السرطان القطبيّ الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة – الحلقة ٤٦ – ساحة الثقافة الشيعيّة ج٢١ – فلسطين في ثقافة الكتاب والعترة ق٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ الموافق 14 / 12 / 2017م

  • هذه هي الحلقة (46) من حلقات برنامج السرطان القطبي الخبيث في ساحة الثقافة الشيعيّة، و هي الرابعة من مجموعة حلقات: فلسطين في ثقافة الكتاب و العترة.

  • في الحلقة الماضية كان خاتمة الحلقة عند هذه الرواية من كتاب [وسائل الشيعة: ج3] و التي يتحدّث فيها أبو حمزة الثمالي عن أوّل لقاء له بالإمام السجّاد.
  • (عن أبي حمزة قال: إنّ أوّل ما عرفتُ من عليّ بن الحسين “عليه‌ السلام” أنّي رأيتُ رَجُلاً دخل من باب الفيل، فصلّى أربع ركعات، فتبعْتهُ حتّى أتى بئر الركوة، و إذا بناقتين معقولتين و معهما غلامٌ أسود فقلتُ له – أي قلتُ للغلام الأسود -: مَن هذا؟ قال: هذا عليّ بن الحسين، فدنوتُ إليه و سلّمتُ عليه، فقلتُ له: ما أقدمكَ بلاداً قُتِلَ فيها أبوك و جدّك؟ فقال: زُرتُ أبي و صلّيتُ في هذا المسجد، ثمّ قال: ها هوذا وجهي فإنّي راجعٌ إلى المدينة)
  • الرواية واضحة و صريحة في أنّ مسجد الكوفة من المساجد التي يُشدّ لها الرحال، و هذه سيرة معصوم واضحة جدّاً.. و لم يرد عندنا أنّ أحداً مِن المعصومين شدّ الرحال إلى بيت المقدس.
  • الإمام كان يشدّ الرحال إلى مسجد الكوفة مع خطورة الأوضاع في العراق زماناً مكاناً، أشخاصاً، و حكومةً.. و مع ذلك يأتي الإمام لزيارة كربلاء و زيارة مسجد الكوفة.. و مرّت علينا الروايات من أنّ المسجد الأقصى في السماء، و أنّ مسجد الكوفة أفضل من بيت المقدس.. و مرّت علينا الرواية عن أمير المؤمنين أنّه لمّا جاءهُ ذلك الرجل مودّعاً لأنّه كان يُريد أن يقصد بيت المقدس طَلَباً للفضل.. فالأمير قال له: (بعْ راحلتك، و كل زادك، و صلّ صلاتك في هذا المسجد)
  • فمسجد الكوفة أعظم من بيت المقدس مع جلالة بيت المقدس.. بيتُ المقدس له مِن الجلالة و المنزلة.. و لكن ذلك لا يُقاس بمسجد الكوفة الأعظم، و ستأتينا تفاصيل أخرى في طوايا هذه الحلقة لكي تتّضح الصورة بشكلٍ جليّ و بيّن.
  • ● (بيت المقدّس) و الذي يُعبّر عنه الناس بالمسجد الأقصى منزلٌ مبارك، هو من منازل الأنبياء، و سيأتينا الحديث في فضل بيت المقدس، و لكنّي أتدرّج في الكلام شيئاً فشيئاً كي أُعطيكم صورةً واضحة عن موقع فلسطين و عن موقع بيت المقدس في ثقافة الكتاب و العترة.. فما هو موجودٌ في ساحة الثقافة الشيعيّة فيما يرتبط بالمسجد الأقصى و بيت المقدس و فلسطين مأخوذٌ من الثقافة القطبيّة الناصبيّة، و مأخوذٌ من الثقافة السياسيّة للحكّام العرب.
  • أمّا حديث أهل البيت فعلماؤنا و مراجعنا و خُطباؤنا و مراكزنا الثقافيّة و أحزابنا ومُنظّماتنا و فضائيّاتنا يطرحونه جانباً.. بل لا علم لهم بحديث أهل البيت، و لا اطّلاع لهم بحديث أهل البيت.. غايةُ ما عندهم مِن الثقافة ثقافةٌ قُطبيةٌ ناصبيّة، أو هراءٌ مِن عالم السياسة.
  • ● وقفة عند كتاب [وسائل الشيعة: ج5]- تحت عنوان: أبواب صلاة المسافر – باب 25
  • (عن حماد بن عيسى عن أبي عبدالله “الصادق عليه السلام” قال: مِن مخزون علم الله – أي من علمنا الخاصّ بنا – الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله، و حرم رسوله، و حرم أمير المؤمنين – أي مسجد الكوفة و كذلك روضة أمير المؤمنين – و حرم الحسين بن عليّ)
  • في السفر تكون الصلاة مقصورة، و لكن هناك مواطن لها حُرمة و لها قُدسيّة خاصّة.. و هذه المواطن التي ذكرها الإمام هي المواطن التي يُخيّر فيها المُسافر بين القصر و التمام، و الإتمام أفضل لِحرمتها و فضلها.. و الروايات كثيرة في هذا المضمون.. منها:
  • (عن إمامنا الصادق “عليه السلام” قال: تتم الصلاةُ في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، و مسجد الرسول، و مسجد الكوفة، و حرم الحسين)
  • ● رواية أخرى: (عن أبي بصير عن أبي عبدالله “عليه السلام”، قال سمعتهُ يقول: تتمّ الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، و مسجد الرسول، و مسجد الكوفة، و حرم الحسين)
  • لم يرد ذكرٌ لبيت المقدس.. ليس لأنّ بيت المقدس ليستْ له خُصوصيّة، و إنّما لأنّ خصوصيّة بيت المقدس لن تصل إلى خصوصيّة هذه المواطن التي تحدّثتْ عنها هذه الروايات.
  • هذه المواطن هي المواطن التي يُشدّ لها الرحال، و لذلك جاء إمامنا السجّاد رُغم كُلّ الظروف قاصداً كربلاء و قاصداً الكوفة في مسجدها الأعظم، و المعصومون فعلوا ذلك.. أمّا بيت المقدس فليس هكذا، و لم يرد عن أيّ معصوم أنّه قصده، و لم يرد عن أيّ معصوم أنّه حثّ شيعته بالتوجّه إلى بيت المقدس.
  • — بيتُ المقدس موضع، محلّ، أرضٌ لها خُصوصيّتها، لكنّها لن تصل إلى مُستوى ما لهذه المواطن و المساجد من خُصوصيّة و منزلة و فضل.. فبيتُ المقدس لا يُشدّ له الرحال في ثقافة الكتاب و العترة.
  • ● هذه المواطن و هذه المساجد التي مرّ ذكرها و التي يُخيّر فيها المسافر بين القصر و التمام كان هذا الحُكم لخُصوصيّتها.. و التخيير فيها بين القصر و الإتمام هو إشارة إلى أنّ هذه المواطن هي وطنٌ للمؤمن المسافر، لشدّة ارتباط هذه المواطن بآل محمّد.
  • الوطن الأصل هو الحقيقة المُحمّدية، ذاك هو وطننا (شيعتُنا خُلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا و يحزنون لِحزننا) فهذا الفرح و هذا الحزن مُرتبطٌ بتلك الطينة الوطن، و هذه المساجد و المنازل التي أُشير إليها يُشدّ إليها الرحال، و حكم الصلاة فيها للمسافر له خُصوصيّته، و غير ذلك.. إنّها إشاراتٌ صريحة تأخذنا إلى هذه الحقيقة: إلى خُصوصيّة الرابطة فيما بين هذه المواطن و بين آل محمّد “صلوات الله عليهم”.
  • فاصل درامي (1): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]
  • ● وقفة عند كتاب [بحار الأنوار: ج12]
  • (عن إسماعيل الجعفي، قال: كنتُ في المسجد الحرام قاعداً، و أبو جعفر “عليه السلام” في ناحية، فرفع رأسهُ فنظرَ إلى السماء مرّة، و إلى الكعبة مرّة، ثمّ قال: سُبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، و كرّر ذلك ثلاث مرّات، ثمّ التفت إليّ، فقال: أيّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية، يا عراقي؟ قلتُ: يقولون أسرى به من المسجد الحرام إلى البيت المُقدّس.
  • فقال: ليس كما يقولون، و لكنّه أسرى به من هذه إلى هذه – و أشار بيده إلى السماء- و قال: ما بينهما حرم.. قال: فلمّا انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلّف عنه جبرئيل، فقال رسول الله “صلّى الله عليه وآله”: يا جبرئيل في هذا الموضع تخذلني؟فقال: تقدّم أمامك، فو الله لقد بلغتَ مبْلغاً لم يبلغهُ خلقٌ مِن خلق الله قبلك، قال: فرأيتُ ربّي و حال بيني و بينهُ السُبحة)
  • الإمام هنا يقول بهذا الأمر: ينظر إلى السماء، ثُمّ ينظر إلى الكعبة، ثُمّ يُكرّر الآية ثلاث مرّات.. كلّ هذه التفاصيل الإمام قام بها لكي يُلفت أنظارنا إلى أهميّة هذا الموضوع.
  • — قوله: (ما بينهما حرم) أي ما كان خلال هذه السفرة، فقد مرّ على الكوفة، و مرّ على بيت المقدس، و مرّ على مواطن أُخرى عديدة.. و قوله: (ما بينهما حرم) يعني مرّ في أماكن لها من الحُرمة و لها من القداسة، ولها من المنزلة.. و لكن المُراد مِن المسجد الأقصى هو الأبعد، أي هو أقصى و أعلى نقطة وصل إليها نبيّنا الأعظم ما بعد السُبُحات.. في أقرب موطن إلى الله سُبحانه وتعالى حين دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى (دنواً و اقتراباً من العليّ الأعلى) كما نقرأ في دعاء الندبة.
  • الرواية واضحة، و هي جزءٌ من الأحاديث التفسيريّة.. و هذا ما أصرّ عليه دائماً مِن أنّ علماءنا و مراجعنا لو كانوا قد اعتمدوا على الأحاديث التفسيريّة في تفسير القرآن لَما أُصبنا بهذه الثقافة الناصبيّة.. لكنّهم فسّروا القرآن بحسب المنهج العمري، و راحوا يكرعون في تفاسير النواصب، إلى أن وصلنا إلى التفسير القُطبي.
  • و حلّت على رؤوسنا الطامّة الكُبرى (أعني هذه الأجيال التي وُلدت و عاشت مُنذ الخمسينات و إلى يومنا هذا) و إلّا لو أنّهم اعتمدوا الأحاديث التفسيريّة في تفسير القرآن لكانت الصورة واضحة جدّاً.
  • المُشكلة في علمائنا أنّهم تعوّدوا على فهم الأحاديث وفقاً للذوق القُطبي – بالنسبة للمُعاصرين – و أمّا العلماء الذين سبقوهم فقد تعوّدوا على فهم الأحاديث وفقاً للذوق الشافعي لأنّ هذا هو الموجود في ساحة الثقافة الشيعيّة.
  • مُشكلة علمائنا في فهمهم للأحاديث أنّهم يفهمون الأحاديث بطريقة المُخالفين، و طريقة المُخالفين تتعامل مع القرآن و مع الأحاديث بطريقة فهم البدوي.
  • — على سبيل المثال: في صفحة 374 شرحٌ و بيان من الشيخ المجلسي: يقول:
  • (قوله عليه السلام “من هذهِ إلى هذه” أي المراد من المسجد الأقصى البيت المعمور، لأنّه أقصى المساجد، و لا يُنافي ذهابه أولاً إلى بيت المقدس..)
  • من قال لك ذلك يا شيخنا المجلسي؟ يُمكن أن نُسمّي البيت المعمور في السماء الرابعة تجوّزاً بالمسجد الأقصى، مثلما قال إمامنا الباقر (ما بين هذه و هذه حرم) فالمسجد الأقصى يُمكن أن نُطلقهُ على البيت المعمور، و يُمكن أن نُطلقه على العرش و ما بعد العرش.. و لكن الإطلاق الحقيقي هو أقصى و أعلى نُقطة وصل إليها سيّد الكائنات محمّد “صلّى الله عليه وآله”.
  • و يُمكن أن نُطلق عنوان “المسجد الأقصى” على “بيت المقدس” لأنّه واقعٌ في هذا الحرم: “ما بين هذه إلى هذه” كما يقول إمامنا الباقر.. فالإطلاق إطلاق تجوّزي، و لكن الشيخ المجلسي يفهم ذلك على نحو الحقيقة.
  • بينما في الحاشية يعلّق الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي، و هو (فقيهٌ أصوليٌ) فيقول:
  • (أراد عليه السلام أنّ إسراءه لم يكن مقصوراً على ذلك، بل كان مِن الأرض إلى السماء، فكان إسراؤُه أولاً إلى المسجد الأقصى ثُمّ منه إلى السماء فالمسجد الأقصى هو بيت المقدس بالإطلاق الحقيقي)
  • هذا هو الفهم الذي أقول عنه أنّه ليس فهماً مُنسجماً مع ثقافة الكتاب والعترة؛ لأنّ الذي يفهم الحديث فقيهٌ أصوليٌ و علماؤنا الأصوليّون يفهمون الأحاديث بشكلٍ مُخالف لثقافة الكتاب و العترة لأنّهم مُشبعون بالفكر المُخالف لأهل البيت.. دراستهم في علم الرجال الناصبي، و في علم الأصول الناصبي، و في علم الكلام الناصبي ركّبت عقولهم بطريقةٍ لا يفهمون حديث أهل البيت وفقاً لذوق أهل البيت، و إنّما يفهمون الأحاديث بطريقة بعيدة جدّاً عن حديث آل محمّد.
  • و هذا الفهم الذي ذكره الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي هو الفهم الذي عليه المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.

  • قضيّة مُهمّة جدّاً لابد أن أمرّ عليها، و هي:

  • الذي يتبادر إلى أذهان الشيعة حينما يكون الحديث عن المسجد الأقصى: مباشرة هناك صورة معهودة لبناء يُعرف الآن بمسجد قبّة الصخرة.. و هو المكان الذي كان الشيعة قبل عام 1967 يقصدونه للزيارة قبل ذهابهم إلى مكّة، و حتّى بقيّة المُسلمين، و لكن حديثي هنا عن الشيعة فقط، أمّا المُخالفين فلا شأن لي بهم.
  • يتبادرُ إلى الأذهان هذا البناء المعروف بـ(بناء قبّة الصخرة) فأنا لا أُسمّيه بـ(مسجد قبّة الصخرة) فهذا بناء أمويٌ شيطاني.. و سأشرح لكم الصورة.
  • ● بيت المقدس مساحته واسعة أوسع من هذا البناء.. بيت المقدس هو الهضبة الصخريّة العالية و مساحتها واسعة جدّاً.
  • فيديو (1) : موجود على اليوتيوب و هو مأخوذ مِن قناة الجزيرة القطريّة.. هذا الفيديو يُعطي صُورة إجماليّة عن المكان الذي يُسمّى على ألسنة المُسلمين بالمسجد الأقصى.
  • فيديو (2) : هناك فيديو آخر يشرح تفاصيل أكثر عن هذا الموضوع.
  • ● هذا البناء الذي يُعرف بـ(قبّة الصخرة) البعض يتصوّر أنّ هذا هو المسجد الأقصى الذي يتحدّث عنه المسلمون.. المسجد الأقصى مساحته كبيرة جدّاً، و قبّة الصخرة هي جزءٌ مِن المسجد الأقصى الذي يتحدّث عنه المُسلمون و تتحدّث عنه هذه التقارير المُصوّرة.
  • في ثقافة الكتاب و العترة المسجد الأقصى هناك في أعلى نقطة وصل إليها نبيّنا “صلّى الله عليه وآله”.. أمّا هذا الذي في فلسطين فهذا بيت المقدس.
  • — ما يُسمّى بـ(قُبّة الصخرة) هذه بدعةٌ شيطانيّة أمويّة:
  • فعبد الملك بن مروان طلب من ولده الوليد أن يبني مكاناً هُنا يخدعون به أهل الشام، و يُصوّرون للشاميين و لأتباع بني أمُيّة بأنّ هذا المكان أفضل من الكعبة.. لذلك الوليد بن عبد الملك و من معه من المُهندسين و البنّائين اقترحوا هذا الاقتراح و صمّموا هذا التصميم.
  • الكعبة أركانها أربعة، و هم جاءوا ببناءٍ مُثمّن (يعني له ثمانية أبعاد) و لازال إلى اليوم هذا البناء بناءً مُثمّناً.. أمّا قصّة الصخرة فنحنُ لا نعرف عنها شيئاً في ثقافة الكتاب و العترة.
  • هذه صخرةٌ اقتطعها الأمويّون و جعلوها بديلاً عن الحجر الأسود، و جعلوها كبيرةً، ثُمّ حفروا عليها آثاراً لأقدام النبي مثلما تُوجد آثار لأقدام إبراهيم الخليل في مقام إبراهيم في المسجد الحرام.. و قالوا: إنّ النبيّ وقف هنا و من هنا صعد إلى السماء، و نسوا من أنّ النبيّ صعد إلى السماء على البراق.
  • فهذه الصخرة لا نجدُ لها ذكراً في حديث العترة الطاهرة.
  • حتّى في أحاديث المُخالفين حينما يُناقشون الروايات و الأحاديث التي تحدّثت عن هذه الصخرة فإنّهم يُضعّفونها مِن جهة الرجال و الأسانيد و لا شأن لي بهم، حديثي عن ثقافة الكتاب والعترة.
  • فالأمويّون: عبد الملك بن مروان و ولده الوليد هما من بنيا هذا البناء و جعلوا لهُ أركاناً ثمانية ضعف أركان الكعبة.. و إنّما جعلوها ثمانيّة لجهتين:
  • الجهة (1): أنّ هذه الأركان في العدد هي ضعف أركان الكعبة، ثُمّ قالوا: إنّ أبواب الجنّة ثمانية، فكُلّ ركنٍ مِن هذه الأركان يُناظر باباً مِن أبواب الجنّة الثمانيّة.. و هذا الأمر ربّما التفتوا إليه بعد ذلك.. فهم في البداية أرادوا أن يبنوا بناءً يكون أفخم و أعظم من الكعبة فاقترحوا البناء المُثمّن.. ثُمّ جاءوا بهذه الصخرة الكبيرة، فهي أكبر بكثير من الحجر الأسود.
  • ● قد تتساءلون و تقولون: أنّه ورد في الروايات ذكرُ (صخرة بيت المقدس) و أقول: نعم ورد هذا العنوان، و لكن مَن قال أنّ هذا العنوان الذي ورد في الروايات يتحدّث عن هذه الصخرة؟
  • فهذه الصخرة لم يرد عنها حديثٌ عن آل محمّد “صلواتُ الله عليهم”.. نعم، هناك أكاذيب في ساحة الثقافة الشيعيّة نحن كُنّا نُصدّق بها.. مثلاً:
  • يُحدّثنا كبار السن الذين ذهبوا إلى بيت المقدس و يبدو أنّهم كانوا مُشبعين بفكرةٍ كاذبةٍ و صدّقوا بها.. و هي: أنّهم كانوا يقولون أنّ هذه الصخرة معلّقةً في الهواء، و هذا الكلام كذب في كذب.. الصخرة موضوعة على دكّة.
  • و هناك كلامٌ كثير سمعناه من رجال الدين الشيعة أو قرأناه في بعض الكتب أو سمعناه من الحُجّاج الذين ذهبوا و حجّوا هناك، و لكن و لا واحد منهم رأى أنّ هذه الصخرة مُعلّقة في الهواء، فقط يقول: رأيتها.
  • الصخرة ليست مُعلّقة في الهواء، و لو كان هذا الأمر موجوداً فعلاً لظهر في الأفلام و في الصور.. تلك من الأكاذيب و الافتراءات، و كُلّ ذلك يدخل تحت عنوان: “التثويل المغناطيسي في أجوائنا الدينيّة” الذي أتحدّث عنه دائماً، و كذلك التسطيح الفكري العقائدي في مؤسّستنا الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.. هذه الصخرة لا خُصوصيّة لها، و كُلّ ما قِيل عنها أكاذيب و ليس لها من ذكر في حديث أهل البيت لا مِن عين و لا مِن أثر.
  • عنوان “صخرة بيت المقدس” ورد في الروايات، و سأشرح لكم ما المراد مِن هذا العنوان.
  • — فهذا البناء المعروف بـ(بناء قبّة الصخرة) هذا بناءٌ شيطاني بُني على أرض بيت المقدس.. بيتُ المقدس هو أرضٌ واسعة.
  • بيت المقدس بعبارة مُوجزة و مُختصرة: هو الهضبة الصخريّة المُرتفعة في الجانب الشرقي من مدينة القدس.. هذا هو الذي يُقال له بيت المقدس و الأرض المُباركة من حوله هي هذه الهضبة الواسعة.
  • بيت المقدس كان بناءً موجوداً.. في رواياتنا بيت المقدس أوّل من بناه و اختطّه أبونا آدم، و لكنّه لم يُعرف بشكلٍ واضح إلّا في زمان النبي إبراهيم.
  • النبيّ إبراهيم حين هاجر من العراق إلى فلسطين أعاد بناءه مثلما أعاد بناء المسجد الحرام، و المسجد الحرام أوّل مَن اختطّه جبرئيل، و اختّطه أبونا آدم، و لكنّه ضاع في أحقاب التأريخ.
  • الذي وضع أُسّسه إلى يومنا هذا هو النبيّ إبراهيم و النبيّ اسماعيل.. فمثلما اختطّ إبراهيم البيت الحرام في الحجاز، اختطّ بيت المقدس في فلسطين.. فالفضل يعود لإبراهيم في تشييد بيت المقدس و في تشييد المسجد الحرام.. و لذا فبيتُ المقدس لا صِلة به لليهود.. لليهود صلةٌ به كسائر الأمم الأخرى، فهو ليس مكاناً خاصّاً لليهود.
  • إبراهيم اختطّ للمُحمّديين من أولاده المسجد الحرام، و اختطّ للإسرائليين من أولاده بيت المقدس و لكنّه ليس خاصّاً بهم.. فبيت المقدس مكانٌ يرتبط بكلّ الأنبياء (أنبياء بني إسرائيل و غيرهم) مثلما المسجد الحرام كذلك.
  • فالمسجد الحرام زاره كُلّ الأنبياء مِن أنبياء بني إسرائيل و مِن غيرهم، و كذلك بيت المقدس زاره كُلّ الأنبياء.. فهو ليس خاصّاً بأُمّة مُعيّنة و ليس خاصّاً بديانةٍ مُعيّنة.. قطعاً تكون لدين الإسلام الخصوصيّة الأكبر لأنّه الدين الخاتم، و دين الأنبياء مُنذ زمان أبينا آدم و إلى زمان نبيّنا الخاتم هو دين الإسلام.. الإسلام دين الجميع، و لكنّه يظهر في كُلّ زمانٍ بما يُناسب ذلك الزمان.
  • — (إنّ الدين عند الله الإسلام) هذا القانون و هذه القاعدة ليستْ خاصّة بهذه الأُمّة.. و إنّما هو قانون على طُول الخط، فحتّى الملائكة و حتّى الجآنّ الذين كانوا على الأرض قبلنا دينهم الإسلام.
  • الدين عند الله واحد هو دين الإسلام، و لكن في زمان كُلّ نبيّ هناك بيانٌ معرفي و عقائدي، و هناك تشريعٌ و قوانين تتناسب مع ذلك الزمان و مع ذلك المكان، ومع المُستوى العقلي لذلك المُجتمع و مع الظروف المُحيطة بتلك الأمّة، و هكذا تجري الأمور.. فبيت المقدس هو بيت الإسلام على طول الخطّ.، وليس خاصّاً بمجموعة معيّنة و بسُلالةٍ مُعيّنة، و ليس خاصّاً بالعرب أو بغيرهم.. بيت المقدس هو أرضٌ مُباركةٌ هي أرضٌ لكلّ الأنبياء.
  • — أمّا هذا البناء الثُماني الأبعاد فهو بناء أمويٌ شيطاني بناه عبد الملك بن مروان لأجل تضليل الناس، و جاء بصخرةٍ اقتطعها من هذه الهضبة، و رتّب هذه المغارة الموجودة و اصطنع هذا الأمر.. و هذه أُحدوثة أمويّة.. و لا شأن لي بما يقول المُخالفون، فأنا أتحدّث عن ثقافة الكتاب و العترة.
  • ما أجده واضحاً في ثقافة أهل البيت هو أنّ المُراد مِن بيت المقدس هي هذه الهضبة و هذا المرتفع الصخري الواقع في شرق القدس و كان عليه بناء،
  • و هذا البناء أُسّس مُنذ زمان إبراهيم و هُدم عدّة مرّات و جُدّد، و بُني في زمان سُليمان.
  • هذا الذي يتحدّثون عنه بـ”الهيكل”.. الهيكل ليس خاصّاً باليهود.. هذه معابدُ الأنبياء و ليستْ خاصّة بأمّة معيّنة.. فحينما يأتي الدين الخاتم تنتهي كُلّ الأديان السابقة، و كُلّ الأماكن المُقدّسة ستكون تحت خيمة هذا الدين.. هذه هي عقيدتنا.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج4] و الذي يُشير إلى أنّه كان يُوجد هناك بناء في هذه الهضبة الواسعة التي تُمثّل بيت المقدس.
  • (عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق “عليهما السلام”، قال: لمّا أُسري برسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” إلى بيت المقدس حَمَلهُ جبرئيل على البراق، فأتيا بيت المقدس، و عرض عليه محاريب الأنبياء، فصلّى بها و ردّه، فمرّ رسول الله في رجوعه بعيرٍ لقريش و إذا لهم ماءٌ في آنية، و قد أضلّوا بعيراً لهم و كانوا يطلبونه، فشرب رسول الله من ذلك الماء و أهرقَ باقيه.
  • فلمّا أصبح رسول الله، قال لقريش: إنّ الله جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس و أراني آثار الأنبياء و منازلهم، و إنّي مررتُ بعيرٍ لقُريش في موضع كذا و كذا، و قد أضلّوا بعيراً لهم، فشربتُ من مائهم و أهرقتُ باقي ذلك. فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفُرصة منه، فاسألوه كم الأساطين – جمع الأسطوانة فيها و القناديل؟ – و هذا يُشير إلى أنّه كان هناك بناءٌ عامر -…)
  • فهذه الرواية و أمثالها تُخبرنا عن وجود بناء يُقال له بيت المقدس، توجد فيه محاريب الأنبياء و منازلهم وآثارهم و تُوجد فيه اسطوانات و قناديل للإضاءة.
  • و في ذلك الزمان (زمان البعثة) لا يُوجد يهود.. و قد حدّثتكم في الحلقة الماضية من أنّ اليهود خرجوا من فلسطين مُنذ عام 132م.. و إذا كان هناك بقايا لليهود و رجعوا فعددهم قليل جدّاً.
  • فهذا البناء الذي يُسمّى ببيت المقدس بناءٌ لكلّ الأنبياء.. أيّةُ ديانةٍ كانت شائعة هي التي تظهرُ و تتجلّى في هذا المكان.
  • فبيت المقدس ما كان خاضعاً لليهود.. بيت المقدس شيّده إبراهيم و إبراهيم ما كان يهوديّاً و لا كان نصرانياً، إبراهيم كان حنيفيّاً.. و بيت المقدس بيتٌ أُسّس على الديانة الحنيفيّة.
  • فالنبيّ في إسرائه و معراجه ذهب إلى هذا المكان.. و لكن هذا المكان مُباركٌ ما حوله، فكُلّ الهضبة الواسعة المُحيطة ببيت المقدس هذه أرض مُباركة.. و كُلّ هذه الهضبة هي مسرى رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • — “صخرةُ بيت المقدس” هي أعلى نقطة في هذه الهضبة، و تقعُ في وسط الهضبة.. هذه هي صخرةُ بيت المقدّس، و قد حدّثنا عنها “صلّى الله عليه وآله”.
  • ● وقفة عند مقطع من حديث النبيّ الأعظم في [بحار الأنوار: ج18] و هو يُحدّثنا عن صخرة بيت المقدس.. يقول و هو يُخاطب أمير المؤمنين:
  • (إنّي لمّا بلغتُ بيت المقدس في معارجي إلى السماء وجدتُ على صخرتها – أي على أعلى الهضبة -: “لا إله إلّا الله، محمّدٌ رسول الله، أيّدتهُ بوزيره و نصرته به” فقُلت: يا جبرئيل، و مَن وزيري؟ قال: عليّ بن أبي طالب…)
  • فرسول الله وجد هذا الكلام مكتوباً على صخرة بيت المقدس.. هو لا يتحدّث عن صخرةٍ صغيرة و عن كتابةٍ مخطوطةٍ باليد.. هذا المضمون هو نفسه الذي جاء في كتاب [الإحتجاج] للطبرسي.. و هو حديث القاسم بن معاوية مع إمامنا الصادق.. ممّا جاء فيه:
  • (إنّ الله عزّ و جلّ لمّا خلق العرش كتب عليه: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسولُ الله عليٌ أميرُ المؤمنين، و لمّا خلق الله عزّ و جلّ الماء – أي الماء الأوّل – كتب في مجراه: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين..) و يستمرّ الحديث في بيان هذه الحقائق، إلى أن يقول الحديث:
  • (و لمّا خلق الله عزّ و جلّ السماوات كتب في أكنافِها: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين، و لمّا خلق الله عزّ و جلّ الأرضين كتب في أطباقها: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين، و لمّا خلق الله عزّ و جلّ الجبال كتب في رُؤوسها: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين…)
  • هنا الإمام ذكر الجبال بشكلٍ مُستقل، مع أنّها موجودة في الأرضين.. و لكن حينما تُطلق الأرضين يُراد منها الأراضي السهلة المُنبسطة، و الإمام هنا في الحديث يقول: (ولمّا خلق الله عزّ و جلّ الجبال كتب في رُؤوسها)
  • و لهذا قلتُ أنّ المراد من صخرة بيت المقدس هو أعلى الهضبة، هو قمّة الهضبة، و كانتْ تلك القمّة مُجاورةً لبيت المقدس.. من هنا انطلق البراق برسول الله في معراجه.. لذا حين جاء عمر بن الخطّاب إلى القدس و بنى مسجداً، بناه في مُقابل الصخرة أي مُقابل القمّة (راجعوا تأريخ بناء عمر للمسجد).
  • ● عرض مجموعة من الصورة يظهر فيها منظر عام لقبّة الصخرة و القباب الأخرى المُجاورة لها (قبّة المعراج، و قبّة النبيّ).. مع التعليق
  • ● في سورة لقمان في الآية 16 نقرأ: {يا بُنيّ إنّها إنْ تكُ مثقال حبّة من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السماوات أو في الأرض يأتِ بها الله..}
  • الصخرةُ هي من الأرض، و لكن الآية هنا ذكرت الصخرة بشكلٍ مُستقل.. الصخرةُ هنا هي الجبال مثلما جاء في حديث الإمام الصادق (و لمّا خلق الله عزّ و جلّ الجبال كتب في رُؤوسها) هذا هو الذي أُسمّيه فهم الكتاب و العترة بمنهج لحن القول.
  • ● الخلاصة هي:
  • بيت المقدس هو بيت الإسلام، هو بيت الأنبياء و هو دارُ عبادةٍ و دارُ قدسٍ لكلّ الديانات السابقة حتّى صار تحت خيمة الإسلام.. هو موضعٌ مُقدّس و الأرض حوله مُباركة و هي تلك الهضبة الواقعة في شرق القُدس، و أعلى الهضبة هي صخرة بيت المقدس و منها عُرج برسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • فاصل درامي (2): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]

  • خُلاصة و بيانات مُختصرة جدّاً لخّصتها مِن كُلّ ما جاء في ثقافة الكتاب و العترة عن بيت المقدس الذي هو عنوانٌ للقدس و القدس عنوانٌ لفلسطين.

  • أولاً: الموضع المبارك هذا في ثقافة الكتاب و العترة اسمه: بيت المقدس.. و إطلاق “المسجد الأقصى” عليه ليس حقيقةً، و إذا ما جاء في بعض الأحاديث فمن باب مُجارة الناس، أو من باب التجوّز و المسامحة.. مثلما قال إمامنا الباقر لإسماعيل الجعفي (من هذه إلى هذه – أي من الكعبة إلى السماء – و بينهما حرم)
  • ثانياً: كان قبلةً أولى للنبيّ و المسلمين في بادئ الأمر، حينما كان النبيّ “صلّى الله عليه وآله” في مكّة كان يصلي باتّجاه بيت المقدس، و كانوا يضعون الكعبة بنفس الاتّجاه.. أمّا بعد الهجرة، بعد أن هاجر و خرج من مكّة تغيّرت القِبلة.
