دليلُ المسافر – الحلقة ١١ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 13 شهر رمضان 1440هـ الموافق 19 / 5 / 2019م

  • مَرَّ الحديثُ في مَحطّاتِ هذا السَفَر الطَويل البعيد، ولازالَ الكلامُ مُتواصلاً.. مَحطّةُ الاحتضار، مَحطّةُ زُهوقُ الرُوح، مَحطّةُ هَول المُطّلَع، مَحطّةُ القبر وهي تشتملُ على العناوين التالية: (وحشةُ القَبر، ضَغْطةُ القبر، مُسائلة القَبر، وبعد ذلك البرزخ وهُو العالم الوسيعُ الفسيح).

  • هذهِ الحلقة هي الجُزء (2) مِن حديثي في أجواءِ البرزخ.. إذْ كانتْ الحلقةُ الماضيةُ جُزءاً أوّل فيما يَرتبطُ بمَوضوع البرزخ وشُؤونه وتَفاصيله.. معَ مُلاحظةِ أنّني أعرضُ المَطالب بالمُستوى المُوجز، وأُحاولُ أن أختارَ جانباً مِن الصُوَر الكثيرةِ جدّاً التي تحدَّث عنها الكتابُ الكريم وأحاديثُ العترة الطاهرة.
  • ● وعدتُكم في الحلقةِ الماضية أن أتناولَ آياتِ الكتابِ الكريم التي تَرتبطُ بموضوعِ البرزخ في هذهِ الحلقة.. ولكنّني وجدتُ أن أطرحَ بعْضاً مِن البياناتِ.. سيكونُ ذلك أفضل، وأُؤجّلُ حديثي عن آياتِ الكتاب الكريم فيما يَرتبطُ بعالَمِ البرزخ إلى حَلَقةِ يوم غد.. إذا تمكّنتُ مِن إكمال حديثي.

  • هُناك أمران، أو مُشكلتان:

  • المُشكلةُ الأولى: ليس هُناك مِن تركيزٍ في ثقافتنا العقائديّةِ الشيعيّة على مَوضوعِ البرزخ.. ما هو موجودٌ في ثقافتنا الشيعيّة هي صُورةٌ ليستْ صحيحةً، إنّها صُورةٌ مُجتزءةٌ اجتزاءً خاطئاً مِن قِبَل مَراجعنا وعُلمائنا والسبب في ذلك: هُو اتّباعُ مراجعنا وعُلمائنا للمنهج الناصبي. إذا ما رجعتم إلى كُتُب التفسير عند عُلمائنا وإلى كُتُب العقائد فلن تَجدوا بياناً واضحاً وصَريحاً وصَحيحاً عن البرزخ، بل عن التفاصيل التي مرَّتْ وعن التفاصيل التي ستأتي فيما يَرتبطُ بهذا السَفَر الطَويل البعيد.
  • السبب في ذلك: هُو تبنّي مَراجعنا الكبار مُنذُ بداياتِ عصْرِ الغَيبةِ الكُبرى وإلى مَراجعنا الأحياء المعاصرين.. تبنّيهم للمنهجِ الناصبي في تَفسير القُرآن، وكذلكَ في بناءِ المنظومةِ العقائديّة.
  • فما أهْمَلَهُ النواصب أهملَهُ مَراجعُنا وعُلماؤنا أيضاً، وما ضَعَّفهُ النواصب ضعَّفهُ عُلماؤنا ومَراجعنا أيضاً، وما اهتمَّ بهِ النواصب اهتمَّ بهِ مَراجعنا وعُلماؤنا.. ورتّبوا أولويّاتِ المنظومةِ العقائديّة بِحَسَب تَرتيب الأشاعرةِ والمُعتزلة..! وكُلُّ ذلكَ يُخالفُ منهجَ العترةِ بدرجةِ 100%.
  • فلذا هُناك مُشكلةٌ في الثقافةِ الشيعية في فَهْمِ وتصوّرِ عالمِ البرزخ.. هُناك تصوّرٌ مُجتزأٌ خاطِىءٌ بِحَسَب الذوقِ الناصبي.
  • — الرواياتُ الكثيرةُ سواء التي فسّرتْ الآياتِ أو الآيات التي شرحتْ وبيّنتْ ماذا يَجري في عالمِ البرزخ – والتي عَرضتُ بَعْضاً مِنها عليكم في الحلقةِ الماضية، وسأعرضُ مجاميع أُخرى لأهميّة هذا الموضوع – هذه النُصوصُ الكثيرةُ ألغتها المَرجعيّة الشيعيّةُ بسبب سفاهتها وقِلّةِ عِلْمها بمَعارفِ أهْل البيت، وبسببِ تأثّرها واتّباعها للمناهج الناصبيّة في بناء المنظومةِ العقائدّية.
  • ولو كانَ عندي مُتّسعٌ مِن الوقت لجئتُكم بُكُتُب النواصب وهي تتحدّثُ عن هذا الموضوع وجئتُكم بُكُتُب عُلمائنا، وجئتُكم بما قالَهُ أئمتنا وقد عَرضتُ البعض منه.. ستجدون أنَّ ما قالَهُ مراجعُ الطائفة مُنذُ بداياتِ عَصْر الغَيبةِ الكُبرى وإلى يَومنا هذا يَتطابقُ تماماً في أكثر الأحيان مع المنطقِ الناصبي، أو هُو أقربُ ما يكون إلى المنطق الناصبي وأبعدُ ما يكون عن منطق العترة الطاهرة.
  • الكُتُب موجودةٌ.. وبإمكانكم أن تعودوا إليها.. بإمكانكم أن تُراجعوا كُتُبَ التفسير وأن تُراجعوا كُتُبَ العقائد.. ستجدون أنّهم حتَّى إذا ذكروا شيئاً عن آلِ مُحمَّد فإنّهم ينسبونَهُ إلى عُلماء الشيعةِ ويضعونهُ في حاشيةِ القول..! هذا في كُتُب مَراجعنا الكبار.. مِن الشيخ الطوسي إلى مراجعنا المُعاصرين.
  • هذهِ المُشكلةُ أوجدتْ خَرْقاً واضحاً في الثقافةِ الشيعيّةِ فيما يَرتبطُ بمَعرفتنا ومَعلوماتنا عن هذا السَفَر الطويلِ البعيد.. هذا هُو عِلْمُ المبدأ والمعاد.. وهُو عِلْمٌ واسعٌ مُضْطَردٌ في ثقافةِ الكتابِ والعِترة، ولكن ليس لَهُ مِن عَينٍ ولا أثر في الثقافةِ الشيعيّة.
  • وما عَرضتُهُ في الحلقاتِ الماضيةِ مِن هذا البرنامج وما سَأعرضِهُ في الحلقاتِ المُتبقيّةِ ما هُو إلّا نَزْرٌ يسيرٌ لا يُعَدُّ بشيء لِمَا جاءَ في تفاصيلِ هذا العِلْم في طَوايا حقائقِ الكتابِ وحديثِ العترة الطاهرة.. هذهِ المُشكلة الأولى.
  • المُشكلة الثانية: هي مُشكلةٌ موضوعيّة.. لأنّنا في عالمِ التُرابِ ولَسنا على تَواصلٍ مع عالم القبر وعالم البرزخ.. فتنشأُ أسئلةٌ كثيرةٌ حينما يَستمعُ المُستمعُ مِن أشياع أهل البيت إلى مِثْل هذهِ الحقائق لأنّهُ لم يكنْ قد تَعودّ عليها.. وإلّا فإنَّ المَطالبَ التي تَرتبطُ بيومِ القيامةِ وما يَرتبطُ بجنانِ الآخرةِ ونيرانها أعقدُ وأعظمُ وأكبرُ إلّا أنَّ المُستمعَ الشيعي لا يجدُ صُعوبةً في قَبولها والتعاملِ معها.. وإنْ لم يكنْ مُدْركاً لتفاصيلها وحَقائقها، لأنّهُ قد تَعودَّ على الاستماع إلى مِثْل هذهِ الموضوعات لأنَّ النواصب يتحدّثون عنها وبالتالي فإنَّ مراجعنا اتّباعاً للنواصب نظّموا تفسير القرآن ونظّموا العقائد وفقاً لِهذا المنهج البعيد عن العترة الطاهرة.
  • — حينما تكونُ ثقافةُ البرزخ جُزءاً مِن ثقافتنا فإنَّ كثيراً مِن المَطالبِ الدينيّة وإنَّ كثيراً مِن النُصوصِ الدينيّة ستُفهَم بشكلٍ صَحيح (مِن نُصوص الآياتِ، ومن نُصوص الرواياتِ والأدعيةِ والزيارات) وسيتّضحُ ذلك لكم مِن خِلالِ تفاصيلِ الكلام الذي سيأتينا في هذهِ الحَلَقة أو في الحلقةِ القادمة، وهكذا..

  • حين نتحدَّث عن عالمِ القَبرِ، عالَم المَوت، عالَم البرزخ فإنّنا نتحدَّثُ عن صُوَر وحقائق لا نَستطيعُ ونَحنُ نَخضعُ لِقوانين عالمِ التراب لا نَستطيعُ أن نتلمَّس تلكَ الحقائق.

  • فقد مرَّ الكلامُ في قُبورٍ للأجساد، وفي قُبورٍ للأرواح، وأنَّ الأرواح ستبقى على تَواصلٍ مع قُبور الأجسادِ التي تُدفَنُ أجسادُ الموتى فيها، وأنَّ عالَم البرزخ لابُدَّ أن يُسبَق بوحشةٍ وتلكَ قضيّةٌ طَبيعيّة فإنَّها عَمليّةُ انتقالٍ إلى عَالمٍ جديدٍ غَريب.. ولابُدَّ مِن ضَغْطةٍ لإعادةِ بَرمجةِ الإنسان، ولابُدَّ مِن مُسائلة وامتحانٍ عسيرٍ شديد على ضَوء نتيجةِ الامتحان يُشخَّصُ موقِعُ الإنسانِ في عالم البرزخ.. فهل هُو في قُبور الأرواح الجنانيّة؟! أم هُو في قُبور الأرواح النيرانيّة؟! أم هُو في قُبور النوم؟! علماً أنَّ أكثرَ الناسِ سيذهبون إلى مقابر نوم الأرواح.
  • أم أنّهُ سيكونُ مِن الفائزين والناجحين نَجاحاً باهراً فيذهَبُ إلى جنان البرزخ وهي جنانٌ عظيمةٌ جدّاً تُمثّلُ صُورةً مُصغّرةً بالقياس إلى جنان الآخرة – مع عظمةِ جنانِ البرزخ- وكذاك جهنّم البرزخ إنّها تُمثّل صُورةً مُصغّرة بالقياسِ إلى جهنّم الآخرة.
  • الأرواحُ التي تذهبُ إلى جنانِ البرزخ وإلى نيرانِ البرزخ إنّها تُوضَع في قوالب في أجساد.. إنّها أجسادٌ برزخيّةٌ تتناسبُ مع عالمِ البرزخ، صُورتها كصورة الأجساد التي كانتْ في الدُنيا.. ومرَّ علينا من الكلام كثيرٌ من أنّ منكراً ونكيراً يَبعثانِ الرُوح في جَسَد الميّت إلى وِركيهِ ويُقعدانه وهُو في القَبْر.. فكيفَ يقعدُ في مكانٍ قد دُفِن بالتُراب؟!
  • وأنَّ هذا العالم قريبٌ مِن الجنّة، وقريبٌ مِن النار.. إنّنا قريبون مِن جنّةِ البرزخ التي تُمثّلُ مِرآةً لجنّةِ الآخرة، وإنّنا قريبون مِن جَهنّم البرزخ التي تُمثّلُ مِرآةً لجهنّم الآخرة. كُلُّ هذا تحدّثتْ عنهُ الآياتُ والرواياتُ وأنا أجملتُ لكم المطالب واختصرتُها لكم بقدْر ما أتمكّن.
  • ● أسئلةٌ مِن الطبيعي جدّاً أن تُطرح، حينما نتحدّث عن عالمٍ برزخيٍّ وعن تشكيلٍ ماديٍّ برزخيّ، فهناك أجسادٌ برزخيّةٌ، وهناك طعامٌ برزخيٌّ، وهناك شرابٌ برزخيٌّ، هناك جنّةٌ، هناك أشجارٌ.. هُناك سُكّانٌ في تلكَ الجنان.. هناكَ وهناك..
  • كُلُّ التفاصيلِ التي وردتْ في القُرآنِ عن جنانِ الآخرة موجودةٌ في جنانِ البرزخ ولكن بِحَسَب جنان البرزخ.. وكُلُّ التفاصيل التي وردتْ في القُرآنِ فيما يَرتبطُ بنيرانِ الآخرة موجودةٌ في نيران البرزخ ولكن بِحَسَب نيران البرزخ.
  • فكما أنّنا في الآخرةِ نُحشَرُ بأجسادنا هذهِ التي حين تُدفَنُ في قُبور الأجساد تتفتّتْ.. ولكن تبقى طينتُها الأصليّةُ مُستديرةً في قُبورنا كما قال إمامُنا الصادق “عليه السلام”.. ومِن تلكَ الطينةِ سنُبعَثُ مِن جديد بنفس الأجسام.. فإنَّ أجزاء أجسامنا المُتفتّتة ستلتقي وتجتمع وتتركّب وتنتظم مِن جديد.
  • فمِثلما لنا أجسامٌ وهي أجسامُنا الحقيقيّة.. هُناكَ في جنانِ الآخرةِ وفي نيرانِ الآخرة لنا أجسامٌ إذا كُنا مِن أهل جنان البرزخ أو مِن أهل نيرانِ البرزخ لنا أجسامٌ برزخيّةٌ.. إنّهُ تشكيلٌ للمادّةِ وتصويرٌ للمادّةِ بما يتناسب مع عالم البرزخ.
  • (وقفة تقريب للفِكْرة بالحديثِ عن المادّة في عالمنا التُرابي والقوانين التي تحكمها..).
  • غايةُ ما أُريدُ أن أصِل إليه هي أن أقول:
  • مِثلما أنَّ المادّة لها شأنُها وهي في مُستوى الصلابة، ولها شأنها وهي في مُستوى السيولة، ولها شأنها وهي في المُستوى الغازي، ولها شأنها وهي في مُستوى البلازما.. لِكُلّ حالةٍ مِن هذهِ الحالات خَصائصُها الكيميائيّة وخَصائصُها الفيزيائيّة، ولكن بالمُجمَل إنّها تَحتفظُ بمُعدّلٍ مُتوسّطٍ مِن خصائصها التي يُمكن أن أقول عنها خصائص ذاتيّة بالّلحاظ المادّي.
  • أمّا إذا انتقلنا إلى المُستوى النانَوي فإنَّ الأمرَ يختلف، فإنَّ المادّة هُنا ستفقدُ خواصَّها.. وإذا انتقلنا إلى المُستوى الكُمُومي فإنَّ المادّة طاقةٌ فقط تتصوّر لنا بهذا الشكل المادّي.. وإلى البُعْد المُجرّد، وإلى البُعْد الرقمي، وإلى وإلى.
  • فكذاك الحالُ في البرزخ فإنَّ المادّة لها صُوَرةٌ برزخيّة، لها نِظامٌ برزخيٌّ يتناسبُ مع عالمِ البرزخ.. هذا هُو الذي أردتُ أن أصِل إليه.
  • فمِثلما للمادّةِ ونَحنُ في عالمنا الأرضي مُستوياتٌ مُختلفة، وإلى الآن لم يَستطعْ الإنسان أن يكتشِفَ كُلَّ أسرارِ المادّة وأن يُحيطَ عِلْماً بكُلّ مُستوياتها، خُصوصاً في البُعْد المُجرّد.. ففي البُعْد المُجرّد هُناكَ مِن الذين يشتغلونَ في حقْل المُجرّدات، في حقل الرياضاتِ الرُوحيّة العالية، في حقل تجريد الجسد وتجريد العقل.. في هذا المجالِ يتواصلون مع البُعْد المُجرّدِ للمادّة وتلكَ حقيقةٌ.. والبرنامجُ ليس مُنعقداً لهذهِ المسائل وهذه الموضوعات.. يُمكنكم أن تدخلوا إلى الشبكةِ العنكبوتيّة وتقرأون كثيراً عن هذا الموضوع. فليس البرنامجُ مُخصّصاً لِهذه المطالب ولِهذه المباحث.. ولكن أقول:
  • مِثلما هُناك مُستوياتٌ للمادّة في عالمنا الأرضي التُرابي، هُناك مُستوياتٌ للمادّةِ في عالم البرزخ.. ومِن هنا فإنَّ مُنكراً ونكيراً يبعثانِ الروح في جسد الميّت وهُو في قبرهِ الفيزيائي التُرابي وتصِلُ الرُوحُ إلى وِركيه ويقعدُ الميّت مِن دُون أن يتضرّر بتراب القبر وبحجارته، ومِن دُون أن يحدثَ تغييرٌ في بُنية القَبر، ومن دُون أن يشعر الآخرون القريبون من المكان بذلك.
  • والأمرُ هُو هُو فيما يَرتبطُ بالقُبورِ الجنانيّة والقُبورِ النيرانيّة وبمَقابرِ النوم وما يَرتبطُ بجنانِ البرزخ ونيرانِ البرزخ.. وما فيها مِن أجسادٍ برزخيّةٍ وما فيها مِن مادّةٍ برزخيّة وما فيها مِن طَعامٍ وشراب.. تلكَ هي المادّةُ في مُستوىً آخر، إنّهُ المُستوى البرزخي.. فلازلنا نَحنُ في الدُنيا وحديثُنا في العالم الدنيوي.. فإنَّ الجنّةُ الأُخرويّة وإنَّ النار الأخرويَّة لن نقتربَ منهما إلّا في يوم القيامةِ، ولا يكونُ ذلك إلّا بعد تَغييرٍ هائلٍ في بُنية السماواتِ والأرض.
  • الجنانُ التي يقتربُ منها الإنسان بعد موتهِ إنّها الجنانُ البرزخيّة، والنيرانُ التي يقتربُ مِنها الإنسانُ بعد موتهِ إنّها النيرانُ البرزخيّة.. وهي ليستْ معنويّةً صِرفة، وإنّما فيها جنبةٌ ماديّةٌ ولكنّها في المُستوى البرزخي.. مِثلما هُناك مُستوى الصلابةِ، مُستوى السيولةِ، مُستوى الغازيّة وهكذا بقيّةُ المُستويات.. فهُناك أيضاً مُستوىً للمادّةِ هو المُستوى البرزخي.
  • وحتّى المادّةُ في عالم البرزخ فإنَّ لها العديد مِن المُستويات، إذا ما دقّقنا النظر في الآياتِ وفي الأحاديثِ فإنَّ ذلك يَظهرُ لنا واضحاً.. ولكنّني لستُ بصِدد البحثِ والتفتيش والتنقيبِ في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة في هذا البرنامج.. فهذا البرنامج برنامجٌ مُوجزٌ إجمالي.
  • ● أتمنّى أن تكونَ الأمثلةُ التي سُقتُها بين أيديكم قد قرّبتْ الفكرةَ عن عالمِ البرزخ وعن موادّ هذا العالم.. فمادةُ هذا العالم مادّةٌ تتناسبُ مع خُصوصيّاته، مع شُؤونه، المادّةُ في عالم البرزخ مادّةٌ في المُستوى البرزخي.
  • فهُناك جنانٌ برزخيّةٌ، نيرانٌ برزخيّةٌ، أجسادٌ برزخيّةٌ، مَقابرُ للأرواحِ برزخيّةٌ.. هُناك عالمٌ فَسيحُ وسيعٌ لهُ مادّتهُ في المُستوى البرزخي.. مِثلما للمادّةِ في عالمنا التُرابي مُستوياتٌ مُختلفة.. فهُناك المادّةُ في المُستوى الأرضي وذكرتُ أمثلةً لمُستوياتٍ مُتفرّعةٍ عن المُستوى الكبير.. المُستوى الكبير للمادّة هو المادّة في المُستوى الأرضي، والمادّةُ في المُستوى الأرضي هي المادّة بخصائصها الإجماليّة العامّة التي تُشكّلُ هذا العالم.
  • ● هناك مِن العلماء مَن يُقدّر المادّة الكونيّة التي هي بين الأجرام عِبْر المَجرّاتِ الهائلة ويقول أنَّ 99% هي مِن مادّة البلازما (مادةٌ مُتأيّنة).. وهو مُستوىً مِن مُستوياتِ المادّةِ في العالم الدُنيوي.
  • عالم البرزخ هُو أيضاً جُزءٌ مِن العالم الدُنيوي.. فإنّي قد حدّثتُكم يوم أمس ما المُراد مِن الدُنيا.. وقُلتُ أنَّ الدُنيا هي السماء الأولى وما دُونها، وعالمُ البرزخ تحتَ هذهِ القُبّة.. فهو تشكيلٌ للمادّةِ بِحَسَب ما تشكّلتْ المادّة في هذا المُستوى مِن مُستويات عالم الدُنيا.. المادّةُ تشكّلْت في العالم الأرضي التُرابي بمُستوىً مِن المُستويات، وبعد ذلك تشقّقتْ تلك المُستويات (الصلابةُ، السيولةُ إلى بقيّةِ المُستوياتِ الأُخرى..) وكثيرٌ مِن المُستوياتِ للمادّةِ في العالم الأرضي لحدّ الآن لم تُكتَشف.. ففي نفس العالم الدنيوي هُناك عالمُ البرزخ مثلما هُناك عالمُ التراب وعالمُ الأرض.
  • المادّةُ الدنيويّةُ الموجودة في عالم البرزخ تتشكّل بشكلٍ وبنظامٍ وبمُستوىً برزخي مِثلما تشكّلت المادّةُ في عالمنا الأرضي.
  • ● حواسّنا بحُدود الطاقةِ الموجودةِ فيها تستطيعُ أن تُدركَ المادّة بحُدودٍ مُعيّنة في عالم الأرض، ولكن لا تَستطيعُ حواسّنا إلّا إذا كُشِفَ لها الغِطاء.. مِثلما قال أميرُ المُؤمنين لِحبّةَ العُرَني.. وقد قرأتُ الروايةَ عليكم مِن الجُزء (3) مِن الكافي الشريف في الحلقةِ الماضية، حينما وقف أميرُ المُؤمنين في وادي السلام يُخاطِبُ الموتى.. وحينما سألهُ حبّة العُرني عن الحال قال له الأمير: لو كُشِفَ لكَ الغطاء لرأيتهم حَلَقاً حَلَقاً مُحتبين يتحدّثون.. يعني لو أنَّ طاقةً إدراكيّةً أُخرى أُضيفتْ إلينا فإنّنا سنستطيعُ أن نتواصل مع المادّة في مُستواها البرزخي.
  • فكما أنّنا لا نستطيعُ أن نتواصلَ مع المادّة في مُستواها النانوي مِن دُون الأجهزةِ والوسائل التي تُعتَمدُ في تقنيّة النانو تكنولوجي.. عِلْم النانو تكنولوجي فيهِ أجهزةٌ وآليّاتٌ ووسائل مِن خِلالها يستطيعُ الإنسان أن يُوصِلَ المادّةَ إلى المُستوى النانوي.. مِن دُون هذهِ الوسائل لا يستطيعُ الإنسان أن يُوصِلَ المادّة إلى مُستواها النانوي.. وكذلك علماء الفيزياء الكموميّة لا يستطيعونَ أن يتواصلوا مع المُستوى الكُمومي أو المُستوى المِقداري للمادّة مِن دُون أجهزةٍ ووسائل وآليّات يستطيعون مِن خلالها أن يتواصلوا مع المُستوى الكُمومي في بُعدهِ الفيزيائي للمادّة.. والأمرُ هُو هُو في بقيّة المُستويات.. فكذلكَ نَحنُ إذا أردنا أن نَتواصل مع المُستوى البرزخي للمادّة لابُدّ أن نمتلك وسائل.. تلك الوسائل هي “كشفُ الغطاء”.

  • سأعرض بين أيديكم مجموعةً مِن الّلقطات، قد تُشكّل ألبوم فيما يرتبطُ بالموضوع لأجل أن أُقرّب لكم الفِكرة عن البرزخ.. وإنّما أقومُ بهذا لأنَّ فَهْم هذا الموضوع سيُعينكم على فَهْم الكثير من آياتِ الكتاب الكريم والكثير مِن أحاديثِ العترة الطاهرة والكثير مِن الأدعيةِ والزيارات التي تقرؤنها.

  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج3] باب 166 – صفحة 242 الحديث (22):
  • (عن هشام بن سالم، قال: قال أبو عبد الله “عليه‌ السلام”: ما مِن أهْل بيتٍ شَعَر ولا وَبَر إلّا ومَلَكُ المَوتِ يتصفَّحُهم في كلّ يوم خمْسَ مرَّات).
  • — قوله: (إلّا ومَلَكُ المَوتِ يتصفَّحُهم في كلّ يوم خمْسَ مرَّات) ربّما هي أوقاتُ الصلاة، فهُناك خمس مرّات يتصفّحُ فيها مَلَكُ الموتِ وُجُوهنا، ولكنّنا لا نشعرُ بذلك لأنّنا لا نَملكُ الوسيلةَ للتواصل مع مَلَكِ الموت، ولكن هُو يتواصلُ معنا.
  • والإمام أشار إلى بيتِ شَعَرٍ وَوَبر باعتبار أنّهم في الصحراء، بعيدون عن الأنظار.. ليس كسُكّان المُدُن المُزدحمة.. فقد يتصوّر مُتصوّر أنّ هؤلاء بعيدون.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج3] في صفحة 245 الحديث (31):
  • (عن جابر الجعفي: عن أبي جعفر “عليه‌ السلام” قال: سألتهُ عن لحظةِ مَلَكِ الموت، قال: أما رأيتَ الناسَ يَكونونَ جُلوساً، فتَعتريهم السكْتة، فما يَتكلّمُ أحدٌ منهم؟ فتِلكَ لحظةُ مَلَكِ الموت حيثُ يلحظهم).
  • هناك لحظةٌ في حياةِ الناسِ تُسمّى بلحظةِ مَلَكِ الموت.. وهذا جُزءٌ مِن الثقافاتِ الدينيّةِ في ديننا وحتّى في الدياناتِ الأُخرى.
  • ملك الموتُ يُتابعنا.. هُناك تواصلٌ فيما بيننا وبينه.. مِثلما قُلت في الحلقاتِ الأولى أنّنا قريبون مِن الجنّةِ عبْر جنّةِ البرزخ، وقريبون مِن نار الآخرةِ عِبْر نار البرزخ.. وفي كثيرِ مِن الأدعية وفي كثيرِ من الرواياتِ فإنَّ الحديثَ عن الجنّةِ المراد منهُ الحديث عن جنان البرزخ لا عن جنان الآخرة.. وفي عديدٍ مِن الآيات الكلام هُو هُو، وكذاك الحديث عن نار البرزخ.
  • — قوله: (فتَعتريهم السكْتة) هذا السكوتُ هُو سكوتُ الرُوح، فإنَّ الرُوح على تَواصلٍ بشكلٍ وبآخر بنحوٍ تكويني.
  • (وقفة توضيح لهذه النقطة).
  • مَقرُّ الطاقةِ الرُوحي بيد مَلَكِ الموت، ومَلَك الموت هُو مَظهرٌ مِن نشآتِ الجلالِ العَلَوي، ولِذلك حِين يَلحظُ مَجالس الناس يَعتريهم السكوت.. إنّها إنعكاساتُ آثارِ جلالِ عليٍّ على هذهِ الأرواح.
  • والرواياتُ حدّثتنا أنَّ الأرواح خُلِقتْ مِن نُور عليٍّ “عليه السلام” حينما فصّلتْ لنا هذهِ الروايات عن خَلْق الكائناتِ وعن مَصادرُ خَلْقها.. فكُلُّ الكائناتِ مَصادرها الأسماء الحُسنى.. ما تجلّى مِن جلالِ عليٍّ في منابع الأسماء الحُسنى منه تجلّتْ الأرواحُ.. والملائكةُ خُلِقتْ مِن نفس هذهِ المنابع.. وما مَلَكُ الموتِ إلّا مَظهرٌ مِن مَظاهرِ الحقيقةِ العَلويّة.. ولِذا حِين يَلحظُ الناس فإنَّ جَلالاً يُهيمنُ على تِلكَ الأرواح.. تِلكَ هي كهربائيّةُ الجلالِ العَلَوي التي تَصِلُ مِن مَلَكِ الموت. مِثلما نقرأ في الروايات أنّكم إذا ذكرتم الخِضْر فسلّموا عليه، لأنّه يمرُّ بالقُربِ منكم.
  • ● وقفة عند مقطع من خُطبةٍ لسيّد الأوصياء في [نهج البلاغة الشريف] وهي الخُطبة 112.. يتحدّث فيها عن مَلَك الموت فيقول:
  • (هل تُحسُّ بهِ إذا دخَلَ منزلاً؟ أم هل تراهُ إذا توفّى أحداً؟ بل كيفَ يتوفّى الجنينَ في بطن أُمّه؟! أَيلِجُ عليه مِن بعْضِ جوارحها؟ أم الرُوح أجابتْهُ بإذن ربها؟ أم هُو ساكنٌ معهُ في أحشائها؟ كيف يصِفُ إلهَهُ مَن يعجزْ عن صِفَةِ مَخلوق مثله؟!).
  • مَلَكُ الموتِ يَدخلُ المنازل لإدارةِ شُؤونِ آجالِ العباد.. مَلَكُ الموتِ لا يَقبضُ الأرواح بنفسه، إنّما يُتابعُ أعوانه.. فأعوانُ مَلَك الموت هُم الذين يُباشرون العَمَل.. مَلَك الموت يُباشِرُ العَمَل بنفسهِ في حالاتٍ استثنائيّةٍ تحدّثتْ عنها الروايات.. ولستُ بصدد الحديث عن مَلَكِ الموتِ هُنا.
  • مَلَكِ الموتِ يدخلُ المنازل لِمُتابعةِ شُؤون عَمَلهِ، ويدخلُ المنازل كي يتصفّحَ الوجوه.. فإنّهُ يتصفّح وُجوهنا كُلّ يومٍ خمس مرّات.. إمّا يتصفّحها بنحوٍ مُباشر، أو أنّهُ يخترقُ الحُجُب الماديّة الأرضيّة، فإنّهُ قادرٌ على اختراقِ تلكَ الحُجُب ولكنّنا لا نشعرُ بمَلَك الموت إذا تصفّح وُجوهنا، لأنّنا مَحكومون بقوانين هذا العالم ومُقيّدون بمُستوياتٍ مُعيّنةٍ للمادّة، ولا نَستطيعُ أن نتجاوزَ مُستوياتِ حواسّنا، ولِذلك لا نَستطيعُ أن نتحسّس أو نتلمّس وُجودَ مَلكِ الموتِ مِن حولنا أو أن نتحسّس آثاره.. ولكن أصحابُ الشأن “صلواتُ اللهِ عليهم” هُم الذين يُحدّثوننا أنَّ مَلَك الموتِ يتصفّحُ وُجوهنا في اليوم خمْس مرّات، وأنَّ ما يُسمّى بلحظةِ مَلَكِ الموت حقيقةٌ.. يستطيعُ الناس أن يتلمّسوها حينما يكون جمْعٌ كبيرٌ مِن الناس في حالةٍ مِن الضوضاءِ والحديثِ والأخذِ والردّ.. وإذا بسكتةٍ تَعتريهم مِن دُون سبب.. فتلكَ لحظةُ مَلَك الموت كما يقول إمامنا الصادق “عليه السلام”.
  • ● هناك كلمةٌ أُضيفها إلى نفس هذه الحزمةِ مِن المعلومات.. أقرؤها عليكم مِن كتاب [الكافي الشريف: ج3] صفحة 237 الحديث (3):
  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنَّ الميّت إذا حَضَرهُ الموت أوثقهُ مَلَكُ الموت – بوثاقٍ نحنُ لا نراه – ولولا ذلك ما استقر).
  • هذا الوثاق قد يكون ماديّاً مِن المُستوى البرزخي، وقد يكونُ ماديّاً ولكن مِن مُستوى الطاقة ولكن في جوٍّ أقربُ ما يكون إلى عالم البرزخ وأبعدُ ما يكون عن عالم الأرض.
  • مَلَك الموت يُوثِق الميّت إذا حضرهُ الموت لأنَّ عمليّةَ الاحتضار وعمليّةَ إزهاقِ الرُوح تُربكُ الإنسان إرباكاً كبيراً وتُحدِثُ تغييراً هائلاً في وضعهِ، ثُمَّ يأتينا هَول المُطّلع، ولِذلك سيحتاجُ إلى ضَغْطةِ قبرٍ هائلةٍ لإعادةِ برمجته.

  • مرَّ علينا في الحلقاتِ المُتقدّمة مِن أنَّ الأغنام والمواشي قد تكون في مَرابضها في مراعيها هادئةً مُستقرّةً.. وفجأةً يُصيبها الذُعر..! وقد ورد عن رسول الله “صلّى الله عليه وآله” هذا المعنى: أنَّ هذا الذُعْر بسبب أنّها سمعتْ صَوتَ هَوي كافرٍ في قعْر جهنّم.. في النيران..! إنّها ضربةٌ ضُرِبَ بها كافرٌ.. وقد بيّنتُ هذا المعنى في الحلقاتِ المُتقدّمة.. هذا الأمرُ يَحدثُ في عالم البرزخ وبحَسَب الحديث نفسهِ فإنَّ الإنسَ والجنَّ لا يسمعانِ هذا الصوت.. أمَّا سائرُ الكائناتِ وسائرُ الحيوانات فتسمعُ صوتَ ضربةِ الكافر وصوت هوي الكافر في قعْر جَحيم البرزخ.

  • هذهِ الصُورةُ تُخبرنا عن قُرْب عالم البرزخ مِنّا.. ولكنَّ حِجاباً رقيقاً يَحول فيما بيننا وبينهُ إلى الحدّ الذي أنَّ الأغنام والمواشي تَسمعُ أصواتَ عالمِ البرزخ.. ومِن هُنا فقد مرَّ علينا في حَلقةِ يوم أمس كيف أنَّ الموتى مِن المؤمنين ومِن الكفّار يُؤذَن لهم أن يَزوروا أهلهم.. لا أعيد التفصيل، ومرّتْ الروايات تُحدّثنا عن زيارةِ هؤلاء المُؤمنين وأنَّ صُوَرهم قد تكون مُتمثّلةً بطائرٍ جميل يقعُ على تلكَ البيوتِ وعلى تلكَ الجُدُر.. وقد تكون وقد تكون.
  • ● إذا ما تصفّحنا ما عندنا مِن خزانةٍ هائلةٍ مِن أحاديث العترة الطاهرة نجد أنَّ هُناك حالات كثيرة قد عاد فيها أمواتٌ مِن عالم البرزخ.. البعض منهم قد عاد بجسمٍ تُرابي أرضي بولاية المعصوم.. والبعض مِن الموتى عاد بجسمٍ برزخيّ.
  • وأُضيفُ إلى هذا أنَّ ما عندنا مِن الرواياتِ والأحاديثِ التي تُخبرنا أنَّ الأعمالَ الصالحةَ التي يَبعثُ بها أهْلُ الدُنيا إلى موتاهم تصِلُ إليهم.. وهذا يعني أنَّ هناك تواصلاً بين عالمينا، وهذا يعني أنَّ سِنخيّةَ عالم البرزخ وإنْ كانتْ لها خُصوصيّاتها فهي في الآخر سِنخيّةٌ مِن عالم الدُنيا.. فإنَّ سنخيّةَ عالم البرزخ هي مِن سِنخيّة الحقائق الدنيويّة.. لأنَّ عالم البرزخ عالمٌ دنيوي.. ولِذا نُطلِقُ على جنان البرزخ أنّها جنانُ الدُنيا.. ونُطلِقُ على نيران البرزخ أنّها نيران الدُنيا.. فعالمُ البرزخ عالمٌ دنيويٌّ، ولِذا نحنُ نتواصلُ مع سُكّانهِ وقُطانه.. فإنّنا حين نُهدي الأعمال الصالحة إلى سُكّان ذلك العالم فإنَّ تلكَ الأعمال الصالحة تصِلُ إليهم وتُفرحُهم وتُحدِثُ تغييراً في حياتهم في عالم البرزخ.. إلى الحدّ الذي وردَ في الرواياتِ الشريفة أنَّ الولدَ البار بوالديهِ يُمكن أن يكونَ عاقّاً بعد وفاتهما.. لأنّه كان بارّاً بهما في حياتهما ولكنّهما حين ماتا ترك التواصل معهما، وبسبب تركه للتواصل معهما فإنّه سيُكتبُ عاقّاً.
  • وعندنا في الرواياتِ أيضاً أنَّ الولد العاقّ لوالديهِ في حياتهما يُمكن أن يكونَ بارّاً بعد وفاتهما بسبب تواصلهِ معهما.
  • ● فمِثلما تصِلُ أعمالُنا الصالحة إلى مَن نُحبّ في عالم البرزخ، فنُفرحهم وقد نُغيّر حياتهم وقد نُؤثّر تأثيراً كبيراً في مَصيرهم.. فإنّنا قد نكون بارّين بآبائنا وأُمّهاتنا في حياتهم، ولكن بسبب عدم تواصلنا معهم بعد وفاتهم قد نتحوّل إلى عاقّين.. والعكسُ صحيحٌ أيضاً.
  • فهذهِ الصُورة تُحدّثنا عن أنّنا قادرون على أن نتواصلَ مع عالمِ البرزخ لأنَّ سنخيّة عالمنا الأرضي وسِنخيّة العالم البرزخي وإنْ اختلفت، ولكن في النهاية عالمنا دنيويٌّ وعالمُ البرزخ هو عالمٌ دنيويٌّ أيضاً.
  • ● نحن نقرأ في الروايات التي تتحدّث عن فضْل زيارة الحُسين وفضْل زائر الحُسين أنَّ زائر الحُسين إذا ما تعرَّق (عرقةً) في طَريق الزيارة، أو بسبب الزحام في الزيارة في الحرم الحُسيني فإنَّ الله يَخلقُ مِن كُلّ عرقةٍ يتعرّقها زائر الحُسين يخلقُ سبعين ألف ملك يُسبّحون الله ويستغفرون لذلكَ الزائر ولزوّار الحُسين إلى قيام الساعة! فكيف أستطيعُ أن أتعامل مع هذهِ الصُورة..؟! ويُوجد كثيرٌ كثيرٌ منها في ثقافة الكتاب والعترة.
  • العَرَق ماءٌ مالحٌ يتقذّر منهُ الإنسان، ورائحتهُ ليستْ طيّبة والإنسان إذا ما انتشرَ العَرَقُ في ثيابهِ فإنّه سيُحاول أن يُعيد غسلها، وأن يستخدم المعطّرات للهروب من رائحة العَرَق الكريهة.. ولكن هكذا تقول الأحاديث أنَّ (عَرْقةَ) زائر الحُسين في جوّ الزيارة هكذا أثرها.
  • ● وبالمثل تُراب الحُسين.. فإنّهُ تراب، ولكنَّ السُجودَ عليه يَخرقُ الحُجُب السبع التي بعد العَرش والتي لا يستطيعُ عُظماءُ الأنبياء أن يَخرقوا واحداً منها إلّا إذا أعانهم عليٌّ “عليه السلام”.
  • هذهِ الحقائق مِن حولنا ولكنّنا لا نتواصلُ معها لأنّنا نَعيشُ مع مُستوياتٍ للمادّةِ لا نستطيعُ أن نتجاوزها.
  • أحاديثُ المعراج “مِعراج نبيّنا صلّى الله عليه وآله”.. في أحاديثِ المعراج هُناك مِن الروايات وهُناك مِن التفاصيل ما جاءَ منقولاً عن رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” يُحدّثنا عن الجنان وما فيها وعن النيران وما فيها.. وأحاديثُ المعراج كثيرةٌ، منها رواياتٌ مُفصّلةٌ جدّاً تُخبرنا عن المعراج مِن أوّلهِ إلى آخرهِ، قَطْعاً بنحوٍ إجمالي.. وقَطْعاً بلسان المُداراة وهُناك أحاديث كثيرة، كُلّ حديثٍ ينقلُ لنا لقطةً مُعيّنة أو ينقلُ لنا مجموعةً مِن الّلقطات، وفي طَوايا كُلّ ذلك هناك صُوَر عن الجنان وأهل الجنان، وهُناك صُوَر عن النيران وأهل النيران.
  • البعضُ مِن هذه الصُوَر وخُصوصاً الصُوَر التي تتحدّثُ عن أُناسٍ يتنعمّون في الجنّة بسبب كذا وكذا، وعن أناسٍ يتعذّبون في النار بسبب كذا وكذا.. هذهِ صُوَرٌ منقولةٌ عن الجنان البرزخيّة وعن النيران البرزخيّة.. فجنانُ الآخرة ونيران الآخرة لم يدخل إليها أحد إلّا بشكلٍ خاصّ واستثناءاتٍ معيّنةٍ مِن الأنبياء والأولياء.. وهذا الأمرُ فصّلتهُ الرواياتُ والأحاديث.
  • كلامي عمّا جاءَ في أحاديث المعراج.. فهُناك جانبٌ مِن الرواياتِ والأحاديثِ والصُوَرِ التي أخبرتنا عن الجنّةِ وما فيها مِن الناس وعن نعيمهم ولماذا هُم تنعمّوا بهذا النعيم.. وكذلك بالنسبةِ للنيران وماذا فيها وعن ناسها ولِماذا عُذّبوا وماذا فعلوا..
  • هذهِ الصُوَر في الأعمّ الأغلب هي صُوَرٌ مِن الجنان البرزخيّة ومِن النيران البرزخيّة.. وهذا ما قُلتهُ قبل قليل مِن أنَّ فَهْمنا لِما يجري في البرزخ سيُعيننا على فَهْم جهاتٍ كثيرةٍ في ثقافة الكتاب والعترة.. وهُناك صُوَرٌ نُقلتْ عن رسول الله عن جنان الآخرة وعن جهنّم الآخرة، وتلكَ الصُوَر هي إخبارٌ مِن عِلمهِ المُحيط “صلّى الله عليه وآله” وليس مِن حالة دخولِ أناسٍ جنّةَ الآخرة أو دُخولهم إلى نار الآخرة.. إنّما دخَلَ الناسُ في جنان البرزخ وفي نيران البرزخ.

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …