دليلُ المسافر – الحلقة ٩ – المحطّة الرابعة: القبر / المُسائلة (سؤال مُنكر ونكير)

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 11 شهر رمضان 1440هـ الموافق 17 / 5 / 2019م

  • الحديثُ يتواصلُ في محطّاتِ هذا السَفَر البعيد.. المَحطّةُ (1): الاحتضار، المَحطّةُ (2): زُهوق الرُوح، المَحطّةُ (3): هَول المُطّلَع، المَحطّةُ (4): القبر “عالم القبر، عالم الموت” وهُناك مَجموعةٌ مِن العناوين يُمكنُ أن نعدُّها محطّاتٍ فرعيّةً ضِمنَ المَحطّةِ الكُبرى التي عُنوانها القبر، وهي هذهِ المَحطّات:

  • (وحْشةُ القبر، ضَغطةُ القَبر، مُسائلة القبر، وبعد ذلكَ عالمُ البرزخ الوسيع الفسيح..).
  • إنّنا حينَ نتحدَّث عن القبر فإنَّ القبر الفيزيائي وهُو قبرُ الأجساد، وهُناك مَقابرُ الأرواح والتي عُبّر عنها أنَّ البعض منها روضةٌ مِن رياض الجنّة وبعضُها حُفْرةٌ مِن حُفر النار.. وكثير مِن تلكَ القُبور هي قُبور النَومةِ الطويلة مِثلما جاء في تعابير الأئمةِ “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم” بخُصوصِ الذين لن يتعرّضوا للمُسائلة.. هؤلاء يُلهى عنهم، سيكونون في مَقبرة النوم.
  • ● وصل الحديثُ بنا في الحلقةِ الماضية إلى ضَغطةِ القبر، وقد أكملتُ الحديثَ بخُصوص هذهِ المحطّةِ الفرعيّة التي هي مِن جُملة مَحطّاتِ عالم القبر.. وقد بيّنتُ لكم أنَّ الذين ينجونَ مِن هذهِ الضَغطةِ قَليلٌ وقليلٌ جدًّ.
  • لأنَّ ضَغطةَ القَبر: هي عَمليّةُ إعادةِ برمجةٍ لهذا الإنسان الذي جاء مِن عالم الدُنيا والجاً إلى عالمٍ جديد.. إنّهُ عالمُ القَبر، ونهايتهُ عند عالمٍ فَسيحٍ وسيعٍ هُو البرزخ بحَسَب الاصطلاح القرآني.
  • وإلّا فهذهِ العناوين وهذهِ الاصطلاحات واحدة (عالم القبر، عالمُ الموت، عالمُ البرزخ) كُلُّ هذهِ العناوين تتحدّثُ عن عالمٍ واحد.. بدايةُ هذا العالم حينما يُوضَع الإنسان في قَبره.. قَطْعاً إذا جرتْ الأمور بحَسَب ما رُسِم لها، وما جرتْ بنحوٍ استثنائيٍّ.. كما يجري في حال المصلوب مثلاً أو غيره ممّن لا يكون مسار انتقالهِ إلى عالم القبر بحَسَب التسلسلِ الذي مرّ ذِكره (احتضار، زُهوق الرُوح، هَولُ المُطّلَع، إدخالٌ في القَبر، وبعد أن يُفرَد في قبره الوحشةُ التي تُهيمنُ على ذلك الإنسان وفي أجواء تِلك الوحشةِ تأتي ضغطةُ القَبر لإعادةِ بَرمَجته).

  • وقفة عند روايةٍ مُناسبةٍ لهذا المعنى كي أُتمَّ الحديثَ فيما يرتبطُ بضغطة القبر.. كي أنتقلَ بعدها إلى المحطّةِ الفرعيّة التي تأتي بعدها وهي: “مُسائلة القَبر” وهي الامتحانُ العسير.

  • وقفة عند حديث رسول الله في كتاب [بحار الأنوار:ج6] الحديث 16 في صفحة 221 وهو منقولٌ عن كتاب [ثواب الأعمال] للشيخ الصدوق:
  • (عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه: قال: قال رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”: ضغطةُ القبر للمؤمن كفّارةٌ لِمَا كان منهُ مِن تضييع النعم).
  • أعظمُ النِعَم هي ولايةُ عليٍّ وآل عليّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. وأبرزُ مصاديقِ تضييع هذهِ النعمة هُو عندما ننقضُ بيعةَ الغدير مِن دُون قَصْدٍ سيّئ كما فعل ويفعل مراجعنا حينما يُعرضونَ عن تفسير عليٍّ ويركضون إلى منهجيّة النواصب في التفسير، وحينما يُعرضون عن قواعد الفَهْم العَلَوي ويركضون إلى عِلْم الأصول الشافعي وعِلْم الكلام الناصبي وأمثال ذلك.. هذا هُو تضييعُ النِعَم، ونحنُ نركضُ وراء عُلمائنا ووراء مَراجعنا فنقومُ بنفسِ العمليّة “عمليّةِ تضييع النِعَم”.. وهذا يُؤدّي إلى اختلالِ الحالةِ السليمةِ العقائديّةِ في قُلوبنا.. وِلذا نحنُ بحاجةٍ إلى ضغطةٍ شديدةٍ لإعادةِ برمجةِ عُقولنا وقُلوبنا كي نستطيعَ أن نتواصلَ مع هذا الواقع الجديد الذي نحنُ في مُواجهته، وعن قريبٍ فإنَّ الامتحانَ قادمٌ.. إنّهُ امتحانٌ عسيرٌ شديد.. هذا الامتحانُ للذين قامتْ عليهم الحُجَج مِن الصالحين والطالحين على حدٍّ سواء.
  • ● قوله: كفّارةُ: عُنوانٌ لِعمليّةٍ مَضمونها التكفير.. والمُراد مِن التكفير هُنا في هذا السِياق: هُو عمليّةُ تغييرٍ وعمليّةُ تبديلٍ.. حينما تُبدَّلُ السيّئاتُ إلى حسنات.. تبديلُ السيّئاتِ إلى حسنات هذهِ هي عمليّة التكفير.. فهناك شيءٌ يجري على الإنسان وبسبب هذا الشيء الذي يجري على الإنسان تتحوّل سيّئاتهُ إلى حسنات.. قطعاً هذا بالنسبة للمؤمن.
  • أمَّا بالنسبة لِغَير المؤمن فهي عمليّةُ إعادةِ برمجةٍ لأجلِ أن يتصحَّح مَسارُ الاحتجاج.. لأنَّ الحُجّة قد قامتْ على أُولئكَ الطالحين ولم يستجيبوا لها.. وبمُرور الوقتِ وفي حالةِ الخُروجِ مِن الدُنيا إلى هذا العالمِ فإنَّ منظومةَ قبولِ الحُجّة قد اختلّتْ عندهم، فلابُدَّ مِن إعادة تركيبها حتّى يعرفَ أولئكَ الطالحونَ مِن أنَّ الحُجَج التي قامتْ عليهم كانتَ صحيحةً وهُم رفضوها، وأنَّ العاقبةَ السيّئةَ التي سيؤولونَ إليها إنّما هي بسببهم هُم.. لم يستجيبوا للحُجَج الصحيحةِ الواضحةِ التي أُقيمتْ عليهم.. وذهبوا وراءَ أهدافٍ ووراءَ مَطامحٍ ومَطامعٍ ووراءَ غاياتٍ كانتْ تُناسبُ حياتهم، أو بسببِ عصبيّةٍ وعنادٍ ومُنافرةٍ للجهة التي أقامتْ الحُجَج عليهم.
  • ● أكثرُ شيءٍ واجهَ الأئمةَ المَعصومين مِن قِبَل أعدائهم هُو (الحَسَد) الذي كان يَظهرُ في مُعاندتهم ومُكابرة أولئكَ الذينَ كانوا يَعرفون الحقيقةَ كما هي.. إنّني أتحدّثُ عن الحقيقةِ في وجهها الظاهر البسيط الذي تتعامل معهُ الناسُ جَميعاً مِن الأخيار ومِن الأشرار.
  • فضَغْطةُ القَبر بالنسبة للمُؤمن هي عمليّةُ تكفيرٍ، عمليّةُ تبديلِ سيّئاتٍ إلى حسنات، وهذهِ هي عمليّةُ إعادةِ البرمجة.. وبالنسبةِ لِغَير المُؤمن فإنَّ العَمليّةَ تَرتبطُ بإعادةِ برمجةِ منظومةِ الحُجّةِ وقبول الاحتجاجِ ومعرفةِ ذلك المَسار.
