دليلُ المسافر – الحلقة ٧ – المحطّة الثالثة: هَولُ المُطَّلَع + وحشة القبر

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 8 شهر رمضان 1440هـ الموافق 14 / 5 / 2019م

  • تمَّ الكلامُ في الحلقةِ الماضية فيما يرتبطُ بالمَحطَّتينِ المُتمازجتينِ الّلتينِ تقعانِ في أوّل الطريق: مَحطّةُ الاحتضار، ومَحطّةُ زُهوق الرُوح.

  • سأتناولُ في هذهِ الحلقةِ المَحطَّةَ الثالثة، عُنوانها: (هَولُ المُطَّلَع).
  • وهذا العُنوانُ مأخوذٌ مِن كلامهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. فقد ورَدَ في أحاديثهم وأدعيتهم أيضاً.. حيثُ تتعوّذُ الأدعيةُ الشريفةُ المرويّةُ عنهم مِن هَول المُطَّلَع.
  • ● أمَّا الهَولُ والتهويلُ: يدلُّ على عَظَمةِ أمْرٍ يُدخِلُ ما يُدخِلُ على الإنسان مِن خَوفٍ، مِن رُعبٍ، مِن مُفاجئةٍ مُذهلةٍ تقلِبُ كُلَّ أوضاعهِ رأساً على عقِب.
  • ● أمّا المُطّلع: فهو بدايةُ الأمْر.. فهَولُ المُطَّلَع إذا أردتُ أن أحدّد تَحديداً قريباً مِن الدقّةِ لهذهِ المرحلة.. فَإنَّ هول المُطّلَع يبدأُ مِن النُقطةِ التي تتمُّ فيها عمليّةُ زُهوقُ الرُوح.. بعد أن تنفصلَ الرُوح عن البدن، فقد دخلنا في هذه المَحطّة (هَول المُطّلع) وتَستمرُّ هذهِ المَرحلة إلى إفرادنا في القَبر حينما نُفرَدُ في القبر، حينما نُوضَعُ في قُبورنا ويُهالُ التُرابُ علينا ويبتعدُ كُلُّ الذين حضروا دفننا عن قُبورنا.
  • فما بين زُهوق الرُوح بشكلٍ كامل وما بين إفرادنا في القبر هو هذا هَولُ المُطَّلع.. فبَعْدَ إفرادنا في القَبر فإنَّ عالمَ القَبر بدأ، أو عالم الموت.. فما ورَدَ في الرواياتِ التي تحدَّثتْ عن مُفرداتِ التلقين (وأشهدُ أنّ الموتَ حقّ) المُراد مِن الموت هُنا: عالمُ الموتُ وهُو عالمُ القَبر، وليس المُراد مِن الموتِ هُنا ما أسميتهُ بزُهوقُ الرُوح.. زُهوق الرُوح محطّةٌ تكونُ مُقدّمةً للموت، وإنّما يبدأُ عالم الموتِ بعد خُروج الرُوح بشكلٍ كاملٍ مِن بدن الإنسان وبعد أن يكون في قَبرهِ، فهذا هو عالمُ القَبر وهذا هو عالمُ الموت.
  • ● أنا أتحدّث الآن عن المحطّة الثالثة التي عُنوانها : هَول المُطّلَع.
  • بالإجمال.. المُراد مِن هَولِ المُطّلَع أي أنَّ الإنسانَ سيكونُ مَدهوشاً، لأنَّ كُلَّ شيءٍ قد تغيّر مِن حَوله.. ها هي رُوحهُ قد انفصلتْ عن بدنه، وهُو بذلك قد انفصلَ عن الحياةِ الدنيويّة التُرابيّة.
  • وحينما انفصلَ عن هذهِ الحياة فقد انفصلَ عن كُلّ شيءٍ كان يُكوّنُ قناعاتهِ، يُثّرُ في عواطفهِ، يُحرّكه باتّجاه أهدافهِ وغاياتهِ.. لقد ولّتْ كُلُّ الأشياءِ التي حاربَ بسببها وبقي مُحارباً على جميع الاتّجاهاتِ في مُختلفِ شُؤون الحياة.
  • كُلُّ شيءٍ تغيّر.. أنا لا أُريدُ أن أتحدَّث عن الموضوع مِن جميع جهاتهِ.. خرجتْ الرُوحُ مِن البدن، خرجَ الإنسانُ مِن الدُنيا.. تغيّر كُلُّ شيءٍ حولهُ.. ها هو يُقبِلُ على عالمٍ غريبٍ جديد مُوحشٍ بالنسبةِ إليه.
  • علاقتُهُ بالمكان تبدَّلتْ، علاقتُهُ بالزمانِ تَغيّرتْ.. رُوحُهُ تَسمعُ وتَرى، ولكنّهُ لا يستطيعُ أن يتواصلَ مع أبناء الدُنيا.. لا يدري ماذا سيُواجهُ في المراحل القادمة مِن محطّاتِ سفرهِ هذا.. خُصوصاً بالنسبة لنا، أنا وأنتم.. كما يقولُ أميرُ المُؤمنين: الذين أمرُهم مَبهَمٌ، ولا يعلمون إلى ما سيؤول حالهم.. نحنُ أصحابُ الأمر المُبهَم المسألةُ ستكونُ قاسية ًجدّاً، مُخيفةً جدّاً، مهولةً جدّاً.. وأفضل عُنوان لها هو العُنوان الذي هُم وضعوه “صلوات الله عليهم”: (هَول المُطّلَع).
  • ولقد جاء في أحاديثهم الشريفة، أنّكم إذا حملتم الميّت فلا تُدخلوه في قبره.. تمهَّلوا هُنيئةً، تمهّلوا ساعةً قبل أن تُدخلوهُ في قبره وتُفرِدوهُ لِوحده.. والسبب يُبيّنهُ إمامُنا الكاظم “صلواتُ الله عليه” فيقول: لكي يستعدَّ هذا الميّت لسُؤالِ مُنكرٍ ونكير..!
  • ● امتحانُ مُنكرٍ ونكير للمَيّت امتحانٌ عقائدي.. ولِذا بقيتُ أُصِرُّ مُنذ بداية هذ البرنامج وإلى هذهِ الّلحظة وإلى آخر لحظةٍ مِن هذا البرنامج أُصِرُّ على العقيدةِ الصحيحة.. لو كُنّا نَحملُ عقيدةً صحيحةً لم نحتجْ إلى الامتحان.
  • المُجموعة الأولى الذين وصْفتُهم بأنّهم أولياءُ عليٍّ وآل عليٍّ الحقيقيّون هؤلاء لن يُمتحنوا.. لم يمتحِنَهُم مُنكرٌ ونكير.. امتحانُ مُنكرٍ ونكيرٍ لنا لأنَّ عقيدتنا مغشوشة، هذا هو السبب.
  • فالأحاديثُ بيّنتْ لنا أنَّ أصحابَ المَرتبةِ الأُولى وهُم أولياءُ عليٍّ وآل عليٍّ الحقيقيّون هؤلاءِ سينجُون مِن كُلّ هذهِ المَحطّات: {يا أيَّتُها النفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربّكِ راضيّةً مرضيّة} أمنٌ وأمانٌ على طُول هذا السفر.. إنّهم أصحابُ السفر السعيد المُسْعِد المُبهِج المُؤنِس المُريح.. وكلمةُ رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” عن موتِ المؤمنِ تختصرُ كُلَّ الكلام، حين يقول: (الموتُ راحةٌ للمؤمن).

  • وقفة عند كتاب [مَن لا يحضره الفقيه: ج1] للشيخ الصدوق وهُو رسالةٌ عمليّة كتبها الشيخ الصدوق بطَلَبٍ مِن شخْصٍ جليلٍ مُحترمٍ يُجلّهُ ويحترمهُ الشيخ الصدوق، ومُقدّمةُ الكتاب تتحدّث عن هذا المضمون.. وكُلُّ ما فيه مأخوذٌ مِن حديثِ العترة الطاهرة.

  • فمِمّا جاءَ في طَوايا هذا الكتاب فيما يرتبطُ بأحكام الأموات.. في صفحة 170 في مجموعة الحديث المُرقّمة (48) جاء فيه:
  • (وإذا حُمِل الميّت إلى قبره فلا يُفاجأُ بهِ القَبر، لأنَّ للقبرِ أهوالاً عظيمة، ويتعوّذ حامِلهُ – أي حاملُ الميّت – باللهِ من هَول المُطَّلع، ويَضعهُ قرْب شفير القبر – أي حافّة القبر – ويَصبر عليه هُنيئةً، ثمَّ يُقدّمهُ قليلاً ويَصبرُ عليه هُنيئة ليأخذَ أُهْبَتهُ – كي يكون الميّتُ مُستعدّاً لسُؤالِ مُنكرٍ ونكير – ثمَّ يُقدّمهُ إلى شفير القَبر، ويُدخِلهُ القبر…).
  • علماً أنّني قرأتُ عليكم هذا الكلام لأنَّ هذا الكلام يُجمِلُ الكثير مِن مضامين الأحاديث.. فأنا لا أنقلُ كلامَ العُلماء والفُقهاء.. لا أنقلُ كلامهم مع توفّر حديث العترة الطاهرة.
  • الأصل في أحاديث العترة الطاهرة الموجودة في كُتُبنا المعروفة التي نَعرفُها ونُقلتْ عن الأئمةِ حتّى وصلتْ إلينا.. الأصلُ في هذهِ الأحاديث الصحّة حتّى يثبتَ خِلافُ ذلك.. والأصلُ في أقوال المراجع والفُقهاء والعلماء والمُحدّثين عدَمُ الصحّةِ حتّى يثبتَ خلاف ذلك.. وإنّما تثبُتُ صِحّةَ كلامهم مِن خلالِ عرضِ كلامهم وأقوالهم على منهج الكتاب والعترة.
  • إذا جاءَ كلامُهم مُوافقاً لمنهج الكتاب والعترة فإنّنا نأخذ به، نَحترمهُ نُجلّهُ.. أمَّا إذا جاءَ كلامُهم مُخالفاً لِمَنهج الكتاب والعترة – وهُو في الغالب يأتي مُخالفاً لمنهج الكتاب والعترة- فإذا جاءَ مُخالفاً لمنهج الكتاب والعترة خُصوصاً فيما يَرتبطُ بتفسير القُرآن في الأعمّ الأغلب كلامُ مراجعنا مُخالفٌ لمنطق الكتاب والعترة وفي العقائد أيضاً وفي المعارف وفي كثيرٍ مِن الأحكام.
  • فإذا ما عرضنا كلامهم فجاءَ مُوافقاً نَحترمهُ ونُجلّه.. أمَّا إذا ما جاءَ مُخالفاً فإنّنا نُلقي به في مكانٍ يكون أسوأ مِن المزبلة.. لأنّهُ سيُقذّر المزبلة.
  • القاعدةُ التي أعملُ فيها:
  • الأصلُ فيما جاءَ مِن حديثِ العِترة في كُتُبنا التي نَعرفها الأصْلُ الصحّة حتّى يثبتَ خلافُ ذلك.. والأصْلُ في كلامِ المَراجع والعُلماء والمُفسّرين والفُقهاء والمُحدّثين إذا كانوا يتحدّثون مِن عند أنفسهم، الأصلُ في كلامهم عدمُ الصواب حتّى يثبتَ خِلافُ ذلك.. وأمَّا كيف نَعرفُ صِحّة كلامهم مِن عدمٍ صحّته؟ فذاك يكون مِن خلال عرض كلامهم وأقوالهم على ثقافة الكتاب والعترة.
  • إذا جاءَ كلامُهُم مُوافقاً نَحترمهُ ونُجلّهُ على رُؤوسنا، وإذا لم يأتِ مُوافقاً وجاءَ مُخالفاً وهُم يزعمون أنّهُ حديث العترة الطاهرة فإنّنا سنُلقيه في مكانٍ أقذر من المزابل لأنّهُ افتراءٌ على آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ما أقرؤُهُ مِن كلامٍ كتَبَهُ الشيخ الصدوق لأنّهُ أجمل ما جاءَ في الكثير مِن الروايات طَلَباً للاختصار.
  • ● إنّما يبقى هذا الميّتُ وحيداً مُفرداً لأنّهُ من مجموعتنا (مجموعة المُبهَم أمْرهُم) أمَّا المجموعةُ الأولى فهُم على تواصلٍ مُباشرٍ مع مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.
  • نَحن لا نمتلكُ أجهزة التواصل المباشر معهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. بسبب سُوء العقيدة التي نَحمِلُها في عُقولنا وفي قُلوبنا بسبب مراجع الشيعة الذين أسّسوا لنا عقائد وفقاً لمنظومة العقائد الناصبيّة.
  • وحتّى نفس المراجع هُم لا يعرفون العقيدةَ الصحيحة التي هي في طَوايا الكتاب وطوايا حديث العترة الطاهرة.. لأنّهم يعتقدون بنفس العقائد التي علّمونا إيّاها وهي مبنيّة على نظام العقائد الناصبيّة.
  • ● قول الرواية: (ثمَّ يُقدّمهُ قليلاً ويَصبرُ عليه هُنيئة ليأخذَ أُهْبَتهُ) لأنَّ رُوحَ الميّت تبقى قريبةً مِن جسده، ورُوحهُ تكونُ منتبهةً لِما يجري، ورُوحهُ تكونُ مُنتظرةً إلى وُلوجِ عالم القبر.
  • قد يقولُ قائلٌ: أنَّ الرُوحَ لا علاقةَ لها بالوضع الماديّ بعد أن انفصلتْ.
  • وأقول: هذا الكلامُ ليسَ صحيحاً.. هُناكَ تَرابطٌ بين الجَسَد والرُوح سأُحدّثكم عن ذلكَ بِحَسَب الروايات.
  • لا يكونُ كالتواصل مثلما كانتْ الرُوح في الجَسَد في الحياة الدنيويّة قبل الاحتضار وقبل زهوق الرُوح.. هو انتقلَ إلى عالمٍ جديد ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ الرُوحَ قد انفصلتْ تماماً عن الجَسَد وأنّهُ لا علاقةَ بين الجسد والرُوح ولا علاقة بين الرُوح وبين هذا المكان الذي سيُدفنُ فيه الجسد.. سنتحدّث عن هذا الموضوع.
  • هذه أحكامُهم وهذه تعاليمُهم لتسهيل الأمر على الميّت.. فحينما يُؤتى بالميّت يُوضَعُ على مسافةٍ عن شفير القبر ثُمَّ يُنقَل نقلةً أولى ثُمَّ يُنقَل نقلةً ثانية حتّى يُوضَع على شفير القبر ثُمَّ يُنقَل نقلةً ثالثة حينما يُدخلونه إلى داخل القبر.
  • مرحلةُ هولِ المُطّلَع.. مرحلةٌ مُوحشةٌ جدّاً مُخيفةٌ، مُرعبةٌ.. عدد لا نهاية لهُ من علاماتِ الاستفهامِ تُثارُ أمامَ هذا الإنسان الميّت الذي كُلُّ إدراكه، وكُلُّ تصوّراتهِ وكُلُّ خيالاتهِ في كينونتهِ الرُوحيّةِ هذهِ..!

  • وقفة عند كتاب [مُستدركُ الوسائل ومُستنبطُ المسائل: ج2] للمُحدّث النوري في صفحة 477 رقم الحديث (8) مِن الباب (79) الإمام الصادق ينقل لنا هذهِ الصُورة التعليميّة:

  • (عن أبي عبد الله عن آبائه “عليهم السلام” قال: إنَّ فاطمة “عليها السلام” لمَّا احتضرتْ أوصتْ عليّاً “عليه السلام” فقالت: إذا أنا مِتّ فتولَّ أنتَ غسلي، وجهّزني، وصلّ عليَّ، وأنزلني قَبري، وألحدني، وسوِّ التُراب عليَّ، واجلسْ عند رأسي قُبالةَ وجهي – من حيثُ ظاهر القبر – فأكثرْ مِن تلاوةِ القُرآن والدُعاء، فإنّها ساعةٌ يحتاجُ الميّتُ فيها إلى أُنْس الأحياء).
  • هذا مشهدٌ تعليميٌّ، وهذه صُورةٌ تفقيهيّةٌ لنا.. وإلّا فإنّهم لا تجري عليهم هذهِ الأحكام، وإذا ما جرتْ وأُجريتْ فهذا أمرٌ منافعهُ وحِكَمُهُ ترتبطُ بأحوالنا نحنُ.. هُم لهم خُصوصيّاتهم مِثلما يقولُ سيّد الأوصياء في نهج البلاغة: أنَّ ميّتنا لم يمتْ.
  • ● معروفٌ لدينا في الأحكام الشرعيّة في غسْل الأموات أنَّ الرجال يُغسّلون الرجال، وأنَّ النساء تُغسّلُ النساء.. وهذا الموضوع لهُ تفصيله.
  • هُنا فاطمةُ تُوصي أمير المُؤمنين أن يُغسّلها.. وقد بيّنتْ لنا الأحاديث الشريفة أنَّ فاطمة صدّيقةٌ وهي الصدّيقةُ الكُبرى، والصدّيقةُ الكُبرى لا يُباشر تغسيلها إلّا الصدّيق الأكبر.. مثلما فعل عيسى بن مريم مع أُمّه حينما ماتتْ، فمريمُ صدّيقةٌ قطْعاً بِحَسَب عالمها، وعيسى صِدّيقٌ بِحَسَب عالمهِ ونُبوّتهِ ومَرتبتهِ. بِحَسَب القوانين الإلهيّة لا أحد يستطيع أن يُغسّل السيّدة مريم إلّا صدّيقٌ وهُو ولدها.. فكذلك هي الصدّيقةُ الكُبرى فاطمة لا يُباشرها إلّا عليٌّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”. هذهِ شُؤوناتٌ خاصّةٌ بهم.. هُم ليسوا بحاجةٍ إليها وإنّما تُبيّن لنا ويُجرونها لإثباتِ أُمورٍ ولتعليمنا أُموراً نستطيعُ مِن خلالها أن نستكشفَ العقيدةَ الصحيحة في كُلّ أجزائها.
  • ● قول الرواية: (فإنّها ساعةٌ يحتاجُ الميّتُ فيها إلى أُنْس الأحياء) لأنَّ رُوح الميّت على تواصلٍ.. هُو لا يستطيعُ أن يُباشرَ الحَديثَ مع الأحياء، ولكنّهُ مُطّلِعٌ على التفاصيل.. فإنّهُ يحتاجُ إلى أنيسٍ مِن أحبّائهِ وأوليائهِ في مِثْلِ هذه الّلحظة.. وقد قرأتُ عليكم روايةً يوم أمس دلالتها هي هذه الدلالة.
  • فهذهِ الساعةُ ساعةٌ يحتاجُ الميّتُ فيها إلى أُنس الأحياء.. فلا زال الميّتُ تستمرُّ معهُ حالةُ هول المُطَّلَع.. أُدخِلَ إلى قَبرهِ وأُفرِد، لازالتْ حالةُ هَولِ المُطّلع مُستمرّة وإنْ انتقلَ إلى مَحطّةٍ جديدة.
  • فهذهِ المحطّاتُ مُتداخلةٌ متمازجة.. إذ يقعُ التعبيرُ بـ(هول المُطّلع) حتّى على مرحلة الاحتضار وعلى مرحلة زهوق الروح.. إنّما فصّلتُ الكلام وحدّدتُ المواطن لأجل أن يسهلَ فَهْم الموضوع، وإلّا فهي مُتداخلةٌ فيما بينها.
  • فهولُ المُطّلع يبدأ من الاحتضار.. فالاحتضار وزُهوق الرُوح جزءٌ مِن هول المطّلع.. وما بينَ زهوق الروح إلى القبر جُزءُ مِن هَول المطّلع.. وحينما يُدخل الإنسان إلى القبر فلا زالتْ آثار هَول المُطّلع مُستمرّةً.. هذا التفصيلُ والتبويبُ والتقسيمُ والتحديد أمرٌ اعتباريٌّ لأجل أن تُفهَم المسائل والموضوعات.

  • وقفة عند كتاب [مَن لا يحضره الفقيه: ج1] للشيخ الصدوق.. (في صفحة 185 باب أحكام الأموات، رقم الحديث 57 – الشيخ الصدوق نَقَل كلاماً عن أبي ذرّ الغفاري وهُو يتحدّث مع ابنهِ بعد مَوته) ممّا جاء فيه:

  • (ولمَّا ماتَ ذرّ ابنُ أبي ذرّ، وقفَ أبو ذُرّ على قبرهِ فمَسَحَ القبر بيده، ثمَّ قال: رَحِمَكَ اللهُ يا ذَرّ، واللهِ إنْ كنتَ بي لَبرّاً، ولقد قُبضتَ وإنّي عنكَ لَراضٍ، واللهِ ما بي فَقْدك، وما عليَّ مِن غضاضةٍ، وما لي إلى أحدٍ سِوى الله مِن حاجة، ولولا هول المُطّلع لَسرّني أن أكونَ مكانك، ولقد شَغَلَني الحُزْنُ لكَ – لِما تلقى في قبرك – عن الحُزْن عليك، والله ما بكيتُ لكَ ولكن بكيتُ عليك – لِما تلقى مِن هول المُطّلع – فليتَ شِعْري ما قلتَ وما قيلَ لكَ؟ الّلهم إنّي قد وهبتُ لهُ ما افترضتَ عليهِ مِن حقّي فهبْ لهُ ما افترضتَ عليه مِن حقّك فأنتَ أحقُّ بالجُود منّي والكرم)!
  • كلامُ الصحابة أيضاً الأصلُ فيهِ عدم الصحّة حتّى يثبتَ أنّه موافقٌ لمنهج الكتاب والعترة.. وإنْ كان أبو ذرّ لهُ خُصوصيّةٌ.. فإنَّ النبيّ الأعظم “صلَّى اللهُ عليه وآله” قال عن أبي ذرّ الغفاري: (ما أظلّتْ الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق ذي لهجةٍ مِن أبي ذرّ) مِن هُنا نحنُ ننظرُ إلى كلامه ونهتمُّ بحديثه.. فضلاً عن ثقافته وفَهْمهِ العَلوي.
  • المنطقُ الموجود في كلام أبي ذرّ هو منطقُ حديثِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. مِن هُنا أنا أقرأ كلامَهُ عليكم.. وهو صُورةٌ تنسجمُ مع المضمون الذي مرَّ الحديثُ عنه، إنّما جئتُ بكلام أبي ذرّ كي أُذكّركم مِن أنَّ القريبين مِن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد يتحدّثون بنفس الحديث.. منطقهم نفس المنطق.

  • وقفة عند الحديث (53) في صفحة 173 في كتاب [مَن لا يحضره الفقيه: ج1] للشيخ الصدوق والذي قرأتهُ عليكم في الحلقةِ الماضية.

  • (عن يحيى بن عبد الله أنّهُ قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه‌ السلام” يقول: ما على أهْل الميت منكم أن يدرؤُوا عن ميّتهم لقاءَ مُنكَرٍ ونكير، فقُلت: وكيف نصنع؟ فقال “عليه السلام”: إذا أُفرِد الميّت.. فليتخلّف عندهُ أولى الناس به، فيضعُ فاه على رأسه – أي على رأس القبر – ثُمَّ ينادي بأعلى صوته: يا فلان بن فلان أو يا فلانةُ بنت فلان! هل أنتَ على العهد الذي فارقناكَ عليه مِن شهادةِ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأنَّ مُحمَّداً “صلَّى‌ الله‌ عليه‌ وآله” عبدهُ ورسولهُ سيّد النبيّين، وأنَّ عليَّاً أميرُ المُؤمنين وسيّدُ الوصيّين، وأنَّ ما جاءَ به مُحمَّد “صلَّى‌ الله‌ عليه‌ وآله” حقّ، وأنَّ الموتَ حقّ، والبعثَ حقّ، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأنَّ اللهَ يبعثُ مَن في القبور. فإذا قال ذلك، قال مُنكرٌ لِنكير: انصرفْ بنا عن هذا فقد لُقّن بها حُجّته).
  • ● أعتقدُ أنَّ البيانات المُتقدّمة أعطتكُم صُورةً وقرّبتْ فكرةً عن المَحطّةِ الثالثة التي هي: “هُولُ المُطّلَع”.. إلى هُنا يتمُّ الكلام في مَحطّةِ الاحتضار أولاً، ومَحطّةِ زُهوق الرُوح ثانياً، ومَحطّةِ هولُ المُطّلَع ثالثاً.

  • المحطّة الرابعة مِن محطّات سَفَرنا الطويل: هي مَحطّةُ القبر.. إنّهُ عالمُ الموت.

  • ويبدأُ عالم القبرِ، عالمُ الموتِ بعد أن يُفرَد الإنسانُ في قَبره.. عالمُ القبر عَالمٌ وسيعٌ جدّاً أوسعُ بكثير مِن عالم الدُنيا.. وهذا ما سأُحدّثكم عنه بعض الحديث في هذه الحلقة وبعضٌ يأتي في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
  • ● ما عندنا مِن التفاصيل في الروايات التي بين أيدينا.. وكذلك الآيات، فهناك آيات في الكتاب الكريم تحدّثت بالإجمال عن مرحلة القبر وعن عالم القبر وعن عالم الموت وجاءتْ الأحاديث التفسيريّة ففصّلت مضامينها.
  • بالنتيجة مرجعنا الأوّل والأخير في هذه التفاصيل هو ما جاء عن العترة من حديثهم وكلامهم وأقوالهم.
  • في محطّة القبر عندنا عناوين:
  • العنوان (1): وحشة القبر وهي المرحلة الأولى حينما يَلِجُ الإنسانُ عالمَ القبر، عالم الموت.
  • العنوان (2): ضغطةُ القبر
  • العنوان (3): مُساءلةُ القبر.. وهي امتحانُ مُنكر ونكير.
  • العنوان (4): البرزخ الذي هُو جُزءٌ مِن عالم القَبر.. يُمكننا أن نقول أنَّ عالمَ البرزخ هُو عالمُ القَبر ولكن البرزخ إنّما يبدأ بعد هذه المُقدّمات، وعالم البرزخ عالمٌ وسيعٌ جدّاً.
  • البرزخ يعني الحاجز.. فهو حاجزٌ ما بين الدُنيا بكُلّ تفاصيلها وما بين الآخرة بكُلّ تفاصيلها، وهُو عالمٌ وسيعٌ فسيحٌ أكبر مِن عالم الدنيا بكثير وبكثيرٍ جدّاً..
  • فحديثنا عن عالمِ القَبر يبدأ مِن وحشةِ القَبر، وبعد ذلك ضَغطةُ القبر وبعد ذلك مُساءلةُ القَبر، وبعد المُساءلة يُشخّصُ موقفُ هذا الميّت أين سيكون في عالم البرزخ.. فعالم البرزخ فيه ما فيه مِن عجائب القوانين.. سأحدّثكم عنها بالإجمالِ بِحَسَب ما جاءَ عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • وقفة عند ما كَتَبَهُ سيّدُ الأوصياء لِمُحمّد بن أبي بكر في كتاب [بحار الأنوار: ج6] في صفحة 218 – الحديث 13 .. يقول سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” والخطابُ لنا جميعاً.. يقول:

  • (يا عباد الله.. ما بعد الموتِ لِمَن لا يُغفَرُ لَهُ أشدُّ مِن الموت..) ثُمَّ يعطفُ الكلام فيقول: (القبرُ فاحذروا ضِيقَهُ وضَنَكَهُ وظُلْمَتَهُ وغُربتَهُ، إنَّ القبر يقولُ كلَّ يوم: أنا بيتُ الغُربة، أنا بيتُ التراب، أنا بيتُ الوحشة، أنا بيتُ الدُودِ والهوام، والقبرُ روضةٌ مِن رياض الجنّة، أو حُفْرةٌ مِن حُفَر النار – هذهِ قبور الأرواح وليست قبور الأجساد – إنَّ العبد المُؤمن إذا دُفِنَ قالتْ لهُ الأرض: مرحباً وأهلاً، قد كُنتَ مِمّن أُحبُّ أن تَمشيَ على ظهري، فإذا وَليتُك – صارت لي الولاية عليك الآن – فستعلم كيف صنيعي بك، فيتَّسِعَ لَهُ مَدُّ البصر.
  • وإنَّ الكافر – وهو الكافرُ بعليٍّ وآل عليّ – إذا دُفن قالتْ لهُ الأرض: لا مَرحباً بكَ ولا أهلاً ، لقد كُنتَ مِن أبغضِ مَن يمشي على ظهري، فإذا وليتُكَ فستعلم كيف صنيعي بك، فتضمّهُ حتّى تلتقي أضلاعهُ ، وإنَّ المعيشةَ الضنك التي حذّر اللهُ منها عدوّه عذاب القبر…).
  • الذي يبدو من سياق الكلام فإنَّ الإمام حين يتحدّثُ عن هذا العُنوان “الموت” إنّهُ يتحدّثُ عن الاحتضار وعن زُهوق الرُوح وعن هول المُطّلَع.. هذهِ المحطّات التي حدّثتُكم عنها.. إنّه يُجمِلها بهذهِ الكلمة “الموت”..
