التلقيحُ الصناعيُّ في فقه الثقلين – الحلقة ١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 5 ذو القعدة 1441هـ الموافق 27 / 6 / 2020م

  • التلقيحُ الصناعيُّ في فقهِ الثَقَلَين.

  • هذا العنوانُ قد يكونُ عنواناً عريضاً وواسعاً، لن أتحدَّثَ عن هذا العُنوانِ العريض، إنَّما أُسلِّط حديثي على ما يرتبطُ بفتوى المرجع السيستاني ومن يُوافقهُ، فيما يرتبطُ بتلقيحِ بويضةٍ من زوجةٍ بماءِ رجلٍ أجنبي، يكونُ ذلك في المختبر، ما يُسمَّى (بأطفال الأنابيب)، وبعد أن يَتُمَّ التلقيح في المختبر يُعادُ زرعُ البيضةِ الـمُلقَّحةِ في رحمِ تلكَ المرأة في رحمِ تلك الزوجة، هذا الأمرُ الَّذي أجازهُ المرجعُ السيستاني ومن يوافقهُ في هذا القول، إنَّما أُركِّزُ على السيستاني لأنَّهُ المرجعُ الأعلى ولأنّ أكثر الشيعةِ في العالـَمِ يُقلِّدونهُ ويَرجِعون إليه، لهذا السبب إنَّني أُسلِّطُ الضوء على فتوى السيستاني، وإلَّا فهناك من يُوافقهُ حتَّى ولدهُ محمد رضا يُوافقهُ أيضاً وبالنتيجةِ الولدُ على سِرِّ أبيه، أُسلِّطُ الضوء على فتوى السيستاني، والَّتي كَثُر ويَكثرُ الحديثُ حولها في الأوساطِ الشيعيَّةِ عموماً وفي الوسطِ الشيعي العراقي خصوصاً.. هذهِ الفتوى ما هي جديدة، هذهِ الفتوى قديمةٌ بِقدمِ مرجعيةِ السيستاني، لكن بعد 2003 بعد زوال النظام الصدامي البعثي المجرم وتمكَّن العراقيون من السفرِ خارج العراق صار هذا الأمرُ شائعاً في الوسطِ الشيعي العراقي من أتباعِ السيستاني، فإنَّهم يُسافرون خارج العراق – بالنِّسبةِ للعوائل الَّتي ما أنجبت أولاداً – ويذهبون باتِّجاهِ التلقيح الصناعي..

  • التلقيح الصناعيُّ في فقه الثقلين من القُرآن:

  • ● وقفةٌ عند سورةُ المؤمنون من الآيةِ (1) بعد البسملةِ وإلى الآيةِ (16) بعد البسملة ترسمُ لنا خارطةً كاملةً للمخلوق البشري الَّذي يُريدُ الله سبحانهُ وتعالى أن يكون في البُعد التشريعي وفي البُعد التكويني، هكذا تقولُ خارطةُ سورة المؤمنون، بعد البسملةِ إنَّها الآيةُ الأولى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ۞ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون ۞ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين ۞ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون ۞ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون ۞ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
  • هذهِ الآياتُ تتحدَّثُ عن المؤمنين في جنبتهم الدينيةِ، في جنبتهم الإيمانيةِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون ۞ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون﴾، كُلُّ هذهِ الأوصاف وما بقي من الأوصافِ الأخرى تتحدَّثُ عن الجَنبةِ الدينيَّةِ، عن الجَنبةِ التشريعيَّةِ، عن الجَنبةِ الإيمانية في حياةِ المخلوق البشري كما يُريدهُ الله أن يكون، فهذهِ خارطةٌ مُتكاملة.
  • ● ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون ۞ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين ۞ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون ۞ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون ۞ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون ۞ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾، هذا القسمُ الأول من الخارطةِ الَّتي يُريدُ سبحانهُ وتعالى للمخلوقِ البشري أن يكون عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ الأحزاب، الآيةِ (35) بعد البسملة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات – الكلامُ هو هو الَّذي ابتدأت بهِ الخارطةُ في سورةِ المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ – إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَات وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَات وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَات وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَات وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَات وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَات وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَات أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَات﴾، المعنى هو هو؛ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾، فهذا المضمونُ وهذا الأمرُ المحافظةُ على الفرج إنَّها صفةٌ واضحةٌ في المؤمنين والمؤمنات.
  • ● بعد أن تحدَّثت الآياتُ من الآيةِ (1) بعد البسملةِ من سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾، إلى الآيةِ (11) بعد البسملة تحدَّثت هذهِ الآياتُ عن الجَنبةِ الدينيَّةِ، عن الجَنبةِ الإيمانيةِ للمخلوق البشري، بحسبِ ما يُريدهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى، وصلنا إلى الآيتين إنَّها (10/11) بعد البسملةِ من السورة: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون ۞ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون – تبدأ الآياتُ الَّتي تتحدَّثُ عن الجَنبةِ التكوينيةِ، عن الجَنبةِ الأحيائيةِ لهذا الإنسان، لهذا المخلوق البشري – أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون ۞ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون ۞ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِين ۞ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين ۞ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ۞ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ۞ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ – هذهِ الآياتُ من سورةِ المؤمنون إنَّها خارطةٌ كاملةٌ في جَنبةِ الدينِ والتشريعِ والإيمان وفي جَنبةِ التكوين الأحيائي للإنسان إلى مسيرتهِ عِبر الموتِ وعِبر البعث.
  • ● سبحانَهُ وتعالى مثلما يُريدُ لهذا المخلوق البشري أن يتَّبعَ هذا المنهج الديني التشريعي الإيماني يُريدُ لمسارهِ الأحيائي البايولوجي التكويني أن يكون بحسبِ هذهِ الخارطة؛ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِين ۞ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين ۞ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾، الآياتُ بشكلٍ إجماليٍّ تتحدَّثُ عن برنامجٍ عن سياقٍ يَتمُّ من خِلالهِ صناعةُ الإنسان، خلقُ الإنسان وفقاً للخارطةِ الإلهيَّةِ المرضية حيثُ يَنسجمُ هذا السياق التكويني مع السياق التشريعي في الجزء الأولِ من هذهِ الخارطة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾، إلى بقيَّةِ الآيات، هؤلاءِ المؤمنون الَّذين أفلحوا إنَّهم الَّذين يأتون عِبر هذا السياقِ التكويني الخَلقي، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر﴾، إنَّها الروح، إنَّها الفطرةُ، إنَّهُ الإدراكُ، إنَّهُ العقلُ، إنَّها الإنسانيةُ بكُلِّ خصوصياتها والَّتي تشتملُ على معنى العبوديةِ في باطنها، فإذا جاء المخلوقُ بهذا السياقِ فإنَّ الآية ستكونُ صادقةً: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، أمَّا إذا جاء السياقُ بالطريقةِ الَّتي أفتى بها السيستاني فإنَّ الآية لن تكون صادقةً هنا لأنَّ المخلوق البشري وفقاً للتلقيح الصناعي قد عُبِثَ بسياقهِ الخلقي الَّذي يُريدهُ الله سبحانهُ وتعالى، هناك سياقٌ خلقيٌّ واضحٌ وواضحٌ جِدَّاً، فهذهِ الآيةُ لا تتحدَّثُ عن أبناءِ الزنا، قد ينشأ ابنُ الزنا في نفسِ هذهِ المراحل؛ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين ۞ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً – ولكن سيتغيرُ المسار – ثُمَّ – جاءت هنا ثُمَّ، نحنُ دخلنا في مرحلةٍ جديدةٍ من هذا المسار، بينما في المراحلِ المتقدِّمة هناك حرفُ الفاء وهو حرفُ عطفٍ يدلُّ على التراتبيةِ وعلى التتابعية، فشيءٌ يَتبعُ شيئاً، وشيءٌ يترتبُ على شيءٍ – ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين – هذهِ مرحلةٌ – ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ – بعد كُلِّ هذهِ المراحل، فابنُ الزنا يمرُّ بالمراحلِ المتقدِّمة (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً)، وينحرفُ المسار، إنَّهُ مسارٌ مُشوَّه مسارُ ابن الزنا مسارٌ مُشوَّه ستكونُ الفِطرةُ مُشوَّهة، والأمرُ في أطفالِ الأنابيبِ سيكونُ أسوأ وأسوأ، لأنَّ الإنسان سيعبثُ عبثاً كبيراً في تكوينِ هذا المولود، فضلاً عن أصل التلقيحِ بمنيِّ رجلٍ أجنبي، منيُّ رجلٍ أجنبي تُلقَّحُ بهِ البويضة ويعبثُ الإنسانُ في مواصفاتِ وخصائصِ ذلكَ الجنين الَّذي سيُولدُ بعد ذلك، ويُوضعُ جنينٌ مُتكوِّنٌ من منيِّ رجلٍ أجنبي في رحمِ امرأةٍ أجنبيةٍ بالنِّسبةِ لصاحبِ المني، بديهيٌّ لا يجوزُ للمرأةِ أن تضعَ في رحمها جنيناً تكوَّن من منيِّ رجلٍ أجنبي، فذلكَ خِلافُ المسار الَّذي يُريدهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى، ومن هنا فإنَّ المولودَ سيكونُ مُشوَّه الفِطرة، ﴿ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾، هذا الوصفُ وهذا المضمونُ وهذا الكلامُ لن يَصدُق على أبناءِ الزنا، ولن يَصدُق على أبناءِ التلقيح الصناعي على أبناءِ الأنابيب، ﴿ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾، هذا الوصفُ وهذا المضمونُ إنَّما ينطبقُ على المولودِ وفقاً لهذا المسار الإلهي الَّذي يأتي منسجماً معَ المسار الديني والتشريعي، الإنسانُ لا يكونُ ملتزماً بدينهِ بعد ذلك هذا أمرٌ آخر، وإنَّما المولودُ يولدُ على الفِطرة أبواهُ بعد ذلك يُمجِّسانهُ يُنصِّرانهُ يفعلان ما يفعلان ذلك أمرٌ آخر، تلكَ قضيةٌ أخرى، لكنَّ صناعة الإنسان، لكنَّ خلق الإنسان لابُدَّ أن يكون وفقاً لهذهِ الخارطة، خارطةٌ واضحةٌ جليةٌ بَيِّنة.
  • ● ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر﴾، بعد المراحلِ المتقدِّمة، الخلقُ الآخر إنَّها الروحُ والفِطرةُ والإدراكُ والعقلُ تلكَ هي آثارُ الإنسانيةِ، آثارُ الحقيقةِ الإنسانيةِ الَّتي يُودِعها سُبحانهُ وتعالى بالنحوِ الأجملِ والأكمل ولذا تقولُ الآيةُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
  • ملاحظةٌ مُهمَّةٌ جِدَّاً: لابُدَّ أن تلتفتوا أنَّ الآية تحدَّثت عن (جمعٍ من الخالقين)، فهؤلاء الَّذين يصنعون الإنسان عِبر التلقيح الصناعي هؤلاءِ خالقون بدرجةٍ من الدرجات، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، لا يُعقلُ أن لا يوجد خالقون ويقولُ القُرآنُ هكذا؟! سيكونُ الكلامُ لغواً، أو يكونُ الكلامُ هزيلاً ليس بليغاً إذا لم يكن هناك من خالقين فكيف تقولُ الآيةُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؟! إنَّهم خالقون من خلق الله، والقُرآنُ ذكر لنا نماذج من هؤلاء الخالقين وصرَّح بوصفهم بذلك..
  • تُلاحظون أنَّ الآيات بدأت بالحديثِ عن الوجهةِ والجهةِ الدينيَّة إلى أن قالت: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾، هؤلاءِ هم الَّذين لفروجهم حافظون من المؤمنين والمؤمنات من خِلالهم يكونُ السياقُ الصحيح لتكوين الإنسان الأحيائي والبايولوجي والخلقي إنَّهم هم الَّذين هم لفروجهم حافظون، وهؤلاءِ هم الَّذين جاءوا من هذا المسار التكويني الصحيح، وأيضاً من خِلالهم يتحرَّكُ هذا المسارُ التكوينيُّ الصحيح لصناعةِ الإنسان، لخلقِ الإنسان.
  • هذا الَّذي يذهبُ إلى مراكزِ التلقيح الصناعي معَ زوجتهِ ويأخذون بويضةً من الزوجةِ وبعد ذلك يُقدِّمون الزوج والزوجة طلباتهم فلرُبَّما يطلبُ الزوجُ منيَّاً لرجلٍ أسيوي ورُبَّما يطلبُ الزوجُ بالاتفاقِ مع زوجتهِ منيَّاً لرجلٍ أوروبي، أيَّةُ قباحةٍ هذهِ؟! وأيضاً إذا كانوا يُريدون مولوداً مفرداً أو يُريدون توأمين فإنَّ تقنية التلقيح الصناعي قادرةٌ على الاتيانِ بالمولودِ المفرد وبالتوائم، ويطلبون مواصفاتً في لون البشرةِ وفي غيرِ ذلك، ويطلبون تحديداً لجنس المولود هل هو ذكر أو أنثى إلى بقيَّةِ التفاصيل، فهل هذا يأتي ضِمن السياق الَّذي تحدَّثت عنهُ سورةُ المؤمنون؟ وهل أنَّ الآية تنطبقُ عليه ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؟! لأنَّ الله حين يختارُ للمخلوقِ مواصفاتٍ مُعيَّنة بحكمتهِ، أمَّا هذهِ الاختياراتُ فما هي بحكمةٍ إلهيَّة إنَّها بحكمةِ خالقٍ سيءٍ حكمتهُ سيئة وما هي بحكمة لكنَّني على سبيلِ التجوّز قُلتُ من أنَّ حكمتهُ سيئة، فهذا الوصفُ لن ينطبق بأيِّ حالٍ من الأحوال لا على أبناءِ الزنا ولا على أبناء الأنابيب السيستانيين، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

  • حدَّثنا القُرآنُ عن نظامِ الأزواج، نظامُ الأزواجِ ليس خاصاً بالمخلوق البشري، نظامُ الأزواجِ نظامٌ موجودٌ في كُلِّ تفاصيلِ عالَمنا هذا.

  • ● وقفةٌ عند سورةُ لقمان، الآيةُ (10) بعد البسملةِ والَّتي بعدها: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ – موطنُ الحاجةِ هنا فيما يأتي – وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ – فَأَنبَتْنَا فِيهَا – أنبتنا في الأرض..
  • ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، قد يُرادُ من الزوج الصنف النوع، ولكنَّنا إذا أردنا أن نعود إلى كُلِّ الآياتِ الَّتي تحدَّثت عن نظامِ الأزواجِ هذا فإنَّ القُرآن يُخبرنا عن نظامٍ شاملٍ في عالَم النباتِ وفي عالَم الحيوانِ وفي عالَم الإنسانِ بل حتَّى في عالَم الجمادات..
  • ● أُريدُ الإشارة إلى هذهِ النقطة: إلى أنَّ القُرآن تحدَّثَ عن النباتاتِ ووصفها بالكرامة ومن هنا تبدأ مسيرةُ التكوين الكريم لهذا المخلوق البشري، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ – من هذهِ الأزواج الكريمةِ من النباتاتِ تبدأ المسيرة – هَذَا خَلْقُ اللهِ – هكذا يبدأ وهكذا يكون – هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ – الآيةُ تُشعِرُ بوجودِ خالقين من دونهِ – فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، هناك ظلمٌ، هناك ضلال..
  • ● وقفةٌ عند سورة يس، الآيةُ (36) بعد البسملة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾، هذا هو نظامُ الأزواج الَّذي حدَّثتكم عنه قبل قليل، مع التسبيحِ هذا يعني أنَّ نظام الأزواجِ هذا على أحسنِ صورة، ولذا فإنَّ القُرآن يُسبِّحُ الله لو كان هذا النظامُ في حالةٍ مُشوَّهةٍ في حالةٍ قبيحةٍ، لو كان هذا النظامُ من الخالقين السيئين لَمَا ورد هذا التسبيح، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾، من هنا تبدأ حركةُ مسارِ خِلقتنا من الزوجِ الكريمِ الَّذي انبتهُ سبحانهُ وتعالى في تُرابِ هذهِ الأرض، ومن زواجٍ كريمٍ وفقاً لموازينِ شرعِ الله ومِمَّا لا يعلمون من ملائكةٍ تحفُ هذا المخلوق لأجلِ مُباركتهِ بغضِّ النظرِ عن عاقبةِ أمرهِ، الحديثُ عن المسارِ الصحيح.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ الزخرف، الآية (12) بعد البسملة: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا – خلق الأزواج كُلَّها، إنَّهُ نظامُ الأزواج – وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ بكُلِّ أشكالها، في عالَم النباتِ، في عالَمِ الحيوانِ، في عالَم الإنسانِ وفي عالَم الجماد وفي كُلِّ العوالِمِ الأخرى الَّتي وضع لها سبحانهُ وتعالى نظام الأزواج، فهذا النظامُ لهُ مسارهُ ولهُ خصائصهُ ولهُ شرائطهُ، يبدأ من زوجٍ كريمٍ مِمَّا تُنبتُ الأرض وعِبر مساراتٍ بحسبِ سِياقٍ يُريدهُ سُبحانهُ وتعالى لهذا المخلوق البشري في جنبتهِ التكوينيَّةِ الأحيائيةِ وفي جنبتهِ الدينيَّةِ التشريعيَّةِ الإيمانية.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ النجم، الآيتين (45/46) بعد البسملة: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى – هذا المصداقُ الأعلى – وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ۞ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، من نطفةٍ إذا تُمنى؛ إذا تُمنى بحسبِ المسار الصحيح، بحسبِ السياق الصحيح وليسَ بحسبِ مسار الزنا ولا بحسبِ مسار التلقيح الصناعي السيستاني.. وفقاً لنظام الأزواجِ الَّذي مرَّ مُبتدئاً من زوجٍ كريم.
  • تُلاحظون أنَّ الموضوع موضوعٌ أحيائيٌّ بايولوجي، ولذا لابُدَّ من الرجوعِ إلى الـمُتخصِّصين بهذا الموضوع، لا إلى مُعمَّمين جُهَّال لا يفقهون لا علم الأحياء ولا يفقهون القُرآن وفِقه الثقلين ويجرُّونَ الويلاتِ عليكم..
  • ● وقفةٌ عند سورةِ الواقعة، الآية (58/59) بعد البسملة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ۞ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ – أأنتم تخلقونهُ تصنعون منهُ إنساناً – أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، والآيةُ (60): ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ۞ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، فلابُدَّ أن يكون مسارُ النُطفةِ هذهِ ولابُدَّ أن يكون المني هذا بحسبِ السياقِ الَّذي يُريدهُ سبحانهُ وتعالى بحسبِ الخارطةِ الَّتي مرَّت علينا قبل قليل في آياتِ سورة المؤمنون.
  • نظامُ الأزواجِ الَّذي حدَّثتنا الآياتُ الكريمةُ عن خصائصهِ بشكلٍ إجمالي، القُرآنُ يُحدِّثنا أيضاً في نفسِ الاتِّجاهِ الَّذي حدَّثتنا الآياتُ عن نظام الأزواج، يُحدِّثنا عن خصائصِ ما ينتجُ من خلقٍ من نظامِ الأزواج، وهذهِ الخصائصُ ظاهرةٌ في كُلِّ خلقِ الله، في كُلِّ جهةٍ من جهاتِ هذا الوجود، وهي تتجلَّى أيضاً فيما يَنتجُ عن نظامِ الأزواجِ هذا، فنظامُ الأزواجِ هو جزءٌ من نظامِ الوجودِ العظيم.
  • ● وقفةٌ عند سورة آلِ عمران، الآيةِ (191) بعد البسملة: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾، هذهِ الآيةُ تُخبرنا عن أنَّ الحقَّ يتجلَّى في كُلِّ ما خلق الله إنَّهُ أحسنُ الخالقين، لكنَّ الباطل يتجلَّى في خلقِ غيرهِ من الخالقين الَّذين هم دونهُ من المخلوقين الخالقين.
  • ● في الآية (190) بعد البسملة من سورةِ آلِ عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ – هذهِ صفحةٌ كبيرةٌ من صفحاتِ الوجود الَّتي لا تُعدُّ ولا تُحصى -الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، الآيةُ واضحةٌ والقُرآنُ يُقرِّرها، لا يقولُ قائلٌ من أنَّ الآية تتحدَّثُ عن كلامِ بعضٍ من الناس لكنَّ القُرآن قرَّرها، فحينما قرَّرها وأثبتها فإنَّ هؤلاء الَّذين تحدَّثوا، تحدَّثوا بالحقيقةِ كما هي، تحدَّثوا بالصدقِ كما هو، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾، علائمُ الكمالِ في خلقك، قطعاً الكمالُ النسبيُّ بحسبِ كُلِّ مخلوق، لأنَّ العطاءَ ولأنَّ الفيضَ يكونُ بحسبِ القابل، فإنَّ العطاء يأتي منسجماً متناسباً بحسبِ القابل، ومن هنا فإنَّ المخلوقية ستكونُ كاملةً في المخلوق.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ الملك، الآية (3) بعد البسملة: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾، هل ترى من فطور؛ من صدعٍ من عيبٍ من نقصٍ، ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، ليسَ هناك من خللٍ، ليسَ هناك من نقصٍ، إنَّما يأتي الفيضُ بحسبِ القابل، ويكونُ المخلوقُ على أكملِ ما يكون من حيثُ هو لا من حيثُ الله من حيثُ هو، فكُلُّ مخلوقٍ في رُتبتهِ المخلوقية كاملٌ من حيثُ مخلوقيتهِ، إن لم يكن كذلك فإنَّ الحكمة الإلهيَّة ستكونُ ليست في محلَّها، ستكونُ ناقصةً مَعيبة، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، إنَّهُ خلقٌ متكاملٌ، نحنُ نتحدَّثُ عن أحسنِ الخالقين لا نتحدَّثُ عن الخالقين الَّذين هم دونه، من المخلوقين، فهناك من المخلوقين خالقون بعضهم يُحسِنُ فيما يخلق وبعضهم يُسيئ.
  • — هناك خارطةٌ حدَّثتنا عنها سورةُ المؤمنون.
  • — وهناك نظامُ الأزواجِ الَّذي يأتي عِبرهُ مسارُ خلقِ الإنسانِ ابتداءً من الزوجِ الكريم الَّذي تحدَّثت عنهُ سورةُ لقمان وذلك على سبيلِ المثال، نحنُ هنا في مقامِ الإيجاز ولسنا في مقامِ الاطناب كي نُفصِّل القول في كُلِّ صغيرةٍ وكبيرة.
  • — وما ينتجُ من نظامِ الأزواجِ من خلقٍ عِبرَ المسار الصحيح فإنَّهُ سيكون مَجلىً من مجالي الحق من دونِ تفاوتٍ من دونِ فُطور من دونِ صدع من دونِ نقصٍ!!
  • ● وقفةٌ عند سورةُ الرحمن، الآيةِ (1) بعد البسملة والآياتُ الَّتي تليها: ﴿الرَّحْمَنُ ۞ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۞ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۞ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، الَّذي يخلق الإنسانَ الإنسان هو الرَّحمن بحسبِ المسارِ الَّذي يُريدهُ، وإلَّا فلن تنطبق هذهِ الأوصافُ الجميلةُ على هذا الإنسان؛ ﴿الرَّحْمَنُ ۞ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، علَّم الإنسانَ، نحنُ نأخذُ الآياتِ في وجهها الأول، وإلَّا فإنَّ الدِلالة الحقيقية لهذا العنوان عليٌّ وعليٌّ فقط، لكنَّ آيات القُرآنِ لها مطالعُ ومجاري، في مجرىً من مجاريها في مطلعٍ من مطالعها الحديثُ عن الإنسان، أنا وأنتم، نحنُ بنو آدم.. الإنسانُ الَّذي يأتي من المسارِ التكويني الصحيح من المسارِ الأحيائي الصحيح البايولوجي الصحيح هو هذا الَّذي سيُعلِّمهُ الله القُرآن، والتعليمُ على مستويات، قد ينطبقُ المعنى؛ (فقَّهَهُ في الدِّين)، وقد ينطبقُ المعنى؛ (يُقيِّضُ لهُ فَقيهاً مُؤمناً يَقفُ بِه على الصَّواب)، هناك فقَّههُ بشكلٍ مباشر، وهناك قيَّض لهُ فقيهاً مؤمناً من خِلالِ الوسائط، ﴿الرَّحْمَنُ ۞ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۞ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۞ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، هذا الإنسانُ الَّذي يُعلِّمهُ الله القُرآنُ ويُعلِّمهُ البيان هو الَّذي يأتي من ذلك المسار الصحيح الَّذي تحدَّثت عنهُ خارطةُ سورةِ المؤمنون والَّذي يكونُ ناتجاً من نظامِ الأزواجِ ابتداءً من الزوجِ الكريم الَّذي تحدَّثت عنهُ سورةُ لقمان، هذا هو الخلقُ الَّذي يتجلَّى فيهِ الحقُّ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ ص، الآية (75) بعد البسملة والآياتُ في سياقها تتحدَّثُ عن السجودِ لأبينا آدم: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، خَلَقَ الإنسان بيديه إنَّها مُباشرةُ اللطف، إنَّها مُباشرةُ الفيض، ﴿الرَّحْمَنُ ۞ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۞ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۞ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، هذهِ المنزلةُ العاليةُ في المخلوقيةِ تتحدَّثُ عنها سورةُ ص: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، حتَّى لو قال قائلٌ من أنَّ الكلام عن أبينا آدم فقط! فنحنُ جِئنا من هذا المسار، جِئنا من مسارٍ ومن بوابةٍ خلقها سبحانهُ وتعالى بيديه، من هنا يأتي المسارُ الصحيح، ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ التغابن، الآية (3) بعد البسملة: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾، وخلقنا بالحقِّ أيضاً، فهل خلقَ السماواتِ والأرض فقط بالحق؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾، لكُلِّ ما خلق، هناك من المخلوقين الخالقين يخلقون باطلاً، أمَّا خلقهُ سبحانهُ وتعالى خلقهُ الحق، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ﴿تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.. هو الَّذي يُصوّرنا وليسَ الَّذين يعملون في مختبراتِ التلقيح الصناعي بحسبِ فتاوى السيستاني.. في نفس المسار ليسَ الحديثُ عن حُسنِ التصويرِ هنا فيما يرتبطُ بلونِ البشرةِ أو بلون العينين أو بلون الشعر، هذا جزءٌ يأتي في سياقٍ مُتكامِلٍ من خِلالِ ما يُنتجهُ نظامُ الأزواج، الَّذي مرَّ الحديثُ عنه في الآياتِ المتقدِّمة الذكر قبل قليل، وإنَّما حُسنُ التصويرِ في كُلِّ ما يُصوَّرُ عِبر ذلك المسار الصحيح، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، إليهِ المصير بأيَّةِ صورةٍ؟ بصورةٍ صوَّرها سبحانهُ وتعالى، ذلكَ مصيرٌ ممدوحٌ، أمَّا إذا كانَ المصيرُ إليهِ بصورةٍ صوَّرها خالقٌ من المخلوقين بتقديرٍ سيئ فهل أنَّ المصيرَ سيكونُ مصيراً ممدوحاً؟ أنا أتحدَّثُ عن الجهةِ التكوينيَّة بالدرجةِ الأولى أمَّا الجهةُ الشرعيةُ فإنَّها ستأتي تبعاً للتكوينِ وآثاره التشريعُ من جُملةِ آثار التكوين، ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ – خلقنا بالحق، خلق أهل السماواتِ بالحق وخلقَ أهل الأرض بالحق – وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾، هذهِ نماذجُ مِمَّا تحدَّث بهِ القُرآنُ عن خصائصِ خلقِ الله سبحانهُ وتعالى عموماً وعن خصائصِ خلقِ الإنسانِ خصوصاً، وكُلُّ ذلك يجري في السياقِ الَّذي أرادهُ سبحانهُ وتعالى لهذا المخلوقِ البشري عِبر الخارطةِ الـمُتكاملةِ الَّتي حدَّثتنا عنها آياتُ سورةِ المؤمنون بشكلٍ إجمالي في الجَنبةِ الدينيَّةِ الإيمانية وفي الجَنبةِ التكوينيَّةِ الأحيائية.
