السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ٤٥ – ساحة الثقافة الشيعيّة ج٢٠ – فلسطين في ثقافة الكتاب والعترة ق٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 24 ربيع الأول 1439هـ الموافق 13 / 12 / 2017م

  • آخر شيءٍ وصل الحديثُ إليه في الحلقة الماضية وثيقةٌ مُهمّةٌ جدّاً معروفةٌ لدى المُتخصّصين بالتأريخ الفلسطيني، مُتوفّرةٌ في الكثير مِن المصادر، موجودةٌ في مراكز الوثائق الفلسطينيّة.. و هي رسالة مهمّة بعثها مُفتي فلسطين أمين الحُسيني إلى المندوب السامي البريطاني في فلسطين.

  • (عرض صفحات هذه الوثيقة و التي تدور حول بيع الأراضي الفلسطينيّة لليهود).. سأقرأ عليكم الرسالة بكاملها لأهمّيتها.
  • ● نبدأ من العنوان: المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
  • العنوان البرقي: المجلس الإسلامي – القدس الشريف – صندوق البريد: 517
  • التأريخ: 20 رمضان 1353هـ – 27 كانوا الأوّل 1934م
  • (يعني الرسالة مبعوثة قبل تأسيس دولة إسرائيل التي أُسّست – حسب الأمم المُتّحدة – و أعلن عنها بشكل رسمي عام 1948م.. أُرسلت في الفترة التي كان اليهود يُعدّون أنفسهم لتأسيس دولتهم و يُهيّئون المُقدّمات)
  • ● نصّ الرسالة:
  • (فخامة المندوب السامي المُحترم – دوائر الحكومة/ القدس
  • عيّنتْ الحكومة – أي حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين – في سنة 1929 لجنة خاصّة لدرس حالة الفلّاح الإقتصادية في فلسطين، و تبيان العلاجات المُسعفة لإنهاضه من حالته التَعِسة التي يئنُّ تحتها، أسمتها لجنة جونسونكروسبي. فقدّمتْ هذه في السنة التالية تقريراً وافياً أبانتْ فيه حالة الفلاح السيّئة و وجوب العمل السريع للأخذ بيده، و قدّرت فيما قدّرت بمُوجب الإحصاءات الدقيقة أنّه يلزم للفلاح بصورة عامّة مئة دُونم كي يتمكّن أن يعيش بزراعتها الزراعة الواسعة المُعتادة، و أبانتْ أن مجموع أراضي فلسطين لا تكفي للعرب إذا ما قُسّمت عليهم حسب هذا التقرير. ثمّ أيدتْ لجنة التحقيق البرلمانيّة سنة 1930 ضِمناً هذه النظرية، و على أثرها أرسلتْ الحكومة أعظم مُتخصّص لديها لدرس حالة فلسطين من وجهتي الأراضي و الهجرة، و هو السير جون هوب سمبسون، فقرّر فيما قرّر “أنّ العائلة العربيّة الزراعيّة تحتاج إلى (130) دونماً كي تتمكّن من العيش عليها، و أنّ فلسطين لا تحتوي على أراضي كافية للعرب حسب هذه النسبة”.
  • ثمّ استدعتْ الحكومة اختصاصيّاً آخر هو المستر فرنش لدرس الحالة وتطبيق نظريات السير جون، فأيّد هذا تلك النظريات كلّ التأييد و وسّعها. ومع كلّ هذا فلم تقم الحكومة بأيّ عمل جدّي للمحافظة على مصالح العرب هذه، التي ثبَتَ مِن كلّ الهيئات المذكورة أعلاه أنّها تتضعضعُ إنْ لم تقم الحكومة بعملٍ حاسم لإزالة الضرر بإيقاف نقل الأراضي مِن العرب إلى غيرهم – أي إلى اليهود -.
  • و قد أيّد هذه الحُجّة اليهود أنفسهم بطريقة أخرى، إذ أبان المستر خانكين، وهو خبير اليهود الأوحد في أراضي فلسطين، بمُوجب رسالة أرسلها للسير جون سمبسون أُثبتتْ في تقريره المذكورأعلاه رداً على قوله بأنّه لم يبق للعرب أراضٍ يمكنهم أن يستغنوا عنها بدون الإضرار الحقيقي في أنفسهم،
  • فقال إنّه يوجد في تأريخ كتابه (تموز 1930) ما لا يقل عن (100) ألف دونم يمكن للعرب أن يستغنوا عنها بدون الإضرار بأنفسهم. و أنّه إذا ذهبتْ هذه المساحة من أيدي العرب فعندئذ يمكن القول إنّ حالتهم تستوجب النظر و العناية دفعاً للضرر.
  • إنّ تقارير الحكومة السنويّة أثبتتْ على أن الأراضي التي سُجّلت في الطابو فعلاً من العرب إلى اليهود منذ ذلك التأريخ إلى آخر سنة 1933 كانت ما يقرب من (120) ألف دونم، فإذا أضفنا إلى ذلك المساحات الواسعة جداً التي سُجّلتْ في بحر هذه السنة 1934 (و لا يُوجد بين أيدينا إحصاءٌ يُعدّ عن مقدارها)، و إذا أضفنا أيضاً الأراضي التي أصبحت لليهود بموجب عقود لا يمكن الإخلال بها للغرامات الكبرى التي تحتويها، و هي لا تقلُّ عن ضعف تلك المساحة، فإنّا نجد أنّ الخطر الواقع من انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود أصبح لا يحتاج إلى برهان أو تدليل حتّى بإقرار اليهود أنفسهم.
  • و الأنكى من كلّ هذا أن اليهود بتأثير نزول قيمة النقد الفلسطيني و لاعتبارات أخرى أخذوا يشترون القطع الصغيرة من العرب بأسعار باهظة مغرية، بحيث أنّهم يجرّدون الكثير من العائلات العربيّة من كلّ أرض يملكونها فيُصبحون خالي اليد من كلّ زراعة و عالةً على المُجتمع.
  • إنّ الحكومة البريطانيّة أمام هذه الكوارث في غير فلسطين قد سنّت أو أوجبتْ سنَّ قوانين من شأنها أن تمنع على الأقل الكميّة الضروريّة لإعاشة العائلة من البيع بأيّة طريقة ولأيّ سبب كان – يُريد من البريطانيّين أن يمنعوا الفلسطينيّين بالقوّة من بيع أراضيهم! -،
  • فسنّت قانون الخمس أفدنة في مصر، و قانوناً مُماثلاً لهُ في البنجاب بالهند، مع أنّ الحالات هناك لم تكن بالشدّة التي عليها فلسطين، و لم يكن المُشترون هناك – أي في مصر والبنجاب – من الأشخاص المربوطين بروابط سياسيّة تضطرهم إلى عدم التخلّي عن الأرض بعد شرائها، و عدم تشغيل أحد غيرهم عليها كما يفعل اليهود في فلسطين.
  • و قد يُلاحظ في هذا الشأن أنّ بعض ملّاكي العرب يملكون مساحات أكثر من (130) دونماً، غير أنّ هذه الملاحظة تبدو عديمة الأهمية بسبب أنّ مزارعي أراضي ملّاكي العرب الذين يملكون مساحات واسعة هم من العرب الذين لا أرض لهم، و إنّ خروج هذه المساحات أو أكثرها من أيدي العرب إلى اليهود يُؤدّي إلى حرمان مُزارعي العرب من موارد رزقهم و مجالات تعيّشهم – لأنّ اليهود لا يُشغّلون العرب في هذه المزارع، و إنّما يُشغّلون اليهود القادمين من أوربا أو من مناطق أخرى من العالم –
  • كما يقعُ كلّ يوم تقريباً في مختلف أنحاء فلسطين رغماً عن قانون حماية المزارعين الذي لم ينتفع منه هؤلاء المزارعون انتفاعاً صحيحاً بسبب الأساليب و الإغراءات التي يسلكها اليهود في حملهم على ترك الأراضي التي يزرعون فيها، و إسقاط حقوق مُزارعاتهم عليها جهلاً و غباءً و بُعداً عن تقدير مصائرهم.
  • إنّ المجلس الإسلامي في هذه المناسبة يودُّ أن يُلفت نظر فخامتكم إلى إن تقاعس الحكومة عن الإتيان بأيّ عمل حاسم لدرء الخطر النازل بالعرب من جرّاء بيوع الأراضي هو مخالفٌ لنص المادة (4 و 6) من صكّ انتداب فلسطين الذي تقوم حكومة فلسطين على أساسه. و إنّ هذا الخروج على القانون الذي تتأسّس عليه الحكومة الحاضرة مع إهمالها تلافي الضرر الواقع الذي لا نزاع في وجوده من هذه البيوع و المُبيّن تفصيلاً في تلك التقارير الرسميّة المذكورة أعلاه ممّا يدعو إلى اليأس و القنوط، و لا نخال أنّ فخامتكم ترون من الحكمة أن تدعوا هذا اليأس يتحكم في قلوب الشعب خصوصاً مع وجود هذه الكارثة التي ما زالت تزيد كل يوم في أعداد المتأثرين من نتائجها. و لذلك نرجو من فخامتكم أن تنظروا بعين الاعتبار إلى المطالب التالية:
  • 1- أن تقوم الحكومة في فلسطين بسن تشريع تمنع فيه البيع من العرب إلى اليهود بالنظر لقلّة ما بقي في أيدي العرب من الأراضي التي لا تكفي لاحتياجاتهم الضرورية .
  • 2- أن تسنّ تشريعاً تمنع فيه بيع أيّ قطعة من الأرض لأيّ كان إذا كان صاحبها لا يملكُ من المساحة العدد من الدونمات التي جاء في تقرير سمبسون إنّها الحد الأدنى لما تحتاجه العائلة العربيّة للقيام بأود عيشها وهي (130) دونماً.
  • و تفضّلوا بقبول فائق الاحترام.. رئيس المجلس الإسلامي الأعلى/ محمد أمين..)
  • ● الكثير من الأراضي أخذها اليهود برضىً من العرب.. فلا يُوجد أيّ شيء عن غصبٍ من اليهود لأراضي العرب. (علماً أنّني هنا لا أريد أن أُدافع عن اغتصاب اليهود لأرض فلسطين.. و لكنّني أريد أن أُبيّن لكم الحقائق)
  • فمثلما أخذتُ لكم مثالاً في الحلقة المُتقدّمة الرسالة التي بعثها الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود إلى الرئيس الأمريكي جونسن، فذلك مثالٌ من الزعماء الإسلاميين.. و هذا مثالٌ مِن نفس الشعب الفلسطيني.. حتّى نعرف ما هو الموقف الصحيح، و أين نقِف و أين نضعُ أقدامنا، و حتّى نعرف ما الذي جرى في التأريخ.
  • الرسالة إلى الآن ما تحدّثت عن شكوى من اليهود أنّهم اغتصبوا أراضي الفلسطينيّين.. الرسالة تتحدّث عن أنّ الفلسطينيّين يُسجّلون الأراضي بأسماء اليهود بشكلٍ قانوني.. قطعاً هم يدفعون لهم الأموال الطائلة.. كانوا يدفعون لهم أمولاً أضعاف ثمن الأراضي التي اشتروها، فاليهود كانوا يُخطّطون.. و أمّا العرب فهم شعوبٌ فاشلة (الشُعوب منهم و الحكومات) واقعٌ يُهيمن عليه الفشل من جميع الجهات.
  • ● اليهود كانوا يشترون الأراضي بأموالهم،و يُغدقون بالأموال على الفلسطينيّن، و بعد ذلك سلبوا الأموال مِن الفلسطينيّن.. و ذلك حين أسّسوا المواخير، و جاءوا باليهوديّات الجميلات، و أسّسوا دُوراً للقِمار صغيرة في كُلّ المناطق، و جعلوا الفاتنات من نساء اليهود يُغرين شباب الفلسطينيّين و رجال الفلسطينيّين الذين باعوا بيوتهم و بساتينهم و أراضيهم إلى اليهود.
  • الفاتنات سحبن هؤلاء إلى المواخير و إلى بيوت القِمار.. فصبّوا كُلّ الأموال التي أخذوها من اليهود و أضافوا عليها ما كانوا يملكونه.. سلبوهم كُلّ أموالهم.. لذلك اضطّروا أن يعيشوا في خيام داخل الأرض الفلسطينيّية.. هكذا نشأت المُخيّمات داخل الأرض الفلسطينيّة
  • ● مثلما بيّنتُ في حلقة يوم أمس مِن أنّ أقوى الأسباب التي أدّتْ إلى قوّة إسرائيل و تقدّم إسرائيل، و انتصار إسرائيل في كُلّ الحروب على العرب: هو فشل هذه الأُمّة.. فشل العرب ابتداءً من الشعوب و انتهاءً بالحكومات.. أمّةٌ فاشلة بكلّ المقاييس.. و مَن ينظر إلى فشل الشعوب العربيّة و الشعوب الإسلاميّة و فشل الحكومات في الدول العربيّة و الدول الإسلاميّة قطْعاً يصل إلى هذه النتيجة التي وصل إليها أمين الحُسيني و هي: اليأس و القنوط.
  • — هذه الوثيقة مِن مصادرها: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة. (يُمكنكم أن تدخلوا على موقعها الإلكتروني، و تطّلعوا على هذه الوثيقة.. و أيضاً من مصادرها: حوليات القُدس و هي مجلّة معروفة، مجلّة دوريّة تعنى بتأريخ مدينة القدس و مُجتمعها و ثقافتها.. العدد 12 لعام 2011).
  • ● هذا هو حال الفلسطينيّين، و هكذا كانتْ البداية لنشوء إسرائيل.. و قد ذكرتُ لكم في أسباب قوّة إسرائيل و انتصارها و تفوّقها على العرب:
  • أول سبب: إخلاصهم لقضيّتهم، و تضحيتهم لأجلها فقد بذلوا كُلّ شيء.. ثانياً: ذكاءٌ في التخطيط و دقّة في التطبيق.. و ثالثاً: الدعم الأمريكي بلا انقطاع، حيث لم تدعم الولايات المُتّحدة الأمريكيّة أحداً أبداً مثلما دعمت إسرائيل، و لازالت و ستبقى كذلك.. فإسرائيل فلذةٌ من فلذات كبد الولايات المُتّحدة الأمريكيّة بالمنظور السياسي.
  • و رابعاً و هو السبب الأقوى: فشل الشعوب العربية و الإسلامية، و من هذه الشعوب الفاشلة نشأتْ حكومات فاشلة. (إذ لا يُمكن أن تخرج حكومات ناجحة من أمّةٍ فاشلة من رأسها إلى قدميها..) و هذا مصداقٌ واضحٌ و صريحٌ و جلي.
  • ● أمين الحسيني من يأسه و قنوطهِ و مِن فشل أُمّته و مِن فشلهِ هو أيضاً ألقى بنفسه في أحضان النازيّة و أسّس جيشاً عربيّاً نازيّاً..!
  • (عرض مجموعة من الصور المُختلفة لأمين الحُسيني.. منها صورة مع هتلر، و صورة مع سعود بن عبد العزيز)
  • — عرض صورة وثيقة التنازل عن فلسطين الذي كتبها عبد العزيز آل سعود ملك السعودية.. و قراءة ما جاء فيها.
  • — عرض صورة للملك سعود بن عبد العزيز.. و صورة أخرى للملك سعود بن عبد العزيز آل سعود مع شاه إيران مع التعليق عليها.. و التي يظهر فيها ملك السعودية خاضعاً و مُتذلّلاً لشاه إيران لأنّ شاه إيران كان يُمثّل السُلطة الأمريكيّة في المنطقة.
  • ● عرض صورة الملك فيصل بن عبد العزيز مع شاه إيران في زيارته للسعوديّة مع التعليق عليها.. و التي يظهر فيها أيضاً ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز خاضعاً لشاه إيران.
  • فاصل درامي (1): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]
  • ● و أنا أنظر إلى هذه الصور التي عرضتها عليكم، و كيف يجلسُ ملوك السعوديّة بصَغارٍ بين يدي الشاه الإيراني خطرتْ في ذهني خاطرة.. حادثةً وقعتْ أيّام كنّا في المعارضة الشيعيّة العراقيّة.. لمّا تشكّل وفدٌ من المعارضة الشيعيّة العراقيّة و ذهب إلى الولايات المُتّحدة الأمريكيّة، و من جملة الشخصيّات التي تشكّل منها هذا الوفد: السيّد محمّد بحر العلوم، و قد استقبلهم آنذاك وزير الخارجيّة الأمريكي، و انتشر الخبر في الإعلام، و لمّا جاء السيّد محمّد بحر العلوم إلى إيران في زيارة مِن زياراته عاتبه السيّد محمّد باقر الحكيم.. و كان في وقتها السيّد محمّد باقر الحكيم قد ذهب إلى السعوديّة و التقى بالملك فهد، و أيضاً انتشر خبرُ الزيارة في الإعلام.
  • فالسيّد محمّد باقر الحكيم عاتب السيّد محمّد بحر العلوم من أنّه كيف تُسافر في هذا الوقت إلى الولايات المُتّحدة لأمريكيّة و تلتقي بوزير الخارجيّة؟! فقال السيّد محمّد بحر العلوم: “أنا أحسن منك.. أنا ذهبت للراس، و أنت ذهبت إلى الذيول”
  • ● الحديث لازال تحت هذا العنوان: فلسطين في ثقافة الكتاب و العترة
  • أبرز عنوان حينما نتحدّث عن فلسطين في ساحة الثقافة العربيّة الإسلاميّة – و لا أُبالي بالحديث عن مضامين الثقافة في هاتين الساحتين- حديثي عن الساحة الثقافيّة الشيعيّة و التي تأتي تَبَعاً لهاتين الساحتين (للساحة الثقافيّة العربيّة السُنيّة، و الساحة الثقافيّة الإسلاميّة السُنيّة).. فتأتي ساحتنا الثقافيّة الشيعيّة تَبَعاً لهذه الثقافة السُنيّة.
  • — هناك عنوان بارزٌ حينما نتحدّث عن فلسطين، و هو : القدس.
  • — و هناك عنوانٌ بارزٌ أيضاً حين يكون الحديث عن القُدس، و هو: المسجد الأقصى
  • ● وقفة عند الآية الأولى بعد البسملة من سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُرِيهُ من آياتنا إنّه هو السميع البصير}
  • الآية واضحة جعلتْ بداية الإسراء من المسجد الحرام، و جعلتْ نهاية الإسراء عند المسجد الأقصى.. فهل كانت نهايةُ الإسراء في فلسطين؟ أم كانت نهاية الإسراء ما بعد حُجُب النور؟
  • المسجد الأقصى هو الموقع و المنزلة التي بلغها ما بعد العرش رسول الله، و ما بعد حُجُب النُور، و ما بعد السُبُحات، ما بعد كُلّ شيء.. (دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى) ذلك هو المسجد الأقصى.. نهاية الإسراء هناك حيثُ سجد سيّد الأنبياء.
  • — الإطلاق الحقيقي لهذا العنوان (المسجد الأقصى) هو على المكان الذي بلغه سيّد الأنبياء و ما بلغه أحد.. حتّى جبرئيل على عظمة مقامه فهو مُعلّم الأنبياء، و لكنّه يقول: (لو دنوتُ أنملةً لاحترقت).
  • و حتّى هذا هو كلام يأتي بحسب جبرئيل و بحسبنا نحن.. القضيّة أعمق و أعمق و أعمق إذا أردنا أن نقيسها بحسب محمّد “صلّى الله عليه وآله”.
  • المسجد الأقصى هناك في أقرب محلّ من الله سُبحانه و تعالى وصل إليه محمّد المحمود “صلّى الله عليه و آله” و سجد.
  • — الآية واضحة و واضحة جدّاً.. بيتُ المقدس في فلسطين الذي يُصطَلح عليه مجازاً المسجد الأقصى مسجدٌ مباركٌ، و لكنّه في درجة المُباركة هذهِ لا يصلُ إلى المسجد الحرام.. فالمسجد الحرام أعظم رُتبةً و أعظم مُباركةً مِن بيت المقدس.. هذه عقيدتنا.
  • فلا معنى لذكر مُباركة المسجد الأقصى إذا كان المُراد منه بيت المقدس في جانب ذكر المسجد الحرام.. ذكر المُباركة هنا يدلّ على أنّ المُباركة في المسجد الأقصى أعلى رُتبةً من المُباركة في المسجد الحرام. (اقرأوا الآية و دقّقوا فيها)
  • {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُرِيهُ من آياتنا}
  • هذه مباركةٌ هنا أعلى رُتبةً من المُباركة الموجودة في المسجد الحرام.. و بديهيٌ عندنا أنّ المسجد الحرام أعظم رُتبةً مِن بيت المقدس.
  • فهناك خللٌ في البلاغة إذا أُريد مِن المُباركة هُنا مُباركةٌ ترتبطُ ببيت المقدس.. المُباركةُ هنا أعلى رُتبةً بكثير من المباركة في المسجد الحرام و لذلك ذكرت، و لأنّها صارت الغاية.. فالغايةُ هنا المسجد الأقصى، و البداية كانت من المسجد الحرام.. فالمسجد الحرام لهُ مباركةٌ تُناسبه، و المسجد الأقصى لهُ مباركةٌ تناسبه و لكن أعلى و أعلى.
  • — قوله تعالى: {لنُرِيهُ من آياتنا} الآياتُ التي يراها نبيّنا في المسجد الحرام أعظمُ مِن الآيات التي رآها في بيت المقدس.. فالآياتُ هُنا آياتٌ كُبرى، آياتٌ عُظمى.
  • ● في سورة النجم نقرأ: {ثُمّ دنا فتدلّى* فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى إلى عبده ما أوحى* ما كذب الفؤاد ما رأى} و الآيات تتحدّث عن نبيّنا الأعظم “صلّى الله عليه وآله” إلى أن تقول الآيات: {لقد رأى من آيات ربّه الكبرى} رأى هذه الآيات {عند سدرة المُنتهى* عندها جنّة المأوى* إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصرُ وما طغى* لقد رأى من آياتِ ربّه الكبرى}
  • هذه الآيات الكبرى التي رآها هناك هي التي تتحدّث عنها سورة الإسراء.. فسورة الإسراء هنا تتحدّث عن عظمة الإسراء و عمّا تجلّى من الآيات الكبرى.
  • ● هذه الآيات الكبرى هي التي تحدّثتْ عنها سورة المُدثّر {كلّا و القمر* و الّليل إذْ أدبر* و الصُبح إذا أسفر* إنّها لإحدى الكبر}
  • الكُبر جمعٌ للآيات الكُبرى.. (وقفة عند ما يقولهُ آل محمّد في معنى هذه الآية).
  • ● حديث الإمام الباقر في [تفسير البرهان: ج8] والحديث منقول عن تفسير القمّي.
  • (عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر “الباقر صلواتُ الله عليه” في قوله تعالى: {إنّها لإحدى الكُبَر* نذيراً للبشر} قال: يعني فاطمة).
  • ● رواية أخرى.. أيضاً في [تفسير البرهان: ج8] و الرواية عن أمير المؤمنين “صلواتُ الله عليه” في قوله تعالى: {عمّ يتساءلون* عن النبأ العظيم}
  • (عن أبي حمزة، عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام”، في قولهِ عزّ و جلّ: {عمّ يتساءلون* عن النبأ العظيم} قال “عليه السلام”: (هي في أمير المؤمنين، كان أمير المؤمنين يقول: ما للهِ عزَّ و جلَّ آيةٌ هي أكبرُ منّي، و لا للهِ مِن نبأٍ أعظمُ منّي)
  • أمّا إذا ذهبتم إلى كُتب التفسير عند علماء الشيعة، فستجدون الأعمّ الأغلب منهم يقولون: النبأ العظيم هو يوم القيامة.. كما يقول المُخالفون و النواصب!
  • بعض التفاسير ذكروا أنّ من معاني النبأ العظيم ما يُشير إلى أمير المؤمنين “صلواتُ الله عليه”.. بينما روايات أهل البيت و زياراتُ سيّد الأوصياء بشكلٍ واضح تُصرّح أنّ هذا اسمٌ خاصّ بسيّد الأوصياء.. النبأ العظيم هو عليٌ “صلواتُ الله عليه”.. أميرُ المؤمنين هو النبأ الأعظم، هو الحقيقةُ الأكمل، هو الآيةُ الأكبر.
  • و حينما ندعو في الأدعية: (من آياتك بأكبرها) أكبرُ الآيات هم محمّد و آل محمّد “صلواتُ الله عليهم”.
  • فسورة الإسراء حين تتحدّث عن الآيات العظيمة التي تجلّت حول المسجد الأقصى إنّها تتحدّث عنهم، منهم و إليهم “صلواتُ الله عليهم”.
  • — {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}
  • و كما ورد في الروايات.. يقول رسول الله: فالتفتُّ.. فوجدتُ عليّاً هناك.. و حين خاطب الباري محمّداً “صلّى اللهُ عليه وآله” خاطبه بصوتِ عليّ “صلواتُ الله وسلامه عليه”
  • عليٌ نفسُ محمّد و محمّد هو نفس عليّ.. عليٌ مع محمّد “صلّى اللهُ عليه و آله” في الظواهر و البواطن.. و عليٌ مع محمّد على نحو الوجوب و القطع في الأذان و الإقامة و في التشهّد الوسطي و الأخير في الصلاة.. كما يقول صادق العترة: (فإذا قال أحدكم: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، فليقل: عليٌ أمير المؤمنين).
  • ● وقفة عند [تفسير البرهان: ج4].. و الرواية منقولة عن تفسير العيّاشي
  • (عن سالم الحناط، عن رجل، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: سألتهُ عن المساجد التي لها الفضل، فقال: المسجد الحرام، و مسجد الرسول. قلتُ: و المسجد الأقصى جعلتُ فداك؟ فقال: ذاك في السماء، إليه أسري برسول الله “صلّى الله عليه وآله” فقلتُ: إنّ الناس يقولون: إنّه بيتُ المقدس؟ فقال: مسجد الكوفة أفضل منه)
  • الإمام هنا يتحدّث عن المساجد التي لها الفضل بالدرجة الأولى.
  • — قول الإمام عن المسجد الأقصى: (ذاك في السماء) الإمام لا يعني به البيت المعمور كما يتصوّر البعض.. البيت المعمور يُمكن أن نُطلق عليه “المسجد الأقصى” تجوّزاً مثلما نُطلق على بيت المقدس المسجد الأقصى تجوّزاً.. المسجد الأقصى هو أعلى نقطة وصل إليها نبيّنا في إسرائه و معراجه.
  • {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} النهاية هناك، و إلى هذا يُشير إمامنا الصادق.. و إلّا لقال البيت المعمور.
  • البيت المعمور في السماء الرابعة.. و عندنا في الروايات الكعبة هي صورةٌ عن البيت المعمور في السماء الرابعة، و البيت المعمور صورةٌ عن العرش في السماء السابعة.. و بعد العرش تأتي الحُجُب – و الحديث عنها يطول – و بعد الحُجُب يأتي عالم النور.. هناك في عالم النور في النقطة الأعلى في هذا الوجود هناك المسجدُ الأقصى.
  • — الرواية واضحة تُشير إلى أنّ المسجد الأقصى هو أعلى نقطة وصل إليها النبيّ الأعظم في إسرائه و معراجه.. و الرواية أيضاً تُشير إلى أنّ الأئمة لا يُطلقون هذا الّلفظ “المسجد الأقصى” على بيت المقدس.. و إذا ما أطلقوه و استعملوه فمُجاراةً مع الناس و تجوّزاً ليس أكثر من ذلك.. و إلّا فمسجد الكوفة في أحاديث أهل البيت “صلواتُ الله عليهم” أفضلُ من بيت المقدس بكثير و كثير، و هذا ما سيتّضحُ في أحاديث أهل البيت “صلواتُ الله عليهم”.
  • فاصل درامي (2): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]
  • ● المكان الذي يُصطلحُ عليه بين العرب و بين المُسلمين “المسجد الأقصى”، أهل البيت يُطلقون عليه هذا العنوان: بيتُ المقدس.. يستعملون هذا المصطلح لأنّه شاع بين المُسلمين.. على سبيل المثال في نفس [تفسير البرهان: ج4] و الرواية منقولة عن كتاب [الهداية الكُبرى] للحسين بن حمدان.. جاء فيه:
  • (عن الصادق “عليه السلام” أنّه قال: لمّا أُسري برسول الله “صلّى اللهُ عليه و آله”، رأى في طريق الشام عيراً لقريش بمكان، فقال لقريش حين أصبح:
  • يا معشر قريش، إنّ الله تبارك و تعالى قد أسرى بي في هذهِ الّليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى – يعني بيت المقدس- حتّى ركبتُ على البراق، و قد أتاني به جبرئيل)
  • هذه العبارة (يعني بيت المقدس) التي وُضعتْ بين شارحتين يُمكن أن تكون من الراوي الذي روى عن الإمام.. و يُمكن أن تكون من مُصنّف كتاب [الهداية الكُبرى]، و يُمكن أن تكون مِن الإمام الصادق.. و نحنُ هنا سنذهب مع هذا الاحتمال: أنّها من الإمام الصادق “عليه السلام”.
  • المسجد الأقصى كما بيّنت قبل قليل هو في أعلى نقطة وصل إليها سيّد الكائنات.. و لكن في طريقه مرّ ببيت المقدس، فإذا كان الكلام من الإمام المعصوم فالإمام يشرحُ جانباً من مضمون حديث رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • — أنا جئتُ بهذه الرواية مثالاً على أنّ هذا العنوان جاء في بعض الروايات و أُشير به إلى بيت المقدس كما في هذه الرواية. (هذا إذا ذهبنا إلى أنّ العبارة الموجودة بين الشارحتين هي من الإمام الصادق و ليستْ من مُصنّف كتاب الهداية الكُبرى أو من الراوي).
  • ● وقفة عند رواية أُخرى في [تفسير البرهان: ج4] و هي منقولة عن كتاب الاحتجاج.
  • عن إمامنا الكاظم عن آبائه عن احتجاج أمير المؤمنين على يهودي.. إلى أن يقول أمير المؤمنين و هو يتحدّث عن رسول الله “صلّى الله عليهما و آلهما”:
  • (إنّه أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، و عُرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقلّ من ثُلثِ ليلة، حتّى انتهى إلى ساق العرش..)
  • هنا الرواية استعملتْ هذا العنوان “المسجد الأقصى” تُشير به إلى بيت المقدس.. قطعاً قبل نزول القرآن لم يُسمّ أحدٌ بيت المقدس بالمسجد الأقصى، و إنّما هذه التسمية نشأت بعد نزول سورة الإسراء، فصار المُسلمون يُطلقون “المسجد الأقصى” على بيت المقدس.
  • فهنا أمير المؤمنين أطلق هذا العنوان “المسجد الأقصى” على بيت المقدس.. و مثل هذا كما يكون الإطلاق على القِبلة فنقول:
  • — قبلتنا الحرم المكّي، و الحرم المكّي واسع جدّاً.. هي أرض الحرم التي تبدأ من مواقيت الحجّ، فهي مساحةٌ كبيرةٌ جدّاً.
  • — و يُمكن أن يقول قائل: قِبلتنا مكّة، و مكّة هي المدينة.
  • — و يُمكن أن يقول قائل: قبلتنا المسجد الحرام، و المسجد الحرام ما يُحيط بالكعبة.
  • — و يُمكن أن يقول قائل: قِبلتنا الحجر الأسود، و الحجر الأسود جزءٌ من الكعبة.
  • — و يُمكن أن يقول القائل على نحو الحقيقة: قبلتنا الكعبة.. و كُلّ هذه التسميات صحيحة (الحرم المكّي قِبلة، فهو واقع في جهة القبلة و قريبٌ من مركز القبلة، ومكّة قبلة، و المسجد الحرام قبلة، و الحجر الأسود قبلة(
  • و كُلّ هذا صحيح على نحو التجوّز و المُسامحة.. و لكن إذا أردنا الحديث على نحو الحقيقة و الدقّة فالكعبة هي قبلتنا.. و لكنّنا إذا أردنا أن نتوجّه إلى القِبلة خُصوصاً مِن المسافات البعيدة فنحنُ لا نستطيع أن نرسم خطّاً مُباشراً بيننا و بين الكعبة حينما نتوجّه إليها في صلاتنا و في عباداتنا.. و إنّما نحنُ نتوجه إلى سَمْت الكعبة (أي جهة الكعبة) فكُلّ مكانٍ يقعُ في حدود هذا السمت يُمكن أن نصِفهُ بأنّه قِبلة.
  • فإسراء النبيّ ومعراجه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يقع في سمتهِ و في جهتهِ: “بيت المقدس” و حتّى مسجد الكوفة كان جُزءاً من الإسراء.
  • — البيت المعمور يُمكن أن نقول عنه “المسجد الأقصى”، و كذلك العرش يُمكن أن نقول عنه “المسجد الأقصى”.. أمّا الاطلاق الحقيقي للمسجد الأقصى: فهو النقطة التي بلغ إليها سيّد الكائنات و سجد هناك و لم يصل إليها أحد.. ذلك هو المسجد الأقصى: نهايةُ الإسراء و العروج.
  • ● أمّا السبب الذي جعل هذه التسمية شائعة:
  • هذه التسمية صارتْ شائعة و بشكل واسع جدّاً في زمان الأمويّين و تحديداً في زمان عبد الملك بن مروان.. فكان هناك تركيز على “بيت المقدس” والسبب:
  • لأنّ عبدالله بن الزُبير انشقّ و خرج على الأمويين و أعلن خلافته في مكّة.. و دولة الأمويّين كانت في حالة ضعف، فعبد الملك بن مروان ما أراد للشاميّين أن يذهبوا للحجّ لكي لا يتأثّروا بعبدالله بن الزُبير بما له من نسبٍ يرتبط بالزُبير ابن العوّام.. فقد كانت أُمّ الزبير عمّة للنبي “صلّى الله عليه وآله”، و عبدالله بن الزُبير أمّه أسماء بنت أبي بكر و هو يُظهر الخشوع و العبادة و التديّن و الورع و يُعلن الخلافة في مكّة.. فلربّما هذه العوامل تُؤثّر على الشاميين و تُغيّر أفكارهم.
  • فطلب عبد الملك بن مروان من ابنه الوليد – الذي كان مُحبّاً للعُمران – طلب منه أن يُعيد بناء بيت المقدس و بدأوا بوضع الأحاديث و الروايات في فضله حتّى فضّلوه على الكعبة.
  • ● في ثقافة الكتاب و العترة ما يُسمّى بالمسجد الأقصى في فلسطين يُسمّى ببيت المقدس.. و هذا واضحٌ جدّاً في أكثر رواياتنا و أحاديثنا التي وردتْ عنهم “صلواتُ الله علبهم” متناولة هذا الموضوع.. و ما جاء إطلاقاً منهم في بعض الروايات كالأمثلة التي أشرتُ إليها جاء مُجاراةً للناس أو جاء على نحو التجوّز.
  • و مُرادي من أنه جاء مُجاراةً للناس:
  • مثلما يرِدُ في أحاديث أهل البيت فيما يرتبط بمسجد الكوفة، و ما يتحدّثون به عن باب الفيل.. فهذا الباب لم يكن اسمه هكذا.. هذا الباب هو باب الثعبان، الباب الذي دخل منه ذلك الثعبان الكبير الذي ملأ الكوفة رُعباً .اقرأوا زيارات الأمير الموجودة في المفاتيح، في أكثر من زيارة يتردّد ذكر هذا الثعبان.. لأنّها كانت واقعة عظيمة في وقتها.
  • الثعبان الذي فرّ منه الناس، و جاء و دخل إلى المسجد و خاطب أمير المؤمنين.. حكايته معروفة في كُتبنا و ذكره واردٌ بشكل متكرّر في زيارات سيّد لأوصياء، فسُمّي هذا الباب بباب الثعبان، و كان معروفاً في زمان أمير المؤمنين بهذا الإسم.
  • — لما صار الأمر بيد معاوية، و معاوية كان يسعى في مسح كُلّ شيء يُذكّر الناس بسيّد الأوصياء، و لا يُريد للناس أن تتساءل: لماذا سُمّي هذا الباب بباب الثعبان، فأمرهم فجاءوا بفيل كبير ربطوه عند الباب.. فسمّي هذا الباب بعد ذلك بباب الفيل.. و لكن الأئمة حين يتحدّثون عن هذا الباب يُسمّونه بباب الفيل مُجارةً للأمر الجاري بين الناس.. فانتقلتْ التسميّة مِن “باب الثعبان” و هي التسمية الأصليّة، و التي لها صِلةٌ بسيّد الأوصياء إلى باب الفيل و التي لها صِلة بمُعاوية.
  • هذا مرادي من أن الأئمة يستخدمون هذه الإطلاقات مُجاراةً للناس، أو قد يكون مِن باب التسامح و التجوّز في بعض الأحيان كإطلاق مكّة على القبلة.
  • ● وقفة عند هذه الرواية العلوية المهمة جداً في [وسائل الشيعة: ج3]
  • (عن إسماعيل بن زيد مولى عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين “صلواتُ الله عليه” و هو في مسجد الكوفة فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين و رحمةُ الله وبركاته، فردَّ عليه.. فقال: جعلتُ فداك، إنّي أردتُ المسجد الأقصى، فأردتُ أن أُسلّم عليك و أودّعك، فقال له: و أيُّ شئٍ أردتَ بذلك؟ قال: الفضل جعلتُ فداك، قال “عليه السلام”:
  • فبع راحلتكَ، و كُل زادكَ، و صلّ في هذا المسجد فإنّ الصلاة المكتوبة فيه حجّةٌ مبرورة، و النافلة عُمرة مبرورة، و البركةُ منهُ على اثنى عشر ميلاً،
  • يمينه يُمن و يسارهُ مكر، و في وسطه عينٌ مِن دُهن و عينٌ من لبن و عينٌ من ماء شرابٌ للمؤمنين، و عينٌ من ماء طاهر للمُؤمنين، منه سارت سفينة نوح، و كان فيه نسر و يغوث و يعوق، و صلّى فيه سبعون نبيّاً و سبعون وصيّاً أنا أحدهم، و قال بيده في صدره: ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة مِن الحوائج إلّا أجابهُ الله تعالى و فرّج عنه كُربته)
  • الإمام يُشير إلى صورة مسجد الكوفة في مرحلة الرجعة، بعد ظهور إمام زماننا.. الروايات هكذا حدّثتنا عن صُورة مسجد الكوفة في مرحلة الرجعة.
  • — قول الإمام (ويسارهُ مكر) يُشير إلى قصر الإمارة.. يُشير إلى الجانب الأموي في الكوفة.
  • — قول الإمام (و كان فيه نسر و يغوث و يعوق) هؤلاء من الأولياء في الأمم الأولى.
  • ● الرواية صريحة و واضحة تُشير إلى أمرين مُهمّين:
  • الأمر (1): يُشير إلى أنّ بيت المقدس لا تُشدّ له الرحال.. و إنّما يُشدّ الرحال إلى مسجد الكوفة، و هناك روايات عديدة عن الأئمة تُشير إلى ذلك.. نعم النواصب يقولون أنّ الرحال تُشدّ إلى بيت المقدس، و هذا كذبٌ و افتراء.. هذا مِن بقايا ما افتراه عبد الملك بن مروان في توجيه الناس إلى بيت المقدس عِوضاً عن الكعبة.
  • أمّا بيت المقدس فهو مسجدٌ له منزلة، له رُتبةٌ، له شرفٌ، تُستحبّ الصلاة فيه، و هو أشرف من المسجد الجامع في أيّة مدينة.. و لكن لا يُقاس فضله لا بالمسجد الحرام و لا بالمسجد النبوي و لا بمسجد الكوفة.. و لذا الأمير أمره أن يبيع راحلته و أن يأكل زاده و أن يتعبّد في مسجد الكوفة.
  • الأمر (2): مسجد الكوفة أشرفُ و أعظمُ مِن بيت المقدس، و هذا سيتّضحُ من رواياتٍ كثيرة وردتْ عن المعصومين “صلواتُ الله و سلامه عليهم”.
  • ● رواية أخرى أيضاً في [وسائل الشيعة: ج3] و هي عن أمير المؤمنين.. يقول:
  • (لا تُشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، و مسجد الرسول، و مسجد الكوفة)
  • هذه المساجد التي يُشدّ إليها الرحال.. و أنّ الإنسان يُنفق المال في السفر إليها و يسعى إليها.
  • بيت المقدس مسجد من المساجد المُحترمة و المُباركة و لكن لا يصِلُ إلى درجة المساجد التي يُشدّ الرحال إليها.
  • ● رواية أخرى أيضاً في [وسائل الشيعة: ج3] عن إمامنا الباقر يتحدّث فيها عن المساجد المُهمّة.
  • (عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر “الباقر عليه‌ السلام” قال: المساجد الأربعة: المسجد الحرام، و مسجد رسول الله “صلّى الله عليه وآله”، و مسجد بيت المقدّس، و مسجد الكوفة، يا أبا حمزة: الفريضة فيها تعدل حجّة، و النافلة تعدل عمرة)
  • هذه الرواية و أمثالها فقط تُشير إلى أنّ “بيت المقدس” مسجدٌ من المساجد المهمّة.. أنّ الصلاة تُستحبّ فيه.. و أن أجراً كبيراً للذي يُصلّي في بيت المقدّس.. و لكن بيت المقدس ليست له تلك الخصوصيّات التي هي للمساجد التي تُشدّ إليها الرحال.

  • وقفة عند نماذج من الروايات و الأحاديث التي تتحدّث عن مسجد الكوفة في [وسائل الشيعة: ج3]
  • ● (عن هارون بن خارجة، قال: قال أبو عبد الله “عليه السلام”: كم بينكَ و بين مسجد الكوفة، يكون ميلاً؟ قلتُ: لا، قال: فتصلي فيه الصلاة كلّها؟ قلتُ: لا قال: أما لو كنتُ حاضراً بحضرتهِ – أي قريباً منه – لرجوتُ أن لا تفوتني صلاة.. و تدري ما فضلُ ذلك الموضع؟
  • ما مِن عبد صالح و لا نبيّ إلّا و قد صلّى في مسجد كوفان، حتّى أن رسول الله لمّا أُسري به، قال له جبرئيل: أ تدري أين أنت الساعة يا رسول الله؟ أنت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربّي حتّى آتيه فأُصلّي ركعتين، فاستأذن الله عزّ و جلّ فأذنَ له، و إنّ مَيمنتهُ لروضةٌ من رياض الجنّة، و إنّ وسَطَهُ لروضةٌ من رياض الجنّة، و إنّ الصلاة المكتوبةَ فيه لتُعدَلُ بألف صلاة، و إنّ النافلة لتُعدَلُ بخمسمائة صلاة، و إنّ الجلوس فيه بغير تلاوةٍ و لا ذكر لعبادة، و لو عَلِم الناسُ ما فيه لأتوه و لو حبواً).
  • لاحظوا ميسرة المسجد لم يتحدّث عنها الإمام، لأنّ قصر الإمارة (الرمز الأموي) هو عن ميسرة المسجد.. و قطعاً حتّى ميسرة مسجد الكوفة هي خير، و لكن بحسب ما يرآه الناس فقصر الإمارة ظاهرةٌ عارضةٌ طارئة.. و الإمام هنا يتحدّث عن مسجد الكوفة في مرحلة الرجعة، و لكنّه لا يُريد أن يمدح هذه الجهة!
  • لاحظوا دقّة أحاديث الأئمة في البراءة.. فالأئمة لا يُريدون أن يتسرّب إلى أذهان الشيعة من أنّ ميسرة المسجد التي فيها قصر الإمارة هي روضة من رياض الجنّة فيتوقّعون مديحاً لأعدائهم و لهذه القذارة.
  • المساجد التي هي بهذه الدرجة هي التي يُشدّ إليها الرحال.
  • ● رواية أخرى (عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر “الباقر صلواتُ الله عليه” قال: قلتُ له: أيّ البقاع أفضل بعد حرم الله و حرم رسوله؟ قال: الكوفة،
  • يا أبا بكر هي الزكية الطاهرة، فيها قبور النبيّين و المُرسلين و غير المرسلين و الأوصياء الصادقين، و فيها مسجد سُهيل – أي مسجد السهلة – الذي لم يبعث الله نبيّاً إلّا و قد صلّى فيه – و هو المقرّ الرسمي لإمام زماننا -، و فيها يظهر عدلُ الله، و فيها يكون قائمهُ و القوام مِن بعده، و هي منازلُ النبيّين و الأوصياء و الصالحين)
  • ● رواية أخرى (عن نجم بن حطيم، عن أبي جعفر الباقر “عليه السلام” قال: لو يعلم الناس ما في مسجد الكوفة لأعدّوا لهُ الزاد و الرواحل من مكان بعيد، إنّ صلاة فريضة فيه تعدلُ حجّة، و صلاة نافلة فيه تعدل عُمرة)
  • هذه المساجد التي يُشدُّ لها الرحال.. و ثالث الحرمين هو مسجد الكوفة.
  • فاصل درامي (3): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]
  • ● الأمويون ابتدعوا بدعةً أن جعلوا الناس تشدّ الرحال إلى بيت المقدس.. و الشيعة تبعوهم في ذلك، فقد كانوا حينما يذهبون إلى الحجّ يبدأون ببيت المقدس!!
  • و أنا أقول لهم: مَن مِن الأئمة المعصومين شدّ رحالهُ إلى بيت المقدس؟!
  • نبيّنا في الإسراء و المعراج ذلك أمرٌ خاصّ.. و سأتي الحديث عنه.. و لكن مَن مِن الأئمة المعصومين شدّ رحالهُ إلى بيت المقدس؟!
  • ● رواية أخرة من [كتاب الوسائل: ج3] يتحدّث فيها أبو حمزة الثمالي عن أوّل لقاء له بالإمام السجّاد.
  • (عن أبي حمزة قال: إنّ أوّل ما عرفتُ من عليّ بن الحسين “عليه‌ السلام” أنّي رأيتُ رَجُلاً دخل من باب الفيل، فصلّى أربع ركعات، فتبعْتهُ حتّى أتى بئر الركوة، و إذا بناقتين معقولتين و معهما غلامٌ أسود فقلتُ له – أي قلتُ للغلام الأسود -: مَن هذا؟ قال: هذا عليّ بن الحسين، فدنوتُ إليه و سلّمتُ عليه، فقلتُ له: ما أقدمكَ بلاداً قُتِلَ فيها أبوك و جدّك؟ فقال: زُرتُ أبي و صلّيتُ في هذا المسجد، ثمّ قال: ها هوذا وجهي – أنا راجعٌ إلى المدينة-)
  • هذا مسجدٌ شدّ المعصوم إليه الرحال، مع ظروف التقيّة الشديدة التي كان يعيشها الإمام السجّاد في المدينة، و جاء إلى الكوفة موطن الأخطار، لأنّه يُريد أن يُبيّن لنا حقيقة و هي:
  • أنّ المساجد التي يُشدّ إليها الرحال هي حرم الحُسين، و الكوفة.. و لكن آتوني برواية واحدة أنّ الأئمة شدّوا الرحال إلى مسجد.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…