  • فما مرَّ من كلامٍ في الحلقاتِ السابقة وفي الجُزء المُتقدّم مِن هذهِ الحلقة كان عن الاحتضار وزُهوق الرُوح وهَول المُطَّلَع.. الإمامُ يُعبّرُ عن كُلّ هذا بالموت.. وهذا تعبيرٌ شائعٌ في الّلغة وفي العُرف وعند الناس وحتّى في ثقافةِ العترة الطاهرة حينما يأتي كلامها مُنسجماً مع الّلغةِ ومع العُرْف.. لأنّهُ في أحيانٍ كثيرة لا يأتي كلامُ العترة مُنسجماً مع الّلغةِ المعروفة.. فهُناك ممّا هو معروفٌ مِن الّلغة ما هُو ليس صحيحاً في نظر العِترة الطاهرة.. ولا أُريدُ أن أذهب بكم في هذهِ الاتّجاهاتِ المُعقّدة علميّاً.
  • قد يقول قائل: أنَّ الجَسَد حينما يُوضَعُ في القَبر.. فهو لا يَملكُ إحساساً..!
  • وأقول: الجَسَد بما هُو جَسَد لا يملكُ إحساساً إذا انفصلَ بالكامل عن الرُوح، ولكنَّ الرُوح ستبقى على علاقةٍ بجسدها هذا. هناك تواصلٌ ما بين القبر الجغرافي وبين القبر المعنوي.. هناك قُبورٌ للأرواح وهُناك قُبورٌ للأجساد.. القُبور التي نَراها بعُيوننا هي قبورٌ للأجساد، وهُناك قبورٌ للأرواح.
  • فحينما نقولُ عالَم القَبر يعني أنَّ هُناك قبرٌ للجسد وهناك قبرٌ للرُوح.. وهُناك نوعٌ مِن أنواع التواصل بين قَبر الرُوح وبين قَبر الجَسَد بدرجةٍ وبأخرى.
  • حتّى لو بليتْ الأجساد في القبور فإنَّ هذهِ القُبور ستبقى مَركزاً تتّصلُ الأرواحُ من قبورها بهذهِ الأمكنة.. هذا مَوضوعٌ مُفصّلٌ، إذا ما صبرتم عليَّ وأنا أواصلُ الحديث ستتّضح الفكرة وتتبيّن لنا العلاقة بين الرُوح وبين الجسد الذي ُهو في القبر.
  • عِلماً أنَّ هذا الأمْر لن يتّضحَ مِن خلالِ هذهِ الحلقة فقط.. ولكن اصبروا عليَّ إلى الحلقةِ القادمةِ والحلقاتِ الأخرى.. حينئذٍ تتكاملُ الصورةُ وتتّضح الفِكْرة عن علاقةِ أرواحنا بأجسادنا بعد الموت.
  • فليس هُناك مِن انفصالٍ مُطلقٍ ما بين أرواحنا وأجسادنا.. وما مِن ضيقٍ في القبر يلمّ بالجَسَد فإنَّ الرُوح تستشعِرُ جانبٍ منه.. الجَسَدُ في ضنكٍ في قَبره الجغرافي والرُوح في ضنكٍ في قبرها الذي يُناسبها في عالم القبر.. وهي على تواصلٍ مع جسدها، وتستشعِرُ ضِيق القبر المادّي الذي ألمَّ وأحاطَ بجَسَدها.. وفي مَقطعٍ فإنَّ الرُوح تلجُ إلى الجَسَد الذي هُو في القبر.. هكذا حدّثتنا الروايات.
  • ● سيّد الأوصياء في كلماته يُحدّثنا عن قُبور الأجساد.. والمعاني هي هي يُمكننا أن نتحدّث مِن خلالها عن قبور الأرواح.. وهذهِ الأوصاف التي وردتْ في كلام الأمير هذهِ أوصافُ قُبورنا نحنُ.. أعني المجموعة التي أمْرها مُبهَم والتي تأكل في القبور ديدانُها وجوهَنا وأبدانَنا، ولا يبقى شيءٌ مِن هذهِ الأبدان التي نَخافُ عليها ونَصرِفُ الأموال الطائلة للحفاظ عليها.. هذهِ قبورنا.
  • ● هُناك أجسادٌ حَرَّم اللهُ على الأرض وديدانها أن تأكُلها.. هُناك أجسادٌ الأرضُ تُرحّبُ بها وتُحبّها.. إنّها أجسادُ المجموعة الأولى وهُم الذين عنونتُهم أولياءُ عليٍّ وآل عليٍّ الحقيقيّون.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “عليه السلام” في كتاب [مَن لا يحضره الفقيه: ج1] صفحة 191 الحديث (22):

  • (عن عمّار الساباطي قال: سُئِل أبو عبد الله الإمام الصادق “عليه السلام” عن الميّت هل يبلى جَسَده؟ فقال: نَعم حتّى لا يبقى لَحَمٌ ولا عَظْم إلّا طِينته التي خُلِقَ منها – أي أصله – فإنّها لا تبلى، تبقى في القبر مُستديرة – تستديرُ بها الأحوال وإنْ طالت الأزمنة – حتّى يُخلَق منها كما خُلِقَ أوّل مرّة).
  • فهُناكَ علاقةٌ تبقى موجودةً ثابتةً مُتواصلةً فيما بين الرُوح وهي في قُبور الأرواح وما بين طينة الجَسَد الذي تفتّتَ وانتهى.. ولكن الطينة الأصل تبقى مُستديرةً في ذلك المكان، ويبقى تواصلٌ فيما بين الرُوح والجسد.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [مَن لا يحضره الفقيه: ج1] الحديث (23):

  • (قال الصادق “عليه‌ السلام”: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم عِظامنا على الأرض، وحرّم لحومنا على الدُود أن تطعمَ منها شيئاً).
  • الإمامُ هُنا يُبين لنا قانوناً وهو أنَّ بعض الأجساد لا تستطيعُ الأرضُ أن تُؤثّر عليها ولا تستطيعُ الحشراتُ ولا الحيواناتُ أن تُؤثّر عليها.. الإمامُ هُنا تحدّثَ عن عظامهم ولُحومهم، مع أنَّ أجسادهم لا تبقى في الأرض فإنَّ أجسادهم الأصليّة بحَسَب الظاهر أمامِ أعيننا تُدفنُ في التراب.. ولكنّها سترتفعُ وتَخرجُ من هذا التراب.. وليس حديثي هُنا عن خُصوصيّاتهم وشُؤونهم “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.
  • هذا المعنى ينطبقُ على أولياءِ أهل البيت مِن المجموعة الأولى، فإنَّ أجسادهم تبقى كما هي.

  • في صفحة 193 إكمالاً لنفس الموضوع الحديث (34) يقول الإمام الصادق “عليه السلام”:

  • (إذا قُبضتْ الرُوح فهي مَظلّةٌ فوقَ الجَسَد – وفي نُسخ أخرى فهي مُطِّلةٌ فوق الجسد، والمعنى واحد – رُوح المُؤمن وغيره، ينظرُ – صاحب الرُوح – إلى كلّ شيءٍ يُصنَعُ به، فإذا كُفّن ووُضِعَ على السرير وحُمِلَ على أعناقِ الرجال – لتشييعهِ ودفنهِ – عادتْ الرُوح إليه – فهي تُرفرفُ فوقه – ودخلتْ فيه فيمدُّ لهُ في بصره فينظر إلى موضعه مِن الجنّة أو مِن النار، فيُنادي بأعلى صوتهِ إن كان مِن أهل الجنّة – أي مِن جنّة البرزخ – : عجّلوني عجّلوني، وإنْ كان مِن أهل النار – أي مِن نار البرزخ – : رُدّوني رُدّوني، وهُو يعلم كلّ شيء يُصنَعُ به، ويسمع الكلام).
  • هذا نوعٌ مِن التواصل والارتباط بين الرُوح والجَسَد لا تمتلكهُ حواسنا.
  • ● غايةُ ما أُريد أن أصِلَ إليهِ من هذا البحث: هو أن أُبيّن أهميّةَ العقيدة.. هذهِ المسألة التي سُحِقتْ تحتَ أقدامِ عُلمائنا بسبب جَهلهم بالعقائد وبسبب عدم اهتمامهم بالذي يَهتمُّ به إمامُ زماننا.
  • آلُ مُحمَّدٍ يهتمُّون بالعقيدةِ بالدرجة الأولى.
  • النواصب وخُلفاء السقيفة وخُلفاءُ بني أُميّة والعبّاسيّين يهتمَّون بالفتاوى.. هذا التأريخ ودُونكم فقلّبوه.
  • إمامُ زماننا يهتمُّ بالعقيدة أوّلاً.. لأنّك لن تكونَ إنساناً ما لم تكنْ مُلمّاً بعقيدتك.. فهُناك منهجان: منهجُ رجل الدين الإنسان وهُو منهجُ “أولويّة العقيدة”.. وهُناك منهج “رجل الدين الحمار” وهُو منهج أولويّة الفتاوى.
  • منهجُ أولويّةِ العقيدة هُو المنهج الذي يأتي مُنسجماً مع منطقِ الأنبياء والأئمةِ.. فإنَّ اللهَ بَعَثَهُم لإثارةِ دفائنِ العُقول، إنّه منطقُ العقيدة .. وأمَّا مَنطقُ أولويّة الفتاوى فإنّهُ مَنطقُ دفْن العُقول، لأنَّ الفتاوى تقعُ في حقل التعبّد والتسليم.. والتعبّد والتسليم لا معنى لهما مِن دُون العقيدة الصحيحة الواضحة الكاملة.. فإنّنا إذا تعبّدنا وسلّمنا بالفتاوى من دون العقيدة الصحيحة الكاملة فإنّهُ لا قيمة للفتاوى والأحكام.. إنّما تنشأ قيمةُ الفتاوى إذا ما تفرّعتْ عن عقيدةٍ سليمةٍ صحيحة.. هذا هو منطِقُ الكتاب والعترة.. هذا هو منطِقُ منهج رجل الدين الإنسان.. بخلاف ذلك فإنَّ المنطق هو منطقُ رجل الدين الحمار.
  • الفتاوى أمرٌ مُهمٌّ في ديننا، ولكن النجاة لا تكونُ بتقليد المراجع ولا تكونُ بفتاوى المراجع التي هُم أنفُسهم ليسوا مُتأكّدين مِن صحّتها.. ولِذلكَ يكتبون في أوّلِ الرسالةِ العمليّة أنَّ العَمَل بهذهِ الرسالة مُجزئٌ ومُبرئٌ للذمّة.. والمُراد مِن أنّهُ مُجزئٌ ومُبرئٌ للذمّة يعني يُعطيكَ عُذْراً يومَ القيامة.. لا يعني أنَّ العمل بها يُطابق ما يُريدهُ آل مُحمّد.. ولكنَّ هذا هُو الذي استطاع الفقيه أن يصِلَ إليه وأنتَ الذي تُقلّده لا تملكُ سبيلاً آخر.. فتأخذ مِن هذا الفقيه الذي هُو ليس مُتأكّداً مِن صِحّة فتاواه.

  • وقفة عند هذه الرواية الجميلة جدّاً في كتاب [بحار الأنوار: ج79] الحديث (6):

  • (عن مَسعدة بن زياد، عن الصادق عن آبائه “عليهم السلام” قال: قال عليٌّ “عليه السلام” إنَّ للمرء المُسلم ثلاثة أخلاء:
  • فخليلٌ يقولُ لهُ أنا معكَ حيّاً وميّتاً وهُو عِلْمه.
  • وخَليلٌ يقول لهُ: أنا معكَ حتّى تموت وهُو مالَه، فإذا ماتَ صار للوارث.
  • وخليلٌ يقول لهُ: أنا معك إلى باب قبرك ثمَّ أُخلّيكَ وهُو ولده)
  • الذي يبقى مع الإنسان حيّاً وميّتاً هو عِلْمُهُ.. إنّها العقيدة الصحيحة.. (طَلَبُ المعارف مِن غير طريقنا أهل البيت مُساوقٌ لإنكارنا).

تحقَق أيضاً

الحلقة ١٤ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٥

يازهراء …