  • ثالثاً: هو مكانٌ مرّت فيه قوافل الأنبياء، مكانٌ مقدّس خطّه أبونا آدم، و لكن صار واضحاً و جليّاً في زمان النبيّ إبراهيم.. و مُنذ زمان إبراهيم النبيّ و هذا المكان مكانٌ مبارك مُقدّس لكلّ الأنبياء و لكلّ الديانات المنسوبة لكلّ الأنبياء، حتّى صار تحت خيمة الإسلام.
  • رابعاً: كان جزءاً من برنامج الإسراء و المعراج، فلقد أُسري بنبيّنا إليه.. و بحسب ما عندنا من الروايات و الأحاديث كان الأنبياء بانتظاره، فأمّ رسول الله كُلّ الأنبياء.
  • خامساً: هناك صلة تكوينيّة بين هذه الأرض (بيت المقدس) و بين أراضٍ أخرى ترتبط بمحمّدٍ و آل محمّد.. إذ جاء في رواياتنا عنهم أنّ أرض قم هي قطعةٌ من بيت المقدس.
  • سادساً: جاء في أحاديثنا الشريفة من أنّه من المساجد المُباركة، و الصلاة أجرها و ثوابها عظيم في هذا الموضع (و أتحدّث هنا عن هذه الهضبة الواسعة التي هي بيت المقدس، و ليس الحديث عن بناء قبّة الصخرة فهذا بناءٌ أمويٌ كما أشرت).
  • سابعاً: في ثقافة العترة بيت المقدس مسجدٌ لا يُشدّ له الرحال.. المُخالفون هم الذين يقولون أنّه يُشدّ له الرحال، فقد افتروا الأحاديث على رسول الله في ذلك، و لا شأن لنا بأحاديثهم و مُفترياتهم.
  • ثامناً: ليس لهذا المكان الخُصوصيّة التي هي للمسجد الحرام و للمسجد النبوي و لمسجد الكوفة، لذلك هذه المساجد يُشدّ لها الرحال.. و هذه المساجد حُكم المُسافر فيها أنّه مُخيّرٌ بين القصر والتمام.. يُضاف إلى ذلك حرم أمير المؤمنين في النجف و حرم سيّد الشهداء في كربلاء.. و يُمكن أن يُضاف حرم الأئمة أيضاً، و لكنّنا لا نملك نصوصاً على ذلك، فنقف عند حدود النصوص، و إلّا فمِلاك هذا الحكم في هذه الأماكن المُشرّفة واضح جدّاً.. و لكنّنا تسليماً نقِف عند حدود النصوص.
  • (هذه خُلاصة موجزة.. و بقيت نُقطة واحدة و هي مُهمّة جدّاً.. و سأتناول هذه النقطة بالشرح و البيان)
  • فاصل درامي (3): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]

  • مُلاحظةً سريعةً توضيحيّة:

  • حين يُقال “صخرةُ بيت المقدس” المُراد من الصخرة قد تُطلق على كُلّ الهضبة أو على قمّتها.. و الذي يبدو من القرائن أنّ المُراد من صخرة بيت المقدس هي أعلى جُزء فيها.. و هذا هو الاستعمال الشائع في الّلغة، أو العرف، و حتّى في الجغرافيا و في الجيولوجيا.. في العلوم المعاصرة و القديمة.
  • (عرض صورة مُختلفة: صورة جبل طارق، و صورة لجبل إفيرست مع التعليق عليها.. لتوضيح هذه النقطة).
  • فبيت المقدس كان مبنياً على هضبة صخريّة واسعة، أعلى جزء في هذه الهضبة يُسمّى بصخرة بيت المقدس.. أمّا هذا الهراء الموجود فهو هراء عبد الملك بن مروان.. فهنيئاً للطائفين حول هذا البناء المرواني.
  • تلاحظون الفارق الكبير بين ما هو موجودٌ في ساحة الثقافة الشيعيّة و بين ما هو موجودٌ في ثقافة الكتاب و العترة.

  • قضيّتنا المركزّية هي المشروع المهدوي الأكبر.. و بيت المقدس في القدس في فلسطين جُزءٌ من هذا المشروع.

  • فمثلما كان بيت المقدس جزءاً من برنامج الإسراء و المعراج، و ما اجتماعُ الأنبياء إلّا إشارةٌ واضحة صريحة إلى ارتباط هذه الأرض و هذا الرمز بالمشروع المهدوي الأكبر.. فكُلّ الأنبياء و كُلّ الأوصياء و كُل الأولياء و كُلّ الديانات و الجميع مُنذ اليوم الذي نزل فيه أبونا آدم إلى هذه الأرض و كُلّ شيء بانتظار إمام زماننا.
  • كُلّ ما تقدّم من خيرٍ هو للتمهيد له “صلواتُ الله عليه”، و كُلّ ما تقدّم من شرّ هو لتعويق مشروعه “صلواتُ الله عليه”.
  • فقضيّتنا المركزّية عنوانها “عاشوراء” و لكن عاشوراء تعني: المشروع المهدوي الأعظم.. و بيت المقدس هذا هو جزءٌ من خارطة المشروع المهدوي الأعظم.
  • هذا هو موقع بيت المقدس في ثقافة الكتاب والعترة.. ليس بيت المقدس هو القضيّة المركزيّة، و إنّما القضيّة المركزيّة هو المشروع المهدوي الأعظم و بيت المقدس هو جزءٌ من أجزاء هذا البرنامج.
  • ● إذا ما أردنا أن نعود إلى الوراء.. إبراهيم بنى المسجد الحرام، و المسجد الحرام و المسجد النبوي و الكوفة و كربلاء.. كُلّ هذا يُشير إلى إمام زماننا.. و بيت المقدس حين بناه إبراهيم في فلسطين يُشير إلى عيسى المسيح، و عيسى المسيح هو جنديٌ من جنود إمام زماننا الحجّة بن الحسن و فارسٌ من فرسانه العظام.

  • وقفة عند ما جاء في أحاديث العترة الطاهرة بهذا الخصوص (في جُزئيّة بيت المقدس من قضيّتنا المركزيّة: المشروع المهدوي الأعظم)

  • أولاً: في بيت المقدس تنتهي حرب الثمانية أشهر (و هي حربُ إمام زماننا كما جاء في الروايات)
  • إمام زماننا ليس بإمام حرب، إنّه إمام سلام، و لكن السلام على هذه الأرض التي مُلئت بالظُلم و الجور لن يتحقّق إلّا بإجراء عمليّة جراحيّة كُبرى و تلك العمليّة الجراحيّة الكُبرى هي حرب الثمانية أشهر.. الحرب التي عند انتهائها يُعلن بشكلٍ رسمي تأسيس الدولة المهدويّة المُنتظَرة من كُلّ أولئك الأنبياء الذين صلّوا خلف رسول الله في بيت المقدس عند إسرائه و معراجه.
  • ففي بيت المقدس عندما يصل إمام زماننا إلى القدس و يفتحها.. هُناك تنتهي حرب الثمانية أشهر، و بعدها تبدأ دولة العدل و الحقّ و الرخاء و الرفاهية.
  • ثانياً: في بيت المقدس حين يصل إمامنا و يُصلّي هناك، ينزل عيسى المسيح من السماء أمام الجميع (علماً أنّنا لا نملك تفاصيل كثيرة عن نزول المسيح من السماء..)
  • الذي يبدو لي من خلال الروايات أنّ عيسى المسيح له أكثر من نزول.. فهو نبيٌ سماويٌ يصعدُ إلى منزله إلى السماء و ينزل إلى الأرض.. و الحكمة في ذلك نُصرة الحقّ.
  • في بيت المقدس ينزل عيسى، و بنزول عيسى تتكّشف الكثير من الحقائق.. فأعظم سلاحٍ عند إمام زماننا هو سلاح بيان الحقائق، فإمامنا سيكشف الأسرار، و سيُفجّر المعارف و سيُزيح الظلام عن هذه العقول، فأوّل شيء يقوم به أن يضع يده على رؤوس العباد فيجمع بذلك عقولهم، و إنّما تُجمع العقول بزوال ظلام الجهل و السفاهة، و ظلام الصنميّة القاتل في كُلّ المجموعات الدينيّة.
  • الصنميّة داءٌ يمنع الإنسان من أن يُفكّر بحُريّة.. الصنميّة داءٌ يمنع الإنسان من أن يعبد الله كما يُريد لله.. الصنميّة داء الشيطان الذي كان يُصنّم نفسه و أراد أن يعبد الله و لكن من خلال نفسه، و لذلك طرده الله و لعنه، لأنّ الله تعالى لا يُريد أن يُعبَد من حيث يُريد العبد.
  • الصنميّة تجعل عبادة الإنسان – أيّاً كان نوع هذه العبادة – تجعل العبادة عبادة شيطانيّة.. الصنميّة تُكّبل العقل البشري، الصنميّة تحول فيما بين الإنسان و بين معرفته لإمام زمانه.. الصنميّة تحول فيما بين الإنسان و بين أن يُدرك الحقائق كما هي و تحول فيما بينه و بين أن يفهم الأمور بشكل صحيح، و تحول فيما بينه و بين أن يُدرك الأدلّة و البراهين والحُجج.. الصنميّة تُعمي و تُصم.
  • — عيسى المسيح سلاحٌ من أسلحة إمام زماننا في هذا الأمر، فحين ينزل من السماء و تتكشّف حقائق اليهود و ماذا فعلوا.. و تتجلّى الأمور للنصارى المسيحيين إلى أين ذهبوا ومن الذي غرّر بهم.. و يظهر التزييف في هذه الأمّة و ماذا فعلت السقيفة بهذه الأمّة و ما الذي جرّته المناهج المنحرفة عن أهل البيت في الواقع الشيعي.. فالسقيفة كفرتْ بالعترة جملة و تفصيلاً، و آمنتْ بالكتاب و حسبهم كتاب الله – كما قالوا –
  • و الشيعة آمنتْ بالعترة قولاً.. أمّا عملاً فقد كفرتْ بمناهج تفكيرهم و بثقافتهم.. و ذهبتْ الشيعة بنُخبتها تركض وراء الفكر الناصبي (هناك تتكشّف الحقائق و تتجلّى جليّة واضحة).
  • المشروع المهدوي مُثقلٌ بكلّ ما مرّ في هذا التأريخ و لابُدّ أن تُزاح هذه الأثقال شيئاً فشيئاً.. و عيسى المسيح أحد وسائل إمام زمامنا في بيان الحقائق.

  • وقفة عند الآية 159 بعد البسملة من سورة النساء: {و إنْ من أهل الكتاب إلّا ليُؤمننّ به قبل موته} أهل الكتاب: اليهود و النصارى.

  • ● وقفة عند ما جاء في [تفسير البرهان: ج2] بشأن هذه الآية.
  • (بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجّاج يا شهر إنّ آيةً في كتاب الله قد أعيتني، فقلتُ أيّها الأمير: أيّة آيةٍ هي؟ فقال: قوله: {و إنْ من أهل الكتاب إلّا ليُؤمننّ به قبل موته} و الله إنّي لأمرُّ باليهودي والنصراني فيُضرب عُنقه، ثمّ أرمقهُ بعيني فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد، فقلتُ: أصلح الله الأمير ليس على ما تأوّلت، قال: كيف هو؟ قلتُ: إنّ عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملّة يهودي و لا غيره إلّا آمن به قبل موته – أي قبل موت عيسى -، و يُصلّي خلف المهدي. قال: ويحك أنّى لك هذا؟ و من أين جئتَ به؟ فقلتُ: حدّثني به محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب: فقال: جئتَ و الله بها من عينٍ صافية)
    الحجّاج هكذا فهم الآية: أنّه لا يُوجد يهودي و لا نصراني إلّا و يُؤمن بمحمّد “صلّى الله عليه وآله” قبل أن يموت.
  • الحجّاج أدرك هذه الحقيقة فقال: (جئتَ و الله بها من عينٍ صافية) و هذه دعوتي إليكم.. إنّني أدعوكم إلى العيون الصافية.
  • فاصل درامي (4): [مشهد درامي آخر من مسلسل الجماعة]
  • ● حينما يأتي إمام زماننا “صلواتُ الله عليه” و تتكامل المُجريات و تتسلسل الأحداث، و حين يُسفِر الحقّ عن وجهه في جنبات فلسطين هناك في بيت المقدس و في الأرض التي بُوركت من حوله يُعلَن عن نهاية حرب الثمانية أشهر.. هذه الحرب التي تكون بوّابةً لسلامٍ يعمّ الأرض من شرقها إلى غربها و من شمالها إلى جنوبها.
  • وفي طوايا تلك الأحداث ينزل عيسى بن مريم من السماء في وقت الصلاة و يُصلّي خلف إمام زماننا.. و الأحاديث واضحةٌ صريحةٌ في ذلك.. و أنا هنا أذكر رؤوس أقلام موجزة فقط.
  • ● و في بيت المقدس يُعلن عن نهاية الدجّال اليهودي الذي عبّرت عنه الروايات بالأعور الدجّال.. فالأعور الدجّال هو عنوانٌ للدجّال اليهودي، و هو آخر دجّال في كنانة إبليس.. فإما زماننا يقضي أولاً على الدجّال الشيعي و هو أخطر الدجّالين.
  • يقضي على الدجّال الشيعي حينما يقضي على فقهاء البتريّة بين النجف و كربلاء (و الروايات تحدّثتْ عن هذا الموضوع، و سآتي على ذكره في الحلقة الأخيرة من حلقات هذا البرنامج و ستستمعون لأحاديث آل محمّد تشرح لكم الحقيقة).
  • — إبليس جهّز لحربه مع المشروع المهدوي الذي سيكون سبباً للقضاء عليه.. فالوقت المعلوم الذي سينتهي فيه المشروع الإبليسي بالقضاء على إبليس إنّه في العصر المهدوي، ما بين الظهور إلى الرجعة إلى دولة الدول (دولة عليّ) إلى جنّة الأرض و هي الدولة الخاتمة (دولة محمّد “صلّى الله عليه و آله”) تلك هي عقيدة الرجعة بكلّ تفاصيلها.
  • ● و أمّا الدجال الثاني، و هو الأقل سوءاً من الدجّال الشيعي: هو الدجّال الناصبي، الدجّال السقيفي.. فيُقضى عليه عند دمشق في منطقة مرج عذراء.. هناك يُقضى على الدجّال الناصبي الذي تُعنونه الروايات: السُفياني.
  • أمّا الدجّال الشيعي فتُعنونه الروايات بهذا العنوان: فقهاء الكوفة و قُرّاؤها من البتريّة.
  • هذه المُصطلحات كُلهّا من حديث آل محمّد “صلواتُ الله عليهم”.. و الدجّال اليهودي و هو الأقل خطراً، يكون القضاء عليه بعد ارتفاع رايات الحقّ في بيت المقدس، و بعد نزول عيسى.. هُناك ينتهى الأعور الدجّال.
  • و بانتهاء هؤلاء الدجّالين يُعلَن بشكلٍ رسمي نجاح المشروع المهدوي و تأسيس دولة الحقّ التي كان الأنبياء و الأوصياء و المؤمنون في انتظارها.. فموقع بيت المقدس في ثقافة الكتاب و العترة هو هذا.
  • ● نحن علينا أوّلاً أن نجعل همّنا و اهتمامنا و هدفنا للتمهيد للمشروع المهدوي الأعظم.. و بيت المقدس هو جزءٌ من هذا المشروع.
  • العرب و المُسلمون فشلوا لأنّهم ساروا في طريقٍ آخر.. و لن ينتصروا ما لم يتمسّكوا ببيعة عليّ في الغدير بكلّ تفاصيلها، و ما لم يسيروا في منهج الكتاب و العترة، و ما لم يكونوا أوفياء للحُسين و للمشروع الحُسيني لا بالفَهم القُطبي، و إنّما أوفياء للحُسين المُحمّدي العَلَوي الفاطمي الحسني الحُسيني.
  • — ما لم تؤوب الأمّة إلى إمام زمانها و أن تجعل المشروع المهدوي قضيّتها المركزيّة الأولى و أن تعرف موقع بيت المقدس في هذه القضيّة لن تستطيع هذه الأمّة أن تُحرّر بيت المقدس.. سيبقى تحريره لإمام زماننا “صلواتُ الله عليه”.
  • — الأمّة بإمكانها أن تُغيّر مسار الأحداث فقانون البداء هو القانون الأوسع و الأعلى رُتبةً بين كُلّ القوانين التي تحكم التكوين والتشريع.. فبإمكان الأمّة أن تُلغي الدجّال الناصبي السقيفي السُفياني إذا ما سارت في المسار الصحيح، و بإمكانها أن تجعله أسوأ و أسو حتّى من الأوصاف التي ذُكرت له في الروايات.
  • — مثلما كان مُقدّراً للأمّة أن تتمسّك ببيعة الغدير و أن يؤول الأمر بعد رسول الله إلى سيّد الأوصياء و كان من المُقدّر لها أن يكون ما يكون أن يأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم و من بين أيديهم و أن تعمّ البركات في كُلّ صقعٍ من أصقاع الأرض.. و لكن هذا لم يحدث، فالأمّة غدرتْ بالغدير، و حين غدرتْ الأمّة بالغدير تغيّرت المقادير.
  • — و بالنسبة للأمّة الشيعيّة كان مُقدّراً لهم أن يتحرّك هذا البرنامج فيما بينهم و لكنّ الأمّة أعرضتْ عن هذا البرنامج الذي يُبيّنه لنا إمامنا السّجاد في حديثه مع أبي خالد الكابلي.. يقول “عليه السلام”:
  • (يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبتهِ القائلين بإمامته، المنتظرين لظهوره أفضلُ أهل كلّ زمان لأنّ الله تَعالى ذكره أعطاهم مِن العقول و الأفهام والمعرفة ما صارتْ به الغَيبةُ عندهم بمنزلة المُشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المُجاهدين بين يدي رسول الله “صلّى الله عليه وآله” بالسيف، أولئك المُخلصون حقّاً و شيعتنا صدقاً و الدُعاة الى دين الله سرّا و جهرا)
  • الحديثُ عن شيعة أهل البيت.. نحنُ أسوأ من أيّ زمانٍ مضى.. فنحنُ جمعنا كُلّ السيّئات و جمعنا أسوأ الأفكار الناصبيّة بسبب علمائنا و مراجعنا و قادتنا و أحزابنا.. كان مُقدّراً لنا أن نكون أفضل أهل كُلّ زمان من الطبقات الشيعيّة التي مرّت في الأزمنة السابقة حتّى في زمان الأئمة. (وقفة لتوضيح هذه النقطة).
  • و هذه دعوةٌ للإصلاح و التنظيف والتطهير في ساحة الثقافة الشيعيّة.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [بحار الأنوار: ج57] و هو يرتبط بما جاء في الآيات الأولى من سورة الإسراء {و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدنّ في الأرض مرّتين و لتعلنّ علوّاً كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديدٍ فجاسوا خلال الديار و كان وعداً مفعولا}
  • أصحاب الإمام الصادق جُلّاس عند الإمام حين قرأ هذه الآيات، فقالوا للإمام: جُعلنا فداك، مَن هؤلاء؟ فقال: هم و الله أهل قم، هم و الله أهل قم، هم و الله أهل قم)
  • و إنّما سُمّيت قم في أحاديث العترة لأنّ أهلها يجتمعون مع قائم آل محمّد، و يقومون معه و يستقيمون عليه و ينصرونه.
  • (إن كان في زمان الغَيبة أو في زمان الحضور) و هذا يتحقّق إذا ما تحقّق هذا البرنامج الذي أشار إليه الإمام السجّاد في حديثه مع أبي خالد الكابلي.. لأنّ الآية في سورة الإسراء تتحدّث عن زمان الغَيبة.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…