  • ● وقفةٌ عند الآيةِ (123) بعد البسملةِ من سورة الصافات وما بعدها من الآيات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ۞ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ۞ أَتَدْعُونَ بَعْلاً – وهو اسمُ صنمٍ لهم كانوا يعبدونهُ – أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ۞ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، فهذا الوصفُ وصفٌ قرآنيٌّ تكرَّر في سورةِ الصافات، وهذا التكرارُ لتأكيدِ هذهِ الحقيقة، لتأكيدِ حقيقةِ أنَّ خالقين في عالَمنا هذا منهم من خَلقهُ حسنٌ ومنهم من خَلقهُ قبيحٌ، لذا قال القُرآنُ من أنَّ الله سبحانهُ وتعالى هو أحسنُ الخالقين، القُرآنُ لم يُحدِّثنا عن كُلِّ أصنافِ الخالقين وهذا موضوعٌ مُفصَّلٌ طويلٌ، ذكر لنا أمثلةً من هؤلاءِ الخالقين.

  • أمثلة من المخلوقين الخالقين:

  • ● ما جاء في سورةِ آلِ عمران في الآيةِ (49) بعد البسملة، في سياقِ قصةِ عيسى النَّبي هو يتحدَّثُ عن نفسهِ يُخاطبُ بني إسرائيل، يُخاطبُ الناس: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾، هو يتحدَّثُ عن نفسهِ (أنَّي أخلقُ لكُم)، فعيسى خالقٌ وقد صدَّقهُ الله سبحانهُ وتعالى في سورةِ المائدة في الآيةِ (110) بعد البسملةِ، في هذهِ الآية سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ عيسى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي – هو يقولُ لهُ من أنَّك خالق- وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾.
  • فعيسى خالقٌ لكنَّهُ يخلقُ خلقاً حسناً؛ قطعاً سيكونُ هذا الخلقُ خلقاً حسناً ولكن بحسبِ عيسى، قائمةُ الخالقين طويلةٌ، في أعلى القائمة مُحَمَّدٌ وآلُ مُحَمَّد، عيسى خالقٌ، مُحَمَّدٌ وآلُ مُحَمَّدٍ خالقون، وإنَّ الله حين قال: ﴿تَبَارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخَالِقِين﴾، الحديثُ هنا عن مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، وليس عن عيسى وغير عيسى، أحسنُ الخالقين هو الله سبحانهُ وتعالى بالقياسِ إلى أحسنِ الخالقين المخلوقين، أحسنُ الخالقين المخلوقين مُحَمَّدٌ وآلُ مُحَمَّد مثلما قال إمامُ زماننا في دعاءِ شهرِ رجب: (لَا فَرقَ بَينَكَ وَبَينَهَا إِلَّا أَنَّهُم عِبَادُكَ وَخَلْقُك)، فهم أحسنُ الخالقين المخلوقين، ﴿ تَبَارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخَالِقِين ﴾، بالقياسِ إليهم إلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد لا بالقياسِ إلى بقيةِ الخالقين، إن كانوا يخلقون خلقاً حسناً أو كانوا يخلقون خلقاً سيئاً، ليس منطقياً أنَّ الله سبحانهُ وتعالى يُقايسُ نفسهُ يقايسُ ذاتهُ بعيسى أو بغيرِ عيسى من الخالقين الَّذين يخلقون خلقاً حسناً، أمَّا أنَّهُ يُقايسُ نفسهُ بالخالقين الَّذين يخلقون خلقاً سيئاً فهذا الأمرُ لا يُمكن أن يقبلهُ عاقلٌ ولا يُمكن أن يقبلهُ ذوقُ التوحيدِ بأيِّ وجهٍ من الوجوه!!! ولا حتَّى إذا أردنا أن ننظر إلى الموضوعِ من جهةِ البلاغةِ والأدب، فليس من البلاغةِ أنَّ الله سبحانهُ وتعالى يُقايسُ نفسهُ بخالقين من المخلوقين يخلقون خلقاً سيئاً!!! لا وجه للمُقايسةِ هنا، وكذلك ليس من المناسبِ للهِ سبحانهُ وتعالى أن يُقايس نفسهُ أن يُقايس ذاتهُ بخالقين مخلوقين يخلقون خلقاً حسناً حتَّى لو كان ذلك بإذنهِ أو لم يكن ذلك بإذنهِ وإنَّما بحسبِ القواعدِ والسُننِ الكونية الَّتي أَذِنَ لها وأَذِنَ بها سبحانهُ وتعالى في أصلِ وجودها، لا بنحوٍ خاص كما هو الحال في قصةِ عيسى على نبيِّنا وآلهِ وعليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام.
  • ● في سورةِ الفجر وفي الآيةِ (6) بعد البسملة وما بعدها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۞ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ – عاد هم قومُ هود.. تلك المدينةُ الأسطوريةُ، حين أتحدَّثُ عن أنَّها أسطوريةٌ إنَّني أتحدَّثُ عن أنَّهم بنوها وفقاً لخيالٍ غريبٍ عجيب من هذهِ الجهة وصفتها بالأسطورية إنَّها حقيقةٌ، ماذا قال القُرآنُ عنها؟ – أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۞ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۞ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، مَن الَّذين خلقوها؟ هم المهندسون، المعماريون، البناؤون، الحدَّادون، النجَّارون، النحَّاتون، الفنانون، المزوِّقون، المزارعون وهكذا، هؤلاء هم الَّذين خلقوا هذهِ المدينة الأعجوبة، القُرآنُ يقول: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، لم يُخلَق! خلقها أولئك القوم، فهذا خلقٌ، مرتبةٌ من مراتبِ الخلق، هؤلاءِ خالقون مخلوقون وقد خلقوا خلقاً حسناً، خلقاً حسناً بالقياسِ إلى غيرهِ وليس خلقاً بإذنِ الله مثلما جاء في قصةِ عيسى وخلقِ عيسى للطيرِ وما مرَّ من حديثٍ عن هذا في سورةِ آلِ عمران وفي سورةِ المائدة، فذلك خلقٌ حسنٌ بإذنِ الله سبحانهُ وتعالى في قصةِ عيسى، هذا خلقٌ حسنٌ بالقياسِ إلى غيرهِ، فإنَّ البنائين يخلقون البناء وهكذا البقيةُ، والنجارون يخلقون ما ينجرون بحسبهم..
  • الَّذين خلقوا هذهِ المدينة العجيبة هؤلاءِ خالقون، وكذلك الحالُ في سائرِ البلاد الأخرى، ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾، يعني أنَّ البلاد الأخرى أيضاً يُخلقُ فيها ما يُخلق، إذاً أعدادُ الخالقين المخلوقين كثيرةٌ جِدَّاً، فالَّذين خلقوا هذهِ المدينة ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾، الَّذين خلقوا هذهِ المدينة كثيرون جِدَّاً، والبلادُ على وجه البسيطةِ كثيرةٌ جِدَّاً، هذهِ التكنولوجيا بكُلِّ معجزاتها إنَّها عمليةُ خلق، هؤلاءِ خالقون مخلوقون، هذهِ الفنونُ وهذا العمرانُ وهذهِ الحضارةُ والمدنيةُ بكُلِّ تفاريعها إنَّها عمليةُ خلق..
  • ● وقفةٌ عند سورةِ العنكبوت، الآية (17) بعد البسملةِ: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾، تخلقون إفكاً، عمليةُ خلق، والخطابُ لمن؟ لأُناسٍ يعبدون الأوثان، فحينما يُخاطبهم القُرآنُ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ ﴾، يعني أنَّكم خالقون، درجةٌ من درجات الخالقية، نحنُ نتحدَّثُ هنا عن الخالقين المخلوقين، ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾، تخلقون إفكاً تخلقون أوثاناً تعبدونها وتخلقون ديناً منظومة دينٍ ترتبطُ بعبادةِ أوثانكم هذهِ، فهم يخلقون الأوثان وبعد ذلك يعبدونها، وحينما يعبدونها يُؤسِّسون ديناً، يُؤسِّسون نظماً دينيَّاً، منظومةً دينيةً يجمعونها إمَّا من الأديانِ المختلفةِ الأخرى، وإمَّا يستخرجونها من بُناتِ أفكارهم، وإمَّا يُطوِّرون ما أخذوهُ من الدياناتِ الأخرى أمن حقٍّ أم من باطل، هكذا نشأت الدياناتُ الوثنيةُ المختلفة، فالإفك هنا ينطبقُ على الأصنام الَّتي يعبدونها إنَّهم يخلقونها، وينطبقُ على هذا الكذب الَّذي يَكذبونهُ ويُؤسِّسون ديناً لكنَّ أكاذيبهم هذهِ يجمعونها من هنا ومن هناك ويُمازجون بين حقٍّ وباطل بين صدقٍ وكِذب، ولذا جاء التعبير: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾، فليس كُلُّ الَّذي وضعوهُ في منظومتهم الدينيَّةِ ليس لهُ من جذورٍ على أرضِ الواقع، يُمكننا أن نُقارن مع ما جاء في سورةِ ص.
  • ● في سورةِ ص في الآيةِ (4) بعد البسملةِ وما بعدها: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ۞ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ۞ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ۞ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾، هم وصفوا دعوة نبيهم هؤلاء الَّذين تتحدَّثُ عنهم الآيات في أوائلِ سورةِ ص وصفوا دعوة نبيهم بالاختلاق، الاختلاق يعني أنَّ كُلَّ التفاصيل لا جذور لها، لا أصل لها، مرَّةً يخلقُ الإنسانُ الكذب ومرَّةً يختلقهُ، الَّذي يختلقُ الكذب يأتي بكُلِّ المعطياتِ بكُلِّ مفرداتِ كِذبتهِ من الخيال، ليس لها من جذور، ليس لها من أصل، كُلُّ المفردات، كُلُّ التفاصيل فهذا يختلقُ الكذب، أمَّا الَّذي يخلقُ الكذب يأتي بمفرداتٍ لها جذور، إنَّها موجودةٌ على أرض الواقع لكنَّهُ يُخرجها من سياقِها، يُحرِّفها يُعطيها بُعداً آخر، هذا القُرآنُ كلامُ الله إذا أردنا أن نُخرج الأمور الحسنة فيه من سياقها ستتحوَّلُ إلى أمورٍ سيئة، وإذا أخرجنا أموراً سيئةً من سياقها لرُبَّما تحوَّلت إلى أمورٍ حسنة، إخراجُ الأمرِ من سياقهِ يُحوِّلهُ يُغيِّرهُ، فلرُبَّما انقلب الصِدقُ كِذباً ورُبَّما انقلب الكِذبُ صِدقاً، فهناك خلقٌ وهناك اختلاق، هم هكذا قالوا عن نبيهم..
  • بينما هنا في سورةِ العنكبوت: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾، هذهِ الديانةُ الَّتي تَدينون بها يا عُبَّاد الأوثان إنَّكم تخلقون كَذباً، الإفك هو الكَذب هو الزور هو الباطل، فحينما يصنعون أصناماً ويخلقون أصناماً إنَّهم يخلقون إفكاً، وحينما يخلقون ديناً إنَّهم يخلقون إفكاً، ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ فأوثانكم خلقٌ من خلقكم، الرواياتُ تُحدِّثنا عن نبيِّنا وآل نبيِّنا فيما يرتبطُ بخلقِ الأوثان والأصنامِ وصناعتها..
  • ● وقفةٌ عند ما جاء في كتاب (الفقيه، ج4) لشيخنا الصدوق، طبعةُ مؤسَّسةِ النشر الإسلامي/ قم المقدَّسة، حديثُ المناهي مناهي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله حدَّثنا بها إمامنا الصَّادقُ عن آبائهِ عن أمير المؤمنين: (نهى رسول الله عن كذا وكذا).. مِمَّا جاء في مناهي رسول الله صلَّى الله عليه وآله صفحة (5): وَنَهَى عَن التَصَاوِير -والمرادُ من التصاويرِ هنا التماثيل الَّتي تُنحت، إنَّها التصاويرُ الـمُجسَّمة – وَنَهَى عَن التَصَاوِير وَقَالَ صلَّى اللهُ عليه وآله: مَن صَوَّر صُورةً كَلَّفَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ أنْ يَنْفُخ فِيهَا وَلَيسَ بِنَافِخ – من أين يأتي بروحٍ ينفخها في هذا التمثال الَّذي صنعهُ في العالَم الدنيوي، قطعاً هذهِ الأحاديثُ فيها ما فيها من الرموزِ والدِلالاتِ.. إنَّما أوردتُ ما أوردتُ مِمَّا جاء في حديث المناهي عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله مثالاً عن درجةٍ من درجاتِ الخلق، فهناك من يَصنعُ التماثيل ولأنَّ ذلك يُعدُّ في درجةٍ من درجات الخلق لكن في الخلق السيء، لأنَّ التماثيل ارتبطت بالشيطان وهذهِ قضيةٌ لابُدَّ من الرجوعِ إلى كُلِّ تفاصيلها، التماثيلُ ارتبطت بالشيطان، فإنَّ الشيطان صنعها وأوجد للإنسانِ ديانةً، هو عَلَّم الناس أن يصنعوا التماثيل وبعد ذلك أوجد لهم ديانةً بالتدريج..
  • ● وقفةٌ عند سورةِ النساء، الآيةِ (119) بعد البسملةِ والحديثُ حديثُ إبليس، حديثُ الشيطان، الآيةُ الَّتي قبلها والكلامُ كلامُ إبليس: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً – ثمَّ تأتي الآية الَّتي بعدها، ماذا يقولُ إبليس وهو يبينُ برنامجهُ الذي سيفعلهُ في واقعِ حياةِ بني آدم؟ – وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ – يبتكُ؛ يقطعُ – وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ – تغييرُ خلق الله هو مستوىً من مستوياتِ الخلق فحديثنا عن الخالقينَ المخلوقين، هذا جزءٌ من معنى الخلق التغييرُ في خلق الله، ما أفتى بهِ السيستانيُّ في حليَّةِ وإباحةِ التلقيح الصناعي في أنابيب الإختبار إنَّهُ مصداقٌ واضحٌ للتغييرِ في خلق الله، جزءٌ من البرنامجِ الإبليسي، ماذا تقولُ الآيةُ؟: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ – وهؤلاء الذين ذهبوا باتجاهِ التلقيح الصناعي الذي أباحهُ السيستاني يمنُّونَ أنفسهم أن ينجبوا أولاداً صالحينَ نافعينَ مثلما ينجبُ الآخرون، وهذهِ أمنياتٌ تأتي في سياق البرنامج الإبليسي – وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾، التعابيرُ في الآيةِ مشحونةٌ بالتوكيدِ والتأكيد.. – فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ – لامُ توكيد ونونُ توكيد مثقَّلة، هذا هو الذي يجري في أنابيب الاختبار، هم يختارونَ جنسَ المولود، هم يختارونَ المولودَ أن يكونَ مفرداً أو أن يكونَ توأماً، هم يختارونَ لونَ البشرةِ ولونَ العينين ولونَ الشعر إلى بقيَّة التفاصيل، إنَّهُ تغييرٌ كبيرٌ في خلق الله والآيةُ واضحةٌ في ذلك..
  • ● وتستمرُّ الآيةُ: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً – ثُمَّ ماذا تقولُ الآية الَّتي بعدها – يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورَاً ۞ أُوْلـٰئِكَ مأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيْصَاً﴾، البرنامجُ الإبليسيُّ واضحٌ وواضحٌ جدَّاً فيما يرتبطُ بتغييرِ خلق اللهِ سبحانه وتعالى وإبليسُ نفسهُ يقومُ بهذا الأمر، ما يصطلحُ عليهِ في ثقافةِ الكتاب والعترة: (بشرك الشّيطان)، إنَّهُ المولودُ من الزِّنا بمشاركةٍ من الشّيطان في خلقهِ وصناعته، وكذلك هوَ المولودُ من نطفةٍ حرامٍ، من أكلِ حرامٍ فأنَّ الشّيطانَ يشاركُ في المولودِ من والدٍ بهذا الوصف، وهذا هو الَّذي يُصطلحُ عليهِ بشرك الشّيطان.
  • ● وقفةٌ عند سورةِ الإسراء، الآية (64) بعد البسملةِ، سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ إبليس وهذا الخطابُ ما هو بأمرٍ صادرٍ إلى إبليس كي يُنفِّذ إبليس أوامر الله، فإبليسُ في مقامِ المعصية وإنَّما جاءت الصياغة هكذا مثلما يقولُ شخصٌ لشخصٍ افعل كذا وافعل كذا وافعل كذا لا من باب أمرهِ من باب إخبارهِ من أنَّهُ هذهِ هي طبيعتهُ، كما يُقالُ لشخصٍ مثلا أكذب واسرق لأنَّ طبيعتهُ هي هذهِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ – رَجِلِك يعني الراجلين الرجَّالة – وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ – مشاركةُ الشيطانِ في أولادِ بني آدم – وَعِدْهُمْ – عِدهم بأنَّ أولادهم سيكونونُ خيراً لهم وهم شركُ شيطان – وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾، ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ ﴾، هذهِ عمليةُ تغييرٍ في خلقِ الله فإنَّ إبليس يدخلُ على الخط.
  • ● وقفةٌ عند (تفسيرُ العياشي، ج2)، طبعةِ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت / لبنان، صفحة (321)، رقم الحديث (102): عَن مُحمَّد بنِ مُسلم عَن أبي جعفَرٍ عليهِ السَّلام – إمامنا الباقر – قَالَ: سَألتهُ عَن شِركِ الشَّيْطَان وذَلِك ما جاءَ في قَولِه تَعالى: “وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ” – فماذا قال إمامنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه؟ – مَا كَانَ مِن مَالٍ حَرَامٍ فَهُو شَرِيكُ الشَّيطَان – يعني إذا كانت النطفةُ قد تكوَّنت من مالٍ حرامٍ فإنَّ الشَّيطان سيُشاركُ في تكوين ذلك الجنين – قَالَ: وَيَكُونُ مَعَ الرَّجُل – يكونُ الشَّيطان مع الرجل – حَتَّى يُجَامِعَ فَيَكُونَ مِن نُطْفَتِهِ وَنُطفَةُ الرَّجُل إِذَا كَانَ حَرَامَاً – إذا كانت النطفةُ حراماً من مالٍ حرام، إذا كانَ طعامهُ طعاماً حراماً فنطفتهُ نطفةٌ حرام، فإنَّ الشَّيطانَ سيُشاركهُ في تكوينِ الجنين الَّذي يتكوَّنُ من منيّهِ الحرام، من منيّهِ الحرام الَّذي تكوَّنَ من طعامٍ حرام، من مالٍ حرام.
  • ● في صفحة (322)، حديث (104): عَن عَبدِ الـمَلك بن أعيَن، قَالَ: سَمِعتُ أبَا جَعفَرٍ عَلَيه السَّلام يَقُول: إِذَا زَنَا الرَّجُل أَدخَلَ الشَّيطَانُ ذَكَرَهُ ثُمَّ عَمَلَا جَمِيعَاً ثُمَّ تَختَلِطُ النُطْفَتَان – نُطفة الزاني ونطفةُ الشَّيطان – فَيَخلُقُ اللهُ مِنْهُما فَيَكُونُ شِركَة الشَّيطَان – فيخلقُ الله منهما ليس ذلك الخلق الَّذي تحدَّثت عنهُ آياتُ سورة المؤمنون وإنَّما بحسبِ السُننِ والقابلياتِ الموجودةِ في الأشياء فإنَّ الله قد أودع القُدرة فيها، مثلما يقومون في المختبرِ في عمليةِ التلقيح الصناعي إنَّهم يتعاملون مع الأشياء بحسبِ ما فيها من قابليات لكنَّهم يشتغلون خارج المسار الإلهي، كُلُّ شيءٍ يحدثُ في هذا الوجودِ فهو بأمرٍ من الله وبقدرةٍ من الله ولكن هناك تجليات لهذهِ القدرة، هناك سياقات هناك مسارات – ثُمَّ تَختَلِطُ النُطْفَتَان فَيَخلُقُ اللهُ مِنْهُما فَيَكُونُ شِركَة الشَّيطَان – هذا هو شِركُ الشيطان، وشِركُ الشَّيطان مصداقٌ من مصاديق تغييرِ خلق الله الَّذي هو برنامجُ إبليس..

  • جولةٌ في أحاديثهم الشّريفة.

  • ● وقفةٌ عند (نهج البلاغة الشريف)، طبعةُ دارِ التعارف للمطبوعات، بيروت/ لبنان، الطبعةُ المصحوبةُ بمعجمٍ لُغويٍّ مفصَّل، صفحة (386)، باب: (حِكَمُ أميرِ المؤمنين)، رقمُ الحكمة (252)، أذهبُ إلى موطن الحاجةِ منها، أمير المؤمنين هكذا يقول: فَرَضَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيرَاً مِنَ الشِّرك وَالصَّلاةَ تَنْزِيهَاً عَنِ الكِبْر – ويستمر في كلامهِ إلى أن يقول: وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِينَاً لِلنَّسَب – فمثلما قال أميرُ المؤمنين: فَرَضَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيرَاً مِنَ الشِّرك – سبحانهُ وتعالى حكمتهُ من فرضِ الإيمان أن يُطهِّرنا مِنَ الشرك، حكمتهُ من نهينا وإبعادنا عن الزِّنا لأجلِ تحصيِن الأنساب، المشكلةُ ليست في موضوعِ العِفَّة مثلاً وإنَّما تأتي العِفَّةُ في سياقِ هذا الموضوع، المشكلةُ في تحصينِ النَّسَب، هذا كلامُ عليٍّ.
  • فهذا الَّذي يُلقِّحُ زوجتهُ بماءِ رجلٍ أجنبي أيُّ تحصينٍ للنَّسَبِ هذا؟! وبحسبِ فتوى السيستاني فإنَّ الولد يُلحقُ بصاحبِ المني، فأين هو تحصينُ النَّسَب؟!
  • وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِينَاً لِلنَّسَب – المشكلةُ في الزِّنا هي هذهِ، وليست المشكلةُ في الزِّنا في الممارسةِ الجنسيةِ بما هي ممارسة، وليست المشكلةُ في الزِّنا في المتعةِ الجنسيةِ بما هي متعة، قد يكونُ هذا دخيلاً في حاشيةِ الموضوع، المشكلةُ الأهم في قضيةِ إنجابِ الأولاد وما يترتبُ على ذلك من تضييعٍ للأنساب، وكُلُّ ذلك سيكونُ خرقاً للسياقِ الإلهي، المشكلةُ ليست في الأنساب، المشكلة في خرقِ السياق الإلهي لإيجادِ مخلوقٍ بشريٍّ بحسب المواصفات الَّتي يُريدها الله، كما مرَّ علينا في الخارطةِ الَّتي قرأتها عليكم من سورةِ المؤمنون – وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِينَاً لِلنَّسَب – الحكمةُ من تحريم الزِّنا هي هذهِ، أن تُحصَّن الأنساب، وتحصينُ الأنساب ليس مطلوباً لنفسهِ وإنَّما هو مُقدِّمةٌ مطلوبٌ لغيرهِ، لأنَّ تحصين الأنساب يقتضي أنَّ المخلوق البشري يأتي في السياق الَّذي يُريدهُ الله، وهنا تتجلَّى لنا ضلالةُ هذهِ الفتوى السيستانية وجهالتُها وشيطانيَّتُها الواضحة، هذهِ فتوى شيطانية بكُلِّ المقاسات!!
  • فهذا أميرُ المؤمنين يُحدِّثنا عن أنَّ الحكمة في تحريمِ الزِّنا هي هذهِ: وَتَرْكَ الزِّنَا تَحْصِينَاً لِلنَّسَب وَتَركَ اللِّوَاط – لماذا؟ هل لنفس العمليةِ بما هي هي؟ هل لحالةِ التقذُّرِ الَّتي تكون عند الإنسانِ النظيفِ من تصوّرِ هذا الفعل؟ – وَتَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيرَاً لِلنَّسل – موضوعُ النَّسل هو الموضوعُ الأساس، ولكن لابُدَّ أن يأتي من الطريق الَّذي يُريدهُ الله، أصلاً ما خُلِق الرجلُ على أنَّهُ رجل وما خُلقت المرأةُ على أنَّها مرأة وما جاء من التشريعِ على أنَّهُ تشريع في أمرِ التزويجِ والتنكيح إلَّا لأجلِ أن يكون النَّسلُ مُتحقِّقاً وبالطريقةِ الَّتي يُريدها الله، فكُلُّ الأمور الَّتي تُبحثُ فيما يرتبطُ بالزِّنا أو باللِّواط ستكونُ في الحاشيةِ مع أهميَّتها بالقياسِ إلى هذين الموضوعين – وَتَرْكَ الزِّنَا – يعني وفرض تركَ الزِّنا – تَحْصِينَاً للنَّسَب وَتَرْكَ اللِّوَاط – وفَرَضَ ترك اللواط – تَكْثِيرَاً للنَّسْل – تُلاحظون أهمية الموضوع في قضيةِ دوام النَّسل وفي قضيةِ الحِفاظِ على النَّسل من أن يكون من المسارِ ومن الطريقِ الصحيح، فمثلما فَرَضَ اللهُ الإيمان تطهيراً من الشرك والصَّلاة تنزيهاً عن الكِبر إلى بقيَّة الفرائض الأخرى والأحكام الأخرى فَرَضَ – تَرْكَ الزِّنَا تَحصِينَاً للنَّسَب وَتَرْكَ اللِّوَاط تَكثِيرَاً للنَّسَل.
  • ● صفحة (166) من نهج البلاغة، أمير المؤمنين يُوجِّهُ كلامهُ إلى المخلوقِ في الرَّحم إلى الجنين، إلى الإنسان الَّذي سيولدُ من خِلالِ المسار الصحيح: أَيُّهَا الـمَخْلُوق السَّويُّ وَالـمُنْشَأُ الـمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَام وَمُضَاعَفَاتِ الأَسْتَار بُدِئْتَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِين – نعود إلى الآيات في سورة المؤمنون – بُدِئْتَ مِنْ سُلَالَةٍ مِن طِين وَوُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِين إِلَى قَدَرٍ مَعْلُوم وَأَجَلٍ مَقْسُوم – إنَّها قضيةٌ مُتقنةٌ مُحكمةٌ في جميع اتِّجاهاتها، هذا هو الطريق الَّذي يُريدهُ الله سبحانهُ وتعالى للمخلوق البشري أن يتكوَّن من خِلالهِ.
  • أَيُّهَا الـمَخْلُوق السَّويُّ وَالـمُنْشَأُ الـمَرْعِيُّ – هذا الخطابُ لا يكونُ لأبناءِ الزنا ولا يكونُ للذين تكوَّنوا من المال الحرامِ بمشاركةِ الشَّيطان؛ ولا يكونُ من بويضةٍ لُقِّحت بمنيِّ رجلٍ أجنبي مثلما في فتاوى السيستاني.. هذا مخلوقٌ سويّ، إنَّما كانَ سوياً حينما ينشأ خلقاً آخر تكونُ فِطرتهُ سويَّةً بعد ذلك تشوَّهُ بعد الولادةِ ذلكَ أمرٌ آخر تلكَ سياقاتٌ أخرى بعد الولادة، ولكنَّ الَّذي يُفترضُ في شِرعةِ الله أنَّ المولودَ لابُدَّ أن يأتي بفِطرةٍ سليمة، والفِطرةُ السليمةُ إنَّما تتكوَّنُ عند الجنينِ إذا ما جاء بهذا الوصف، بهذا الطريق، بهذا المسار.
  • ● وقفةٌ عند كتاب (التوحيد للمُفضَّل بن عمر)، من (بحار الأنوار، ج3)، لشيخنا المجلسي رحمةُ الله عليه، طبعةُ دار إحياء التراث العربي، صفحة (57)، البابُ (4) ، أورد الشَّيخُ المجلسي هذا الكتاب الَّذي عُرف (بكتاب التوحيد للمُفضَّلِ بن عمر)، وهو إملاءٌ من الإمامِ الصَّادقِ صلواتُ اللهِ عليه على المفضَّل، صفحة (62)، الإمامُ الصَّادقُ يقولُ للمُفضَّل: نَبتَدِئُ يَا مُفضَّلُ بِذكرِ خَلقِ الإِنْسَان فَاعتَبِر به، فَأوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الجَنِينُ فِي الرَّحَم – ما يُدبَّرُ بهِ الجنينُ في الرَّحم إنَّهُ تدبيرُ الله.. ويستمرُّ الإمامُ في التفاصيل إلى أن يقول: حَتَّى يُدْرِك – حتَّى يُدرِك هذا بعد الولادةِ حتَّى يُدرِك حتَّى يُصبِح بالغاً – حَتَّى يُدرِك فَإِذَا أَدْرَكَ وَكانَ ذَكَرَاً طَلَعَ الشَّعرُ فِي وَجهِه فَكَانَ ذَلِكَ عَلامَة الذَّكَر وَعِزَّ الرَّجُل الَّذي يَخرجُ بهِ مِن حَدِّ الصِّبَا وَشَبَه النِّسَاء، وَإِنْ كَانَت أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيَّاً مِنَ الشَّعر لِتَبقَى لَها البَهجَةُ وَالنَضَارَةُ الَّتي تُحَرِّكُ الرِّجَال – لماذا؟ – لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسلِ وَبَقَاؤُه – الهدفُ كُلُّهُ هنا، الهدفُ بقاءُ النَّسل ولكن في السياقِ الَّذي يُريدهُ الله.
  • ● صفحة (66) من البحار: انْظُر الآن يَا مُفَضَّل كَيفَ جُعِلت آلاتُ الجُمَاعِ فِي الذَّكَر وَالأُنثَى جَمِيعَاً عَلَى مَا يُشَاكِلُ ذَلِك فَجُعِلَ لِلذَّكَرِ آلَةً نَاشِزَة تَمتَدُّ حَتَّى تَصِلَ النُّطفَةُ إِلَى الرَّحِم إِذْ كَانَ مُحتَاجَاً إِلَى أَنْ يَقذِفَ مَاءَهُ فِي غَيرِه – يعني في الأنثى – وَخَلَقَ للأُنْثَى وِعَاءً قَعْرَاً لِيشتَمِلَ عَلَى الـمَائِين جَمِيعَاً – يعني على ماء المرأةِ وعلى ماء الرجل – وَيَحتَمِلَ الوَلَد وَيَتَّسِعَ لَهُ وَيَصُونَهُ حَتَّى يَستَحكِم، أَلَيسَ ذَلِك مَن تَدبِيرِ حَكِيمٍ لَطَيفٍ سُبحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشرِكُون – فكُلُّ ما عندَ الرَّجلِ وما عند المرأةِ فيما يرتبطُ بالأجهزةِ التناسليةِ الجنسيةِ سَمُّوا ما شئتم القضيةُ ليست لأجلِ المتعةِ الجنسية، القضيةُ ليست لأجلِ التواصل الجسدي فحسب، القضيةُ كُلُّها مرتبطةٌ بالنسل، ببقاءِ النسل الإنساني، ولابُدَّ أن يكون ذلك من الطريقِ الصحيح بحسبِ الخارطةِ الَّتي قرأناها في سورة المؤمنون.
  • ● من صفحة (67) إلى صفحة (68): قَالَ المفضَّلُ، فَقُلتُ: صِف نَشأةَ الأَبْدَانِ وَنُموهَا حَالاً بَعدَ حَال حَتَّى تَبلُغَ التَّمَامَ وَالكَمَال، فَقَالَ عَلَيهِ السَّلام: أَوَّلُ ذَلِكَ تَصوِيرُ الجَنِينِ فِي الرَّحَم حَيثُ لَا تَراهُ عَين وَلا تَنالهُ يَد وَيُدبِّرهُ حتَّى يَخرُجَ سَويَّاً – كلامُ أميرِ المؤمنين الَّذي مرَّ علينا في نهج البلاغةِ الشريف – وَيُدبِّرهُ حتَّى يَخرُجَ سَويَّاً – إنَّما يُقالُ لهذا المخلوق المولود يُقالُ لهُ من أنَّهُ سويٌّ حينما يأتي من الطريقِ المرسومِ بحسبِ الخارطةِ القُرآنية الَّتي مرَّ الحديثُ عنها.
  • ● ويستمرُّ حديثُ إمامنا الصَّادقِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه إلى أن نصل إلى صفحة (74): مَن جَعَلَ الإِنْسَانَ ذَكَراً وَأُنْثَى إِلَّا مَن خَلَقَهُ مُتَنَاسِلاً – يعني أنَّ السِرَّ وأنَّ السَّببَ في خِلقةِ ذكرٍ وأنثى بهذهِ المواصفات هو لأجلِ التناسلِ فقط، هذهِ هي الحكمةُ النهائية – مَن جَعَلَ الإِنْسَانَ ذَكَراً وَأُنْثَى إِلَّا مَن خَلَقَهُ مُتَنَاسِلاً، وَمَن خَلَقَهُ مُتَنَاسِلاً – يعني مُستمرَّاً في الوجود – إِلَّا مَن خَلَقَه مُؤَمِّلاً – ولا يستطيعُ الإنسانُ أن يعيش من دونِ الأمل – وَمَن خَلَقَهُ مُؤَمِّلاً وَمَن أَعطَاهُ آلاتِ العَمَل إِلَّا مَن خَلَقَهُ عَامِلاً – لهذا السبب جعل فيهِ الأمل وأعطاهُ آلاتِ العمل في بدنهِ وما حولهُ لأجلِ أن يكون عاملاً، ولكنَّ البداية في التأسيسِ هو التناسل، لماذا التناسل؟ لأجلِ أن تستمرَّ الحياة، وكيف تستمرُّ الحياة؟ بوجودِ الأمل، ولماذا الأمل؟ كي يستمرَّ العمل، ولماذا العمل؟ كي نعيش في رفاهيةٍ وفي حياةٍ صحيحةٍ كي نُعمِّرَ الأرض..
  • ● وقفةٌ عند دعاءِ سيِّد الشُهداء في يومِ عرفة، من كتاب (مفاتيح الجنان)، هذا الدعاءُ دعاءُ يومِ عرفة يُمكننا أن نقول عنه إنَّهُ يُحدِّثنا عن أسرارِ صناعةِ الإنسان في بُعدهِ المادي وفي بُعدهِ المعنوي، يبدأ الدعاء هكذا: الـحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيسَ لِقَضَائِهِ دَافِع وَلَا لعَطَائِهِ مَانِع وَلَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِع – من هنا يبدأُ الحديثُ عن صناعةِ الإنسان – الـحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيسَ لِقَضَائِهِ دَافِع وَلَا لعَطَائِهِ مَانِع وَلَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِع- الصنعُ يأتي بمعنى الصناعةِ والتصنيع ويأتي بمعنى الفضل والعطاء والخير- وَلَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِع وَهُو الجَوَادُ الوَاسِع فَطَرَ أَجْنَاسَ البَدَائِع وَأَتْقَنَ بِحكْمَتِهِ الصَّنَائِع لَا تَخْفَى عَلَيهِ الطَلائِع وَلَا تَضِيعُ عِندَهُ الوَدَائِع جَازِي كُلِّ صَانِع – جَازي كُلِّ صانع، أكانَ يصنعُ صناعةَ خير أم كان يصنعُ صناعة شر.. ثُمَّ يقول الدعاء:
  • اللَّهُمِّ إِنِّي أرَغبُ إِلَيكَ وَأشَهْدُ بالرُبُوبِيَّةِ لَك مُقِرَّاً بِأَنَّكَ رِبِّي وَإِلَيكَ مَرَدِّي اِبْتَدأتَنِي بِنعْمَتِكَ قَبلَ أَنْ أَكُونَ شِيئَاً مَذْكُورَاُ، خَلَقْتَنِي مِنَ التُرَاب ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الأَصْلاب آمِنَاً لِرَيبِ الـمَنُون وَاخْتِلَافِ الدُهُورِ وَالسِّنِين فَلَم أَزَل ضَاعِنَاً – ضاعناً يعني مُتنقِّلاً – فَلَم أَزَل ضَاعِنَاً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِم فِي تَقَادُمٍ مِنَ الأَيامِ الـمَاضِيَة وَالقُرُونِ الخَالِيَة لَـم تُخْرِجنِي لِرَأفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَولَةِ أَئِمَّة الكُفْر – يعني قبل دولةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله قبل عصرِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله، المرادُ من الدولةِ هنا ليست الحكومة وإنَّما المقطعُ الزمانيُّ الَّذي تتداولُ فيهِ الأحداثُ والحوادث – لَـم تُخْرِجنِي لِرَأفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسَانِكَ إِلَيّ فِي دَولَةِ أَئِمَّة الكُفْر الَّذِين نَقَضُوا عَهْدَكَ وَكَذَّبوا رُسُلَك لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الـهُدَى الَّذِي لَهُ يَسَّرْتَنِي وَفِيهِ أَنْشَأتَنِي وَمِن قَبلِ ذَلِكَ رأُفتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِك وَسَوابِغِ نِعَمِك فَابْتَدَعتَ خَلْقِي مِنْ مِنِيٍّ يُمْنَى وَأَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاث بَينَ لَحمٍ وَدَمٍ وَجِلد، لَم تُشْهِدْنِي خَلْقِي وَلَـم تَجْعَل إِلَيَّ شَيئَاً مِنْ أَمْرِي ثُمَّ أخرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الـهُدَى إِلَى الدُّنْيَا تَامَّاً سَويَّاً – هذا هو الطريقُ الَّذي يُريدهُ الله يُبَيِّنهُ لنا دعاءُ سيِّد الشُهداء في يومِ عرفة، ما أنا قُلتُ لكم قبل قليلٍ من أنَّ هذا الدعاء هو دعاءُ صناعةِ الإنسان في بُعدهِ المادي والمعنوي، دعاءٌ غنيٌّ بالأسرارِ والحقائق، هذا المقطعُ يكفي أن ندوس على فتوى السيستاني بأحذيتنا، فقط هذا المقطع..
  • فَابْتَدَعتَ خَلْقِي مِنْ مِنِيٍّ يُمْنَى وَأَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاث بَينَ لَحمٍ وَدَمٍ وَجِلد – فهل الدعاءُ يتحدَّثُ عن منيِّ رجلٍ أجنبيٍّ تُلقَّحُ بهِ بيضةُ المرأة، أيُّ هُراءٍ هذا؟! – فَابْتَدَعتَ خَلْقِي مِنْ مِنِيٍّ يُمْنَى وَأَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاث بَينَ لَحمٍ وَدَمٍ وَجِلد، لَم تُشْهِدْنِي خَلْقِي وَلَـم تَجْعَل إِلَيَّ شَيئَاً مِنْ أَمْرِي ثُمَّ أخرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الـهُدَى – تُلاحظون هذا التعبير يتكرَّر؟! فهل هذا هو الَّذي يتولَّدُ من الزِّنا أو هو الَّذي يتولَّدُ بمشاركةِ الشَّيطان أو هو الَّذي يتولَّد من أطفالِ أنابيبِ السيستاني؟ – ثُمَّ أخرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الـهُدَى إِلَى الدُّنْيَا تَامَّاً سَويَّاً وَحَفَظْتَنِي فِي الـمَهْدِ طِفْلاً صَبِيَّا وَرَزقتَنِي مِنَ الغِذَاءِ لَبَنَاً مَرِيَّاً وَعَطَفتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الحَوَاضِن وَكَفَلتَنِي الأُمَّهَات الرَّوَاحِم وَكَلَأتَنِي مِن طَوَارِقِ الجَانَ وَسَلَّمتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فَتَعَالَيتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحمَان حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلتُ نَاطِقَاً بِالكَلام أَتْمَمتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الإِنْعَام وَرَبَّيتَنِي زَايِدَاً فِي كُلِّ عَام حتَّى إِذَا اِكْتَمَلَت فِطْرَتِي وَاعْتَدَلَت مِرَّتِي – مِرَّتي يعني طبيعتي – وَاعْتَدَلَت مِرَّتِي أَوجَبتَ عَلَيَّ حُجَّتَك – وإنَّما يُوجِبُ حُجَّتهُ على عبدهِ هذا حينما يكونُ قد جاء في المسارِ الكاملِ الصحيح فيُوجِبُ حُجَّتهُ كاملةً عليه، إذا لم يكن قد جاء في المسارِ الصحيح فإنَّهُ لا يُوجِبُ حُجَّتهُ عليه بشكلها الكامل، لأنَّ إيجابَ الحُجَّة بشكلٍ كامل هو عطاءٌ وفيضٌ والعطاءُ والفيض لابُدَّ أن يكون بحسبِ القابل، هذهِ العبائرُ تُحدِّثنا عن المسار الحقيقي الَّذي يُريدهُ الله سبحانهُ وتعالى للمخلوق البشري أن يتكوَّن من خِلالهِ، أن يُخلق من خِلالهِ..
  • ● يقولُ الدعاءُ الشريفُ في مقطعٍ آخر: وَأنَا أَشْهَدُ يَا إِلَهِي بِحَقِيقَةِ إِيمَانِي وَعَقدِ عَزَمَاتِ يَقِيني وَخَالِصِ صَريحِ تَوْحِيدِي وَبَاطِنِ مَكْنُونِ ضَمَائِري وَعَلائِقِ مَجَارِي نُورِ بَصَري وَأَسَارِيرِ صَفحَةِ جَبِيني وَخُرقِ مَسَاربِ نَفْسِي وَخَذَارِيفِ مَارِنِ عِرْنِينِي وَمَسَارِبِ سِمَاخِ سَمْعِي وَمَا ضُمَّت وَأَطْبَقَت عَلَيهِ شَفَتَاي وَحَركَاتِ لَفظِ لِسَاني وَمَغرَزِ حَنَكِ فَمِي وَفَكِّي وَمَنَابِتِ أَضْرَاسِي وَمسَاغِ مَطْعَمِي وَمَشْرَبِي وَحِمَالَةِ أُمِّ رَأسِي وبَلُوعِ فَارغِ حَبَائِلِ عُنُقِي وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ تَامُورُ صَدْرِي وَحَمَائِلِ حَبلِ وَتِينِي وَنِيَاطِ حِجَابِ قَلبِي وَأَفَلاذِ حَوَاشِي كَبِدِي وَمَا حَوَتهُ شَرَاسِيفُ أَضْلَاعِي وَحِقَاقُ مَفَاصِلِي وَقَبضُ عَوَامِلِي وَأَطْرَافُ أَنَامِلِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعرِي وَبَشَرِي وَعَصَبِي وَقَصَبِي وعِظَامِي ومُخِّي وَعُرُوقِي وَجَمِيعِ جَوَانِحِي وَمَا انْتَسَجَ عَلَى ذَلِكَ أيَّامَ رِضَاعِي – الدعاءُ طويلٌ وهذهِ العبائرُ بحاجةٍ إلى شرحٍ لكنَّني أقولُ بالإجمال؛ كُلُّ هذهِ الأعضاء وكُلُّ هذهِ الأجزاء الَّتي تكوَّنت من المنيّ الَّذي يُمنَى تشهدُ بأيِّ شيءٍ؟ – بِحَقِيقَة إِيمَانِي وَعَقدِ عَزَمَاتِ يَقِيني وَخَالِصِ صَريحِ تَوْحِيدِي – كيف تتمكَّنُ هذهِ الأعضاءُ أن تَشهد بهذهِ الحقائق وأن تكون مُؤهَّلةً لمن هو في هذهِ المنزلةِ من المعرفةِ واليقين ما لم تكن هذهِ الأعضاءُ قد خُلقت من المسارِ الصحيح الَّذي يُريدهُ اللهُ للإنسان لي ولكم جميعاً ولكُلِّ بني آدم؟! تدبَّروا في هذهِ المضامين، هذا الدعاءُ يكفي لنقضِ هُراء السيستاني وغير السيستاني.
  • ● إلى أن يقول الدعاءُ الشريف: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي سَمِيعَاً بَصِيراً وَلَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي خَلْقَاً سَوِيَّاً رَحمَةً بِي وَقَد كُنتَ عَن خَلْقِي غَنِيَّاً، رَبِّي رَبِّي بِمَا بَرَأتَنِي فَعَدَّلَت فِطْرَتِي، رَبِّي بِمَا أَنْشَأتَنِي فَأَحْسَنتَ صُورَتِي، رَبِّي بِمَا أَحْسَنْتَ إِليَّ وَفِي نَفْسِي عَافَيتَنِي، رَبِّي بِمَا كَلَأتَنِي وَوَفَّقْتَنِي، رَبِّي بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَهَدَيتَنِي- إلى آخرِ الدعاء.
  • أُلفتُ نظركم إلى أنَّ هذهِ المضامين تنسجمُ انسجاماً كاملاً دقيقاً مع ما بيَّنتهُ آياتُ القُرآنِ الكريم وما شرحتهُ لنا خارطةُ القُرآنِ للإنسان إنَّها خارطةُ الإنسان في آياتِ سورةِ المؤمنون، بعبارةٍ أخرى إنَّها خارطةُ المؤمن، كيف يُخلقُ؟ يتكوَّنُ؟ يأتي من المسارِ الَّذي يُريدهُ الله، وبعبارةٍ دقيقةٍ: (من المسار الَّذي يُريدهُ صاحبُ الأمر)، ولذا من جُملةِ الأمور الَّتي هيَّأها صاحبُ الأمر أن أباح الخُمس لشيعتهِ؛ (وَأمَّا الخُمْس فَقَد أُبِيحَ لِشِيعَتِنا وَجُعِلُوا مِنهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقتِ ظُهُورِ أَمْرِنا – لماذا؟ – لِتَطِيبَ ولادَتهُم وَلا تَخبُث)، هذا جزءٌ من لُطفِ إمامِ زماننا لأجلِ أن يُهيّئ لنا المسار الصحيح للولادةِ الصحيحة، بينما المرجعُ الأعلى يُهيُّئ الطريق الحرام لولادةِ هؤلاء الَّذين سيأتون من التلقيح الصناعي بحسبِ فتاواه الخرقاء ويقول هو نائبُ صاحبِ الزمان!!

تحقَق أيضاً

الحلقة ١٢ – آل محمّد هم المحسودون ج٢

يازهراء …