دليلُ المسافر – الحلقة ٣ – محطّاتُ الطريق – محطّتان متمازجتان الاحتضار وزهوقُ الروح ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 4 شهر رمضان 1440هـ الموافق 10 / 5 / 2019م

  • في الحلقتين المُتقدّمتين الأولى والثانية مِن حلقاتِ هذا البرنامج كان الحديثُ في مُقدّمةٍ كي أدخل بعدها إلى مضمون ومُحتوى موضوع هذا البرنامج.

  • ربّما بقي شيءٌ مِن الحديثِ لم أتمكّن مِن إتمامهِ في الحلقةِ الماضية سوف أطوي كشحاً عنه.. لأنّني إذا ما شرعتُ في تناولهِ سيأخذُ قِسْطاً كبيراً مِن وقتِ هذهِ الحلقة.. ولِذا سآتي على ذكْرهِ في طَوايا الحلقاتِ القادمة ضمن الموضوعاتِ التي سأتناولها إنْ شاء الله تعالى.

  • سأبدأ في الحديثِ عن أُولى مَحطّاتِ هذا الطريق:

  • طَريقُ سفرنا هذا يَبدأ مِن نهايةِ ما لدينا مِن وقتٍ قُدّر لنا أن نَعيشهُ وأن نقضيه على هذا التُراب.. ولِذا فإنَّ بدايةَ الطريق ستكونُ مِن مَحطّتينِ مُتمازجتين: مَحطّةُ الاحتضار، ومَحطّةُ زهوق الروح.
  • أمَّا مَحطّةُ الاحتضار فهي مُقدّمةُ الموت..
  • وأمَّا زُهوق الرُوح فهو بدايةُ الموت..
  • فإنَّ الموتَ مرحلةٌ تبدأ مِن مرحلةِ زهوق الرُوح وما بعدها.. وسيأتي الكلام عن هذهِ التفاصيل فيما يأتينا مِن الحلقاتِ القادمة مِن هذا البرنامج.
  • ● بدايةُ الطريق مَحطّتانِ مُتمازجتان، مُتداخلتان.. كما بيّنتُ في النقاطِ التي كانتْ بمثابةِ مُقدّمةٍ لهذهِ الحلقات خُصوصاً في الحلقة الأولى عندما قُلتُ أنّني سأتّبعُ أسلوبَ المُقاربةِ في توضيح الصُوَر والمعاني، وإنّني سأختارُ مِن الصُوَر ما أجدُهُ مُناسباً للمقام.. والسبب في ذلك: كثرةُ الصُوَر التي بين أيدينا، فالوقتُ لا يكفي لتناولها جميعاً.
  • ● قد يتصوَّر البعض أنَّ الموتَ هُو خروجُ الروح مِن البدن.. وهذا ليسَ هُو الموت، وإنّما هذهِ بدايةُ الموت.. الموتُ مرحلةٌ لها تفاصيلها.. وسيأتي الكلامُ عن تلكَ التفاصيلِ في الحلقاتِ القادمةِ إنْ شاء الله تعالى.

  • في البداية أعرضُ بين أيديكم طائفةً مِن آياتِ القُرآن في أجواءِ هاتين المَحطّتين (محطّة الاحتضار ومحطّة زهوق الرُوح) وأمرُّ على هاتين مُروراً إجماليّاً بحسب ما يَسنحُ بهِ المقام.

  • في الآية 26 بعد البسملة وَما بَعدها: {كلّا إذا بلغتْ التراقي* وقيل مَن راقِ* وظنَّ أنَّهُ الفِراق* والتفَّتْ الساقُ بالساق* إلى ربّكَ يومئذٍ المَساق}.

  • التراقي جمْعٌ لترقوة وهي أعلى صَدْر الإنسان.. بَلغتْ التراقي: يَعني أنَّ الروحَ في الرَمَق الأخير والنَزَع الأخير.
  • ● قولهِ : {وقيل مَن راقِ} سُؤالٌ يطرحُ نفسهُ هُنا.. هل هُناك مِن طبيبٍ أو مِن قارئٍ يقرأ الرُقى على هذا المريض يستطيعُ أن يدفعَ الموتَ عن هذا المُحتضِر؟
  • ● {وظنَّ أنَّهُ الفِراق} هذا هُو فراقُ عالم الدُنيا، لقد انتهتْ مُدّتنا.
  • ● {والتفَّتْ الساقُ بالساق} تعبيرٌ كنائيٌّ جميلٌ جدّاً، والمُراد مِنهُ : ساقُ الدُنيا وساقُ الآخرة.. أي التصقتْ الدُنيا بالآخرة، وهُو المضمون الذي تحدّثتُ عنهُ في الحلقتين الماضيتين مِن أنّنا قريبون مِن الجنّة، قريبون مِن النار.. قريبون مِن الآخرة.
  • ● {إلى ربّكَ يومئذٍ المَساق} المَساقُ هو هذا السَفَرُ الطويلُ البعيد بالنسبةِ لنا.. هذا السَفَر يكونُ قصيراً وسريعاً لِمجموعةٍ مُعيّنةٍ يا ليتنا كُنّا مِنهم.. إنّهم أولياءُ عليٍّ وآلُ عليٍّ الحقيقيّون.
  • ● {كلّا إذا بلغتْ التراقي} أي حينما تُستَلُّ الرُوح مِن الإنسانِ شيئاً فشيئاً حتّى تصِل إلى أعلى صدْره.
  • الآياتُ تُخبرنا وبعضُ الذين استطاعوا أن يتحدّثوا وهُم في حالةِ الاحتضار.. فلقد أخبرونا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” وأخبرَ هؤلاءِ المُتحدّثون أيضاً مِن أنّهم يشعرونَ أنَّ الرُوح تُستَلُّ مِنهم استلالاً..!
  • مع أنَّ الأحاديثَ الشريفة تُخبرنا أنَّ الأرواحَ تُحيطُ بالأبدانِ كالكِلل.. والكِللُ هي جَمْعٌ لِكلّة.. والكِلّةُ هُو هذا القماشُ الشفّافُ الخفيفُ الرقيق الذي يُنصَبُ تارةً على الأسرّةِ وتارةً على العُروشِ وتارةً في مَواطن الراحةِ والاستجمام.. هذا الذي يُوضَعُ على الإنسانِ حينما ينامُ دفعاً للحشراتِ ودَفْعاً.
  • فإنَّ الأرواح تُحيطُ بالأبدانِ كالكِلل، ولكنَّ الإحاطةَ هذهِ تَجعلُ الإحاطةَ مُرتبطةً بالأجسادِ بما يَشبهُ الأشعّةَ التي تَصدرُ مِن مصباحٍ أو مِن مَصدرٍ مِن مصادر الإضاءة بحيث أنّها تتلامسُ مع أجسامنا وأجسادنا.

  • في سُورة ق في الآية 19: {وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحقّ ذلكَ ما كُنتَ مِنهُ تحيد} هذا الذي كُنتَ تُحاولُ يابن آدم أن لا تتذكّر مضمونه.. فالناسُ يُحاولون أن يُبعدوا ذِكْر الموتِ وصُورةَ الموتِ مِن أذهانهم.

  • والمُراد مِن “سكرةُ الموتِ” هي المنطقةُ التي يتمازجُ فيها الاحتضارُ مع زُهوق الرُوح.
  • هُنا يتمازجُ الاحتضارُ مع زهوق الرُوح، ولِذا قُلتُ مَحطّتانِ مُتمازجتان.. قد يَطول الاحتضارُ بالنسبةِ لِشخصٍ وقد يقصُرُ إلى حدٍّ بعيد بالنسبةِ إلى شخصٍ آخر.. ورُبّما يتلاشى فلا يكونُ إلّا في دقائق أو ثواني، ولكن لابُدّ مِن الاحتضار.
  • المَحطّاتُ هذهِ التي أتحدّثُ عنها حينما تجري الأمور بأسبابها الطبيعيّة المرسومة.. فهُناك مِن الأحوالِ والأوضاع ما يُمكن أن تُختصَر هذهِ المحطّات – خُصوصاً في محطّة الاحتضار – لقوانين أُخرى حاكمة.
  • وأنا هُنا لا أُريد أن أُناقش كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.. وإنّما أتحدّثُ عن المحطّاتِ في الطريقِ المرسومِ ما بين وداع الدُنيا وبين الوصول إلى المحطّةِ الأخيرة.. فإمّا الجنّةُ وإمّا النار.

  • في سُورة الأنفال في الآية 50: {ولو تَرى إذْ يتوفّى الذين كفروا الملائكةُ يضربون وُجوههم وأدبارهم وذُوقوا عذابَ الحريق}.

  • هذه الصُورة تُخبرنا عن حالِ أعداءِ عليٍّ وآل عليّ.. فالمُراد مِن هذا العُنوان: (الذين كفروا) أي الذين كفروا بعليٍّ وآل عليّ بِحَسَب منطق العترة الطاهرة.

  • في سُورة مُحمّد الآية 27: {فكيفَ إذا توفّتهم الملائكةُ يضربون وجوههم وأدبارهم* ذلكَ بأنّهم اتّبعوا ما أسخطَ الله وكرهوا رضوانه فأحبطَ أعمالهم}.

  • ● حين تقول الآية: {وكرهوا رضوانه} رضا فاطمة رضاهُ سُبحانهُ وتعالى، وسَخَطُ فاطمة سَخَطهُ سُبحانهُ وتعالى.

  • في سُورةِ المُنافقون الآية 10: {وأنفقوا مِمّا رزقناكم مِن قبل أن يأتي أحدَكَم الموت فيقولَ ربّي لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريب فأصّدّقَ وأكنْ مِن الصالحين}

  • هذهِ عند سكْرةِ الموت، في المنطقةِ التي يتمازجُ فيها الاحتضارُ مع زُهوقِ الرُوح.
  • وحين تقول الآية: {وأنفقوا مِمّا رزقناكم} فإنَّ الانفاق ليس مِن المال النقدي فقط.. الإنفاقُ يكونُ مِن صِحّةِ الإنسانِ وعافيتهِ، الإنفاقُ يكون مِن سُمْعةِ الإنسان ووجاهته، الإنفاقُ يكونُ مِن عِلْم الإنسانِ ومَعرفته، الإنفاقُ يكونُ مِن كُلّ ما أُوتي الإنسانُ مِن نِعَمِ الله سُبحانه وتعالى.. ما كانَ منها في الجانبِ الماديّ، وما كانَ منها في الجانبِ المعنوي، وما كانَ منها في الجانب الذي يتمازجُ فيه المعنى مع المادّة.
  • ● قولهِ: {وأكنْ مِن الصالحين} الصلاحُ ليس محصوراً بدفعِ المال.. فإنَّ الإنفاق كما بيّنت يكون مِن كُلّ نعمةٍ مِن نعمة الله سُبحانه وتعالى، وأعظمُ نِعَمِ اللهِ علينا ولايتنا لعليٍّ وآل عليّ.. فالإنفاقُ منها يكونُ بإحياءُ أمرهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”، أن نُحيي أمرَ الولايِة هذهِ، وهذا هُو سيّدُ الإنفاق وأعظمُ الإنفاق.. وهذا هُو الذي سيجعلُنا مِن الصالحين.
  • ● قولهِ: {وأنفقوا مِن ما رزقناكم مِن قبل أن يأتي أحدكم الموتُ فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ..} إنّها لحظاتٌ ولقطاتٌ مِن هذهِ المرحلةِ مِن حياتنا، مِن مرحلةِ التمازج ما بين الاحتضارِ، وما بين زهوق الرُوح.
  • هذا المضمون هو الذي تَحدّثتُ عنهُ في برامجي دائماً، وما تَحدّثتُ عنهُ أيضاً في الحلقتين المُتقدّمتين فيما يَرتبطُ بموضوع الأولويّات.
  • هذا المُحتضِرُ حين يقول: {ربّ لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ} يقولُ هذا الكلام كي يُعيدَ تَرتيبَ أولويّاتهِ.. فإنّهُ لم يكنْ قد وضَعَ إمامِ زمانهِ في الأولويّةِ الأولى.
  • وحتَّى هذا الكلام ليس مُناسباً للعلاقةِ بإمامِ زماننا.. إمامُ زماننا مِن المُفترض أن يكونَ الأولويّةَ الوحيدةَ في حياتنا، وبقيّةُ الأشياء تأتي في قائمةٍ أُخرى هي في حاشيةِ حواشي تِلكَ الأولويّةِ العُظمى، ويُضافُ إلى ذلك أنّنا نُوظّفُ تلكَ الحواشي في خِدمةِ الأولويّةِ العُظمى التي هي إمامُ زماننا.

  • في سُورة يُونس في الآية (62) وما بعدها: {ألا إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هُم يَحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتّقون* لهم البُشرىٰ في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديلَ لكلماتِ اللهِ ذلك هُو الفوز العظيم}.