  • جاءَ هذا التعبير القرآني: {فكشفنا عنكَ غِطاءكَ} لأنَّ الإنسان قد يُغطّي عَقْلهُ بذُنوبه، وقد يُغطّي عَقلَهُ بحماقتهِ، وقد يُغطّي عَقْلَهُ بغَفلتهِ، وقد يُغطّي عَقْلهُ بالصنميّة والتقليد السيّئ والاتّباع الضال لشخصٍ، لجهةٍ، لِفكرةٍ مُعيّنة.. والأنكى مِن كُلّ ذلكَ أن تقومَ المُؤسّسةُ الدينيّة بدفن عُقول أتباعها.. ولا أتحدّثُ هُنا عن مُؤسّسةٍ دينيّةٍ بنحوٍ خاص.. فكُلُّ المُؤسّساتِ الدينيّة في العالم تسعى لِدفْن عُقول أتباعها، وهذا واضحٌ عندنا في مُؤسّستنا الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.. فإنَّ ما يَقومُ بهِ مَراجعُ الشيعةِ وأصحابُ العمائم – بقَصْدٍ سيّئ أو بقَصْدٍ حَسَن – إنّهم يَقومون بعمليّة دفْنٍ لعقول أتباعهم في مقابر قذاراتِ الفِكْر القُطبي مُنذ الخمسينات في القرن العشرين وإلى هذا اليوم..! في الوقت الذي جاءَ الأنبياءُ والأوصياءُ والأئمةُ والكُتُبُ والملائكةُ والأديانُ الإلهيّة كُلّها جاءتْ لإثارةِ دفائن العقول.
  • مُراجع كبار، وخُطباء كبار، ورجال دين كبار، مُؤسّسات واسعة، أحزاب واسعة.. كُلّهم يشتغلون ليلَ نهار على دفْن العقل الشيعي تحتَ رُكامِ قَذاراتِ ونجاساتِ حَسَن البنّا وسيّد قُطب..! فضلاً عن الرُكام الذي نَقلَهُ لنا مراجعنا مُنذ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى مِن الأشاعرةِ والمُعتزلةِ والشافعيّةِ والصُوفيّةِ مِن كُلّ مكان..! دَفَنوا العقل الشيعي تحت هذا الرُكام، ولِذا فإنَّ بناءَنا الإدراكي على مُستوى العَقل، على مُستوى القَلب بِحاجةٍ إلى هزّةٍ شديدةٍ تلكَ هي ضغطةُ القبر.
  • ● مجموعتُنا التي وصفها أميرُ المُؤمنين أنَّ (أمرُها مُبهَمٌ) لا تعرفُ إلى ما سيؤول إليهِ حالها، بحاجةٍ إلى هذهِ الضغطةِ كي تتمّ عمليّةُ إعادةِ برمجتها الإدراكيّة على المُستوى العقلي وعلى المُستوى القلبي.
  • هذهِ البياناتُ بياناتٌ تناسبُ مع لسان الثقافةِ المُعاصر.. بِحَسَب الّلسان الذي يتناسبُ مع زمانِ رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” هذا الحديثُ مَنقولٌ عن نبيّنا الأعظم، فإنَّ الكلام يأتي بهذهِ الصِيغة (ضغطةُ القبر للمؤمن كفّارةٌ لِمَا كان منهُ مِن تضييع النعم).
  • وبهذا يتمّ الكلامُ في ضَغطةِ القَبر.
  • ● بعد ضَغْطةِ القَبر وإعادةِ برمجةِ هذا الميّت، برمجةِ هذا الإنسان في جانبهِ الإدراكي العَقلي والقلبي.. تأتينا “المُسائلة” وهي مُسائلة مُنكرٍ ونكير.. إنّهُ الامتحانُ الذي على أساسِ نتيجتهِ يتشخّصُ موضعُ هذا الإنسان في عالمِ البرزخ.. إنّهُ امتحانٌ عقائدي عسيرٌ دقيق.
  • سأقرأُ جانباً مِن الرواياتِ والأحاديثِ عليكم كي تتّضحَ الصُورةُ فيما يَرتبطُ بهذهِ المُسائلة.. إنّها امتحانٌ عسيرٌ شديد، وامتحانٌ عقائديٌّ دقيق.. بعبارةٍ واضحة: مَلَفُ الإنسانِ العقائدي يُفتَح على حقيقتهِ في هذهِ المحطّة.. فالويلُ لنا إذا كانَ الملفُّ مَشحوناً بالفِكْر القُطبي النجس القَذِر..!

