السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ٣٨ – ساحة الثقافة الشيعيّة ج١٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 16 ربيع الأول 1439هـ الموافق 5 / 12 / 2017م

  • كان الحديث في الحلقة الماضية 37 يتناول في جانبٍ منه اقتراحاً طرحتهُ مع أنّني أعتقد أنّ هذا الاقتراح لن يجد قبولاً عند أصحاب القرار، ولن يجد وعياً وفهْماً عند الكثيرين مِن الذين قد يستمعون هذا الحديث

  • لكنّني أجد ضرورةً لِطرحه، وهذه الضرورة هي: بيانُ الحقائق.. لا بُدّ أن تُبيّن الحقائق.

  • ذكرتُ في هذا الاقتراح أنّه لو أنّ جُزءاً يسيراً مِن هذه الأموال الطائلة التي تُكتنز وتُختزن في حسابات الرموز الكبيرة في مؤسّستنا الدينيّة الشيعيّة الرسميّة (تُخزن هذه الأموال ويرثها أولاد المراجع وأصهارهم وتُصرف في مسألة توريث المرجعيّة وفي مسألة توريث الزعامة الدينيّة – ولا شأن لي بهذه المسألة-) .. ولكن اقتراحي كان هكذا:

  • أنّ جُزءاً يسيراً مِن هذه الأموال الطائلة التي تُجبى إلى المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.. بِهذه الأموال تُؤسّس مؤسّسة حقيقيّة للدراسات الاستراتيجية، وأن ندرس تأريخنا السياسي والاجتماعي خلال القرن العشرين على الأقل أو خلال القرنين المُتأخرين.. وأن نُسلّط الضوء على التجارب الناجحة، كي لا نبدأ من الصفر أو مِن تحت الصِفر.
  • وذكرتُ أمثلةً ونماذج من التجارب الناجحة في الواقع الشيعي.. وقطْعاً حِين أتحدّث عن تجربة ناجحة إنّني لا أتحدّث عن تجربةٍ مثاليّة، فالعمل المثالي لا يصدر إلّا عن الكائن المثالي، والكائن المثالي هو المعصوم فقط.
  • إنّني أتحدّث هنا عن تجارب بشريّة ولكن الحُكم عليها سيكون نسبيّاً بالمُقايسة إلى تجارب أخرى.

  • فعلى المُستوى الفقهي: ذكرتُ تجربة الشيخ يوسف البحراني (وهو من رموز وعلماء المدرسة الإخباريّة)

  • إذا ما أردنا أن نسير مع المسيرة الفقهيّة الفتوائيّة منذ بدايات عصر الغَيبة الكبرى وإلى يومنا هذا.. من خلال سبر أغوار هذه المسيرة الفقهيّة الفتوائيّة فإنّ أفضل تجربة يُمكن أن تكون مُشتملةً على وصفين مُهمّين:
  • الأول: الابتعاد بقدر الإمكان عن مناهج المُخالفين.
  • الثاني: مُحاولة الاقتراب بقدر الإمكان ممّا يُريده حديث أهل البيت. (ما وصلنا مِن حديثهم “صلواتُ الله عليهم”)
  • إنّها تجربة الشيخ يُوسف البحراني، وهذه التجربة سطّرها في كتابه [الحدائق الناضرة] وهو موسوعة فقهيّة شيعيّة جاهزة موجودة بين أيدينا تُمثّل تجربةً فقهيّة فتوائيّةً ناجحةً بالقياس إلى بقيّة التجارب (سواء التجارب التي سَبَقتهُ، أو إلى التجارب التي جاءت من بعده).
  • صحيح أنّ المدرسة الأصوليّة قد ترفض هذا الطرح.. ولكن المدرسة الأصوليّة مَعيبةٌ بما تشرّبتْ بهِ مِن الفكر الناصبي، وبشكلٍ خاصّ ما تشرّبت به من الفكر الشافعي!
  • ● الشيخ يوسف البحراني حاول قدر الإمكان أن يتجنّب مناهج المُخالفين، وحاول قدْر الإمكان أن يستوعب حديث أهل البيت.. فهو فقيهٌ وأديبٌ في نفس الوقت ومُحدّث.. وهذه أهمّ المواصفات التي نحتاجها في تجربةٍ ناجحة
  • (وحين أتحدّث عن نجاح هذه التجربة لا أتحدّث عن نجاحٍ بالمُطلق.. وإنّما نأخذ هذه التجربة وندرس هذه التجربة ونُشخّص فيها بقدر الإمكان نقاط القوّة ونقاط الضعف ونبني على نقاط قوّتها).
  • هذا على المستوى الفقهي والفتوائي.. وأنا هنا أُشخّص الأمر في نُقطةٍ واضحة.. إنّني أتحدّث عن كتاب [الحدائق الناضرة] ولا شأن لي ببقيّة كُتب الشيخ يوسف البحراني.. وهذا لا يعني أنّني أُشكل عليها، ولكنّها كُتب كبقيّة الكُتب فيها الصواب وفيها الخطأ.
  • وكُتب العلماء الأصل فيها عدم الصحّة حتّى تثبت صحّتها، وإنّما تثبتْ صحّتها إذا ما اتّفقتْ مع منهج الكتاب والعترة بعيداً عن قواعد وأصول المُخالفين لآل محمّد “صلواتُ الله عليهم”.

  • أمّا على المُستوى العقائدي: فقد أشرتُ إلى تجربة ناجحة في الواقع الشيعي، وهو الشيخ الإحسائي.. وإنّني أُشير بنحوٍ خاص إلى كتابٍ واحدٍ أيضاً وهو كتاب [شرح الزيارة الجامعة الكبيرة] ولا شأن لي ببقيّة كُتبهِ ورسائله.

  • ● الزيارة الجامعة الكبيرة هي القول البليغ الكامل، وهي الدستور المعرفي والقانون العقائدي الذي وضعهُ لنا إمامنا الهادي “صلواتُ الله عليه”.
  • الزيارة الجامعة الكبيرة هي قاعدة معلومات حقيقيّة لتقييم سائر التفاصيل التي وردتْ في مُختلف ما جاء من حديثهم الشريف.
  • شرح الشيخ الإحسائي لِهذه الزيارة يُعد تجربة ناجحة وفائقة.. ولكن هذا لا يعني أنّها تجربة مثاليّة، فلا يُوجد كتابٌ مثالي، ولا يُوجد إنتاجٌ مثالي.. فغير المعصوم لن يستطيع أن يُقدّم مهما فعل ومهما أُوتي من قدرات وإمكانات ومواهب لا يُمكن أن يُقدّم لنا انتاجاً مثالياً لبديهةٍ واضحةٍ صريحة وهو أنّ فاقد الشيء لا يُعطيه.
  • نحن جميعاً لسنا مِثاليين على مُستوى الذات، ولسنا مِثاليين على مُستوى الصِفات، ولسنا مثاليين على مُستوى الأفعال والأقوال، ولسنا مثاليين على مُستوى النوايا والهواجس.. لسنا مثاليين في كُلّ جهةٍ من جهات وجودنا، وفي كُلّ جانبٍ من جوانب حياتنا، وفي كُلّ أثرٍ من آثارنا، وفي كُلّ فعْلٍ أو قولٍ مِن أفعالنا وأقوالنا.. مهما أُوتينا مِن قُدرةٍ ومِن إمكانات ومِن مواهب.
  • لكنّنا حينما نتعامل مع هذه التجربة أو مع تلك التجربة بالمُقايسة، هناك تجربة أكثر نجاحاً مِن غيرها.
  • فمن هذا الّلحاظ أشرتُ إلى هذا الكتاب [شرح الزيارة الجامعة الكبيرة].. ولا شأن لي بالمنهج الفقهي والفتوائي للشيخ الإحسائي، فهو أصوليٌ رجاليٌ على نفس طريقة المدرسة الأصوليّة المُشبعة بالفِكر الشافعي.

  • على مُستوى التغيير الإجتماعي والتغيير السياسي وعلى مُستوى العمل الحركي وعلى مُستوى نهضة الشعوب ونهضة الأمّة.. فإنّ التجربة الأنجح هي: تجربة السيّد الخميني.. وهي الأخرى ليستْ تجربة مثالية، وإنّما نُسلّط الضوء في دراستنا الاستراتيجية (بحسب المقترح التي أشرتُ إليه) والتي تبحث في نقاط القوّة، وليس بالضرورة أن تلتزم بما ذكرت، فأنا جئتُ فقط بأمثلة.

  • فيُمكن أن تكون هناك أمثلة أُخرى أيضاً تُشكّل بدايةً للدراسة والتحقيق وللبحث عن نقاط القوّة ونقاط الضعف في واقعنا الشيعي.. فهذا ما أعتقده حِين أشرتُ للشيخ يوسف البحراني على المُستوى الفتوائي، وإلى الشيخ الإحسائي على المُستوى العقائدي.. خُصوصاً فيما يرتبط بمعرفة محمّد وآل محمّد.. وعلى المُستوى التغيري والاجتماعي والسياسي والقيادي: تجربة السيّد الخميني.
  • هذه نقاط ناجحة واضحة قويّة في الواقع الشيعي، أقترح أن تبدأ الدراسة منها.. (وإنْ كانت هذه العناوين ليستْ بعناوين مقبولة في الواقع الشيعي، لأنّ الواقع الشيعي المريض والذي أسّسته المدرسة الأصوليّة – التي لها السُلطة في زماننا هذا – أساءتْ كثيراً إلى المدرسة الإخبارية، وحاولت ونجحت في مُحاولتها أن جعلت المدرسة الإخبارية وجعلت الشيخ يوسف البحراني على الحاشية بل أبعد من الحاشية.. وكذلك الحال نفسه مع الشيخ الإحسائي، والحال نفسهُ مع السيّد الخميني!)
  • مع أنّ هذه الشخصيات وهذه الرموز هي الأفضل إذا ما أردنا أن نقيسها – في الجهات التي تحدّثتُ عنها – إذا أرنا أن نقيسها بمقاييس الكتاب والعترة، لا بمقاييس الشافعي ولا بالمقاييس القطبيّة.
  • فاصل درامي (1): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة ج1]

  • أضفتُ إلى ما تقدّم من حديث، أضفتُ ضرورة أخرى وهي “ضرورة المعاصرة”.

  • وأعني بذلك: أنّنا لابدّ أن ننتفع مِن التجارب الناجحة للمُجتمعات البشريّة المُتقدّمة، وبعبارة مُختصرة: لابُدّ أن ننتفع مِن الحضارة الغربيّة. فالحضارة الغربيّة فيها نقاط قوّة ونقاط ضعفٍ هي الأخرى.
  • فكُلّ منتوج بشري – إن كان هذا المنتوج دينيّاً أو كان دنيويّاً – فيه نقاط قوّة ونقاط ضعف.. وقطعاً حينما يدرس الدارسون أيّ منتوج (دينياً كان أو دنيوياً) فليس بالضرورة أن تكون النتائج التي يصلون إليها ناجحةً بالتمام والكمال، وإنّما بحسب الإمكانات وبحسب المواهب المتوفّرة لدى أولئك الدارسين.
  • فحينما ندرس الحضارة الغربيّة في بُعدها المادي وفي بُعدها المعنوي، سنجد هناك نقاط قوّة ونقاط ضعف، وعلينا أن ننتفع مِن الجهتين: إذا شخّصنا نقاط الضعف أن نتجنّبها، وإذا شخّصنا نقاط القوّة أن ننتفع منها.
  • (وقفة بشكلٍ موجز لتوضيح هذه النقطة وأبدأ فيها من هنا: مُستويات التواصل مع الحضارة الغربية).

  • مُستويات التواصل مع الحضارة الغربية:

  • هناك أكثر من مستوى:
  • ● مستوى التعامل اليومي مع المنتوج الغربي (إن كان ماديّاً أو معنوياً).
  • هناك مستوىً في التواصل مع الحضارة الغربيّة ومن خلال التواصل مع المنتوج الغربي وخصوصاً فيما يرتبط بالجانب التكنولوجي والجانب الماديّ (على سبيل المثال فيما يرتبط بالأدوية، ومُكمّلات شؤونات الحياة المُختلفة، وما يرتبط بالحاجات اليوميّة لِمعاش الإنسان)
  • هناك تواصلٌ على هذا المُستوى.. وهذا التواصل تواصل حسن وجيّد، ولكنّني لا أتحدّث عن هذا التواصل، فهذا التواصل في مُستوى الاستهلاك، وإذا أراد أن يرتقي فإنّه سيكون في مُستوى التقليد للأمور الاستهلاكيّة.. ومع ذلك فإنّنا بِحاجة إلى التعامل الصحيح في الحياة اليوميّة على المُستوى العام للمُجتمع، أو على المُستوى الشخصي مع المُنتج الحضاري الغربي – بغضّ النظر عن هذا المُنتج إنْ كان مُنتجاً تقنيّاً في عالم التكنلوجيا، أو كان مُنتجاً فكرياً في عالم السياسة، أو القانون، أو الأدب، أو الفنون، أو في الإعلام وفي سائر المجالات الأخرى.
  • ● هناك مُستوى أرقى من هذا المُستوى، وهو: مُستوى التعلّم.
  • أن نتعلّم منهم، وأن نتعلّم عندهم.. الدراسة في جامعاتهم وفي معاهدهم.. ويكون ذلك على أساس الأولويات التي تُحدّدها حاجة الأمّة وحاجة المُجتمع (فيما يرتبط بالبناء والتنمية والرفاهية) وقطعاً كُلّ هذا يرتبط بالجوانب التطبيقيّة العمليّة.
  • وعناوين الحضارة الغربيّة عناوين واسعة، وفي كُلّ هذه العناوين هُم مُتفوّقون وناجحون، وهُم أكثر خبرةً وأكثر دقّة ممّا نحن عليه: في الصناعة، الزراعة، التجارة، النُظُم الاقتصاديّة، مناهج الإدارة، العمران، البيئة، الصحّة، التعليم، الآداب، الفنون، الإعلام، القوانين.
  • ● على مُستوى التشريع وعلى مُستوى التطبيق.. العمل الخيري – وأتحدّث هنا عن الإعانات والمساعدات المجانيّة التي تصِل إلى الذين يحتاجونها – فمساحة العمل الخيري في المُجتمعات الغربيّة أوسع بكثير جدّاً مِن مساحة العمل الخيري في مُجتمعاتنا الإسلاميّة (إن كان ذلك على مُستوى العمل الخيري الرسمي الحكومي، أو كان ذلك على مُستوى العمل الخيري التطوّعي المُجتمعي)
  • وكذلك البُعد الثقافي، الإنساني، وسائر جماليات الحياة المُختلفة.. وفي الحقيقة هذا هو الوجه الحقيقي للحضارة الغربيّة.
  • ولكنّنا في الأعمّ الأغلب نكون مشغولين بالمواقف السياسيّة، فحُكّامنا عُيونهم مشدودة إلى المواقف السياسيّة للحكومات الغربيّة.. والمُعارضات السياسيّة عيونها أيضاً مشدودة إلى المواقف السياسيّة لحكومات الدول الغربيّة.. مع أنّ المواقف تتغيّر والحكومات تتبدّل، ولكن هذا الوجه الحضاري يبقى ثابتاً فيما يرتبط بالعناوين التي أشرتُ إليها (الزراعة، الصناعة، التجارة…) هذه العناوين تُمثّل وجه الحضارة الغربيّة، أمّا عالم السياسة فله شؤوناته.
  • — الحضارة الغربيّة لها نقاط قوّة ولها نقاط ضعف.. ونقاط القوّة أكثر بكثير من نقاط ضعفها.
  • ما يُمكننا أن ننتفع منه من الحضارة الغربيّة شيءٌ كثير إذا استطعنا أن نُشخّص نقاط القوّة ونقاط الضعف.. وإذا تعاملنا مع كُلّ هذه التفاصيل بمنطق سليم، لا بهذا المنطق الأعوج الذي يُهيمن على ساحتنا الثقافيّة.
  • لأنّنا حين نتحدّث عن الغرب في ساحتنا الثقافيّة والإعلاميّة حديثٌ أولاً عن الفساد الأخلاقي (ما يرتبط بالمُمارسات الجنسيّة).. والفساد الأخلاقي موجودٌ في كُلّ مكان، بل قد يكون الفساد الأخلاقي في بعض المناطق الإسلاميّة أكثر منه ممّا هو في المُجتمع الغربي.
  • قضيّة الفساد الأخلاقي في المُجتمعات الغربيّة قضيّة محصورة في زوايا معيّنة في حياة المُجتمع الغربي.
  • العقول التي بَنَتْ الحضارة الغربيّة والتي نجحتْ في بنائها ليستْ عقول مهووسة بهذه المعاني التي أُشبعتْ بها رؤوسنا عن الحضارة الغربيّة.
  • ● دائماً حين يكون الحديث عن الغرب في أجوائنا الثقافيّة فضلاً عن الأجواء غير الثقافيّة، دائماً يكون الحديث عن الفساد الأخلاقي وعن المؤامرات التي تُحاك ضِدّ المُجتمعات الإسلاميّة. المؤامرات موجودة في كُلّ مكان.. بل إنّ المؤامرات التي تحوكها الدول العربيّة والإسلاميّة فيما بينها أكثر مِن المؤامرات التي تُحاك في العالم الغربي لبلاد العرب أو بلاد المُسلمين.
  • وكذا المؤامرات داخل الأحزاب الإسلاميّة، وداخل بيوت الأمراء والحكّام.. ولكن ساحة الثقافة الشيعيّة مهووسةٌ بهذين الأمرين لأنّ الثقافة القطبيّة مهووسة بهذين الأمرين حين يتحدّثون عن الغرب.. اقرأوا كُتب سيّد قطب واقرأوا كُتب الأخوان ستجدون هذه القضيّة.
  • ● إذا أردنا أن نعود إلى كُتب جماعة الأخوان المُسلمين ونتفحّص ماذا قالوا وماذا كتبوا عن الغرب: سنجد أولاً أنّ المعلومات ليستْ دقيقة، وثانياً سنجد الحديث عن هذين الأمرين (المؤامرات، وعن الفساد الأخلاقي وهُم يحصرونه في الجانب الجنسي) مع أنّ الفساد الأخلاقي له عناوين كثيرة، منها: الإباحيّة الجنسيّة.
  • هذه المُشكلة واضحة في عقول رجال الدين الشيعة، لأنّ المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة قبل الخمسينات لا صِلة لها بالعالم الغربي، وحين جاءت كُتب الأخوان وجاءت الثقافة القطبيّة كانت هي البوّابة التي مِن خلالها حاولت المؤسّسة الدينيّة وحاولت النُخبة الدينيّة الشيعيّة أن تتواصل مع الغرب وأن تتطلّع على ما يجري هناك من خلال هذه الكُتب.. وهذه الكُتب كُتب مريضة، كتبتها عقول موبوءة لا تُفكّر بالشكل الصحيح، ومن هنا جاءتنا هذه الطامّة.
  • لذلك أقول دائماً مِن أنّ العقل الشيعي عقل قُطبي، نحنُ نفكّر بمفردات قُطبيّة.
  • — إذا أردنا أن يكون هذا التعلّم ناجحاً لابُدّ أن يكون مُنضبطاً وفقاً لِحاجة مُجتمعاتنا خُصوصاً فيما يرتبط بالجوانب التطبيقيّة والعمليّة.. ومع ذلك حين تحدّثتُ عن الانتفاع من نقاط القوّة في الحضارة الغربيّة ما قصدتُ هذا، وإن قصدتهُ فهو معنىً على الحاشية.. إنّما قصدتُ أمراً آخر وهو أن نتواصل مع الحضارة الغربيّة من خلال دراسة ومعرفة العقل الغربي المُحرّك والمُنشيء للحضارة الغربيّة هذه.. أن ندرس هذا العقل الذي أنشأ هذه الحضارة ونبحث عن مُفرداته وعن أصوله وأُسسه.. فما فيه من نقطة قوّة ننتفع منها، وما فيها من نقطة ضعفٍ نتجنّبه.
  • فاصل درامي (2): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة ج1]

  • هناك مجموعة من المفردات تُشكّل المنطلقات العمليّة للعقل الغربي (العقل الذي أنشأ الحضارة الغربيّة المُتفوّقة)

  • أولاً: الحريّة بشكلٍ حقيقي صادق.
  • الحريّة هي أساس الإبداع.. المُبدعون لن يستطيعوا في أيّ باب مِن أبواب الإبداع في أجواء الحضارة وفي أجواء المدنيّة.. من دُون الحريّة، ولو كان فسيكون ذلك الإبداع إبداعاً منقوصاً. أفضل جوّ لنشوء الإبداع في حياة البشر هو الجوّ الذي تسوده الحريّة.
  • — ما من شيء إلّا وله منافع ومضار، وله محاسن ومساوئ.. فالحريّة يُمكن أن تُوجّه باتّجاهٍ حسن، ويُمكن أن تُوجّه باتّجاهٍ سيّئ.. وأنا هنا أتحدّث عن النقاط المُضيئة وليس الجانب المُظلم.
  • علماً أنّني لستُ مُتحدّثاً هنا عن الحريّة في جوانبها الإيجابيّة أو في جوانبها السلبيّة.. وإنّما أقول: هذه أهمّ وأوّل مُفردة من المفردات التي تُكوّن المنطلقات العمليّة للعقل الغربي الذي أنشأ الحضارة الغربيّة.
  • الحريّة هي قاعدة الإبداع.. والإبداع إنّما يتحقّق حينما يتحرّك الإنسان باتّجاه التحدّيات.. الإبداع وليدٌ يُولد بعد مواجهة التحدّيات.. وإنّما تُواجه التحدّيات بالصبر وبالثقة بالنفس وهو الأمل، وبعد ذلك يأتي إتقان العمل (ورحم الله امرئً عمِل عملاً فاتقنه)
  • ما بين التحدّي والصبر والأمل والاتّقان هنا يتولّد الإبداع وبكلّ أشكاله (الإبداع في عالم التكنولوجيا، الإبداع في عالم العمران والهندسة، الإبداع في عالم الفكر والثقافة والفنون.. وهكذا..)
  • ثانياً: الفردانيّة.
  • الفردانيّة في بناء الشخصيّة الغربيّة (خصوصاً الأوروبيّة) الفردانيّة قد تكون بوّابةً للعُزلة الاجتماعيّة.. فالشخصُ قد يُعاني مِن عُزلةٍ على المُستوى الأسري أو على المُستوى المُجتمعي.
  • هناك عزلة إيجابيّة يسعى إليها الإنسان بتخطيط، ولكنّي هنا أتحدّث عن عُزلةٍ سلبيّة تكون منافرةً لفطرة الإنسان، وللحالة الغريزيّة عند الإنسان في الموائمة والاستئناس بالآخرين إن كان على المُستوى الأُسري أو على المُستوى المُجتمعي.
  • ولكن هناك جوانب إيجابيّة للفردانيّة هذه أيضاً مثل: احترام الكيان الإنساني ابتداءً مِن احترام عقله وحياته وانتهاءً باحترام حقوقه وشؤوناته.. ففي الفردانيّة جانب مُضيء وجانب مُظلم.. وأنا أتحدّث عن الجانب المُضيء؛ لأنّ الفردانيّة هي الأخرى مقولةٌ مِن المقولات المُهمّة التي تشكّلتْ منها قاعدة العقل الغربي.
  • ثالثاً: التنظيم (العمل المؤسّسي)
  • حتّى على المُستوى الضيّق، حتى المجموعات الصغيرة، هناك ثقافةٌ للعمل المؤسّسي.. هناك ثقافةٌ للتنظيم، ثقافة التنظيم شائعة في الحضارة الغربيّة حتّى على مُستوى الأفراد، على مُستوى البيوت.. فعلى مُستوى البيوت هناك تنظيم وهناك نظام فيما يرتبط باقتصاد الأسرة، وفيما يرتبط بوثائقها وأوراقها القانونيّة وفيما يرتبط بفواتيرها وبكلّ شيء.
  • علماً أنّني لا أتحدّث هنا عن الأسرة أو عن الأفراد، وإنّما أتحدّث عن الجوانب الكبيرة المؤثّرة في حركة المُجتمع والمُؤثّرة في البناء والتنمية في واقع مُجتمعاتنا.
  • رابعاً: احترام الكفاءة واحتضان المواهب (بغضّ النظر عن المحسوبيّات والمنسوبيات).
  • هذه المفردة واضحة جدّاً في مُتبنّيات ومُنطلقات الحضارة الغربيّة.
  • خامساً: الموازنة المنطقيّة فيما بين الأخذ والعطاء.
  • فكلّ شيءٍ مفيد لهُ قيمة على المُستوى المعنوي وعلى المُستوى المادي.. الحضارة الغربيّة تدفع القيمة لكلّ شيء مفيد بعيداً عن المحسوبيات والمنسوبيات. الأشياء الناجحة تحمل قيمتها في نفسها.. والحقيقة تُصرّح عن ذاتها بما تحمل عن قيمةٍ فيها.
  • هذه المفردات مفردات واضحة في المُنطلقات العمليّة والواقعيّة للعقل الغربي الذي أنشأ هذه الحضارة العظيمة.
  • ● هذه الفكرة السخيفة والسفيهة التي يتبنّاها الإخوان المُسلمون والتي هي مِن نتاج ذلك العقل المُعقّد، من نتاج سيّد قُطب: “فكرة التعالي على الآخر” وإن كُنّا نعيشُ في حالة فشل والآخر في حالة نجاح، هذه فكرةٌ سفيهة وسخيفة.. وهذه الفكرة تسرّبتْ إلينا مِن الثقافة القُطبيّة، وصارتْ تُشكّل جُزءاً مِن العقل الشيعي.
  • فهناك مُوازنة منطقيّة ما بين الأخذ والعطاء، وتلك هي الموازنة ما بين الحُقوق والواجبات.. وتلك هي الموازنة والتقييم للإبداع.
  • سادساً: التعامل المُتوازن مع الأخطاء، فرُدود الفعل القانونيّة والقضائيّة والمُجتمعيّة تتميّز باتّزان وتوازن في مواجهة الأخطاء، ولذا القوانين فيها الكثير من النوافذ والمنافذ، والقوانين حِين تُشرّع تأخذ بنظر الاعتبار جميع الحالات حتّى الحالات التي تكون شاذة ونادرة.
  • سابعاً: الموسوعيّة العلميّة والثقافيّة على جميع المستويات: على مُستوى المؤسّسات وعلى مُستوى الأفراد.
  • ما مِن كتاب، ما من برنامج تلفزيوني أو إذاعي، ما من صحيفة أو مجلّة في شرق الأرض أو في غربها إلّا وهناك مَن يُتابعها. (مؤسّسات ثقافيّة، مؤسّسات استخباراتيّة، مؤسّسات شخصيّة، جمعيات خيريّة، مؤسّسات إعلاميّة، مؤسّسات بحثيّة، جامعات، مراكز دراسات.. إلى غير ذلك). فهناك موسوعيةٌ في الحضارة الغربيّة إلى أبعد ما يُمكن أن نتصوّر.. ولا أعتقد أنّ واقعنا الأكاديمي والثقافي يصل في مُستواه الموسوعي حتّى بدرجة واحد إلى مليون من الموسوعيّة العلميّة والثقافيّة الموجودة في الحضارة الغربيّة.
  • ● هذه المفردات التي أشرتُ إليها (الحريّة، الفردانية، التنظيم [أو العمل المؤسّسي]، احترام الكفاءة واحتضان المواهب، الموازنة المنطقيّة بين الأخذ والعطاء، التعامل المُتوازن مع الأخطاء، والموسوعيّة العلميّة والثقافيّة على جميع المُستويات).
  • هذه المفردات هي التي تُشكّل المُنطلقات العمليّة والواقعيّة للعقل الغربي (وأتحدّث هنا عن العقل الغربي العملي).. هذا العقل هو الذي أبدع هذه الحضارة وأنشأها عِبر التراكم الحضاري البشري للأجيال السابقة. فكلّ نتاجٍ حضاريّ بشري لن يكون قد خرج من الّلاشيء وإنّما عِبْر التراكم في الحضارات المُختلفة، وعبر التراكم حتّى من الحضارات السابقة، بل حتّى من الحضارات المُنقرضة.
  • هذه المفردات إنّني أتحدّث عن الجانب المُضيء فيها.
  • إذا ما كانت هناك مؤسّسات إعلاميّة وتعليميّة – وقطعاً لابُدّ للمؤسّسة السياسيّة من دخلٍ في هذا الأمر كي تتمكّن المُؤسّسات الإعلاميّة والتعليميّة مِن نشر برنامجها – نستطيع حينئذٍ أن ننتفع من الجانب المُضيء مِن نقاط القوّة في هذه المفردات والقواعد كي نُنشئ عقلاً عمليّاً ناجحاً في واقعنا.. وكُلّ ذلك تنظير قطعاً.
  • فأنا أتحدّث في الجانب النظري، ولا أعتقد أنّ واقعنا يمكن أن يسمح بنشوء عقلٍ جديد فاعل في تغيير هذا الواقع ونحنُ مُكبّلون بداء الصنميّة المقيت، وداء الجهل المركّب، ومُكبّلون بسيّئات العقل السقيفي الأعرابي وبسيّئات العقل القطبي.

  • أعتقد أنَّ الصورة باتت واضحة فيما يرتبط بالاقتراح الذي اقترحته في الحلقة الماضيّة من أنّنا بِحاجة إلى مؤسّسة حقيقيّة كبيرة لدراسة واقعنا الشيعي وتشخيص نقاط القوّة ونقاط الضعف.

  • وأنا طرحت أمثلة على النقاط والتجارب الناجحة في الواقع الشيعي (على المُستوى الفتوائي: الشيخ يوسف البحراني، وعلى المُستوى العقائدي: الشيخ أحمد الإحسائي، وعلى المُستوى التغييري والاجتماعي والسياسي والقيادي: السيّد الخميني)
  • ويُضاف إلى ذلك “المعاصرة”.. والمراد منها: أن ننتفع من تجارب الدول المتقدّمة.. أن ننتفع من تجاربها الناجحة.. وبعبارة مُوجزة: أن ننتفع من النقاط المُضيئة والناجحة والنافعة في الحضارة الغربيّة، وذلك عبر تشكيل عقل جمعي للأمة لا عبر الاستهلاك.
  • ● شيءٌ حسن أن نتواصل مع المنتوج الغربي أو غير الغربي النافع، وشيءٌ حسن أن نتعلّم في جامعاتهم وفي معاهدهم.. لكن التأثير الكبير والفائدة الكبيرة هي فيما ذكرته فيما يرتبط بدراسة ومعرفة مُفردات العقل الغربي الذي استطاع أن يُنشئ وأن يُبدع هذه الحضارة (أن ننظر إلى المفردات في جانبها المُضيء ووجهها النافع).

  • بقي لديّ عنوانان وبعد ذلك ينتهي هذا البرنامج

  • العنوان (1): مفردات العقل القطبي الظاهرة في ساحة الثقافة الشيعيّة
  • هناك مجموعة من المفردات هذه المفردات يتحدّث بها المتحدّثون، موجودة في وسائل الإعلام.. جزءٌ من الثقافة الشيعيّة العامّة، عناوينُ المؤلّفات وعناوين المقالات والكتابات بكل أشكالها تنتشرُ فيها هذه المفردات (مفردات العقل القُطبي في ساحة الثقافة الشيعيّة) وبعبارة مختصرة وموجزة: أعراض السرطان القطبي الخبيث في ساحة الثقافة الشيعية..!
  • العنوان (2): خاتمةُ البرنامج (زُبدة المخض)
  • سأترك الحديث عن هذين العنوانين إلى الحلقات القادمة.. في حلقة يوم غد سيكون الحديث عن مفردات العقل القطبي في ساحة الثقافة الشيعيّة (أعراض السرطان القطبي في ساحة الثقافة الشيعيّة) حتّى يستطيع مَن يستطيع أن يُميّز هذا الخطيب حين يتحدّث هل يتحدّث بعقلٍ قُطبي أم لا..؟ ويعرف ما هي المضامين القُطبية التي نخرتْ ساحة الثقافة الشيعيّة.. إذ لابد من تشخيصها.. لابُدّ أن نضع النقاط على الحروف حتّى تكون واضحة، وإلّا ما الفائدة مِن هذا البرنامج؟!
  • ● البرنامج بدأ بالحديث عن شخصيّة حسن البنّا، ثُمّ بعد ذلك عرّجتُ في حديثي على شخصيّة سيّد قُطب، وما بين الحديث عن حسن البنّا والحديث عن سيّد قُطب كان الحديث يتوالى حول جماعة الاخوان المسلمين، وبعد ذلك نقلتُ الحديث إلى واقعنا الشيعي وتحدّثتُ في الآثار والأعراض والجهات والشخصيّات والرموز الذين جاءونا بهذا الفكر الضال وأقحموه في ساحة الثقافة الشيعيّة (قطعاً من دون قصدٍ سيّئ، وإنّما هم خُدعوا وخدعونا معهم من حيث لا يشعرون..!)
  • وأخذ الحديث يتسلسل في هذا الاتّجاه وما يناسبه من تفاصيل الموضوعات إلى أن وصلنا إلى هذه الحلقة لكي نصِل إلى زبدة المخض، وزُبدة المخض تتجلّى في هذين العنوانين الذين أشرت إليهما.. وبعد ذلك تأتينا زُبدة القول في خاتمة البرنامج.
  • فاصل درامي (3): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة ج1]

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…