  • هذهِ المجموعةُ التي قُلتُ أنَّ سَفَرَها سَفَرٌ مُختصرٌ وسريعٌ ومُؤنسٌ ومُبهجٌ.. إنّهم أولياءُ عليٍّ وآل عليّ الحقيقيّون.. فليسَ هُناكَ مِن رهبةٍ في الموت أو مِن خوفٍ.. الموتُ راحةٌ لهم.
  • ● قولهِ: {الذين آمنوا وكانوا يتّقون} أي أنّهم جعلوا الولايةَ لعليٍّ وآل عليٍّ مِثلما يُريدُ عليٌّ وآلُ عليٍّ.. جعلوها هي التقوى، هي الحاجزُ فيما بينهم وبين الفِكْر الناصبي، فيما بينهم وبين كُلِّ عَمَلٍ يقودُهم بعيداً عن عليٍّ وآل عليّ.. هذهِ هي التقوى.. التقوى هي ولايةُ عليٍّ وآل عليّ.
  • إذا ما عرفنا المضمونَ العقائديَّ الصحيحَ لِولايةِ عليٍّ وآل عليّ، فإنّها تكونُ وقايةً لنا مِن الفِكْر الناصبيّ القذر، ومِن التفسير الناصبيّ القذر للقرآن، ومِن العقائد الناصبيّة القذرة التي تفتِكُ في ساحتنا الشيعيّة بعقولنا بسبب مراجعنا الكبار مِن الأمواتِ والأحياء.
  • ● قولهِ: {لهم البُشرىٰ في الحياة الدنيا وفي الآخرة} أي البُشرى في لَحَظاتِ الإحتضار.. فلم تنفصلْ أرواحُهم عن أبدانهم إلى هذهِ الّلحظة.. ولكنَّ البشائر بدأتْ تُزَفُّ إليهم، والمُراد مِن البُشرى هي حُضورُ مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ عندهم.. هذهِ هي البشرى كما تُخبرنا بذلك أحاديثُ العترةِ الطاهرة.
  • تُزَفُّ هذهِ البُشرى لأولياءِ عليٍّ وآل عليّ.. للذين كانتْ ولايةُ عليٍّ وآلِ عليٍّ تقواهم ووقايتهم مِن كُلّ القذارات الناصبيّةِ بكُلّ أشكالها وألوانها وأجناسها وأنواعها التي تُقذّرُ العقولَ والقلوب.
  • فحين تقول الآية: {ذلك هُو الفوز العظيم} الفوزُ العظيم لأولياء عليٍّ وآل علي.. والفوزُ العظيم في زياراتنا وفي أدعيتنا وفي رواياتنا وفي قُرآننا مِصداقهُ الأوّل الأعظم شُهداء الطفوف.. ولِذا نحنُ نتمنّى بِحَسَب وصايا الأئمة لنا أن نلحق بهم (يا ليتنا كُنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً..) الفوزُ العظيم لِهذه المجموعة (لأولياءِ عليٍّ وآل عليّ الحقيقيّين) ومِصداقُهم الصريح الواضح “أنصارُ الحُسين”.. لا بفضلهم، وإنّما بفضل الحُسين، لأنَّ الحُسين نَسَبهم إلى نفسه، وهُو الذي تبنّاهم فكانوا وكانوا، وفازوا وفازوا..
  • ● قولهِ: {لا خوفٌ عليهم ولا هُم يَحزنون} لا خوفٌ عليهم في حال الاحتضار ولا ما بعد الاحتضار.. وإنّما تُزَفُّ البشائرُ إليهم، والذي يزفُّ البشائر لهم مُحمّدٌ وعليٌّ.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج4] في صفحة 34 في ذيل الآياتِ التي تلوتُها عليكم:
  • {ألا إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هُم يَحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتّقون* لهم البُشرىٰ في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديلَ لكلماتِ اللهِ ذلك هُو الفوز العظيم}.
  • (عن عليّ بن عُقبة، عن أبيه، قال: قال لي أبو عبد الله “عليه السلام”: يا عُقبة، لا يقبلُ اللهُ مِن العِباد يومَ القيامةِ إلّا هذا الأمْر الذي أنتم عليه – إنّهُ أمرُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد الصافي النقي – وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينهُ إلّا أن تبلغَ نفسهُ إلى هذهِ. ثمَّ أهوى بيدهِ إلى الوريد – موطن الذبح – ثمَّ اتّكأ. وكان معي المُعلّى، فغمزني أن أسأله – أي أشار إليَّ بإشارة – فقلتُ: يابن رسول الله، فإذا بلغتْ نَفسهُ هذه، أيّ شيءٍ يرى؟ فقلتُ لهُ بضْعَ عشرةَ مرّة: أيّ شيء؟ فقال في كلّها: “يرى” ولا يزيدُ عليها، ثمَّ جلسَ في آخرها، فقال: يا عُقبة، فقُلتُ: لبّيكَ وسعديك. فقال: أبيتَ إلّا أن تعلم؟ فقلتُ: نعم يابن رسول الله، إنّما ديني مع دينك، فإذا ذهبَ ديني كانَ ذلك، كيف لي بك يابن رسول الله كلَّ ساعة؟ وبكيت، فرقَّ لي، فقال: يَراهما والله. فقُلتُ: بأبي وأمي، مَن هُما؟ قال: ذلك رسول الله وعليٌّ “صلواتُ الله وسلامهُ عليهما وآلهما”.
  • يا عُقبة، لن تَموتَ نفسٌ مُؤمنة أبداً حتّى تراهُما. قلتُ: فإذا نظرَ إليهما المُؤمن أ يرجعُ إلى الدُنيا؟ فقال: لا، يمضي أمامَهُ إذا نظرَ إليهما.
  • فقلتُ له: يقولان شيئا؟ قال: نعم، يدخلانِ جميعاً على المُؤمن، فيجلسُ رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” عند رأسه، وعليٌّ عند رجليه، فيُكبُّ عليهِ رسولُ الله “صلَّى الله عليه وآلهِ” فيقول: يا وليَّ الله، أبشرْ أنا رسولُ الله.. إنّي خَيرٌ لكَ مِمّا تركتَ مِن الدُنيا. ثمَّ ينهضُ رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” فيقومُ عليٌّ حتّى يكبَّ عليه، فيقول: يا وليَّ الله، أبشر أنا عليُّ بن أبي طالب الذي كنتَ تُحب، أما لأنفعنك. ثمَّ قال: إنَّ هذا في كتاب الله عزَّ وجلَّ. فقلت: أين؟ جعلني الله فداك، هذا مِن كتاب الله؟ قال: في يونس، قول الله عزَّ وجلَّ ها هنا: {الذين آمنوا وكانوا يتقون* لهم البشرىٰ في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلماتِ اللٰه ذلك هُو الفوزُ العظيم}).
  • فالبُشرى التي تحدّثتْ عنها الآياتُ في سُورةِ يُونس هي هذهِ البُشرى.

  • في سُورة فُصّلتْ الآية 30 وما بعدها: {إنَّ الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثُمَّ استقاموا تتنزّلُ عليهم الملائكةُ ألّا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّةِ التي كُنتم تُوعدون* ولكم فيها ما تدّعون}.

  • الآية تتحدّث عن أشياع الصراطِ المُستقيم.. والصراطُ المُستقيم هو عليٌّ، وأشياعهُ الحقيقيّون هُم الذين يستقيمون معه.
  • الآية تتحدّث عن الّلحظات الأخيرة مِن حياتهم.. إنّها مرحلةُ الاحتضار التي تُمازجُ مرحلةَ زهوق الرُوح.. وهي نفس المضامين التي مرَّتْ في سُورة يُونس.
  • هذهِ الإستقامةُ التي تحدّثتْ عنها الآيات في سُورةِ فُصّلتْ هي بعينها نفس الإستقامة التي تحدّثتْ عنها سُورةُ الجنّ في الآية 16:
  • {وأن لو استقاموا على الطريقةِ لأسقيناهم ماءً غَدَقا} والطريقةُ هُنا: هي ولايةُ عليّ.. كما ورَدَ عنهم “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.. إنّها الطريقةُ والطريق الذي يتحدّث عنهُ إمامُ زماننا حين يقول:
  • (طَلَبُ المعارفِ مِن غَير طَريقنا أهْل البيت مُساوقٌ لإنكارنا) إنّهُ طريقُ أهل البيت “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ● قولهِ: {لأسقيناهم ماءً غَدَقا} الماءُ الغَدَق هو المعرفةُ السليمة والعقيدة الصحيحة، لأنَّ الماءَ الغَدَق هو الماءُ الصافي الوفيرُ الطاهرُ الكثيرُ الجاري النابعُ مِن العيون الصافية.. وأنا مُنذ بداية حديثي في أوّل حلقةٍ مِن حلقاتِ هذا البرنامج وأنا أُصرُّ على العقيدة الصحيحة.. وها هُو القُرآن هُنا يتحدّثُ عنها.
  • ونجد نفس هذا المضمون عندما نقرأ في سُورة المُلك الآية 30: {قل أرأيتم إنْ أصبحَ ماؤُكم غَوراً فمَن يأتيكم بماءٍ مَعين}.
  • الماءُ المعين عندهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. فإذا ما استقمنا على الطريقةِ وإذا ما كان فَهْمُنا يَعتمدُ على قواعدِ فَهْمِهم فإنَّ الغَيبةَ ستكونُ لنا بمنزلةِ المُشاهدة.. هذهِ هي ثقافتهم.
  • والمُراد مِن قولهِ تعالى {إنْ أصبحَ ماؤُكم غَوراً} في ثقافةِ العترة الطاهرة أي: إنْ أصبحَ إمامُكم غائباً، فمَن يأتيكم بماءٍ مَعين بمعرفةٍ صافية، بِعِلْمٍ صافٍ، بعقيدةٍ صحيحة؟ إنّهُ حديثهم وتوفيقهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج8] الحديث الأوّل وهو منقولٌ عن الجُزء الأوّل مِن الكافي الشريف.
  • (عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام” في قوله تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غَدَقا} قال “عليه السلام”: يعني لو استقاموا على ولايةِ عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء مِن ولده “عليهم السلام”، وقَبِلوا طاعتهم في أمرهم ونَهيهم لأسقيناهم ماءً غَدَقا.. يقول: لأشربنا قُلوبهم الإيمان، والطريقةُ هي ولاية عليّ بن أبي طالب والأوصياء “عليهم السلام”).
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليهِ السلام” في [تفسير البرهان: ج8] الحديث الثالث في صفحة 139 جاء فيه:
  • (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله “الصادق عليه السلام”، قال: سألتهُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: {وأن لو استقاموا على الطريقةِ لأسقيناهم ماءً غَدَقا} يعني لأمددناهم علماً كي يتعلّموه مِن الأئمة “عليهم السلام” – يعني أنّ عقيدتهم صحيحة نقيّة صافية -).
  • ● في الآية 83 وما بعدها مِن سُورة الواقعة: {فلولا إذا بلغتْ الحلقوم* وأنتم حينئذٍ تنظرون* ونحنُ أقربُ إليهِ منكم ولكن لا تُبصرون} الآيتانِ في نفس أجوائنا التي نتحدّثُ عنها (مَحطّتانِ مُتمازجتان: الاحتضارُ الذي هُو مُقدّمةُ الموت، وزُهوق الرُوح الذي هُو أوّلُ الموت)
  • ● {فلولا إذا بلغتْ الحلقوم} الحلقوم هُو الوريد، هُو مَوطنُ الذبح، إنّهُ الحَلْق.. يعني أنَّ الإنسان في النزع الأخير، ما تُسمَّى بمرحلةِ الغرغرة أو الحشرجة.
  • ● {وأنتم حينئذٍ تنظرون} أي تنظرون إلى حاله.
  • ● {ونحنُ أقربُ إليهِ منكم ولكن لا تُبصرون} بحَسَب حديثِ العترة الطاهرة.. فإنَّ عليّاً سيكونُ حاضراً هُنا.. والمُراد مِن قولهِ: {ونحنُ أقربُ إليهِ منكم} أي نَحنُ أقربُ إلى عليٍّ منكم.. {ولكن لا تُبصرون} أي لا تُبصرون عليّاً.. والسبب: لأنّنا لا نُدركُ بحواسّنا إلّا ما نَستطيعُ أن نُدركهُ بحُدود حواسّنا.. لا نستطيعُ أن نتجاوزَ الحُجُب والحواجز والموانع التي تحولُ فيما بيننا وبينَ أن تُدرِكَ أبصارُنا ما هو خارجٌ عن حُدود قُدرتها.
  • ● وقفة عند حديث العترة الطاهرة في [تفسير البرهان: ج7] في صفحة 429 الحديث (3) نقلاً عن كتاب [تأويل الآيات الظاهرة في مناقب وفضائل العترة الطاهرة]. في ذيل الآيات التي أشرتُ إليها: {فلولا إذا بلغتْ الحلقوم* وأنتم حينئذٍ تنظرون* ونحنُ أقربُ إليهِ منكم ولكن لا تُبصرون} جاء هذا الحديث:
  • ({فلولا إذا بلغتْ الحلقوم* وأنتم حينئذ تنظرون} إلى وصيّه أمير المؤمنين، بشّر وليّهُ بالجنّة وعدوّهُ بالنار، {ونحنُ أقربُ إليه منكم} يعني أقربُ إلى أميرِ المؤمنين منكم ولكن لا تُبصرون أي لا تعرفون)
  • ● في سياق الآيات صفحة 433 الحديث (10):
  • (عن مُحمَّد بن حمران، قال: قلتُ لأبي جعفر “الباقر عليه السلام”: فقولهِ عزَّ وجلَّ: {فأمَّا إن كان مِن المُقرّبين}؟ قال: ذلك مَن كانتْ لهُ منزلةٌ عند الإمام. قلتُ: {وأمَّا إنْ كان مِن أصحابِ اليمين}؟ قال: ذلكَ مَن وُصِفَ بهذا الأمر – يعني أنَّ الولاية لم تكن بشكلٍ حقيقيٍّ في قلبه لأنّ عقيدتهُ ليستْ صافية – قُلتُ: {وأمَّا إنْ كان مِن المُكذّبين الضالّين}؟ قال: الجاحدينَ للإمام).
  • الذين لهم منزلةٌ عند الإمامِ هُم الأولياءُ الحقيقيّون.. هُم هذهِ المجموعةُ القليلةُ التي سيكونُ سَفَرها آمناً مُطمئنّاً.
  • وأمّا الذين يُقالُ عنهم “شيعةٌ” بالمُجمَل وهُم أصحابُ اليمين.. فهؤلاءِ على مَجموعتين: مجموعةٌ يدخلون الجنان بعد أن يُواجهوا ما يُواجهوا في سَفَرهم البعيد الشاق.. ومَجموعةٌ تذهبُ إلى جهنّم وهُم الجهنّميون ثُمَّ تشملهم الشفاعة فيخرجون مِن جهنّم ويعودون إلى الجنّة.. هذهِ التفاصيل فصَّلتها لنا كلماتُهم، رواياتُهم، أحاديثهم التفسيريّة الشريفة.

  • لازال حديثي بخُصوص المَحطّتين المُتمازجتين مِن مَحطّاتِ سَفَرنا البعيد: مَحطّةُ الاحتضار “وهي مُقدّمة الموت”، ومحطّة “زهوق الرُوح” وهي أوّل الموت.

  • لا أعتقدُ أنَّ الحلقةَ ستكفي فإنَّ الكلام كثيرٌ وكثيرٌ جدّاً.. ولكن مِن كُلّ ما تقدّم تبيّن لنا أنَّ أعداء مُحمّدٍ وآل مُحمّد سفرُهم سَفَرٌ لا أملكُ كلماتٍ كي أصِفَ سُوءَه.. مرَّتْ الإشاراتُ إلى ذلك في بعضٍ الآياتِ والأحاديث.. وأنا لا أُريد أن أتناولَ في هذا البرنامج ما يرتبطُ بهذا العُنوان: “أعداءُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد”.
  • أعداءُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد مجموعاتٌ كثيرةٌ، أصنافٌ، أنواعٌ كثيرة تحدَّثتْ الرواياتُ عنهم وعن أحوالهم وعن سَفَرهم وعن الذي سيُواجهونَهُ مِن الشدائدِ والأهوال في مَحطّاتِ طريقهم.. ولا شأن لي بهذا الموضوع.
  • إنّما كلامي عن الذين يُوصَفونَ ويُقالُ عنهم أنّهم “شيعةُ عليٍّ وآل عليّ”، “أشياعُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد” وهُم مَجموعةٌ قَليلة، هُم أولياءُ عليٍّ وآل عليٍّ الحقيقيّون.. هؤلاء سَفَرُهم مُختصرٌ، آمنٌ، سريعٌ، مُبهجٌ، مُؤنسٌ، مُسعِدٌ.. لستُ أنا منهم ولا أنتم.. مَجموعةٌ قليلة قِوامها المعرفةُ النقيّة والعقيدةُ الصافية التي لا وُجود لها فيما بيننا بسبب قذاراتِ الفكر الناصبي في الواقع الشيعي.
  • لا شأنَ لنا بهذهِ المجموعة، ولكنّها ستُذكَرُ في الرواياتِ والأحاديث والآياتِ حينما أتناولُ جانباً مِن آياتِ الكتاب الكريم.
  • ● وهُناك مجموعةٌ مِن الشيعة هُم “الجهنّميون” وهُم الذين سيدخلون النار وبعد ذلك يَخرجون.. ولن يكونَ الحديثُ مُفصّلاً عنهم، إنّما سيكونُ حديثي عن المجموعةِ الكثيرةِ التي أظنُّ أنّني مِنهم وأنتم مِنهم.
  • في أجواءِ هذا المضمون وفي أجواء هذا المعنى سأقرأُ عليكم ما جاءَ في نهج البلاغة الشريف.. سأقرأ مقطعاً مِن الخطبة 109، وهو مقطع يتحدّثُ عن هذهِ الدُنيا وعن أحوالها ويتحدّثُ عن هاتين المحطّتين المُتمازجتين: الإحتضار.. وزهوق الرُوح.. إنّهُ يتحدّثُ عنّي وعنكم، عن واقعنا التُرابي الإنساني البَشَري الشيعي بعنوانه الإجمالي.
  • ● مِمّا جاء في خُطبةِ سيّد الأوصياء:
  • (سُبحانكَ خالقاً ومَعبوداً.. بحُسْنِ بلائكَ عند خلقك – أي بِحُسن فضلك، بدليل كلمة “حُسن” – خَلقْتَ داراً – إنّهُ يتحدّث عن الآخرة هُنا – وجعلْتَ فيها مأدبةً: مَشرباً ومَطْعما، وأزواجاً وخَدَماً، وقُصُوراً، وأنهاراً، وزُروعا،ً وثمارا. ثمَّ أرسلتَ داعياً يدعو إليها – إنّهم الأنبياء والأوصياء – فلا الداعي أجابوا، ولا فيما رغَّبتَ رغبوا – وهي الآخرة – ولا إلى ما شوَّقتَ إليه اشتاقوا.
  • أقبلوا على جيفةٍ قد افتضحوا بأكلها – إنّها الدُنيا – واصطلحوا – أي اتّفقوا – على حُبّها، ومَن عَشِقَ شيئاً أعشى بصَرَهُ، وأمرضَ قلبه، فهو ينظرُ بعينٍ غير صحيحة، ويسمعُ بأذنٍ غير سميعة، قد خرقتْ الشهواتُ عقله، وأماتتْ الدنيا قلبه، وولهتْ عليها نفسه، فهو عبدٌ لها ولِمَن في يديه شيءٌ منها، حيثما زالتْ زال إليها، وحيثما أقبلتْ أقبلَ عليها، لا ينزجرُ مِن الله بزاجر، ولا يتَّعظُ منهُ بواعظ، وهُو يرى المأخوذين على الغِرّة – الذين تُقبض أرواحهم ويخرجون مِن هذهِ الدُنيا بنحوٍ مُفاجىء – حيثُ لا إقالةَ ولا رجعة – عن هذا القرار – كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون، وجاءَهم مِن فِراق الدنيا ما كانوا يَأمنون، وقدِمُوا مِن الآخرة على ما كانوا يُوعَدون. فغَيرُ مَوصوفٍ ما نزَلَ بهم – أي أن الّلغةَ عاجزةٌ عن وصْف الذي نزل بهم -)
  • ● قولهِ: (فهو عبدٌ لها ولِمَن في يديه شيءٌ منها) هذا الأمرُ نجدهُ في دوائر السلاطين والحُكّام، ونجدهُ في دوائر المراجع والعلماء في أجواء المُؤسّسةِ الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.. كُلّنا على حدٍّ سواء.
  • ● ثُمَّ يبدأ أمير المُؤمنين يصِفُ أحوالهم فيقول:
  • (اجتمعتْ عليهم سكرةُ الموت، وحسْرةُ الفَوت – حسرة ما فاتهم إمّا مِن الدُنيا، أو حسرةً على ما فرّط مِن عُمرهِ – ففترتْ لها أطرافهم – الأيدي والأرجل – وتغيّرت لها ألوانهم. ثمَّ ازدادَ الموتُ فيهم ولوجاً – حين بدأتْ الرُوحُ تُستلَّ مِنهم استلالاً – فحِيلَ بين أحَدِهِم وبينَ مَنطقه – يتمنّى أن يتكلّم ولكنّهُ لا يستطيع – وإنّهُ لبين أهلهِ ينظرُ ببصره، ويَسمعُ بأُذُنه، على صِحّةٍ مِن عقلهِ، وبقاءٍ مِن لُبّه، يُفكّر فيمَ أفنى عُمره، وفيم أذهبَ دهره، ويتذكّر أموالاً جمعها أغمضَ في مَطالبها، وأخَذَها مِن مُصرّحاتِها – الأموال الحلال الواضحة – ومُشتبهاتها، قد لزمتهُ تبعاتٌ جمعها، وأشرف على فراقها، تبقى لِمَن وراءَهُ يَنعمون فيها، ويَتمتّعون بها، فيكونُ المهنأ لِغَيره، والعبءُ على ظَهره. والمرءُ قد غلقتْ رُهُونه بها – هو مرتهنٌ لا يستطيعُ أن يتخلّص ممّا رهن نفسهُ بهِ – فهو يعضُّ يدهُ ندامةً على ما أصحر لهُ عند الموت مِن أمره – أي ما صار بيّناً وواضحاً له – ويَزهدُ فيما كانَ يرغبُ فيه أيّامَ عُمْره، ويَتمنّى أنَّ الذي كان يغْبطِهُ بها ويَحسُدهُ عليها قد حازها دُونه!
  • فلم يزلْ الموتُ يُبالغُ في جسدهِ حتّى خالط لسانهُ سَمْعهُ، فصارَ بين أهلهِ لا ينطق بلسانه، ولا يَسمعُ بسمعه، يُردِّدُ طَرفَهُ بالنظر في وُجوههم، يرى حركاتِ ألسنتهم، ولا يسمعُ رجْع كلامهم – امتزاجٌ بين الاحتضار وزهوق الروح – ثمَّ ازدادَ الموتُ التياطاً به – أي التصاقاً وامتزاجاً بهِ – فقُبضَ بصرهُ كما قبضَ سمْعَهُ، وخرجتْ الروحُ مِن جسدهِ، فصارَ جيفةً بين أهله، قد أُوحشوا مِن جانبه – يخافون أن يقتربوا من جسده، ويخافُ أحدُهم أن يبيتَ معهُ في نفس المكان – وتباعدوا مِن قُربه. لا يسعدُ باكياً، ولا يُجيب داعياً. ثمَّ حملوهُ إلى مَخطّ في الأرض، فأسلموهُ فيهِ إلى عَمَلهِ، وانقطعوا عن زَورَته – أي عن زيارتهِ -.

  • وقفة عند أبيات تُناسبُ المقام أنشدها إمامُنا الهادي “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في مجلس المُتوكّل العبّاسي.. الإمام يتحدّث فيها عن أحوالِ المُلوكِ وعن أحوال الأغنياء وعن أحوال أهل الدُنيا – وما حالنا ببعيدٍ عن حالهم -.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …