دليلُ المسافر – الحلقة ١٢ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الإثنين 14 شهر رمضان 1440هـ الموافق 20 / 5 / 2019م

  • الكلامُ لا زالَ مُتواصلاً في مَحطاتِ طَريقنا الطَويل.. مَحطّةُ الاحتضار، مَحطَّةُ زُهوقُ الرُوح، مَحطّةُ هَول المُطّلَع، المحطّةُ الرابعة: محطّةُ القَبر، إنّها عالَمُ القَبر، عالَمُ الموت، عالَمُ البرزخ، وفي هذهِ المحطّة هناك عناوينُ عدّة:

  • (وحْشةُ القَبر، ضَغْطةُ القَبر، مُسائلة القَبر، وبعد ذلكَ البرزخ وهُو العالَمُ الوسيعُ الفسيحُ الذي يكونُ مُوازياً لِعالمنا التُرابي الأرضي الذي نَقطنُ فيه).
  • هذهِ الحلقةُ هي الجُزءُ الثالثُ مِن حديثي في أجواءِ عالَمِ البرزخ.
  • ● في الحلقةِ الماضية عَرضتُ بين أيديكم حُزمةً مِن الّلقطاتِ والصُوَر التي تَدورُ مَضامينُها فيما يَرتبطُ بشُؤوناتِ عالَم البرزخ، ووصلَ الكلامُ بي إلى أحاديثِ المِعراج، مِعراجُ نبيّنا الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله” وقُلتُ وبشكلٍ مُوجزٍ أنَّ الأحاديثَ التي بينَ أيدينا فيما يَرتبطُ بمِعراج سيّد الكائنات هُناكَ أحاديثُ مُفصَّلة تَحكي لنا – كما يبدو – تفاصيل المِعراج مِن أوّلهِ إلى آخره.. قَطْعاً بالإيجاز ووفقاً لقانون المُدارة.
  • مع ملاحظةِ أنَّ الأحاديثَ الطويلةَ تَكونُ صَعِبةَ الحِفْظِ والضبطِ على الحُفّاظِ ونَقَلةِ الحديث.. وهُناك رواياتٌ وفيرةٌ في كُتُبنا تُمثّلُ مَقاطِعاً مِن مِعراج النبيّ، وقَطْعاً نُقِلتْ لنا بحَسَب قانون المُداراة.
  • وبيّنتُ أنَّ الصُوَر التي تَحدَّثتْ عن جنانٍ وعن أُناسٍ في تِلكَ الجنان يُتنعَّمون فيها بسبب كذا وكذا، وعن نيران فيها أُناسٌ يُعذّبون.. قُلتُ أنَّ بعْضَ هذهِ الروايات وبَعْض هذهِ الصُوَر تُحدّثنا عن جنانٍ يتنعّم فيها أُناسٌ بفِعْلِ كذا وكذا، وعن نيرانٍ يتعذّبُ فيها أُناسٌ بفِعْل كذا وكذا.. في الأعمّ الأغلب فإنَّ الحديثَ عن جنان البرزخ وعن نيران البرزخ.
  • ربّما هُناك صُوَرٌ نُقلتْ لنا لا على أساسِ أنَّ أناساً فِعْلاً في جنانِ الآخرةِ أو أن أُناساً فِعْلاً في نيران الآخرة، وإنّما هُو العِلْمُ المُحيطُ للنبيّ الأعظم “صلَّى اللهُ عليه وآله”.. عِلْمُهُ الإحاطي يَجعلُ حقائقَ الأشياءِ حاضرةً في عِلْمهِ.. ونَحْنُ لا نَعرفُ أسرار عِلْمهِ.
  • نَحنُ لا نَعرفُ كُنْه عِلْمنا نَحن.. فالتعاريفُ التي عندنا هي تعاريفٌ لآثار العِلْم.. التعاريفُ تعاريف قريبةٌ مِن حقيقةِ العِلْم، أمَّا ما هُو كُنْهُ العِلْم فنَحنُ لا نَعرفهُ بالضبط، فنَحنُ لا نَعرفُ كُنْهُ عِلْمنا الذي ما هُو بعِلْم أساساً إذا ما أردنا أن نُقايسَهُ لا معَ عِلْمِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد.. وإنّما معَ عِلْم المَلائكةِ العِظام، الملائكةِ الكبار، الملائكةِ الكرّوبيّون، الملائكةُ الذين هُم حَمَلةُ العَرش.. نَحنُ لا نَستطيعُ أن نُقايسَ عِلْمنا بِعِلْم هؤلاءِ بأيّ وجْهٍ مِن الوجوه.. فنَحنُ لا نُدركُ كُنْهَ عِلْمنا وإنّما نُدركُ آثارهُ ونُدركُ مَعانٍ تُقاربُ الحقيقةَ مِن بعيد.
  • فلا نَستطيعُ أن نقايسَ بين عِلْمنا وبينَ عِلْم الملائكةِ العِظام.. فأينَ نَحنُ مِن أن نَتحدَّث عن عِلْم مُحمَّدٍ الأعظم الأعظم الأعظم الأعزّ الأجلّ الأكرم..؟! فأنّى لنا بالحديثِ عن تلكم الحقيقة.
  • أعودُ وأقول: بأنَّ ما عندنا مِن الأحاديثِ فيما يَرتبطُ بالجنانِ والنيرانِ وما يَجري فيهما في الأعمّ الأغلب الذي جاءَ في أحاديثِ المِعراج هُو حديثٌ عن جنان البرزخ وعن نيران البرزخ.. باعتبار أنَّ الناس بعد مَوتهم وبعد المُسائلة في قُبورهم، البعضُ مِنهم يذهبُ إلى جنان البرزخ والبعض منهم يذهبُ إلى نيرانِ البرزخ، وهُناكَ مَن ينام، وهناكَ مَن تُقبَرُ رُوحهُ إمّا في قَبْرٍ جناني وإمّا في قَبْرٍ نيراني.. وهذهِ التفاصيلُ واضحةٌ في كلماتهم، ومرَّتْ علينا في الحلقاتِ المُتقدّمة.
  • ● ما أريدُ أن أُضيفَهُ هُنا هُو أنَّ مِعراج النبيّ الذي يَكثرُ الحديثُ عنهُ.. إنّهُ معراجٌ واحد وما هُو بأعلى مَعارجهِ شأناً، إنّهُ مِعراجٌ يَرتبطُ شأنهُ بنا، ولِذا في هذا المِعراج شُرّعتْ الصلاة.. فمُحمّدٌ بِذاتهِ بما هُو هُو ليس بحاجةٍ إلى صَلاةٍ لأنّهُ هُو حقيقةُ الصلاة.. فلا يَحتاجُ إلى صلاة، وحقيقةُ صَلاتنا مُتقوّمةٌ بذكْرهِ.. فإنَّ صَلاتنا إنْ كانَ فيها مِن نُوريّةٍ فحَقيقةُ وجَوهرُ تلكَ النُوريّةِ هي مِن نُوريّة مُحمَّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله”.
  • في مِعراجهِ الذي تُحدّثنا الرواياتُ عنهُ شُرّعتْ الصلاةُ وبُيّنتْ الكثيرُ مِن الحقائق التي تَرتبطُ بعَالمنا الأرضي، بديننا نَحنُ.. ففي الحقيقةِ هذا المِعراجُ شأنُهُ يَرتبطُ بنا، لا بمُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله”.
  • مَعارجُ مُحمَّدٍ لا حُدود لها ولا حَصْر.. على سبيل المِثال، وهُو مُجرّدُ مِثالٍ تقريبي.. أمَّا القضيّةُ فهي أعمقُ وأكبرُ مِن ذلك.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [الخصال] للشيخ الصدوق – صفحة 660 الحديث (3) في أبواب الواحد إلى المئة:
  • (عن صباح المزني، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: عرج النبيُّ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” مائة وعشرين مرّة، ما مِن مرّة إلّا وقد أوصى اللهُ عزَّ وجلَّ فيها النبيّ “صلَّى اللهُ عليه وآله” بالولاية لعلي والأئمة “عليهم السلام” أكثر ممّا أوصاه بالفرائض).
  • وحتّى هذا البيان هُو بيانٌ مُداراتي.. فماذا يَصنعُ الصادقُ مع أمثالنا ولا وجْهَ للمُقايسة بينَ ولايةِ عليٍّ والفرائض.. والقُرآن صَريحٌ وواضحٌ في ذلك.. كما في الآية 67 من سُورة المائدة: {وإنْ لم تفعلْ فما بلّغتَ رسالته..}.. أيُّ قيمةٍ للفرائضِ أمامَ مضمونِ هذهِ الآية..؟! ولكن ماذا يَصنعُ أئمتنا..؟! ومعَ كُلّ هذهِ المُداراة يأتي مراجعُ وعُلماء الشيعةِ كي يُضعّفوا أحاديثَ العترة وينقضوا معارفهم نقضا..!!
  • فمَعارجُ النبيِّ لا حُدودَ لها.. والروايةُ تحدّثتْ عن جانبٍ مِن الحقيقة وِفْقاً لقانون المُدارة.. مَعارجُ النبيّ لا حدَّ لها ولا حَصْر، بل القضيّةُ أعلى شأناً مِن ذلك.. مُحمّدٌ “صلَّى اللهُ عليه وآله” هو مِعراجُ المعارج.. كُلُّ المعارج إنّما تعرجُ إلى اللهِ مِن خلاله.. فمُحمّدٌ لا يَعرج، مُحمّدٌ هُو مِعراجُ المعارج.. فكُلُّ المعارج تعرجُ مِن خلالِ مُحمّدٍ وبمُحمّدٍ “صلّى الله علبه وآله”.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج8] الحديث (28) وهو منقولٌ عن الشيخ الطوسي:

  • (عن عبد الله بن عجلان السكوني قال: سمعتُ أبا جعفر الباقر “عليه السلام” يقول: بيتُ عليّ وفاطمة حُجرةُ رسول الله – الحديث هُنا ليسَ عن حُجرةٍ فيزيائيّة-وسَقْف بيتهم عرشُ ربّ العالمين، وفي قعر بيوتهم فُرجة مكشوطةٌ إلى العرش – إنّها – مِعراجُ الوحي والملائكة، والملائكةُ تنزّلُ عليهم بالوحي صباحاً ومساءً وكلَّ ساعةٍ وطرْفة عين، والملائكة لا ينقطعُ فوجهم، فوجٌ ينزل وفوجٌ يصعد).
  • هذهِ معارجُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. والمِعراجُ الأكبر هُو مُحمّدٌ “صلَّى اللهُ عليه وآله”.. هذهِ آثارٌ مِن آثارِ معارج مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ “عليهم السلام”.
  • ● إلى أن تقول الرواية:
  • (وكانوا يُبصرون العَرش ولا يَجدون لبُيوتهم سُقُفاً غيرَ العَرش، فَبُيوتهم مُسقَّفةٌ بعَرش الرحمن، ومَعارجُ الملائكةِ والرُوح فَوجٌ بعد فوج لا انقطاعَ لهم وما مِن بيتٍ مِن بُيوت الأئمةِ مِنّا إلّا وفيه مِعراج الملائكة).
  • ● قوله: (ومَعارجُ الملائكةِ والرُوح فَوجٌ بعد فوج لا انقطاعَ لهم) الرُوحُ خَلْقٌ عظيمٌ.. إنّهُ مِن مَظاهرِ الحقيقةِ الفاطميّة، ولِذا جاءَ في الرواياتِ أنَّ الرُوح الذي ذُكِرَ في سُورة القَدْر هُو فاطمة.. مَظهرٌ مِن مظاهر الحقيقةِ الفاطميّة.
  • ● قوله: (فَبُيوتهم مُسقَّفةٌ بعَرش الرحمن) هذهِ بيوتهم.. إنّني أتحدّثُ عن بيوتِ الحقائق، وبيوتُ الحقائق في عالمِ الحقائق مِن آثارهم مِثلما بيوتُ الطين في عالمِ الطينِ مِن آثارهم أيضاً.. فبيُوتُهم الحقائقيّةُ في عالمِ الحقائقِ هي مِن آثارهم أيضاً.
  • بيوتُهم التي سَقْفُها عَرشُ ربِّ العالمين ولا يَجدون لبيوتُهِم سُقُفاً غير عَرْش الرحمن.. هذهِ هي مَعارجُ الحقائق والوجود.
  • فمُحمّدٌ لا يُحْصَرُ بهذا المعراج الوحيد الذي حدّثونا عنهُ وحدّثونا بلسانِ المُداراة، وإنّما أخبرونا عن هذا المعراج لأنّهُ يرتبطُ بشُؤوننا وأحوالنا.. ديننا شُرّع في هذا المعراج، ولذا أخبرونا عن بعض صُورَ هذا المعراج، ومِن جملةِ ما أخبرونا هو أنّهم أخبرونا عن جنانِ البرزخِ وما فيها وعن نيرانِ البرزخِ وما فيها.. وحدَّثونا شيئاً ما عن جنان الآخرة عن نيران الآخرة، ولكنَّ أكثرَ الحديثِ عن جنان البرزخ وعن نيران البرزخ.. لأنَّ جنان الآخرةِ لا يُوجَدُ فيها مِن الناس، ولأنَّ نيرانَ الآخرةِ لا يُوجَدُ فيها مِن الناس.. إنّما الناسُ بعد مَوتهم يذهبون إلى جنان البرزخِ وإلى نيرانِ البرزخ.. وأعتقدُ أنَّ الصُورةَ باتتْ واضحة.

  • وقفة عند هذا المقطع مِن زيارة الحُسين المُطلقةِ الأولى في كتاب [مفاتيح الجنان].. نحنُ نُخاطبُ الحُسين في هذهِ الزيارةِ بهذه العبارات:

  • (أشهدُ أنَّ دَمَكَ سكنَ في الخُلد، واقشعرّتْ لهُ أظلّة العَرش، وبكى لَهُ جميعُ الخلائق، وبكتْ لهُ السماوات السبع، والأرضونَ السبع، وما فيهنَّ وما بينهُنَّ، ومَن يتقلَّب في الجنّة والنار مِن خَلْق ربّنا وما يُرى وما لايُرى).
  • الّلقطةُ التي أُريدُ الإشارةَ إليها هُنا هي قولُ الزيارة: (ومَن يتقلَّب في الجنّة والنار مِن خَلْق ربّنا) الحديثُ هُنا عن الجنانِ بكُلّ أنواعها.. عن جنانِ الآخرةِ ونيرانها، وعن جنان البرزخ ونيرانها.
  • أمَّا بالنسبةِ لِجنانِ البرزخ ونيراِنِ البرزخِ فإنَّ الآدميّين يتقلّبون فيها مِن الذين دخلوا إلى الجنان أو مِن الذين دَخَلوا إلى النيرانِ بعْدَ المُسائلة.
  • الذينَ يدخلونَ إلى جنانِ البرزخِ هُم قِسْمٌ مِن الذين يأتون عِبْر المُسائلة.. وكذلكَ الذين يَدخلون إلى النيران.. فَمَن دَخَل جنانَ البرزخ ومَن دخَلَ نيران البرزخ هؤلاء هُم الذين يتقلّبون في تلكَ الجنانِ وفي تلكَ النيران.. قَطْعاً مع مَن هُم في مَقامِ الخِدمةِ وإدارةِ شُؤونِ الجنانِ والنيران مِن الملائكةِ ومِن السُكّان الجنانيّين في تلكَ الجنان أو في النيران.. وكذا الكلامُ فيما يرتبطُ بجنانِ الآخرةِ ونيران الآخرة.
  • ففي الجنان الملائكةُ، وفي الجنانِ الحُورُ العين، وفي الجنان الولدان المُخلّدون، وحتّى في الجنان البرزخيّة هؤلاء الجنانيّون مَوجودون ولكن بِحَسَب قوانين البرزخ.. وأمَّا في النيرانِ فهُناك الملائكةُ الغِلاظُ الشداد، وهُناك أعوانُ مالك خازنُ النيران وأعدادُهُم هائلةٌ جدّاً، وهُناك أيضاً في النيرانِ زبانيّةُ النار.. هُناك مَخلوقاتٌ جهنّميّة.
  • هذهِ الرواياتُ التي حدَّثتنا عن عقارب عن أفاعي عن صُوَرٍ نُقِلتْ إلينا تُحدّثنا عن كائناتٍ تَسكنُ النيران.. تِلكَ كائناتٌ جهنّميّةٌ موجودةٌ.
  • ● أعودُ إلى زيارةِ سيّد الشُهداء.. قول الزيارة: (ومَن يتقلَّب في الجنّة والنار مِن خَلْق ربّنا) أي مِن الباكين عليكَ يا أبا عبد الله، أُولئكَ الذين يَتقلّبون في الجنّةِ والنارِ مِن خَلْقِ ربّنا.
  • في جنان الآخرة سُكّانها وخُزّانها، والخزّان هُم الملائكةُ المسؤولون عن إدارة تلكَ الجنان.. إنّها منظومةُ رضوان، فرضوان هُو خازنُ الجنان وهُو حارسُها ومُديرُ تلكَ الأفواج التي لا يعلمُ عددها إلّا مُحمّدٌ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.
  • فسُكّانُ الجنانِ وسُكّان النيران هُم الذين يتقلّبون في الجنانِ والنيران.. معَ مُلاحظةِ أنَّ سُكّان النيران مِن الملائكةِ الغلاظِ الشِداد، مِن الملائكةِ الزبانيّة، مِن الأعوانِ لمالك خازن النيران وسائر المخلوقاتِ الجهنّميّة الأخرى أولئك نعيمُهم في وُجودهم هناك.. ولتقريب الصُورةِ أقول:
  • نحنُ عندنا في بعض الروايات أنَّ الأنبياء لهم معارج، وكُلُّ نبيٍّ لهُ مِعراجهُ الذي يُناسبهُ.. أمّا سيّدُ المعارج ومِعراجُ المعارج فذلكَ مُحمَّد “صلَّى الله عليه وآله” ولا شأنَ لنا بالحديثِ عنهُ في هذهِ الجهة.
  • على سبيل المِثال: يُونس – إنّهُ النبيُّ ذُو النون – مِعراجهُ كانَ في بطن الحوت كما تقول بعض الروايات.
  • فمِثلما كان مِعراج يُونس في بطن الحوت فإنَّ نعيمَ ملائكةِ النيران في وُجودهم في النيران.. زبانيّةُ جهنّم نعيمُهم هُناك.. كُلٌّ بِحَسَبه.. لأنَّ اللهَ قد أعدَّهُم وَهيَّئهم وخَلَقهم لِذلك وكُلٌّ مُيسّرٌ لِما خُلِقَ له.
  • ● ويتّضحُ المعنى جليّاً حينما نقرأُ زيارة الناحيةِ المُقدّسة وهي زيارةٌ وردتْ مِن إمامِ زماننا نزورُ بها سيّد الشُهداء في يوم عاشوراء… ممّا جاء في هذهِ الزيارة الشريفة، ونحنُ نُخاطِبُ سيّد الشُهداء “عليه السلام”:
  • (واختلفتْ جنودُ الملائكةُ المُقرّبين تُعزّي أباكَ أمير المُؤمنين، وأقيمتْ لكَ المآتم في أعلى عليّين، ولطمتْ عليكَ الحُور العين، وبكتْ السماء وسُكّانها والجِنان وخُزّانها، والهضابُ وأقطارها، والبحارُ وحيتانُها، والجنانُ وولدانها…).
  • ● قوله: (واختلفتْ جنودُ الملائكةُ المُقرّبين تُعزّي أباكَ أمير المُؤمنين) هذا الكلامُ ليسَ كلاماً مَجازيّاً ولا نَحنُ نَتحدَّثُ عن عالمٍ برزخي.. أميرُ المُؤمنين “عليه السلام” حقيقةٌ مَوجودةٌ في عالمنا هذا ولكنّنا لا نَراها، وليستْ حقيقتهُ حقيقةً برزخيّة.
  • ● قوله: (وأقيمتْ لكَ المآتم في أعلى عليّين) أي في السماواتِ العُلى.. وأعلى عليّين عالمٌ يتمازجُ مع الجنان الأُخرويّة ويسمو عليها.
  • هُناك في الجنان مقامٌ هُو مقامُ عليّين، وهُناك مَقامٌ آخر هُو أعلى عليّين.. وهذهِ المنازلُ هي عناوينُ لعالمٍ كبيرٍ جدّاً يتمازجُ مع الجنان وهُو أعلى مِن الجنان في بعض نشآته.. تلكَ هي نشآتٌ في فناءِ جنّاتِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمّد.. جنّاتهم الخاصّةُ بهم “عليهم السلام”.
  • ● (وأقيمتْ لكَ المآتم في أعلى عليّين، ولطمتْ عليكَ الحُور العين) الحديثُ هُنا عن سُكّان جنانِ الآخرة باعتبارِ أنَّ أعلى عليّين لا علاقةَ لهُ بعالمِ البرزخ.. قد تكونُ صُورةٌ رمزيّةٌ في جنان البرزخ، ولكن أعلى عليّين عالمٌ أعلى بكثيرٍ مِن جنانِ الآخرة.. إنّها أفنيةُ جنانِ آلِ مُحمّد “عليهم السلام”.. إنّها في أفنيةِ جنانهم الخاصّةِ بهم “عليهم السلام”.
  • ● قوله: (وبكتْ السماء وسُكّانها والجِنان وخُزّانها) المُراد هُنا هي الجنان الأُخرويّة، وذُكِرَ الخُزّانُ هُنا باعتبار أنَّ الجنان الأُخرويّة ليسَ فيها سُكّان لا مِن الإنس ولا مِن الجنّ.. وإنّما خُزّانُها هُم الذين يقطنون فيها ويُشرفون عليها.
  • وأمّا قول الزيارة: (والهضابُ وأقطارها، والبحارُ وحيتانُها، والجنانُ وولدانها) الجنان هُنا هي الجنان البرزخيّة.. فوردَ ذِكْرُ الجنان مرّتين.. مرّةً في سياق العلو حين تقول الزيارة: (وأقيمتْ لكَ المآتم في أعلى عليّين، ولطمتْ عليكَ الحُور العين، وبكتْ السماء وسُكّانها والجِنان وخُزّانها) ثُمَّ انتقلنا إلى الجهةِ الأسفل: (والهضابُ وأقطارها، والبحارُ وحيتانُها، والجنانُ وولدانها) حديثٌ عن الجنان البرزخيّة.
  • ● القُدرةُ الإدراكيّةُ عند الإنسان آفاقها مُتعدّدة.. نَحنُ نُدرِكُ بعضَ الأشياءِ بحواسّنا، ودائماً يكونُ الحديثُ عن الحواسّ الخمسةِ التي تَعرفونها.. خَمْسُ حواسٍّ هي التي يكثرُ الحديث عنها وهي من المصادر المُهمّةِ لِمساحةٍ كبيرةٍ مِن مُدركاتنا.. وقد يذهبُ عن الإنسانِ أنّهُ يملكُ حواسّاً كثيرةً.. فإحساسُنا بالزمانِ هو حاسّةٌ لا علاقة لها بهذهِ الحواسّ الخمسة.. وإحساسنا بالمكان كذلك، وإحساسُنا بأنَّ هذا الشيء أثقل مِن هذا.. فهناك حواسٌّ كثيرةٌ عند الإنسان.
  • وهُناكَ كذلكَ الجانبُ الوجداني عند الإنسان.. وهُو الجانب الذي مِن خلالهِ نُدرِكُ المُدرَكات الوجدانيّة منها: المشاعرُ، العواطفُ، الألمُ، الّلذةُ في جانبها المعنوي، التعجّبُ.
  • وهُناكَ المُدركاتُ العِلميّة المُجرَّدةُ التي نُدرِكها بعُقولنا.. فمِن طَريق العَقل تأتينا مُدركات، مِن طَريق الوجدان تأتينا مُدركات، وكذلك مِن طريق الحواسّ بغضّ النظر عن هذهِ الحواسّ التي نعرفها فإنّنا نمتلكُ حواسّاً أُخرى.
  • وهُناك مَعلوماتٌ مُختزنةٌ في فِطْرة الإنسان.. مع مرور الوقتِ والتجارب ولأسبابٍ مُختلفةٍ قد تتفتّقُ هذهِ المعلومات وتظهر.. (وأنا لا أتحدّث هُنا عن مفهوم الإشراق الفلسفي، ولكنّني أفهمهُ وفقاً لِما جاء في كتاب مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد وحديث مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. ولا شأن لي بما قالهُ فلاسفةُ الإغريق أو الصُوفيّة أو العرفانيّون).
  • وهُناك القدرةُ الحَدَسيّة عند الإنسان وهذهِ تختلفُ مِن شخصٍ إلى آخر.
  • وهُناك ما هُو أبعد وأعمق وهي “البصيرة”.. البصيرةُ تخترقُ الحواجز الماديّة، وهذهِ البصيرة قد يكتسبُها الإنسانُ بسبب صفائهِ الإيماني، وحينئذٍ تكون لها خُصوصيّاتها التي تمتازُ بها.. وتارةً ينالُ الإنسان هذهِ البصيرة بعيداً عن الإيمان، ينالها عِبْر الصفاء التكويني.. ولكن سِنخيّة هذهِ البصيرة تختلف عن سنخيّة البصيرة المُتولّدة من الصفاء الإيماني.. فهُناك صفاءٌ إيماني وهُناك صفاءٌ تكويني.
  • الصفاء الإيماني ينشأ مِن العقيدة الصافية وأنا أتحدّثُ هُنا عن العقيدةِ الحقيقيّة، وتلكَ العقائدُ الحقيقيّة لا تُنالُ مِن خلالِ القراءةِ والحفظِ للنصوص والمعلومات.. قطعاً يجبُ علينا أن نقرأ، يجبُ علينا أن ندرس، يجبُ علينا أن نتعلّم، يجبُ علينا أن نُفكّر، يجبُ علينا أن نتدبّر، يجبُ علينا أن نتفهّم.
  • (ألا لا خير في عِلْمٍ ليس فيه تفهُّم، ألا لا خيرَ في قراءةٍ ليس فيها تدبُّر، ألا لا خيرَ في عبادةٍ ليس فيها تفكُّر..) كما يقولُ سيّد الأوصياء “عليه السلام”.
  • والعبادةُ أيضاً مَصدر مِن مَصادر العِلْم إذا كانتْ تلكَ العبادةُ عبادةً حقيقيّة.. فما مِن عبدٍ أخلصَ للهِ أربعينَ صباحاً إلّا وتفجّرتْ ينابيعُ الحكمة مِن قلبهِ على لسانه.. وأنا لا أُريد أن أخوضَ بكم في هذا المِضمار.. فهذا مِضمارٌ واسعٌ ومُضطرد.
  • ● البصيرةُ قُدرةُ إدراكٍ عند الإنسان يستطيعُ مِن خلالها أن يتجاوزَ العالم الترابي فيُمكنهُ أن يرى ما لا يراه الترابيّون ممّن لا يملكونَ تلك البصيرة.. وهُو ترابيٌّ أيضاً، ولكنّهُ بتلك البصيرة يستطيع أن يتجاوزَ الحدود والحواجز.. يُمكنهُ أن يتواصلَ مع عالم البرزخ.. وقطعاً كُلُّ بِحَسَبه.
  • عالمُ البصيرةِ عالمٌ واسعٌ، وفي هذا العالم هُناك مِن المراتب والعُلوم والتخصّصات هناك الشيءُ الكثير.. والبصيرةُ بصيرتان:
  • بصيرةٌ مرّدها إلى الصفاء الإيماني: ومِثالها (كان سلمانُ مُحدّثاً) أي مُحدّثاً عن إمامهِ.. هذهِ البصيرة التي مِن مظاهرها ما أشرتُ إليهِ قبل قليل: (مَن أخلصَ للهِ أربعينَ صباحاً تفجّرتْ ينابيعُ الحكمة مِن قلبهِ على لسانه) أو (مَن زهِدَ في عزّ الدُنيا وفَضَّل ذُلّها على عِزّها في جِوار مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد فإنَّ الروايات تقول أنَّ اللهَ يهديه مِن غير هداية – أي مِن غير مُسبّب لِهدايته – ويُعلّمهُ مِن غير تعليم – أي مِن غير مُعلّم -).
  • هذا هُو المراد مِن كلام الأئمة “صلواتُ اللهِ عليهم”.. إنّها أجواءُ البصيرة التي أصْلُها وأساسُها الصفاءُ الإيماني.. والصفاءُ الإيماني لا يتحقّقُ مِن دُون التواصل مع إمامِ زماننا.. فإنَّ مَصدرُ الإيمان ومَنبعهُ ومَعدنهُ وجوهرهُ تحتَ تُراب نعْل إمامِ زماننا.. مِن هُنا يأتي الإيمان.
  • وهُناك بَصيرةٌ مَردَّها إلى الصفاء التكويني: وهُو الصفاء الذي يَنشأ عند بعض المُرتاضين الذين يُمارسون الرياضاتِ الباطنيّة العميقةِ جدّاً.. كالمُرتاضين الهندوس مثلاً.

  • وقفة عند هذا المقطع مِن مُناجاة العارفين والذي يتحدّث عن أولياء عليٍّ الحقيقيّين الذي عرفوا عليّاً بالمعرفةِ النَورانيّة.. ممّا جاء فيها:

  • (وفي رياض القُرب والمكاشفةِ يرتعون، ومِن حياض المَحبّةِ بكأسِ المُلاطفةِ يكرعون، وشرايعَ المُصافاة يَرِدون، قد كُشِفَ الغِطاءُ عن أبصارهم، وانجلت ظُلمة الرَيب عن عَقائدهم وضمائرهم، وانتفتْ مُخالجةُ الشكّ عن قُلُوبهم وسرائرهم، وانشرحتْ بتحقيق المعرفة صدورهم، وعلتْ لِسبق السعادةِ في الزهادة هِمَمُهم، وعذُبَ في مَعين المُعاملةِ شِربهم، وطابَ في مَجلس الإنس سِرّهم).
  • ● قولهِ: (قد كُشِفَ الغِطاءُ عن أبصارهم) هُنا الحديثُ عن البصيرة التي أساسُها الصفاء الإيماني.
  • فأصحابُ البصيرةِ يستطيعونَ أن يتواصلوا مع عالَمِ البرزخ بطَريقةٍ وبأخرى.. وكُلٌّ بِحَسَب رُتبته.. وبالنسبةِ لِما يُنقَل في بعض الأحيان مِن مُكاشفاتٍ عن بعض الأولياء أنا لا أقبلُ أكثرُها، ولكن قَطْعاً البعضُ مِن هذهِ المُكاشفات صحيح، ولكنّني لا أردّهُ إلى الصفاء الإيماني وإنّما أردّه إلى الصفاء التكويني.
  • ● هذا المضمون المذكور في مُناجاة العارفين هُو نفْس مَضمون كلام سيّد الأوصياء لِحبّة العُرَني حينَ كان سيّد الأوصياء واقفاً في “وادي السلام” يُحادِثُ المُؤمنين البرزخيّين ويُؤانسهم.. قال له: (لو كُشِفَ لكَ لرأيتهم حَلَقاً حَلَقاً مُحتبين يتحادثون).
  • هذهِ العبائر مِن مُناجاة العارفين تتحدّث عن بصيرةٍ تستندُ إلى صفاء الإيمان، وهذهِ البصيرةُ تخترقُ الحُجُب (تَخترق الحُجُب المعنويّة: حُجُب الشكوك، وحُجُب الأوهام، وحُجُب الظُنون، وحُجُب الجَهل) وتَخترقُ الحُجُبَ الحِسيّة الترابيّة وتذهبُ إلى ما وراء المادّة.. ويُمكنها أن تتمازجَ بدرجةٍ وأُخرى مع العالم البرزخي في مُستوياتٍ مُختلفة، في أوقاتٍ مُتباينة، وفي درجاتٍ مِنها ما يعلو، ومنها ما يسفل.

  • هُناك في المناجاة الشعبانيّة حديثٌ عن درجةٍ أعلى مِن هذا الكشْف ومِن هذهِ البصيرة ومِن هذهِ الحقائق التي تحدَّثتْ عنها مُناجاةُ العارفين والتي مرّدها إلى الصفاء الإيماني. عِلْماً أنّهُ لا وُجودَ لأصحابِ هذهِ الأوصاف بيننا.. وهذهِ المجموعات اليمانيّةُ، المولويّةُ الذين يدّعون مِثْل هذهِ المعاني هؤلاء جُهّال.

  • لن يستطيعَ أحدٌ أن يُدركَ هذهِ الأغوار ما لم يُحطْ عِلْماً بالظاهر ويُتقِنه.. كما نُخاطبهم “صلواتُ الله عليهم”: (إنّي مؤمنٌ بظاهركم وباطنكم، بسرّكم وعلانيتكم..) الإيمان بالظاهر لابُدَّ أن نستوفي شُروطه، وهؤلاء لا يُميّزون بين الفاعل والمفعول..! وقواعدُ الفاعل والمفعول وَضَعَها عليٌّ.. فهؤلاء لا يُميّزون بين أبجديّاتِ ثقافةِ عليٍّ حتّى يستطيعوا أن يُدركوا بواطنَ الأمور.. هؤلاء لا يستطيعونَ أن يُحكِموا مِن الكلام سطرين صحيحين.. فهل يكشِفُ هذا عن بصيرةٍ؟
  • إذا أردتم أن تطّلعوا على مَذبحةِ الّلغةِ العربيّة ومَجزرة الأدب العربي فاذهبوا إلى قناة “المُنقذ العالمي” التابعة للمجموعة اليمانيّة.. جهاتٌ تجهلُ ظواهر الأمور.. فأنّى لها أن تُدركَ بواطن الأمور..؟!
  • الإيمانُ إيمانٌ بظاهرٍ وباطن.. هذا هُو منطِقُ العترة الطاهرة، أمَّا الذين يدّعون الباطن مِن دُون الظاهر فهؤلاء نَجاسةُ الضلالة، وهؤلاء جوهر الغيّ، وهؤلاء جوهر الكُفر بمنهج عليٍّ وآل عليّ.
  • ديننا ظاهرٌ وباطن.. ومَن أرادَ أن يلِجَ إلى الباطن عليه أن يُحكِم الظاهر (في لغتهِ وأحكامهِ وطُقوسه وعباداتهِ وأخلاقه وجميع أجزائه..) حينئذٍ يُمكن أن يُفتَح لهُ باب الباطن.. هذا هو منجُ آلُ محمّد “عليهم السلام”.

  • ممّا جاء في المُناجاةِ الشعبانيّة: (إلهي هَبْ لي كمالَ الإنقطاع إليك، وأنرْ أبصارَ قُلوبنا بضياءِ نظرها إليك، حتّى تَخرقَ أبصارُ القُلوب حُجُب النُور، فتَصِل إلى مَعدن العَظَمة، وتصيرَ أرواحنا مُعلّقة بعزّ قُدسك..).

  • ● قوله: (وأنرْ أبصارَ قُلوبنا بضياءِ نظرها إليك) هذهِ هي البصائر.. فالبصيرةُ هي بصرُ القلب.. مِثلما يقولُ إمامُنا الصادق “عليه السلام”: (إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب..) عينان يتدبّرُ بهما أمر دنياه، وعينان يتدبّرُ بهما أمرَ دينه، فيُبصِرُ الحقائق.. هذهِ هي البصائر، إنّها أبصارُ القلوب.
  • ● أيضاً ممّا جاء في المُناجاةِ الشعبانيّة: (إلهي واجعلني مِمّن ناديتهُ فأجابكَ ولاحظته فصَعِقَ لجلالك، فناجيتهُ سرّا وعمِل لكَ جهرا..) نداء وجواب.. هذا تواصل وراء الحجاب.. والمُناجاةُ الشعبانيّة مشحونةٌ بهذه المضامين.
  • وهذا المضمون عن البصيرة والبصائر هو أعمقُ وأعمقُ بكثير مِن المضمون الذي تلوته على مسامعكم في مناجاة العارفين.

  • وقفة عند [الكافي الشريف: ج1] صفحة 569 الحديث (2) باب مولد إمامنا الهادي “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”:

  • (بسنده عن صالح بن سعيد، قال: دخلتُ على أبي الحسن “الإمام الهادي عليه السلام” فقلتُ له: جُعلتُ فداك، في كلِّ الأُمور أرادوا إطفاءَ نُورك والتقصير بكَ حتّى أنزلوكَ هذا الخان الأشنع خان الصعاليك، فقال الإمام “عليه السلام”: ها هُنا أنتَ يابنَ سعيد؟ ثُمَّ أومأ بيده، وقال: انظر.. فنظرتُ، فإذا أنا بروضاتٍ آنِقات – حدائق غنّاء جميلة – وروضاتٍ باسرات، فيهنَّ خيرَاتٌ عَطِرات، وولدانٌ كأنَّهُم الّلؤلؤُ المكنون، وأطيارٌ وظباء وأنهارٌ تفور ..! فحارَ بصري، وحَسَرتْ عيني، فقال الإمام “عليه السلام”: حيثُ كنّا فهذا لنا عتيد – يعني حاضرٌ لنا وموجود – لسنا في خان الصعاليك).
  • هذهِ مُكاشفةٌ بدرجةٍ مُناسبةٍ لصالح بن سعيد في “عالم المِثال” كما يقولون.. صُورةٌ مِن عالم البرزخ.
  • علماً أنّني جئتُ بهذا الحديث فقط لتقريب الفكرة.. فربّما تكون هذهِ الجنّةُ التي كان الإمام الهادي فيها ليستْ مِن جنان البرزخ، ولكنَّ ابن سعيد رآها بمُستوىً مِن مُستوياتِ الرؤيةِ البرزخيّة.. وهذا الموضوع فيهِ تفصيلٌ كثير.

  • وقفة عند مُقتطفات مِمّا جاء في دُعاء الإمامِ السجّاد لأهل الثغور.. يقول الدعاء:

  • (وأنْسِهم عند لقائهم العدو ذكرَ دنياهم الخدّاعة الغرور، وامحُ عن قُلوبهم خطراتِ المال الفتون، واجعل الجنّةَ نصْبَ أعينهم، ولوّح منها لاَبصارهم ما أعددتَ فيها من مساكن الخُلد، ومنازلِ الكرامة..).. هذه جنانُ البرزخ، والحديثُ عن المُكاشفة.
  • ● إلى أن يقول الدعاء: (واعضدهم بالنَصر، وأعنهم بالصَبر، والطف لهم في المَكر. الّلهم صلّ على مُحمّدٍ وآله، وعرّفهم ما يَجهلون، وعلّمهم ما لا يعلمون، وبصّرهم ما لا يُبصرون).
  • هؤلاءِ مِن أصحاب المُكاشفة، هؤلاء مِن أصحاب الحقائق.. هذهِ صِفاتُ أنصارٍ لإمامٍ زماننا كان يُفترَض أن يكونوا في عصْر الغَيبة.. لو أنَّ مراجع الشيعة ما نبذوا العهد المأخوذ عليهم وراءَ ظُهُورهم كما أشارَ إلى ذلك إمامُ زماننا في رسالتهِ إلى الشيخ المفيد.
  • هذا المضمونُ في عبائر الدعاء لأهل الثغور (وعرّفهم ما يَجهلون، وعلّمهم ما لا يعلمون، وبصّرهم ما لا يُبصرون) هُو مثلما ذكرتُ قبل قليل مِن أنَّ الذي يتركُ عزّ الدُنيا، لأنَّ عزَّ الدُنيا يُبعِدهُ عن آل مُحمّد ويعتنق ذُلّها لأنّ ذُلّها يُقرّبهُ إلى آلِ مُحمّد فإنَّ الله سُبحانه وتعالى يهديه مِن غير هداية ويُعلّمه مِن غير تعليم.. وهذا لا يكون إلّا بسبب الصفاء الإيماني الذي يُؤدّي إلى أنّ الإنسان ينالُ البصيرة.. وهذهِ قضيّةٌ طبيعيّةٌ جدّاً.. فنحنُ نقرأ في سُورة الرحمن في الآية 33: {يا مَعشرَ الجن والإنس إنْ استطعتم أن تنفذوا مِن أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذونَ إلّا بسُلطان}.
  • أقطارُ السماواتِ والأرض مِنها ما هو حِجابٌ مادّي، ومنها ما هو حجابٌ معنويٌّ.. وعالَمُ البرزخ هُو مِن أقطار السماواتِ والأرض.. لأنَّ عالَم البرزخ هُو عالمٌ مُوازٍ للعالم الدنيوي وهو تحتَ قُبّة السماء الدُنيا، فهو مِن أقطار السماواتِ والأرض.. فإذا أردنا أن نتجاوزَ إليه لابُدَّ أن نمتلكَ سُلطاناً، وهذا السُلطان هي البصيرة التي مردّها إلى الصفاء الإيماني الناشيء من العقيدة الصحيحة الصافية كحالِ سلمان وأمثاله، وحال أنصار الحُسين “صلواتُ الله وسلامه عليه”.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٠ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج١

يازهراء …