر، وقيّمها بالتقييم الفطري الطبيعي الغريزي لأيّ إنسان، بعيداً عن شلل العقل الذي يأتي بسبب مرض الصنميّة الذي يُصاب به المُتديّنون!
  • ● في الجوّ السُنّي، هناك عمليّة شلل للعقل بخصوص الصحابة، مثلما عندنا في الجوّ الشيعي عمليّةُ شللٍ للعقل بخصوص مراجع الشيعة وزُعماء الشيعة. مراجع الشيعة وعلماؤهم يُفسّق بعضهم بعضاً، وقَتل بعضهم بعضاً، والحوادث موجودة في الكُتب والمصادر.. والصحابة فعلوا ذلك أيضاً ولكن الشيعة في الواقع العملي يتعاملون مع المراجع على أنّهم معصومين لا يُخطئون، والسُنّة يتعاملون مع الصحابة بالمِثل أيضاً..! فالسُنّة يُعطّلون عقولهم عند الصحابة، والشيعة يُعطّلون عقولهم عند المراجع!
  • السُنّة يُسيئون إلى رسول الله وإلى أهل بيته، ولكن حينما يكون الحديث عن الصحابة يختلف الأمر.. وكذلك الشيعة أيضاً يُسيئون إلى النبيّ وإلى أهل بيته (وكُتب علماء الشيعة مشحونة بِمثل هذه النقائص، وقد عرضتُ الكثير منها في برامج سابقة) في حين أنّهم – أي الشيعة – لا يقبلون النقد للعلماء وتشخيص أخطائهم!
  • — فسيّد قُطب لم يكن حينما ألّف هذا الكتاب [العدالة الإجتماعية في الإسلام] لم يكن مُصاباً بالصنميّة السُنيّة، وإنّما قيّم الأمور بشكل طبيعي تلقائي، لذلك حكم بشكلٍ مُنصف على مُعاوية، وحكم بشكلٍ مُنصف على عثمان، وحكم بشكلٍ مُنصف على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وهذا خلاف للعقل المشلول بسبب الصنميّة للصحابة في الواقع السُنّي.
  • ● العقل السُنّي محكومٌ بهذه القاعدة وبهذا المنطق الإستحماري:
  • (أن سيّدنا معاوية رضي الله عنه وأرضاه قتل سيّدنا حِجر بن عدي رضي الله عنه وأرضاه، لأنّه كان على دين سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه).. هذا هو المنطق الذي يحكم العقل السُنّي!!
  • فهل هذا المنطق ينسجم مع القرآن؟! هل ينسجم مع سُورة التوبة؟! هل أنّ القرآن يُساوي بين القاتل والمقتول؟!
  • — سُورة التوبة حتّى في الثقافة السُنيّة، تُسمّى بالسورة الفاضحة لأنّها فضحت الصحابة! وقد تحدّثتْ هذه السُورة كثيراً عن فضائح الصحابة.
  • ● نأخذُ مثالاً.. في المنطق السُنّي:
  • — أبو بكر ابن أبي قُحافة لا يُقاس بأبي سُفيان.. مع أنّ أبا سُفيان هو مِن الصحابة الأجلّاء عندهم، ولكن رُغم ذلك لا يُقاس أبو سفيان بمنزلة ابن أبي قُحافة.
  • — ابنةُ أبي بكر بن أبي قُحافة “عائشة” زوجة النبي، وابنةُ أبي سُفيان “أم حبيبة” زوجة النبي أيضاً.. ولكن رُغم ذلك في الثقافة السُنيّة لا يُوجد وجه مُقايسة بين مَنزلة “عائشة”، وبين منزلة “أم حبيبة”.
  • — مُعاوية شقيق “أم حبيبة”، ومحمّد بن أبي بكر هو شقيق “عائشة”.. ومُعاوية كان يُقاتل رسول الله “صلّى الله عليه وآله” وهو مِن الطُلقاء، دخل الإسلام رغم أنفهِ مثلما دخل أبوه وأمّه الإسلام.. ومعاوية هو الذي دعا عليه رسول الله أن لا يشبع، ومُعاوية هو الذي لعنه رسول الله، وهو الذي قال عنه رسول الله: إذا رأيتموه على منبري فاقتلوه. (وهذه الروايات موجودة في كُتبهم).
  • أمّا محمّد بن أبي بكر فقد وُلد في الإسلام، وليس كمُعاوية الذي حارب رسول الله ودخل في الإسلام رغم أنفه.. فلماذا صار مُعاوية خالاً للمُؤمنين؟ ولم يصرْ محمّد بن أبي بكر خالاً للمؤمنين؟!
  • أليس محمّد بن أبي بكر هو ابنُ أبي بكر، وهو أخٌ لعائشة التي لها ما لها من المنزلة في الثقافة السُنيّة.. بينما مُعاوية بن أبي سُفيان هو أخٌ لأمّ حبيبة التي ليستْ لها تلك المنزلة العالية كعائشة في الثقافة السُنيّة.. فلماذا صار مُعاوية هو خالُ المؤمنين؟! لِماذا لم يُصبح محمّد بن أبي بكر خال المؤمنين؟!
    بل إنّ هناك في الجوّ السُنّي مَن يلعن محمّد بن أبي بكر؛ لاعتقادهم بأنّه شارك في قتل عثمان بن عفّان..! (فهذا المنطق منطقٌ أعوج وليس سليم).

  • وقفة عند مثال (علمي وعملي) وقد أشرتُ إليه في الحلقات المُتقدّمة:

  • ● في سورة التوبة في الآية 40 (آية الغار): {ثانيَ اثنين إذ هُما في الغار إذ يقولُ لصاحبهِ لا تحزن إنّ الله مَعَنا..}.
  • والحديث هنا عن النبي وعن أبي بكر بن أبي قُحافة. فأبو بكر صاحبُ رسول الله بحسب مِيزان القرآن، كما في هذه الآية.
  • — بينما في سُورة آل عمران الآية 61 (آية المُباهلة) يقول القرآن: {فقُلْ تعالوا ندعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكُم وأنفُسنا وأنفُسكُم}
  • أنفسنا هنا يعني عليٌ.. فليس مِن المنطقي أنّ رسول الله يدعو نفسه.. وفي كتب التأريخ حتّى علماء السُنّة يعلمون أنّ الآية في فاطمة وفي الحسن والحُسين وفي عليّ.. فالقرآن هنا عبّر عن عليّ بهذا التعبير (وأنفُسنا) فهو نفسُ رسول الله، وصاحب رسول الله قطعاً.
  • — فكيف يُمكن أن تصحّ المُقارنة بين رجلٍ يُقال لهُ صاحب رسول الله، وبين رجلٍ يُقال له نفسُ رسول الله..؟
  • حينما يختلفان: عليٌ وأبو بكر.. فمَن نتبّع بِحسب المنطق والعقل؟ هل نتبّع شخصاً منزلتهُ أنّه صاحبُ رسول الله؟ أم نتّبع شخصاً منزلته أنّه نفسُ رسول الله؟
  • في المنطق السُنّي يتّبعون صاحب رسول الله..!! أمّا في المنطق الاعتيادي بعيداً عن الصنميّة وبعيداً عن التحجّر الفكري وعن الشلل العقلي الآتي مِن مَرض الصنميّة سيقول القائل: أنّنا نتّبع نفس رسول الله، فهو قطعاً مُقدّمٌ على صاحب رسول الله.

  • وقفة عند مقطع مِن حديث طويل في [صحيح مُسلم] الحديث يشتمل على مُحاورة بينَ عُمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب والعبّاس بن عبد المُطلّب.. أذكر لكم منها موطن الحاجة.. يقول عمر لأمير المؤمنين وللعبّاس بن عبد المُطلّب:

  • (فلمّا تُوفي رسول الله، قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله: ما نورَث ما تركناهُ صدقة، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم إنّه لصادقٌ بارٌ راشدٌ تابعٌ للحق، ثمّ توفي أبو بكر وأنا وليّ رسول الله ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم إنّي لصادقٌ بارٌ راشد تابع للحق..)
  • فهذا الحديث يشتمل على تقييم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب لأبي بكرٍ ولعُمر.. (وأمير المؤمنين هو نفسُ رسول الله)
  • وكذلك الحديث يشتمل على تقييم عُمر لأبي بكر وتقييمه لنفسه أيضاً.. وعُمر هو صاحبُ رسول الله وليس نفسه.. فبأيّ تقييم نأخذ؟
  • حتّى لو فرضنا (جدلاً) أنّ تقييم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب تقييمٌ خاطىء.. فنحنُ هُنا نُريد أن نُحكّم المنطق بعيداً عن الصنميّة وعن التحجّر العقلي: هل المنطق يحكم باتّباع شخصٍ هو صاحبُ رسول الله؟ أم نتبّع شخصاً هو نفسُ رسول الله؟!
  • — علماً أنّ نفس هذه الرواية التي أوردها مُسلم في صحيحه أوردها البُخاري أيضاً في صحيحه في باب الخمس.. ولكن البُخاري معروف بالتدليس وبتقطيع الروايات. (فالروايات التي هي في فضل عليّ وآل عليّ يُقطّعها إلى أبعد حدّ.. وكذلك الروايات التي تكشف معايب الصحابة خُصوصاً الكبار منهم يُقطّعها أيضاً لطمس الحقائق).
  • إضافة إلى أنّ البُخاري كان شديد العداء لآل مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”؛ فلهذا صارَ كتاب البخاري عند المؤسّسة الدينيّة السُنيّة هُو المُقدّم!
  • فالعقل السُنيّ يُفكّر بهذه الطريقة العَوجاء، ومِن هنا حكموا على سيّد قُطب بأنّه تشيّع.. والحال أنّ سيّد قُطب لم يكن عارفاً بالثقافة الدينيّة السُنيّة حتّى يكون عارفاً بالثقافة الدينيّة الشيعيّة، وإنّما تعامل مع المُعطيات التي وجدها في كُتب التأريخ بشكل منطقي مُنصف.
  • ● المُشكلة أنّ السُنّة هُم يعترضون علينا مِن أنّنا نقول بعِصمة عدد مُعيّن مِن المعصومين، والحال أنّهم يقولون بعِصمة آلاف مُؤلّفة مِن الصحابة..!
  • الفارق هو: أنّنا نُصرّح لفظاً بعصمة (عليّ وفاطمة وأبناءهما المعصومين) أمّا هم فلا يُصرّحون بالألفاظ، ولكنّهم عَمليّاً يلتزمون الاعتقاد والقول بعصمتهم.. فقط حينما يكون البحث للجدال وللنقاش يقولون لفظاً: نحن لا نقول بعصمة الصحابة، ولكن على أرض الواقع هم يقولون بعصمتهم!
  • مقطع فيديو 1: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • وقفة عند كتاب [العدالة الإجتماعيّة في القرآن] لسيّد قُطب.. سأقرأ عليكم سطور مُختارة ممّا جاء في كتابه والتي على أساسها أُثيرت ملابسات حول هذا الكتاب، وحكموا على سيّد قُطب بأنّه نقل الفكر الشيعي في كتابه هذا..!

  • ● في صفحة 126 فصل عنوانه: من الواقع التأريخي في الإسلام.. يقول:
  • (كان معاوية بعد أخذ البيعة ليزيد في الشام قد كلّف سعيد بن العاص أن يحتالَ لإقناع أهل الحجاز فعجز، فسار معاويةُ إلى مكّة ومعهُ الجُند والمال، ودعا وجهاء المُسلمين فقال لهم:
  • قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمّكم، وأردتُ أن تُقدّموا يزيد بإسم الخلافة، وتكونوا أنتم تعزلون وتأمرون وتجبون المال وتقسّمونه، فأجاب عبد الله بن الزُبير مُخيّراً بين أن يصنعَ كما صنع رسول الله إذْ لم يستخلف أحداً، أو كما صنعَ أبو بكر إذ عهِد إلى رجلٍ ليس من بني أبيه، أو كما صنع عُمر إذْ جعل الأمر شُورى في ستّة نفر، ليس فيهم أحدٌ مِن ولده ولا من بني أبيه، فاستشاط مُعاوية غَضَباً وهو يقول: هل عندك غير هذا؟ قال: لا. والتفت معاوية إلى الآخرين يسألهم: فأنتم؟ قالوا: على ما قال ابنُ الزبير. فقال يتوعّدهم:
  • أعذر من أنذر.. إنّي كُنت أخطب فيكم، فيقوم إليّ القائمُ منكم فيكذّبني على رُؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإنّي قائمٌ بمقالةٍ فأقسمُ بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجعُ إليه كلمةٌ غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يٌبقين رجل إلّا على نفسه.
  • فأمّا الذي كان بعد ذلك فهو أن أقام صاحب حرس معاوية رجلين، على رأس كلّ وجيه مِن وجهاء الحجاز المعارضين، وقد قال له معاوية: إنْ ذهب رجل منهم يرد على كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباهُ بسيفهما – حتّى لو قال بكلمةٍ موافقة ! –
  • ثم رقي المنبر فقال: هؤلاء الرهط سادةُ المسلمين وخيارهم، لا يُبرم أمرٌ دونهم ولا يُقضى إلّا على مشورتهم. وإنّهم قد رضوا وبايعوا يزيد، فبايعوه على اسم الله. فبايع الناس..)
  • ● ويستمر سيّد قُطب مُعلّقاً، فيقول:
  • (على هذا الأساس الذي لا يعترفُ به الإسلام البتّة قام ملْكُ يزيد. فمن هو يزيد؟ هو الذي يقول فيه عبد الله بن حنظلة: “والله ما خرجنا على يزيد حتّى خِفنا أن نُرمى بالحِجارة من السماء. إنّ رجلاً ينكحُ الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحدٌ مِن الناس لأبليتُ الله فيه بلاء حسناً”.
  • فإذا كانت هذهِ مقالة خصم ليزيد، فإنّ تصرّفات يزيد العمليّة الواقعيّة فيما بعد مِن قتلٍ للحسين -رضي الله عنه – على ذلك النحو الشنيع، إلى حصار البيت ورميه… إلخ.. تشهد بأنّ خصوم يزيد لم يبالغوا كثيراً فيما قالوه !
  • وأياً ما كان الأمر فإنّ أحداً لا يجرؤ على الزعم بأنّ يزيد كان أصلح المسلمين للخلافة وفيهم الصحابة والتابعون. إنّما كانت مسألة وراثة الملك في البيت الأموي. وكان هذا الاتّجاه طعنةً نافذة في قلب الإسلام، ونظام الإسلام، واتّجاه الإسلام..)
  • — هذا التعليق الذي علّق به سيّد قطب، هذا كلام منطقي.. أي شخص يقرأ هذه التفاصيل عن معاوية وماذا فعل بوجهاء الحجاز، وكيف تمّت البيعة ليزيد، وماذا فعل يزيد.. فإنّ أيّ إنسانٍ مِن أيّ دين ومِن أيّ مجموعة إذا ما تناول هذهِ المُعطيات بالعَقل الطبيعي بعيداً عن قواعد الصنميّة فإنّه سيحكم بضلال يزيد.. وهذا شيء طبيعي. ولكن السُنّة بسبب هذا الكلام لسيّد قُطب قالوا عن سيّد قُطب أنّه تشيّع..!! مع أنّ سيّد قُطب حينما يتديّن سيتّضح مِن أنّه يُعادي العترة الطاهرة تمام العداء.
  • — بالنسبة لي، أقول:
  • أنّ أكثر كُتب التفسير نَصْباً وعَداءً لعليّ وآل علي هو تفسير ابن كثير، ولذلك هذهِ المجموعات الوهابيّة والإرهابيّة كثيراً ما تتمسّك به.. ولكن تفسير “في ظلال القرآن” أكثرُ نصْباً وعَداءً مِن تفسير ابن كثير ترليون مرّة.. والسبب: لأنّ سيّد قُطب صار فيه مُتديّناً..!
  • أمّا في كتابه هذا [العدالة الإجتماعيّة في القرآن] فهو يتحدّث بلسان غير المُتدّين.. يتحدّث بلسان المُثقّف بالثقافة العامّة وهو يُحاكم المُعطيات التي وردتْ في كُتب السُنّة، في كُتب التأريخ والسِير والحديث وأمثال ذلك.. كما قال هو في كتابه [مشاهد القيامة في القرآن]: إنّني لستُ برجل دين، أنا رجل فِكْر.. فهو بنفس هذا المنطق يُحاكم هنا هذه الوقائع. فلأنّه لم يكن مُتديّناً بدين السُنّة (بإسلام السقيفة) لم يكن هنا إرهابياً.. أمّا حين تديّن بدين السُنّة، بإسلام السقيفة صار إرهابيّاً.. وهذا ما سيأتي بيانه من حلقات هذا البرنامج.
  • فبسبب كلامه هذا قال عنه الأزهريون الذين كتبوا ضِدّه أنّه صار شيعيّاً..!
  • ● وفي صفحة 156 يقول سيّد قطب:
  • (وكان عمر بن الخطّاب – في خلافة أبي بكر- يتعهّد امرأةً عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها ألفاها قد قُضيتْ حاجتها، فترصّد عُمر يوماً، فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤونتها، لا تشغلهُ عن ذلك الخلافة وتبعاتها. عندئذ صاح عُمر حين رآه: “أنت هو لعمري!”..)
  • لو صار سيّد قُطب شيعيّاً – كما يزعمون – فإنّه لا ينقل مثل هذهِ المعاني، لأنّ الشيعة لا يعتقدون بمثل هذه الوقائع.
  • ● في صفحة 162 تحدّث عن عليّ بن أبي طالب بنفس المنطق الذي تحدّث به عن معاوية ويزيد (يعني تحدّث بلسان المُثقّف الذي بدأ ينحى شيئاً فشيئاً باتّجاه أجواء الثقافة الإسلاميّة، وليس بالمنطق الديني السُنّي،) فيقول:
  • (وسار عليّ – كرّم الله وجهه- في طريقهِ يردّ للحُكم صٌورته كما صاغها النبي والخليفتان بعده..)
  • أمير المؤمنين رفض سِيرة الخليفتين: سِيرة أبي بكر، وسِيرة عُمر.. رفضهما إطلاقاً في واقعة الشُورى حين قالوا له: نُبايعك على الخلافة بهذا الشرط: أن تسير بسيرة الشيخين.. فالإمام رفض ذلك، لأنّه يرى ضلال سِيرتهما، وهذا واضحٌ في كلماته، والخُطبة الشقشقيّة واضحة في ذلك.
  • فهنا سيّد قُطب لا هو سُنيّ ولا هو شيعي.. هو سُنيّ فقط مِن حيث الانتماء الاجتماعي.. أمّا هو فلم يكن مُتديّناً، لم يكن مُلتزماً بمذهب معيّن.
  • ● ويقول سيّد قُطب في صفحة 163:
  • (ولقد كان مِن الطبيعي ألا يرضى المُستنفعون عن عليّ – أي الذين كانوا يستنفعون من أموال الدولة في أيّام الخلفاء السابقين، خصوصاً في أيّام عثمان – وألا يقنع بشِرعة المُساواة مَن اعتادوا التفضيل ومَن مردوا على الاستئثار. فانحاز هؤلاء في النهاية إلى المُعسكر الآخر: معسكر أمية، حيث يجدون فيه تحقيقاً لأطماعهم، على حساب العدل والحق الّلذين يصرّ عليهما عليّ هذا الإصرار!
  • والذين يرون في معاوية دهاءً وبراعةً لا يرونها في عليّ؛ ويُعزون إليهما غلبة معاوية في النهاية، إنما يخطئون تقدير الظروف، كما يخطئون فهم عليّ وواجبه. لقد كان واجب عليّ الأول والأخير: أن يرد للتقاليد الإسلامية قوتها، وأن يرد إلى الدين روحة، وأن يجلو الغاشية التي غشتْ هذا الروح على أيدي بني أميّة في كُبرة عثمان. ولو جارى وسائل بني أميّة في المعركة لبطُلتْ مُهمّته الحقيقيّة، ولما كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين. إنّ علياً إمّا أن يكون علياً أو فلتذهبْ الخلافة عنه، بل فلتذهب حياته معها. وهذا هو الفهم الصحيح الذي لم يغبْ عنه ـ كرم الله وجهه ـ وهو يقول ـ فيما روي عنه إن صحت الرواية: “والله ما معاوية بأدهى مني ولكنّه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس “
  • ومضى عليٌّ إلى رحمة ربه، وجاء بنو أمية، فلئن كان إيمانُ عثمان وورعه ورقّتهُ كانتْ تقفُ حاجزاً أمام أميّة، لقد انهار ذلك الحاجز وانفتح الطريقُ للانحراف..)
  • فلأنّ سيّد قُطب يتحدّث بهذا المنطق وهو منطق اعتيادي طبيعي، لا هو بمنطقٍ سُنّي ولا هو بمنطق شيعي أبداً، ولكن لأنّ هذا المنطق فيه ما فيه من إنصاف لموقف سيّد الأوصياء، وفيه ما فيه مِن تقييم فيه شيءٌ مِن الانصاف لموقف الصحابة الآخرين، جعل الأزهريين وجعل المُتديّنين السُنّييّن يعتبرون سيّد قُطب صار شيعيّاً..!

  • الخلاصة مِن كُلّ ما تقدّم هي:

  • أنّ سيّد قُطب حين كان ماسونيّاً وكتب هذا الكتاب [العدالة الإجتماعيّة في القرآن] ما كان آنذاك ناصبيّاً، ولكنّه حين صار إخوانيّاً وكتب كتابه “في ظلال القرآن” وغيّر فيه.. فإنّه في كُل تغيير يُجريه يذهب بعيداً في نصبهِ لعليّ وآل عليّ “صلواتُ الله عليهم أجمعين”..!
  • وكُلّما تعمّق في نصبهِ لعلّي وآل عليّ.. كُلّما زاد إجراماً وإرهاباً.. وهذه القضيّة واضحة.
  • الآن المجموعات التي هي أكثرُ إجراماً وإرهاباً، هي المجموعات الأكثر عداءً ونَصْباً لعليّ وآل عليّ “صلواتُ الله عليهم”.. ويتفرّع على ذلك عداؤهم لشيعة عليّ وآل علي.
  • مقطع فيديو 2: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • ختام حديثي في النقطة الرابعة وهي (الإنكفاء إلى أجواء الثقافة الإسلاميّة) فقط التأكيد على هذه النتيجة:

  • أنّه حينما كان سيّد قُطب ماسونيّاً لم يُظهِر نصبهُ وعداءه لعليّ وآل عليّ.. ولكن حينما صار مُتديّناً سُنيّاً إخوانياً أظهرَ عَداءهُ لعليّ وآل علي “صلواتُ الله عليهم”! علماً أنّ علماءنا ومراجعنا ومُفكّرينا ركضوا وراء سيّد قُطب حِينما صار إخوانياً ناصبيّاً..! وهذه القضيّة واضحة ولا تحتاج إلى شرح طويل، ولكنّني أكتفي بمثال عليها وهو فيديو للشيخ أحمد الكُبيسي عرضته في الحلقات المُتقدّمة.
  • مقطع فيديو 3: للشيخ أحمد الكبيسي.. يتحدّث فيه عن نفسه وعن أهل الأنبار.. (وهُم جميعاً محكومون بقوالب وقواعد مرض الصنمية المشؤوم الذي يعصف بالمؤسسة الدينية السُنيّة ويعصف أيضاً بالمؤسّسة الدينية الشيعيّة).
  • النقطة (5): ذهابُ سيّد قطب إلى الولايات المتحدّة ومكوثهِ هناك سنتين وبعد ذلك يعود إلى مصر.
  • مرحلةٌ تأريخيّة قد تكون مُهمّةً إلى حدّ ما في حياة سيّد قُطب.. ولكن السؤال هنا: ما هي النتيجة التي عاد بها سيّد قطب بعد سفره؟!
  • الجواب: عاد بالفشل.. فلم يأتِ بشيءٍ مِن تجربته هذه.. فمثلما ذهب فاشلاً، رجع فاشلاً أيضاً..!
  • ● موضوع سفر سيّد قُطب إلى الولايات المُتحدّة موضوع يكثر حوله الّلغط والجدل:
  • — البعض ينسب هذا البرنامج بالكامل (برنامج سفره إلى الولايات المُتحدّة الأمريّكية) ينسبهُ إلى الماسونيّة، أنّ الجهات الماسونيّة هي التي خطّطت لذهاب سيد قُطب إلى الولايات المُتحدّة.
  • — وهناك مَن ينسبه إلى المخابرات الأمريكية.
  • — وهناك مَن نقل كلاماً عن سيّد قطب مِن أنّه يظنّ أنّ الولايات المُتحدّة رتّبتْ هذا مِن حيث هُو لا يدري، ولكن مِن خلال قرآئن.
  • — وهناك مَن يقول أنّ البلاط الملكي هو الذي رتّب لهذه السَفرة للخلاص مِن شُرور سيّد قُطب.
  • — وهناك مَن يقول أن وزير المعارف آنذاك أراد أن يُكرم سيّد قطب ففعل هذا.. وهناك وهناك.. الكلام كثير، ولا نستطيع أن نقول أن التفسير والتحليل الكذائي هو هذا الذي نقف عنده.

  • (وقفة أقرأ عليكم فيها جملة ممّا كُتب وممّا قِيل بخُصوص سفر سيّد قطب للولايات المتحدة)

  • مِن النصوص التي تمّ الوقوف عندها:
  • — أبدأ أولاً مِن مَجموعة مقالات كتبها سيّد قُطب بعد أن رجع من الولايات المُتحدّة، وعنونها بهذا العنوان: أمريكا التي رأيت.
  • — قراءة سطور مِن كتاب [سيّد قُطب ناقداً] لأحمد محمّد البدوي.
  • — قراءة سطور مِن كتاب [سيّد قُطب سيرة التحوّلات] لحلمي النمنم.
  • — قراءة سطور مِن كتاب [سيّد قُطب من القرية إلى المشنقة] لعادل حمّودة
  • — قراءة سطور مِن كتاب [أمراء الدم] لخالد عكاشة.
  • ● كُلّ هذه الاحتمالات المُختلفة التي ذُكرت في هذه الكُتب وغيرها بخُصوص ما قِيل عن سفر سيّد قطب للولايات المتحدة، كلّها احتمالات ضعيفة لا دليل عليها.. أمّا أنا فمِن خلال دراسة المُعطيات والمُلابسات المُحيطة بسيّد قُطب، أقول:
  • أنّ سيّد قطب فعلاً سافر إلى الولايات المُتحدّة، وبقي هناك سنتين، ولم يكن معروفاً مُدّة البعثة.. ولكن الذي يبدو لي ويغلب على ظنّي أنّ سيّد قُطب هو الذي كان وراء هذه البعثة.. هو كان يُريد أن يخرج من مصر، ويفرّ مِن واقع سيّئ كان يعيشه.. وهنا يحتاج إلى وساطات وإلى علاقات لِمساعدته.. فهنا الوساطات والعلاقات تدخّلت في الموضوع (مثلما قالوا عن وزير المعارف وعن علاقاته بالوفديين وأمثال ذلك، هي التي تدخّلت في الموضوع).
  • فالبعثة لم تُحدّد كانت مفتوحة، والحديث عن الوساطات والعلاقات كان موجوداً.. ومن خلال الملابسات الأخرى في هذا المقطع من حياة سيّد قُطب حيث كان يُعاني من مرض “السل”، وقد أخذ منه المرض مأخذاً كبيراً إلى الحدّ الذي كان يتنفّس برئة واحدة.. وهذا المرض له تأثيرات نفسيّة شديدة.
  • فالرجل يُعاني من فشلٍ صحيّ، ويُعاني مِن فشل أدبي (إذ لم يستطع أن يُحقّق أحلامه في أن يكون كاتباً من الدرجة الأولى).. إضافة إلى مجموعة من الصدمات العاطفية في علاقته مع النساء.. فقد تلّقى أكثر مِن صدمة عاطفية.. لكنّي أعتقد أنّ المُشكلة الأكبر في حياة سيّد قطب في هذه المرحلة هي: انقطاع علاقته وخرابها بالكامل مع العقّاد..!
  • سيّد قطب وجوده مِن الألف إلى الياء كان مُرتبطاً بالعقّاد.
  • بالمُجمل وبالمُختصر:
  • سيّد قطب كائن عقّادي، يستمد وجودهُ الأدبي، ووجودهُ الإجتماعي، ووجوده السيّاسي مِن العقّاد.. فكانت علاقته بالعقّاد قويّة جداً.
  • ولكن في لحظةٍ ما.. انقطعتْ تلك العلاقة، وكان انقطاعها بشكل سيّئ جدّاً..! والذي قطع العلاقة به هو العقّاد، وليس سيّد قُطب هو مَن قطع العلاقة.. وكان سبب قطع العلاقة أمرٌ شائنٍ ومُسيء فيه إساءة للعقّاد، ولذلك ترك هذا الأمر أثراً كبيراً على سيّد قُطب.
  • فقد اجتمعت أصناف الفشل عليه من كُلّ الجهات (فشلٌ في الصحّة، فشلٌ في العلاقات العاطفيّة، فشلٌ في البلوغ إلى طُموحه الأدبي، وفشلٌ أهمّ في علاقته مع العقّاد وبنحوٍ سيّئ شائن..!)
  • أنا أعتقد أنّ الدنيا بعد كُلّ هذا الفشل ستسودُّ في وجهه، ويبحثُ عن جهة يفرّ إليها مِن هذا الواقع السيئ.. ولذلك مِن خلال العلاقات والوسائط استطاع أن يذهب إلى الولاية المُتحدّة لفترة زمنيّة ما ثُمّ رجع بعد ذلك.
  • ● سيّد قُطب حينما ذهب إلى الولايات المُتّحدة كتب رسائل كثيرة، ولكنّه لم يكتب ولا رسالة واحدة للعقّاد، ولم يلتقِ بالعقّاد بعد رجوعه من الولايات المتحدّة.. القطيعة بينهما كانت طويلة جدّاً.
  • فأعتقد ظنّاً أنّ هذه الظروف هي التي دفعتْ بسيّد قطب أن يذهب باتّجاه الولايات المُتّحدة الأمريكية.. أمّا بقية الكلام فهذا تسطيرٌ يُقال.
  • مقطع فيديو 3: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • وقفة عند كتاب [سيد قطب من القرية إلى المشنقة] لعادل حمودة.. يقول في صفحة 83:

  • (كان نشيطاً في كتابة الخطابات لعدد من الأصدقاء الذين احتفظوا بها أو نشروا بعضها في مجلّة الرسالة، قبل أن يعود إلى مصر، من هؤلاء: شقيقه الناقد والكاتب: محمّد قُطب، وزميل دفعة التخرّج في كلية دار العلوم: محمّد جبر، والأديب: عبّاس خِضر الذي كان يُحرّر باب المُتابعات الثقافية في الرسالة، والشاعر محمود أبو الوفا، وأيضاً توفيق الحكيم أحياناً، وغير هؤلاء.. وبالإضافة إلى هذه الرسائل كتب سيّد قُطب بعد عودته ثلاث مقالات في مجلّة الرسالة تحت عنوان: أمريكا التي رأيت في ميزان القيم الإنسانيّة، نُشرت في الأعداد 957، 959، 961، وكان من المُقرّر أن يُكملها في كتابٍ يصدر عن سلسلة: إقرأ، ولكنّه لم يفعل..)
  • فكان لسيّد قُطب مُراسلات وخطابات وجّهها إلى أخيه محمّد قُطب وإلى أُدباء عصره وزُملائه حين كان في الولايات المُتحدّة الأمريكيّة (البعض منها نُشِر قبل عودتهِ من أمريكا، والبعض نُشر بعد عودته، والبعض الآخر نُشر بعد إعدامه..)
  • ● مثال ممّا ذكره سيّد قُطب في هذه المقالات التي كتبها وعنونها بهذا العنوان: أمريكا التي رأيت.. والتي انتقد فيها أمريكا انتقاداً شديداً جدّاً، وانتقد الشعب الأمريكي، والثقافة الأمريكيّة انتقاداً شديداً جدّاً، وسَخِر منها بشكلٍ واضح.. مِن جُملة ما ذكره سيّد قُطب في هذه المقالات يقول:
  • (وهذه مثلاً محتويات إعلان عن حفلة كنيسة، وكانت ملصقة بقاعة اجتماع الطلبة في إحدى الكُليّات: يوم الأحد أوّل أكتوبر، في الساعة السادسة مساء، عشاءٌ خفيف، ألعاب سحرية، ألغاز، مسابقات، تسلية..)
  • فهو يسخرُ مِن هذه الإعلانات لأنّه يقول:
  • (وإذا كانت الكنيسةُ مكاناً للعبادة في العالم المسيحي كُلّه، فإنّها في أمريكا مكان لكلّ شيء إلّا العبادة..) وهذه مُبالغة.. فالشعب الأمريكي معروفٌ عنه أنّه مِن أكثر الشعوب المسيحيّة تمسّكاً بالديانة المسيحيّة والطقوس المسيّحية.
  • — يُكمل سيّد قُطب، فيقول في مقالاته:
  • (كُنتُ ليلةً في إحدى الكنائس ببلدة جريلي بولاية كولورادو، فقد كنتُ عضواً في ناديها، كما كنتُ عضواً في عدّة نوادٍ كنسية في كلّ جهة عشتُ فيها، إذْ كانت هذهِ ناحية هامّة مِن نواحي المُجتمع تستحقُّ الدراسة عن كَثَبٍ ومن الداخل، وبعد أن انتهتْ الخِدمة الدينيّة في الكنيسة، واشترك في التراتيل فِتيةٌ وفتيات من الأعضاء، وأدّى الآخرون الصلاة، دلفنا مِن باب جانبي ساحة الرقص المُلاصقة لقاعة الصلاة، يصلُ بينهما الباب، وصعد (الأب – أي القسّيس -) إلى مكتبه، وأخذ كلّ فتى بيد فتاة، وبينهم وبينهن أولئك الذين والّلواتي كانوا وكنّ يقومون بالترتيل ويقمن!
  • وكانت ساحة الرقص مُضاءة بالأنوار الحمراء والصفراء والزرقاء، وبقليل مِن المصابيح البيض.. وحمى الرقص على أنغام (الجراموفون) وسالتْ الساحة بالأقدام والسيقان الفاتنة، والتفتْ الأذرع بالخُصور، والتقتْ الشفاهُ والصدور .. وكان الجوّ كلّه غراماً حينما هبط (الأب) مِن مكتبه وألقى نظرةً فاحصةً على المكان، ومن المكان، وشجّع الجالسين والجالسات ممّن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا – في حلبة الرقص –
  • وكأنّما لحظ أنّ المصابيح البيض تُفسد ذلك الجوّ (الرومانتيكي) الحالم، فراح في رشاقة الأمريكاني وخفّته يطفئها واحداً واحداً، وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص، أو يصدم زوجاً مِن الراقصين في الساحة.
  • وبدا المكان بالفعل أكثر (رومانسيّة) وغراماً، ثمّ تقدّم إلى (الجراموفون) ليختار أغنية، واختار أغنية أمريكيّة مشهورة اسمها: (But baby it is cold out side) (ولكنّها يا صغيرتي باردةٌ في الخارج) وهي تتضمّن حِواراً بين فتى وفتاة عائدين مِن سَهرتهما، وقد احتجزها الفتى في دارهِ، وهي تدعوه أن يُطلِق سراحها لتعود إلى دارها، فقد أمسى الوقت وأُمّها تنتظر.. ولكما تذرّعت إليه بحجّة، أجابها بتلك اللازمة: (ولكنّها يا صغيرتي باردة في الخارج) !
  • وانتظر الأب حتّى رأى خطوات بناتهِ وبنيه على مُوسيقى تلكَ الأغنية المُثيرة، وبدأ راضياً مُغتبطاً، وغادر ساحة الرقص إلى داره، تاركاً لهم ولهنّ إتمام هذه السهرة الّلذيذة.. البريئة!)
  • وقفة تعليق بحكاية شعبيّة أذكرها لكسر الروتين تعليقاً على ما ذكرهُ سيّد قُطب في مَقالته السابقة.. الخلاصة مِن هذه الحكاية الشعبيّة هو هذا السؤال:
  • إذا كنت يا سيّد قُطب ذاهب للدراسة فعلاً في الولايات المُتّحدة.. فماذا تصنع أنت في هذه الأماكن الخاصّة بالّلهو والرقص والعلاقات العاطفيّة ؟!
  • كُلّ هذا وغيره يُحدّثنا عن شيء، وهو: وجود عُقَد مُعيّنة في شخصيّة هذا الرجل.
  • مقطع فيديو 4: فاصل درامي مُقتطف مِن [مسلسل الجماعة: ج2]

  • وقفة عند عُقد سيّد قُطب:

  • كما قُلت: هناك عُقد تتجلّى مِن وراء السُطور التي كتبها سيّد قُطب في مقالاته: أمريكا التي رأيت.. أو حتّى في الرسائل التي بعث بها إلى أصدقائه وزُملائه في مصر.. هناك عُقدٌ واضحة:
  • 1 – العقدة (1): عقدة (الفشل الأدبي) وهذه لم يجد لها حلاً إلّا في أحضان جماعة الأخوان المُسلمين الفاشلة..! ومرّ الحديث عنها.
  • 2 – العقدة (2): عُقدةٌ بسبب فشلهِ العاطفي، (سأقرأ عليكم بشكل مُوجز وسريع ما جاء مكتوباً في هذهِ المسألة مِن كتاب [أمراء الدم] لخالد عُكاشة.. وأنتم دقّقوا، واحكموا.

  • وقفة عند معلومة مهمّة جدّاً في كتاب [سيّد قُطب ناقداً] لأحمد محمّد البدوي، سأقرؤها عليكم.. جاء في هذا الكتاب في صفحة 11 وما بعدها:

  • (سيّد قُطب سجّل قصّة حبّه في عمل روائي: أشواك. نشره عام 1947، وفي مجلّة العالم العربي التي يرأس تحريرها سيّد قطب نفسه، نجد في أعدادها بعض إعلان وتنويه بالرواية: “أشواك قصّةُ حبّ عفيف، وشكٌ كذلك عنيف” وتعرض المجلّة مُلخّصاً لِمضمون الرواية:
  • إنّها قِصّةُ فتاةٍ لها ماضٍ تكشفهُ بين يدي رجلها الذي عاش عامين في الأحلام، تكشفه له في الّليلة الموعودة، فينطلق المارد، ويقوم الصراع بين حُبّها العميق وهذه الأشواك الثابتة في الأعماق.. ولهذه الرواية إهداءٌ يقول: “إلى التي خاضت معي في الأشواك، فدُميتُ ودُميَتْ، وشَقيتُ وشقيَتْ، ثمّ سـارتْ في طريق، وسِرتُ في طريق جريحين بعد المعركة، لا نفسُها إلى قرار، ولا نفسي إلى استقرار”..)
  • — إلى أن يقول:
  • (وقد سبق أن كتب نصّين في عددين مُتتالين مِن قصيدة النثر، فقال: قال لي صاحبي وقد رآني أُدافع عنها بحرارة ضدّ نفسي، وأدفع عنها ما قد رميتها به من قبل، ويحك! أ هي نكسةٌ إليها بعد كُلّ ما كان؟! قلتُ: إنّما أريد تطهير الصنم حتّى أتوّجه إليه بالعبادة، فما أنا بمُستطيعٍ أن أعبده وهو مُلوّث، وما أنا بقادر على البقاء بدون عبادة..) إلى أن يقول الكاتب صفحة 12:
  • (وبين العارفين – أي العارفين بأحواله من أصدقائه وزُملائه – مَن يمضي إلى تسمية شخصيّة معيّنة، بل هناك مَن يمضي إلى حدّ القول بأنّها امرأة كانت على علاقة عاطفيّة بالعقّاد وأنّه نُقِل إلى العقّاد أنّها شُوهدت تُجالس سيّد قُطب في حديقة الأندلس ذات مساء، فأدّى ذلك إلى صدام وقطيعة، وانتهت العلاقة الشخصيّة الحميمة بين الرجلين العظيمين، فلم يتّصلا، ولم يلتقيا خلال السنوات الأخيرة مِن عمريهما.. ربّما تبلغ خمسة عشر سنة)
  • هذه هي المُشكلة الحقيقيّة التي أدّت إلى قطع العلاقة فيما بين سيّد قُطب والعقّاد، لأنّ العقّاد وجد سيّد قُطب خائناً له أن يُقيم علاقة مع امرأةٍ تربُطه بها علاقة عاطفيّة، ولِذا بادر العقّاد إلى قطع هذه العلاقة، ولذلك قُلت بأنّ سيّد قُطب ذهب إلى الولايات المُتّحدة الأمريكيّة فارّاً من الواقع السيّء الذي كان يعيشه آنذاك.. ولكنّها جرت عبر الوسائط وعبر التفاصيل الأخرى.
  • — في صفحة 13 من نفس الكتاب يقول:
  • (وفي المجال الأدبي بعد ذلك أخذ ينتقد العقّاد ولكن بنحو خفي – فمِن جُملة المقالات التي انتقد بها العقّاد هذا المقال، تحت عنوان -: “الضمير الأدبي في مصر: شُبّان وشيوخ.. الشيوخ أنانيّون)!
  • فسيّد قطب اعتبر أنّ العقّاد كان أنانيّاً حينما حرمه مِن علاقته العاطفية بتلك المرأة التي كانت أيضاً تربطها علاقة عاطفيّة بالعقّاد.
  • 3 – العُقدة (3): في سيّد قُطب والتي يُمكن أن نتلمّسها مِن خلال كتاباته: عُقدتهُ مِن مَرضه ومِن شكلهِ وتكوينه!
  • سيّد قُطب كان قصير القامة، وكان نحيفاً وتلك النحافة لم تكن إلّا بسبب المرض العُضال الذي أصابه.. فمرض “السُل” مِن جملة آثاره أنّه يُؤدّي إلى الضمور البدني بسبب المشاكل التي يُعانيها في التنفسّ، لم يتميّز بوسامة معيّنة، شكله قروي، وعليه سِماتٌ هنديّة – وهو الذي قال ذلك عن نفسه – وفوق كُلّ هذا هناك مرض “السل”.. وهذا المرض في العُرف الإجتماعي يُعدّ وصْمةً ويُعدّ عَيباً في الإنسان، لأنّه مرض مِن الأمراض التي يُمكن للشخص أن ينقلها لغيره من عدّة أسباب:
  • أحد هذه الأسباب “الرذاذ” الذي يتطاير مِن فمه، والذي يُمكن أن يكون دمويّاً.. فهو في حالة سُعال شديد مُستمر، مع بلغم دموي.
  • مرض “السل” أو الدرن الرئوي الناس تشمئزّ منهُ وتتقزّز، وتشمئزّ مِن المُصاب به.. فهذا المَرض لهُ ضغطٌ نفسيٌ شديد على صاحبه، ويُسبّب له عدم الاتّزان العصبي، لذلك قد يكون في أحيان كثيرة في حالة من العصبيّة والغضب.. وإنسان في مثل هذه الحالة لن تكون قراراته سليمة.
  • هذا هو حال سيّد قُطب، تتقاذفه أمواج الفشل من كُلّ جانب (فشل أدبي، وفشل عاطفي، وفشل في علاقته مع العقّاد، وعقدة ناشئة من فشله الصحّي، يُضاف إليها قِصره وهندامه وسائر التفاصيل الأخرى التي ترتّبت على مرض السِل.)..!

  • قراءة سُطور أُخرى من مقالاته المُعنونة بعنوان: أمريكا التي رأيت.. (والتي تشتمل على قِصّته التي تحدّث فيها عن المرأة الفاتنة التي جاءت إلى غُرفته وهو في السفينة التي سافر فيها إلى الولايات المُتحدّة الأمريكيّة).. ممّا جاء فيها، يقول:

  • (حتّى كان البابُ يقرع.. وفتحتُ، فإذا أنا بفتاة هيفاء جميلة، فارعةُ الطول، شبْهُ عارية، يبدو مِن مفاتن جسمها كُلُّ ما يُغري، وبدأتني بالإنكليزية:
  • هل يسمح لي سيدي بأن أكون عليك ضيفةً هذهِ الّليلة؟ فاعتذرتُ بأنّ الغُرفة مُعدّةٌ لسريرٍ واحد، وكذا السرير لشخصٍ واحد، فقالت: كثيراً ما يتّسع السريرُ الواحد لإثنين، واضطررتُ أمامَ وقاحتها ومُحاولة الدخول عُنوةً لأن أدفعَ الباب في وجهها لتُصبح خارج الغرفة، وسمعْتُ ارتطامها بالأرض الخشبيّة في الممر، فقد كانتْ مخمورة..)
  • هذا الكلام قد يكون لا حقيقة له.. فهو مجرّد تنفيسٌ عن حالةٍ يشعرُ بها بسبب فشلهِ العاطفي، وبسبب أنّ هذا المرض الذي يُعاني منه وهو “السل” الذي كان شديداً عليه، يحول هذا المرض فيما بينه وبين أن تُفكّر امرأة في أن تُقيم العلاقة معه.. لذلك يبدو أنّه كان مُضطراً أن أقام العلاقة مع امرأة لها علاقة مع العقّاد.
  • (أنا لا أقول أنّ هذه المعلومات قطعيّة، هذه معلومات احتماليّة، ولكنّي لم أُنشئها مِن عندي.. فأنا أقرأ المعلومات إمّا من كتابات هو كتبها، أو كتبها مُتخصّصون في تأريخ سيّد قُطب)

  • قراءة سطور من كتاب [سيّد قُطب مِن القرية إلى المِشنقة] تتحدّث عمّا رآه سيّد قُطب في الولايات المُتحدّة الأمريكيّة.. (وهذه السطور تشتمل على كلام مخفيّ وراءها) ممّا جاء فيها، يقول سيد قُطب:

  • (والفتاةُ الأمريكية تعرف جيّداً مَوضع فتنتها الجسديّة، تعرفُها في الوجه: في العين الهاتفة، والشِفة الظامئة، وتعرفُها في الجسم: في الصدر الناهد، والردف المليء، وفي الفخذ الّلفاء، والساق الملساء، – وهي تُبدي هذا كلّه ولا تُخفيه – وتعرفها في الّلباس، في الّلون الزاهي توقظ به الحسّ البدائي، وفي التفصيل الكاشف عن مفاتن الجسد – وهو بذاته في الأمريكيّة فتنةٌ حيّة صاعقة في بعض الأحيان – ثمّ تضيف إلى كلّ هذا الضحكة المُثيرة، والنظرة الجاهرة، والحركة الجريئة، ولا تغفل عن ذلك كلّه لحظة أو تنساه..) إلى أن يقول:
  • (والفتى الأمريكي يعرف جيّداً أنّ الصدر العَريض – الذي لا يملكهُ هو -، والعضل المَفتول، هُما الشفاءةُ التي لا تُردّ عند كلّ فتاة، وأنّ أحلامها لا تَرفُّ على أحدٍ كما ترف على “رعاة البقر” الـ “cow boys”..)
  • هذا الكلمات ألا تُحدّث عن شيءٍ وراءها..؟! وما في الجنان يظهر على فلتات الّلسان – كما يقول سيّد الأوصياء –
  • ● أيضاً يقول سيّد قُطب في مجلّة الكاتب الجزء الأوّل. يقول: (وتطلعُ عليك الفتاة كأنّها الجنيّة المسحورة أو الحوراء الهاربة. ولكن ما إن تقرب إليك حتّى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها، مُجرّدة مِن كلّ إشعاع، ثمّ تنتهي إلى لحم – مُجرد لحم – لحم شهي حقّاً، ولكنّه لحم على كل حال..)
  • كلامه في مثل هذا الاتّجاه كثير جدّاً.. أتحسّس مِن خلال كلماته عن عُقدته الناشئة مِن مرضهِ الذي يُنفّر النساء والفتيات منه، ومن شكله وهندامه القُروي الذي تظهر عليه المِسحة الهندية.. (هذه احتمالات، ولكنّها احتمالات منطقيّة مبنيّة على تعابير وعلى حقائق لم تكن مُفتراة.. فهذه كلماته، وهذا قلمه، وهذه كتاباته)

  • الخلاصة هي:

  • أنّ سيّد قُطب سافر إلى الولايات المُتّحدة لأي سبب كان، وعاد لأيّ سبب كان.. ولكن هناك حقيقة وهي: أنّه ذهب فاشلاً يحملُ فشله الأدبي، وفشله العاطفي، وفشله الصحّي، وعاد فاشلاً أيضاً.. عاد بمرض السل وبفشله الأدبي وفشله العاطفي.. وربّما أحاديثهُ عن أحوال الفتيات والفتيان وهذه الأوصاف العاطفية يُنبيكَ عن فَشله العاطفي.. فقد ذهب فاشلاً، وعاد فاشلاً!

تحقَق أيضاً

حديثٍ صريح – واقعُ شيعةِ العراق ١٤٤١ﻫ / ٢٠١٩م

يازهراء …