  • وقفة عند مجموعةٍ مِن الرواياتِ والأحاديثِ الشريفة كي تتّضحَ الصُورةُ فيما يَرتبطُ بمَحطّةِ المُساءلة.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج3] صفحة 224 باب (159) باب المُسألةُ في القبر ومَن يُسأل ومَن لا يُسأل.. الحديث (2):

  • (عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنّما يُسألُ في قَبره مَن مَحَضَ الإيمانَ مَحْضاً والكفر مَحْضاً وأمّا ما سوى ذلكَ فيُلهى عنهم).
  • هذا العُنوان “مَحَضَ الإيمان” عُنوانٌ ليس لَهُ مِن تَعريفٍ ثابت.. لأنَّ الكلامَ يدورُ مَدارَ الإيمان.. والإيمانُ ليسَ لهُ مِن تعريفٍ ثابتٍ دقيق لكثرةِ مَراتبهِ ولكثرةِ خُصوصيّاتهِ ولِعدم إدراكنا لكُنههِ الحقيقي.. الإيمانُ نفحةٌ إلهيّةٌ لا نُدركُ كُنهها بالضبط.
  • التعاريفُ التي وصلتنا مِن نبيّنا مِن أئمتنا للإيمان ليستْ تعاريف للكُنه، وإنّما هي تعاريف لآثارِ الإيمان.. فالإيمانُ إقرارٌ بالّلسان وعقدٌ في الجنان وعَمَلٌ بالأركان.. هذهِ آثارُ الإيمان وليستْ هي الإيمان.
  • بعد أن يتحقّقَ الإيمانُ في القَلْب يترتّب على هذا أنَّ القلبَ ينعقد مع تلكَ الحقيقةِ التي اسمُها الإيمان، ويَنطلقُ الّلسانُ مُقرّاً وتَبدو آثارُ الإقرارِ والانعقادِ القلبي على جوارح الإنسان في الاتيان بالأعمال التي تَرتبطُ بذلكَ الأمر الذي آمنّا به.. أمَّا حقيقةُ الإيمان فهي شيءٌ يتحسّسهُ كُلُّ مُؤمنٍ بحَسَبه.
  • فما أحمِلهُ مِن إيمانٍ في داخلي أتحسّسهُ، لكنّني لا أتحسّسُ إيمانَ غيري.. وما يَحمِلهُ غيري مِن إيمانٍ يتحسّسهُ هُو ولكنّهُ لا يتحسّسُ إيماني الذي أحمِلهُ في مكنونِ ضميري وفي باطن حقيقتي وفي جوهر خَلَجاتي وهواجسي النفسيّةِ ، المعنويّةِ، الروحية..
  • ● كُنهُ الإيمانِ لَطيفةٌ ربوبيّةٌ، نَفحةٌ سُبحانيّة.. شيءٌ يتحسّسهُ المُؤمن.. أمَّا القولُ بأنّهُ إقرارٌ بالّلسان وعَقدٌ في الجنان وعَمَلُ بالأركان.. فتلكَ آثارُ الإيمان وليستْ الإيمان.
  • نَحنُ لا نَملكُ تَعريفاً للإيمانِ مِثلما أنّنا لا نَملكُ تَعريفاً لكثيرٍ مِن الأشياء والحقائق، وإنّما ما بأيدينا مِن تعريفٍ لها هُو تَعريفٌ لآثارها، تَعريفٌ لِخُصوصيّاتٍ تَرتبطُ بشُؤوناتِ تلكَ الحقيقةِ التي نتصوّرُ أنّنا نَعرفُها مِن خِلالِ تعريفٍ منظومٍ بنحوٍ منطقيٍّ لها.
  • أنا لا أريدُ أن أخوضَ في هذهِ الجوانب المعرفيّةِ والمَنهجيّةِ في تعريف الأشياء وتَحديدها.. لكنّني أردتُ أن أُبيّنَ معنى مَن مَحَض الإيمان.. والكلامُ هو هو مع الكُفْر، فإنّما تُستبانُ الأشياء مِن أضدادها.. فإنّنا إذا عرفنا معنى الإيمان بالجُملةِ سنعرفُ معنى الكُفْر بالجُملة.
  • ● الذين مَحَضوا الإيمان يختلفون.. وحينما نتحدّثُ عن الإيمانِ فإنَّ جهاتِ الحديث ستكونُ مُختلفةً مِن مَقامٍ إلى آخر، مِن شخْصٍ إلى آخر، ومِن فِكْرةٍ إلى أُخرى. حينما تتحدّثُ الرواياتُ مثلاً عن أنَّ الذين سيرجعون في الرجعة في عصْر الظُهور هُم الذينَ مَحضوا الإيمانَ والذين مَحضوا الكُفْر.. الكلامُ هُنا يَختلفُ عن الذين يُسائلون في قُبورهم.
  • الراجعون الذين مَحضوا الإيمان هُم الذين بَلَغوا دَرجةً عاليةً مِن الإيمان.. أمَّا الحديثُ عن المُسائلة فإنَّ الذينَ مَحضوا الإيمانَ هُم الذين أُقيمتْ عليهم الحُجَج، لأنَّ المُسائلة تأتي مُنسجمةً مع إقامةِ الحُجَج.. فهل كان الإنسانُ مُستجيباً..؟ وكم هي درجةُ استجابته؟ هل كان الإنسانُ مُعانداً ورافضاً..؟ وماذا ترتّب على عنادهِ ورفضهِ؟
  • فمَحْضُ الإيمانِ ومَحْضُ الكُفْر هُنا يَدورُ مَدارَ قَبولِ الحُجّةِ ورفضِها.. أمَّا في الرجعةِ فَإنَّ الذين يَعودون لِنُصرةِ إمامِ زماننا لابُدَّ أن يتّصفوا بمواصفاتٍ عاليةٍ جدّاً.. وِلذا فإنَّ مَحْضَ الإيمانِ هُناك هُو الدرجاتُ العاليةُ مِن المعرفةِ ومِن الإيمان.
  • ● قول الرواية: (وأمّا ما سوى ذلكَ – مِمّن لم تقم عليهم الحُجَج – فيُلهى عنهم) هذا الذي أشرتُ إليهِ أنَّ عالمَ البرزخ فيهِ مقابرُ هي رياضٌ جنانيّة، وفيهِ مَقابرُ هي حُفَرُ نيرانيّة، وفيه مَقبرةٌ واسعةٌ جدّاً للذين يُلهَى عنهم والذين قد تعرّضوا لِضغطةِ القبر فقط.. هؤلاء أُعيدتْ برمجتهم ومِن هُناكَ إلى مقابر النوم.. قَطْعاً أجسادهم تبقى في قُبورها الفيزيائيّة تتفتّتْ وتبقى طِينتها المُستديرةُ في ذلكَ القبر.. أمّا هُم فسيُنقلَونَ إلى مَقابر النومِ في عالم البرزخ.. سيبقون على نومتهم. الذين نجحوا في الامتحان سيذهبون إلى المقابر الجنانيّة، والذين سقطوا في الامتحان سيذهبون إلى المقابر النيرانيّة.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج3] الحديث (7) صفحة 225.. الحديث يعرض لنا لقطةً مِن حالةِ المُسائلةِ في القبر:

  • (عن بشير الدهان، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: يجيء المَلَكان مُنكرٌ ونكير إلى الميّت حين يُدفَن، أصواتُهما كالرعد القاصف، وأبصارُهُما كالبرق الخاطف، يخطّان الأرض بأنيابهما، ويطآن في شُعورهما – أي أنّهما أصحابُ شعرٍ طويل – فيسألان الميت من ربك؟ وما دينك؟ …).
  • هذه لقطة من المُسائلة.. لا يعني أنَّ الذين يُسائلون سيتعرّضون إلى نفس هذا المشهد، وإنّما كُلٌّ بِحَسَبه.. ولكن هذا المشهد مِن المشاهد التي سيُواجهُها كثيرون، وهُناك مشاهدُ أكثرُ سُوءاً مِن هذا المشهد، أكثرُ إرعاباً مِن هذا المشهد.. وهُناك مشاهد ليس فيها هذا الرُعب وليس فيها هذا الخَوف.. كُلٌّ بِحَسَبه.. نَحنُ نتحدّثُ هُنا عن الذين أُقيمتْ عليهم الحُجَج.
  • الذين استجابوا يُمتحنون فإذا ما نجحوا فَهُم إلى جنانهم أو إلى قُبورهم الجنانيّة البرزخيّة.. القُبورُ الجنانيّةُ تكونُ للبعض، وللبعض الآخر هُناك جنان.. الذين يكونون في قُبورهم يُحبَسون في تلكَ القُبور، والذينَ يذهبون إلى الجنانِ ستكونُ لهم أجسادٌ تناسِبُ العالم البرزخي، بحيث أنّهم عندما يتلاقون في الجنان يعرفُ بعضُهم بعضاً كأنّهم كانوا في الدُنيا.. الرواياتُ تُحدّثنا بذلك.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج3] الحديث (8) صفحة 226 كتاب الجنائز:

  • (عن أبي بكرٍ الحضرمي، قال: قُلتُ لأبي جعفر “عليه السلام”: أصلحكَ الله، مَن المسؤولون في قُبورهم؟ قال: مَن مَحَض الإيمان ومَن مَحَض الكُفْر، قال: قُلتُ: فبَقيّةُ هذا الخَلْق؟ قال: يُلهى واللهِ عنهم ما يعبأ بهم – فلا يُنعّمون ولا يُعذّبون – قال: قلت: وعمّ يسألون؟ قال: عن الحُجّة القائمة بين أظهركم، فيُقال للمُؤمن: ما تقولُ في فلان بن فلان؟ فيقول: ذاك إمامي، فيُقال: نم أنامَ اللهُ عينكَ، ويُفتَح لهُ بابٌ مِن الجنّة، فما يزالُ يُتحفهُ مِن رَوحها إلى يَوم القيامة، ويُقال للكافر: ما تَقول في فلان بن فلان؟ قال: فيقول: قد سمعتُ به وما أدري ما هو، فيقال له: لا دريت. قال: ويُفتَحُ له بابٌ من النار فلا يزال يُتحفه مِن حرّها إلى يوم القيامة).
  • أكثرُ الناسِ لم تقمْ عليهم الحُجّة.. الذين قامتْ عليهم الحُجّةُ وقبِلوا قليلون، والذين قامتْ عليهم الحُجّةُ ورفضوا قليلون بالقياسِ إلى الذين لم تُقَم عليهم الحُجَج. (وقفة تقريب للفكرة بمثال: بعثة نبيّنا الأعظم وحركتهِ في نشْرِ الرسالة وكيف أنَّ الحُجَج لم تُقم على أهْل البُلدان البعيدة كما قامتْ على أهْل مكّة والمدينة وما جاورهما).
  • ● قوله: (قلتُ: وعمّ يسألون؟ قال: عن الحُجّة القائمة بين أظهركم) إنّها العقيدةُ.. وبعبارةٍ أُخرى، إنّها معرفتُنا بإمامِ زماننا.. الدينُ كُلّهُ في معرفتنا بإمامِ زماننا.
  • فحين سألوا سيّد الشُهداء عن معرفة الله سُبحانهُ وتعالى، قال “صلواتُ الله عليه”: معرفةُ اللهِ هي معرفةُ كُلَّ أمّةٍ إمامَ زمانها.. ولِذا في حديثِ المعرفةِ بالنَورانيّة سيّدُ الأوصياء يُبيّن لنا أنَّ معرفةَ اللهِ هي مَعرفةُ عليٍّ بالنَورانيّة ومَعرفةُ عليٍّ بالنَورانيَّة هي مَعرفةُ الله.
  • ● قول الرواية: (فيُقال: نم أنامَ اللهُ عينكَ) هذا لا يعني أنَّ الناجحين في الامتحان ينامون كنومةِ أُولئكَ الذين يُلهى عنهم.. إنّما هذا التعبير هو كما نقول مثلاً: أنتَ حرٌّ.. فخُذْ ما تُريد مِن الراحة.
  • فإنّهُ إذا كان المُراد مِن النوم هُو عَدَمُ الانتباه، فماذا يصنعُ ببابٍ يُفتَحُ لهُ مِن الجنّة..؟!
  • إنّما المُراد مِن النوم هُنا أي أنّك سترتاحُ بعد تلكَ المحطّاتِ التي مَررتَ بها (الدُنيا وما فيها، الاحتضار، زُهوق الرُوح، هَولِ المُطّلَع، دُخول القبر، وحشةُ القبر، ضَغْطة القبر، المُسائلة والامتحان..).
  • بعد كُلّ هذهِ المحطّات المُتعبة يُقال لهذا العارفُ بإمامِ زمانهِ: نَمْ أنامَ اللهُ عَينكَ، ويُفتَحُ لَهُ بابٌ مِن الجنّة.. ها أنّا فتحنا عليكَ باباً مِن جنان البرزخ.. ولربّما يرتقي حالهُ هذا فيُنقَل إلى جنان البرزخ.
  • ● قول الرواية: (فيُقال للمُؤمن: ما تقولُ في فلان بن فلان؟ فيقول: ذاك إمامي) القضيّةُ هُنا ليستْ في لَفظةٍ.. الموضوعُ هُنا ليس ملءُ فراغٍ لفورم مِن الفورمات بكلمةٍ أو كلمتين.. الحديثُ هُنا عن الحقائق.. ما هي معرفتُكَ بإمامِ زمانك.. فإذا كانتْ معرفتُكَ معرفةً صحيحةً سيُقال لك: “نم أنامَ اللهُ عينكَ”.
  • ● قول الرواية: (ويُقال للكافر: ما تَقول في فلان بن فلان؟ قال: فيقول: قد سمعتُ به وما أدري ما هو) المُراد مِن الكافر هُنا هو الكافرُ بإمامِ زمانه.. مِثلما بيّنتُ لكم في الحلقاتِ الماضية أنَّ مُصطَلح “الكافر” في ثقافة الكتاب والعترة هو الكافرُ بعليٍّ وآل عليّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • هذه صورٌ إجماليّةٌ عمّا يجري في مُسائلة القبر.. في سُؤال مُنكرٍ ونكير.

  • وقفة عند الحديث (24) في كتاب [بحار الأنوار: ج6] في صفحة 223 وهو حديث ينقلُ لنا مقطعاً مِن موعظةٍ منقولةٍ عن إمامنا السجّاد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” كان يعِظُ الناس فيها في مسجد النبيّ أيّام الجُمَع.. قَطْعاً سيكونُ الحديثُ في جوٍّ مِن المُداراةِ التي تتلاءَمُ والمكان والزمان.. فنحنُ نتحدّث عن زمانِ تقيّةٍ شديدةٍ جدّاً وهُو زمن إمامنا السجّاد “صلواتُ الله وسلامه عليه”.. ومع ذلك فإنَّ الإمام يرسمُ صُورةً نافعةً لنا إذا ما اطّلعنا عليها.

  • (عن سعيد بن المسيب قال: كان عليُّ بن الحُسين “صلوات الله عليه” يعِظُ الناسَ ويُزهّدهم في الدُنيا ويرغّبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كلّ جمعة في مسجد الرسول “صلّى الله عليه وآله”، وحَفِظَ عنهُ وكتب، كان يقول: أيُّها الناس:
  • اتّقوا الله واعلموا أنّكم إليه تُرجعون، فتجد كلّ نفسٍ ما عملتْ في هذهِ الدُنيا مِن خَيرٍ مُحضَراً وما عملتْ مِن سُوءٍ تَودُّ لو أنَّ بينها وبينهُ أمداً بعيدا، ويُحذّركم اللهُ نفسه،
  • ويحكَ ابن آدم الغافل! وليسَ بمغفول عنه! ابن آدم إنَّ أجلكَ أسرعُ شيءٍ إليك، قد أقبلَ نحوكَ حثيثاً يطلُبك، ويُوشك أن يُدركَك، وكأن قد أوفيتَ أجلك، وقَبض المَلَكُ رُوحكَ، وصِرتَ إلى منزلٍ وحيداً فردَّ إليك فيه رُوحك، واقتحمَ عليكَ فيه مَلَكاك: مُنكرٌ ونكير لمُسائلتكَ وشديد امتحانك،
  • ألا وإنَّ أوَّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنتَ تعبده، وعن نبيّك الذي أُرسل إليك، وعن دينكَ الذي كُنتَ تَدينُ به ، وعن كتابكَ الذي كُنتُ تتلوه، وعن إمامكَ الذي كُنتَ تتولّاه، ثُمَّ عن عُمرك فيما أفنيته؟ ومالكَ مِن أين اكتسبته وفيما أتلفته؟ فخُذ حذرك وانظرْ لنفسك، وأعدّ للجواب قبل الامتحان والمسألة والاختبار، فإنْ تكُ مُؤمناً تقيّاً عارفا بدينك مُتّبعاً للصادقين – وهم مُحمّدٌ وآل مُحمّد – مُواليّاً لأولياء الله لقّاك اللهُ حُجّتك، وأنطقَ لسانكَ بالصواب فأحسنتَ الجواب، فبُشّرت بالجنّة والرضوان من الله والخيرات الحسان، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان، وإن لم تكنْ كذلك – أي لم تكن عارفاً بإمامك – تلجلج لسانكَ ودُحضتَ حُجّتك وعَميتَ عن الجواب وبشّرت بالنار، واستقبلتكَ ملائكةُ العذاب بنزل من حميم وتصليةُ جحيم).
  • ● قوله: (ألا وإنَّ أوَّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنتَ تعبده ، وعن نبيّك الذي أُرسل إليك، وعن دينكَ الذي كُنتَ تَدينُ به) هذا الترتيبُ يتناسب مع مَرحلة التنزيل، أمّا مَرحلة التأويل فهي تختلف عن مَرحلة التنزيل.. ولكن المُسلمين بعد بيعةِ الغدير بسبب السقيفةِ المشؤومة لم ينتقلوا مِن مرحلة التنزيل إلى مَرحلة التأويل، ولِذا بقيتْ ثقافة المسلمين في حُدود مرحلة التنزيل، وابتُلينا نحنُ بالتقيّة.. فلذا تحدّث الأئمةُ كثيراً بأحاديث هي في مُستوى مَرحلةِ التنزيل كهذهِ التي بين أيدينا.. ولكنّهم حينما بيّنوا لنا الحقائق تحدّثوا لنا في مُستوى التأويل.. وتلكَ أحاديثُهم في المعارف والمقاماتِ الغَيبيّة وفيما يرتبطُ بحقائق الدين تُبيّنُ لنا صريح الأمور مِثلما هُو في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.
  • فالإمام السجّاد أخّر الحديثَ عن الإمامِ في المُسائلة، لأنَّ المقام لا يُناسبُ أن يَذكُرَ الإمامَ في أوّل فِقْرةٍ.. لأنَّ السُؤال الأوّل الذي يُوجّهُ للمسؤولِ في تلكَ المُسائلة في القبر هو: “مَن هو إمامُك..؟” وبعد ذلك تأتي الأسئلةُ الأخرى.. لأنَّ أصْل الدين هو الإمام ومِن هُنا يبدأ السُؤال.. وهذا واضحٌ إذا ما أردنا أن نعود إلى مُجمَل الآياتِ، ومُجمَل الرواياتِ والأحاديثِ والأدعيةِ والزيارات.
  • السُؤال الأوّل: “مَن هو إمامُك..؟” وبعد ذلك تأتي الأسئلةُ الأخرى.. لأنَّ الذي يُعرّفني بربّي هو إمامي.. فلابُدَّ أن أُسألَ عن إمامي أوّلاً وبعد ذلكَ أُسألُ عن معرفتي بربّي.. هل وفيتُ لإمامي فأخذتُ المعرفةَ منه؟
  • أمّا حينما أُسألُ: “مَن ربّكَ؟” أولاً.. فمِن أيّ جهةٍ جئتُ بمَعرفتي بربّي؟! ما هي الجهةُ التي أخذتُ منها معرفتي بربّي؟! هل هي مِن بُنات أفكاري؟! هل هو مِن فَهمي للقرآن ولحديث العترة؟! أم مِن أين جئتُ بمعرفتي بربّي؟!
  • الزيارة الجامعة تقول: (مَن أرادَ الله بدأ بكم، ومَن وحّدهُ قَبِل عنكم، ومَن قَصَدهُ توجّه إليكم).. ورسولُ الله يُخاطبُ سيّد الأوصياء ويقول له: (يا عليّ.. أنتَ أصْلُ الدين).
  • الأصل معرفةُ الإمام لأنّه هُو الذي يقودنا إلى معرفةِ ربّنا، إلى معرفةِ نبيّنا، إلى معرفةِ ديننا، إلى معرفةِ عقائدنا، إلى معرفةِ أحكامنا.
  • ● الأصلُ بالنسبةِ لنا هو إمامُ زماننا.. وفي غَيبتهِ الجهة التي نتوجّهُ إليها هي الكتابُ الكريم وحديثُ العترة الطاهرة.. يعني الإلتزامُ بالعَهْدِ المأخوذِ علينا وهُو أن نُفسّرَ القُرآن بحديثِ العترة الطاهرة، وأن نَفهَم حديثهم بقواعدِ الفَهْم العَلَوي حتّى يظهر إمامُنا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • نعم.. يُمكننا أن ننتفعُ مِن عُلماء الشيعةِ في الوصول إلى معارف الكتاب ومعارف العترة إنْ كانوا هؤلاء العُلماء على هذا المَنهج والتزموا ببيعةِ الغَدير وتعلّموا القُرآن وِفقاً لِمنهج عليٍّ في التفسير، وحفظوا حديثَ العترةِ ودرسوهُ وفهموهُ عِبْر قواعدِ الفَهْم العَلَوي وعِبْر منهج مَعاريض القَول لِمُحمّدٍ وآل محمّد.. هؤلاء يكونون مُعينين لنا في فَهْم عقيدتنا والوصولِ إلى ساحةِ إمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • فالسُؤال الأوّل: عن الإمام.. أمَّا هذهِ الصِيَغ فهي تتناسبُ مع أجواءِ التقيّة.
  • أنا أوردتُ هذا النصّ وقرأتهُ عليكم وبيّنتُ أنَّ هذا النصّ عن إمامنا السجّاد، وأنَّ هذا النصّ كُتِبَ عنه.. الإمام يَعلَمُ أنّهُ سيُحفَظُ ويُكتَب وكانَ يذكرهُ في مسجد النبيّ في الجوّ العام، وفي أيّام الجُمَع حينما يجتمعُ الكثيرون في أجواء المُداراة والتقيّة.
  • مِن هُنا نعرف أنَّ الروايات والأحاديث التي جاءتْ في جوّ تلقين الميّت وفي جوّ المُسائلة بهذهِ الصياغات فهي في نفس هذا الجوّ (جوّ المُداراةِ والتقيّة) وإلّا فإنَّ السُؤال الأوّل عن إمامنا وبقيّةُ الأسئلة تتفرّعُ عن مَعرفتنا بإمامِ زماننا.. هكذا هي المنظومةُ المعرفيّةُ العقائديّة الصحيحة.
  • ● إذا أردنا أن نعودَ إلى عُمْق تفسيرهم للقُرآن وإلى عُمْقِ حديثِ العترةِ الطاهرة في أبوابِ المعارفِ والعقائد فإنَّ الأساسَ الأوّلَ لِمنظومتنا العقائديّةِ المعرفيّةِ الشيعيّةِ العَلَويّة، الأصْلُ هُو (الإمام وليستْ الإمامة).. فإنَّ الإمامة مِن شُؤون الإمام.. فنسألُ الإمامَ أولاً عن شُؤونِ الإمامةِ لنعرفَ حُدود علاقتنا به.. حينئذٍ نسألُ عن نبيّنا لأنَّ الإمامَ هُو امتدادٌ لنبيّنا، وهو وجهٌ لنبيّنا “صلّى اللهُ عليه وآله” فلابُدّ أن نعرفَ أصْل الإمامِ والإمامةِ لابُدَّ أن نعرف مُحمّداً.. فإذا ما عرفنا مُحمّداً فإنّنا نسألُ عن ربّنا، لأنَّ مُحمّداً هو وجهُ الله.
  • المنظومةُ العقائديّةُ هذا هو أساسُها، وهذا أساسٌ ينسجمُ مع العقل والمنطقِ الشيعيّ السليم ومع الفِطْرة، مع الوجدان الذي تزيّن بِحُبّ عليٍّ.
  • ● قولهِ: (فإنْ تكُ مُؤمناً تقيّاً عارفا بدينك) أي عارفاً بإمامك.. لأنَّ الدين هو الإمام، هذهِ ثقافة العترة الطاهرة، هذا عُمْقُ الفَهْم العقائدي في نُصوصهم.

  • وقفة عند لقطة مِن حديثٍ طويل لإمامنا الصادق “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج3] صفحة 227 كتاب الجنائز الحديث (12)، الإمام في حديثٍ طويلٍ تطرّق فيهِ إلى مُسائلة مُنكرٍ ونكير للميّت في قبره.. يقول الإمام “عليه السلام” وهو يصِفُ هذه المُسائلة:

  • (فيُلقيانِ فيهِ الرُوح إلى حَقَويه – أي إلى وركيه -) هذا المعنى ورد في العديد من الروايات، أنّهُ بعد مَرحلة الضغطةِ فإنَّ المُسائلة ستبدأُ فيأتي مُنكرٌ ونكير وأوّلُ شيءٍ يقومانِ بهِ أنّهما يُعيدان الحياةَ في هذا الميّت مِن رأسهِ إلى وركيه.. ويُقعدانِ هذا الميّت.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج6] صفحة 226 – الحديث (28) وهو منقول عن كتاب الكافي:

  • عن إمامنا الباقر، عن رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” أنّهُ يُحدّثنا عن الأغنامِ والمواشي في مراعيها، فيقول أنّه بينما الأغنامُ المواشي في مراعيها، وإذا بها تُذعَر.. تتحرّك تحرّكاً عجيباً.. وكأنّها تنفرُ مِن شيء.. فيُخبرنا “صلّى اللهُ عليه وآله” أن الكافر إذا ما ضُرِب حينما يُؤتى بهِ إلى المُسائلة، وبعد المُسائلة يُضرب.. والمُراد مِن ضربةِ الكافر هو حالةِ هويهِ في جهنّم البرزخيّة، فإنّه يهوي ويهوي.. فإذا ما هوى فإنَّ هذا الصوت الصادر مِن هَويهِ تسمعُهُ تلكَ الحيوانات.. قَطْعاً إذا كانتْ قريبةً مِن موقعٍ مِن المواقع الأرضيّة التي تُشكّل بوّابةً إلى نارٍ مِن النيران البرزخيّة.. فهُناك ترابطٌ بين هذهِ الأرض وبين عالم البرزخ، مِثلما هُناك ترابطٌ بين أرواحنا وبين القُبور التي تُدفنُ فيها أجسادنا.
  • هُناك تواصلٌ بين عالم الدُنيا الذي نتحسّسهُ وبين عالم البرزخ الذي لا نتحسّسهُ.. فتلكَ الهَويةُ الجهنّميّةُ لها صوتٌ تسمعُهُ تلكَ الحيوانات.
  • يقولُ نبيّنا الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله: (أنَّ الكافر يُضرَبُ ضربةً ما خلَقَ الله شيئاً إلّا سمعها ويذعرُ لها إلّا الثقلين – أي الجنّ والإنس -…).

  • وقفة عند مقطع مِن حديث لسيّد الأوصياء في كتاب [بحار الأنوار: ج6] في صفحة 237 الحديث (55) وهو منقول عن كتاب مشارق أنوار اليقين:

  • (يقول سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: يابن نُباتة إنَّ في هذا الظَهْر – أي النجف – أرواحَ كلّ مُؤمنٍ ومُؤمنة في قوالب مِن نُور – أي أجسام مِن نُور – على مَنابرَ من نور).
  • هذهِ صُورةٌ مِن صُوَر عالم البرزخ.. وليسَ كُلّ الذينَ في عالمِ البرزخ حتّى مِن المؤمنين بهذا الحال.. هذهِ صُورةٌ مُقاربةٌ للصُورةِ الأُخرويّة مِن أنَّ الشيعة على منابر مِن نُور وأنَّ وجوههم مُبيضّة حول رسول الله وهُم جيرانه.. هذهِ الصُورة صُورةٌ مُطابقةٌ ولكن في العالم البرزخي، في وادي السلام (في النجف الأشرف).
  • البرزخُ في وادي السلام لهُ خُصوصيّاتٌ تختلفُ عن البرزخ في المواقع الأُخرى..

  • في صفحة 242 الحديث (61) حديث ينقله الشيخ المجلسي عن كتاب [رجال الكشّي] والحديث عن إمامنا الرضا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وهو يُحدّثنا عن سيّد الواقفة عليُّ البطائني “المرجع الحمار الذي قال لهُ الإمام الكاظم: أنتَ وأصحابك أشباه الحمير” يقول إمامُنا الرضا وهو يُحدّثنا عن حال هذا المرجع الحمار بعد مَوته، يقول:

  • (بعد موت ابن أبي حمزة إنّه أُقعِد في قبره فسُئِل عن الأئمة : فأخبر بأسمائهم حتّى انتهى إليَّ – أي إلى الإمام الرضا – فسُئِل فوقف ، فضُرب على رأسهِ ضربةً امتلأ قبره نارا).
  • مِثلما وقف في الدُنيا وقف عند مُسائلتهِ في قبره..!
  • هذهِ عاقبةُ أتباعُ رجل الدين الحمار..!

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …