دليلُ المسافر – الحلقة ١٣ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 15 شهر رمضان 1440هـ الموافق 21 / 5 / 2019م

  • لازالَ الحديثُ يَتواصلُ في مَحطّاتِ طَريقنا الطَويل.. مرَّ الكلامُ في الحلقاتِ الماضية في: مَحطّةِ الاحتضار، مَحطَّةِ زُهوقُ الرُوح، مَحطّةِ هَول المُطّلَع، والمحطّة الرابعة: مَحطّة القَبر، إنّها عالَمُ القَبر، عالَمُ الموت، عالَمُ البرزخ.. هذهِ عناوينُ في ثقافةِ الكتابِ والعترة.. والمحطّةُ الرابعة تشتملُ على العناوين التالية:

  • (وَحْشةُ القَبر، ضَغْطةُ القَبر، مُسائلةُ القَبر، وبعد ذلكَ البَرزخُ.. ذلكَ العالَمُ الوسيعُ الفَسيحُ.. عالَمٌ أكبرُ مِن عالَمِنا التُرابي وهو عالمٌ يُوازي هذا العالم) ونَحنُ على مَقربةٍ مِن عالمِ البرزخ.. جِنانُهُ قريبةٌ مِنّا ونيرانهُ كذلك.. إنّها انعكاسٌ لِجنانِ الآخرةِ ونيرانها.
  • هذهِ الحلقةُ هي الجُزءُ الرابع مِن حديثي في أجواءِ عالَمِ البرزخ.
  • ● مرَّ الكلامُ الحلقتينِ الماضيين في مجموعةٍ مِن الّلقطاتِ والصُوَرِ اقتطفتُها لكم مِن ثقافةِ الكتاب والعترة كي نقتربَ شيئاً فشيئاً في تصوُّرنا وفَهْمِنا لِعالَم البرزخ.. قَطْعاً على سبيل المُقاربة.. فأنا أحُدّثكم عن غيبٍ لم أكنْ قد تواصلتُ معهُ بشكلٍ مُباشر، وأنتم كذلك.. فلِذا حديثي على سبيلِ المُقاربة.. ومِن هُنا كُنتُ بحاجةٍ إلى أن أحشدَ بين أيديكم مَجموعةً مِن الّلقطاتِ والصُوَر والحقائق كي أُقرّبَ لكم الفكْرة عن عالم البرزخ.
  • وتسلسلَ الحديثُ حتّى وصلتُ في الحلقةِ الماضية إلى ما يُصطَلحُ عليه في أجواءِ المُتصوّفةِ والعرفانيّين بمُصطَلَح “مُكاشفةِ عالم المِثال”.. (بغضّ النظر أنّني أتّفقُ معهم أم أختلف).
  • وقُلتُ: ما كُلُّ ما يُقالُ عنهُ “مُكاشفة” يُمكنُنا أن نَعتمدَ عليه أو أن نأخذهُ بنظرِ الاعتبار..
  • هُناك مُكاشفاتٌ رحمانيّةٌ وهُناك مُكاشفاتٌ شيطانيّة.. المُكاشفاتُ الرحمانيّة قليلةٌ جدّاً، وربّما لا وُجودَ لها.. لأنّني حين أتحدّث عن المُكاشفاتِ الرحمانيّة فإنّني أتحدّثُ عن المُكاشفاتِ التي أساسُها الصفاءُ الإيماني، وقد حدّثتُكم عن ذلك.
  • ● هُناك مُكاشفاتٌ قد تكونُ شيطانيّةً وقد لا تكون.. إنّها مُكاشفاتٌ أساسُها الصفاءُ التكويني، وهذهِ لا علاقةَ لها بالإيمان.. وأكثرُ الذين يتحدّثون عن مُكاشفاتٍ في أجواءِ المُتصوّفةِ في أجواء العرفانيين (في الواقع السُنّي أو في الواقع الشيعي) – إن لم يكنْ الكُلّ – أكثرُهم مِن نوع هذهِ المُكاشفات، مِن مُكاشفاتٍ أساسُها الصفاءُ التكويني.
  • ● الصفاءُ الإيماني مرَّ الكلامُ عنه، وعرضتُ أمثلةً مِن كلماتهم الشريفة (مِن أحاديثهم وأدعيتهم ومُناجياتهم..) وكُلُّ ذلكَ كانَ في أجواءِ المُكاشفةِ التي تَعتمدُ الصفاءَ الإيماني أساساً لها، لأنّها تَرتبطُ ارتباطاً مُباشراً بآلِ مُحمَّد “عليهم السلام”.. ولا يَتحقّقُ الصفاءُ الإيماني مِن دُونِ المعرفةِ الصافية.. وهذا ليس مَوجوداً في واقعنا الشيعي فضْلاً عن الواقع غير الشيعي.. وحديثُنا عن واقعنا الشيعي.
  • المعرفةُ الصافيةُ ليستْ موجودةً في واقعنا الشيعي. (على مُستوى مَراجع الشيعة، في الجوّ الحوزوي) فليس هُناك مِن معرفةٍ صافية.. الفِكْرُ الناصبي يُخيّمُ في كُلّ جهاتِ المرجعيّة الشيعيّة وفي كُلّ جهاتِ الدراسة الحوزويّة.
  • في جوّنا العرفاني.. فهو جوٌّ صُوفيٌّ ناصبيٌّ مِن الطراز الأوّل.. نعم يُزيّنُونَهُ ببعض كلماتِ المعصومين، ببعض الجُمَل والعبائرِ المُقتطعةِ مِن كنوزِ الأدعيةِ التي لا يَعبأ بها هؤلاء العرفانيّون.. وإنّما يَعبأون بأشعارِ المُتصوّفةِ بنحوٍ واضحٍ أكثر وأكثر مِمّا يعبأونَ بأدعيةِ العترة الطاهرة..!!
  • ● الذي ساقني إلى هذهِ الجهة، هُو أنّني أُريدُ أن أقرّبَ لكم الفِكْرة عن عالم البرزخ.. ومِثلما قال سيّد الأوصياء لِحَبّة العُرَني في الروايةِ التي قرأتُها عليكم مِن الجُزء الثالث من الكافي الشريف، حين كان أميرُ المُؤمنين يتحدّثُ مع الأرواح في وادي السلام فقال لِحبّة العُرني: (لو كُشِفَ لكم لرأيتهم حَلَقاً حَلَقاً مُحتبين يتحادثون…)، مرَّ كُلُّ هذا الكلام، ولا أُريدُ أن أُعيدهُ مرَّةً أُخرى.
  • الذي ساقني إلى هذهِ الجهة هُو موضوعُ المُكاشفة.. هُناك قُدْرةٌ عند الإنسانِ لو تَوفّرتْ لها شُروطها فإنَّهُ يَستطيعُ أن يتجاوزَ الحواجز الماديّة والحواجز المعنويّة كي يتلمَّس شيئاً مِن عالمِ البرزخ، لأنَّ عالَم البرزخِ عالَمٌ قريبٌ مِن عالمِنا الأرضي.. هو عالمٌ مُوازٍ لهذا العالم.. جنانهُ قريبةٌ مِنّا، ونيرانهُ قريبةٌ مِنّا.

  • المُكاشفاتُ في عالم المِثال – كما يصطلح عليها المُتصوّفة السُنّة والعرفانيّون الشيعة – هي في الحقيقةِ مُكاشفاتٌ ترتبطُ بعالَم البرزخ.. والمُكاشفاتُ لن تكون في مُستوىً واحدٍ قطعاً.

  • إذا كانَ المُكاشَفُ يَمتلكُ المُؤهلات (بغضَّ النظر عن هذهِ المُؤهّلاتِ أكانتْ مؤهّلات إيمانيّة أو كانتْ مُؤهّلاتِ تكوينيّة) فإنّهم يَختلفونَ في قُدْرتهم على التواصلِ مع عالم البرزخ بحَسَب المُستوى العقلي وبِحَسَب المُستوى المعرفي، وبالتحديدِ بِحَسَب قُدْرة البصيرةِ عندهم.
  • فهُناك بصيرةٌ أساسُها الصفاء الإيماني – وبِحَسَب عقيدتي – لا وُجودَ لِمثل هذا المُستوى في واقعنا الشيعي فَضْلاً عن الواقع غير الشيعي.. فما يَظهرُ للمُتصوّفةِ السُنّة وللعرفانيّين الشيعة مِن كشْفٍ إنّهُ في أحسنِ حالاتهِ مَردّهُ إلى الصفاء التكويني بسببِ الرياضاتِ.. بسبب ترويضُ الرُوح بالعُزلةِ وبالأورادِ والأذكارِ وأمثالِ ذلك.. وهذا الترويضُ لن يكون أقوى مِن ترويض المُرتاضين في الهندوسيّة مثلاً.
  • ● المُرتاضون في الهندوسيّةِ ارتياضُهم أقوى من كُلّ الارتياضاتِ الأُخرى، مع مُلاحظة أنَّ الهندوسيّة – بِحَسَب المُعطياتِ المُتوفّرةِ لدى مُؤرّخي الأديان – أنّنا لا نَملكُ مُعطياتٍ تُشيرُ إلى ديانةٍ واسعةٍ عريضةٍ لها ثقافتُها وعقائدها أقدمَ مِن الديانةِ الهندوسيّة.
  • وإذا أردنا أن نتفحّص بدقّةٍ فإنَّ التوجّهَ الصُوفي في كُلّ الدياناتِ يُمكنُنا أن نُرجِعَ أُصولَهُ وجُذورَهُ إلى الديانةِ الهندوسيّة.
  • (وقفة توضيح لِهذهِ النقطة).
  • ● حينما أُوجّهُ أنظاري إلى الديانةِ الهندوسيّة وأرى أنَّ الديانةَ الهندوسيّةَ مَبنيّةٌ بكاملها على وحدة الوجود والموجود معاً.. ووحدةِ الوجودِ في الديانِة الهندوسيّةِ أعمَقُ بكثيرٍ مِن وُحدة الوجود التي يتحدّثُ عنها ابن عربي في كُتُبه.
  • اولاً: الهندوسيّة مَبنيّة على وحدة الوجود والموجود معاً.
  • ثانياً: الهندوسيّةُ مَبنيّةٌ على تهذيبِ النفوس إلى أبعد ما يُمكن، إلى حدّ السيطرةِ على العقلِ والحواس.. وهذا هُو الذي يتحدّثُ عنه الصُوفيّة في طَرائقهم ومَسالكهم.. وهو هو الكلامُ نفسهُ يتحدّثُ عنهُ ابن عربي وعرفانيّوا الشيعةِ أيضاً.. ولو رجعنا إلى عُمْقِ هذا الموضوع وقارنّا بين عُمْق ما هُو في الهندوسيّةِ وما عند الصُوفيّةِ السُنّة وما عند العرفانيّين الشيعة، سنجد أنَّ هُناكَ فارقاً كبيراً.. فالعُمْقُ كُلُّ العُمْق في الفِكْر الهندوسي، وأمَّا البقيّة فهي نُسَخ تُقلّد ما جاء في الثقافةِ والفلسفةِ الهندوسيّة. (وقفة توضيحيّة لهذهِ النُقطة).
  • ● الهندوسيّةُ – كما قُلتُ – تَبتني على وحدةِ الوجودِ والموجودِ معاً، وتَبتني على عَمليّة تهذيبِ النُفوس بشكلٍ لا يُوجَدُ عند مُتصوَّفةِ السُنّة ولا عِند عرفانيّي الشيعة.. فما تَسْلكهُ الهندوسيّةُ في تهذيبِ النفوس ليس مَوجوداً حتّى عند اليهود ولا حتّى عند النصارى، ما عند كُلّ هؤلاء هُو ظِلالٌ خافتةٌ مِن المَنهج والمسلكِ الهندوسي.
  • الهندوسيّةُ تبتني على وُحدة الوجود بشكلٍ صريحٍ وعميقٍ أعمق مِمّا في (الكابالا) اليهودي، وأعمقُ مِمّا في (الّلاهوتِ) المسيحي وأعمقُ ممّا عند الصُوفيّة (ما عند ابن عربي في فُتوحاتهِ وفُصوصهِ) وكذلك ما عند عرفانيّي الشيعةِ في المدرستين الموجودتين الآن (مدرسةُ القاضي سعيد القُمّي، ومدرسة شيخ حسين قُلي الهمداني) وكلاهُما يعودان إلى المُلا صَدْرا.. والمُلا صَدْرا ما هُو إلّا تلميذٌ صغيرٌ جدّاً في مدرسة ابن عربي.. وهو مُعجَبٌ إلى حدٍّ جنونيٍّ كبيرٍ بابن عربي..!
  • ثالثاً: تَبتني الهندوسيّةُ على التناغمِ بين الأديان.. ففي الهندوسيّةِ كُلُّ الآلهةِ على اختلافِ أصنافها هي تجلّياتٌ للحقيقةِ الكُبرى، للرُوح الأعظم.. نَحنُ نُعبّر عنهُ بأنهُ الله، وتلكَ الحقيقةُ عندهُم تتجلّى في الأقانيمِ الثلاثة.. ولربّما فكرةُ الأقانيم عند المَسيحيّين مِن هُنا جاءتْ، لأنَّ فِكْرة الأقانيم الثلاثة عند الهندوسيّة قديمةٌ جدّاً.. هي قبل ميلاد المسيح وحتّى قبل اليهوديّة تأريخاً. (وقفة توضيحيّة لهذه النُقطة).
  • تلخيص للفكرة:
  • السبب الذي جعلني أتحدَّثُ عن الهندوسيّةِ هُو أنَّ المُكاشفةَ قادتني إلى هُنا.. وقُلتُ أنَّ المُكاشفةَ على نَحوين: مُكاشفةٌ أساسُها الصفاءُ الإيماني مثل مُكاشفةِ سلمان وأمثال سلمان ومُكاشفةُ أنصار الحُسين.. فهذهِ المُكاشفةُ لا وُجود لها بيننا.
  • النوعُ الثاني مِن المُكاشفة هي المُكاشفة التي تعتمد على الصفاء التكويني.. وحتّى تحصل هذهِ المُكاشفة لابُدَّ مِن مُمارساتٍ ورياضاتٍ وبرنامجِ عَمَلٍ وتهذيبٍ للجَسَد وللرُوح.. إذا ما مُورستْ هذهِ الرياضات والبرامج فإنّها تَمنحُ الإنسانَ الصفاء التكويني.
  • مَن استطاع أن يُحصِّل على الصفاء التكويني فإنّهُ يَستطيعُ أن يتجاوزَ بعض الحواجب والحواجز الماديّة والمعنويّة.. فيُمكنُهُ أن يستشرِفَ وأن يطّلِعَ على جهةٍ، على جانبٍ، على زاويةٍ، على حرْفٍ مِن حُروفِ عالمِ البرزخ.. وتلكَ التي يتحدّثون عنها فيقولون أنّها مُكاشفاتٌ في عالم المِثال.. وأنا أتحدَّثُ عن المُكاشفاتِ الحقيقيّة التي تبتني على الصفاء التكويني وهي لا علاقةَ لها بالمُكاشفاتِ مِن النوعِ الأوّل.
  • ● المُكاشفاتُ مِن النوع الأوّل تلكَ تَرتبطُ مُباشرةً بإمامِ زماننا.. مَصدرُها الأصلي هُو إمامُ زماننا (كان سلمانُ مُحدّثاً..) أي مُحدَّثاً عن إمامهِ كما يقولُ الأئمةُ “عليهم السلام”.. فهذهِ العلاقةُ الغَيبيّة كانتْ مُباشرةً مع الإمام “عليه السلام”.. قد تكونُ بلُطفٍ جليٍّ وقد تكونُ بلُطْفٍ خَفي.. فألطافُ أئمتنا ألطافٌ جليّةٌ وألطافٌ خفيّة.. قد تَكونُ وهْبيّةً بشكلٍ مُباشر، وقد تكونُ توفيقيّةً لكي تكونَ كسبيّةً.. تَوفيقٌ للإنسان كي يُحصّل على الّلطف الكسبي.
  • (وقفة توضيحيّة لهذه النقطة).
  • أُعيد وأقول: الذي جرّني للحديثِ عن الهندوسيّة لأنّها هي التي تَمتلكُ أعْمَقَ برنامجٍ للصفاء التكويني.. ولا يُوجَد عندنا في كُلّ الاتّجاهاتِ الروحانيّة الأخرى في العالم، لا يُوجد عندنا مِن برنامج أعمقُ مِن برنامج الهندوسيّة.
  • نعم هُناك برنامجٌ واحد وهُو برنامج (الكتاب والعترة) ولكن هذا البرنامج لا وُجودَ لهُ على أرضِ الواقع، وإنّما هُو مَوجودٌ فقط في طَوايا الكتابِ وحديثِ العترة.. يُمكنني أن أُشير إليه ويُمكنني أن أتحدّث عنه ولكن هذا البرنامج لا وُجود له على أرض الواقع. فليس مَكتوباً في كتاب، ولم تَصِل إليهِ عُقولُ عُلمائنا ولم تُلامسهُ ولم تقترب منه.. لأنّهم:
  • يُنكرون الأحاديثَ التفسيريّة التي تُفسّرُ القُرآن، فأينَ يَعثرون عليهِ في القُرآن؟!
  • وهُم أيضاً يُلْغون أكثرَ مِن 90% مِن حديث العترة الطاهرة؟! فأين يجدونَهُ وهُم لا يُؤمنونَ بهذهِ الأحاديث؟!
  • وأيضاً هُم يُلغون منظومة الأدعية والزيارات فلا مَدخليّةَ لها في ثقافةِ الشيعةِ وعقائدهم وفِكرهم..! فكيف يعثرون على المعرفة الصحيحة؟!
  • ذلك البرنامجُ العميق والعميق جدّاً (وهُو برنامجُ الكتاب والعترة) مَنثورٌ في آياتِ الكتاب إذا ما فسّرنا الكتاب بحديثِ العترة.. ولو سنحتْ الظُروف فإنّني سأُحدّثُكم عن هذا البرنامج مِن طَوايا آياتِ الكتاب الكريم وِفقاً لِحديثِ العترة.. ولا شأنَ لي بكُلّ ما قالهُ الآخرون، ولا شأنَ لي بالقذارات التي جَلَبها مراجعُ الشيعةِ وعُرفاءُ الشيعة وقالوا هذا فِكْرُ أهل البيت.. على الأقل هذا مِن وجهةِ نظري.
  • ● ولِذا أقول: فإنَّ أعمقَ منهجٍ في صِناعةِ الصفاء التكويني هُو المنهجُ الهندوسي، وكُلُّ الاتّجاهاتِ الصُوفيّةِ أخذتْ مِن هذا المنهج بشكلٍ مُباشر أو بشكلٍ غير مُباشر.. وكما قُلتُ: لا يُوجَدُ منهجٌ أعمقُ مِن هذا المنهج إلّا مَنهجُ عليٍّ وآل عليّ وقد رسموهُ لنا رسْماً دقيقاً في منظومةِ الأدعيةِ والزيارات.. وواللهِ إنَّ جُذورَهُ النظريّةُ مبثوثةٌ في آياتِ الكتاب المُفسَّرةِ بحديثِ العترة.
  • فأنا أعودُ إلى الآياتِ وأعودُ إلى الرواياتِ المُفسّرةِ لِتلكَ الآيات.. فالأُسسُ النظريّةُ موجودةٌ هُناك، وأمَّا التفاصيلُ العمليّةُ فقد بثّوها بشكلٍ هندسيٍّ عَمَليٍّ دقيق في منظومةِ الأدعيةِ والزيارات التي لا يَعرفُ عُلمانا شيئاً مِن أسرارها ولا يتذوّقون نمير عذبها.. لأنّهم أساساً يُشكّكون في أسانيدها وفقاً لِقذاراتِ عِلْم الرجال.. هذهِ هي الحقيقةُ مِن الآخر.
  • ● (وقفة أُحدّثكم فيها بشكلٍ سريع عن المنهج الأعمق الموجودِ بين الناس وهُو المنهج الهندوسيّ الذي يقودُ إلى الصفاء التكويني.. وبكلمةٍ واحدة وهي: “اليوكا” وبيان ما هو أصْلُها وما علاقتُها بالاتّحادِ مع الله في الفِكْر الهندوسي)
  • ● الصفاءُ التكويني يُمكن أن يَجعلنا نتحسّس عالمَ البرزخ وهذا هُو سرّ ما يتحدّث عنهُ الصوفيّةُ والعرفانيّون (ما يُسمّى بمُكاشفات عالم المِثال) فعالَمُ المِثال هو في الحقيقةِ عالمُ البرزخ، ما المُكاشفاتُ في هذا العالَم إلّا نَحوٌ مِن الانكشافِ والتواصل فيما بين بعض الناس مِمّن يمتلكون درجةً مِن درجاتِ الصفاءِ التكويني، وهذا لا علاقةَ لهُ بالإيمان (وأعني بالإيمان ولاية عليٍّ وآل عليّ) كما قال رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” لِعليٍّ يومَ الخندق: (بَرَزَ الإيمانُ كُلّه إلى الشرك كُلّه) فهُناك كينونةٌ هي كينونةُ الإيمان والذي يرتبطُ بها هو هذا المؤمن.

  • في الآية 33 مِن سُورة الرحمن: {يا مَعشرَ الجن والإنس إنْ استطعتم أن تنفذوا مِن أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذونَ إلّا بسُلطان}.

  • آياتُ القُرآن لها آفاق.. صحيحٌ أنّهُ في رواياتنا هُناك أُفُقٌ لهذهِ الآيةِ في أجواء يوم القيامة، ولا أُريدُ الحديثَ عن هذا الأُفُق.
  • ولكن في أُفُق العبارة الخطابُ واضح للجنّ والإنس {إنْ استطعتم أن تنفذوا مِن أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذونَ إلّا بسُلطان} مِثلما في زماننا هذا، فإنَّ الإنسان استطاعَ أن يخرجَ مِن الأرض على عدّةِ مُستويات (بالطائراتِ، بالمناطيدِ، بالصواريخِ.. إلى أن وصلنا إلى غَزو الفضاء..) الإنسانُ هُنا يمتلكُ وسيلةً يتسلّط بها على هذا الكون بِحَسَبه.
  • الآية في أُفُق العبارة تقول أنَّ القوانين تسمحُ لكم بأن تنفذوا مِن أقطار السماواتِ والأرض، ولكن بشروط.. {لا تنفذونَ إلّا بسُلطان}.
  • الإنسانُ في هذا العَصْر استطاعَ بهذهِ التكنلوجيا العَجيبة التي توصَّلَ عُلماءُ العالم إليها وإلى هذهِ الاختراعات – التي هي مُعجزاتٌ في الواقع – استطاعوا أن ينفذوا مِن أقطار الأرض إلى أقطار السماء – قَطْعاً بحُدود قُدْرتهم -.
  • ● قوله: {لا تنفذونَ إلّا بسُلطان} لأنَّ هناك موانعُ كثيرة ستُواجهكم {يُرسل عليكما شواظٌّ مِن نارٍ ونُحاس فلا تنتصران} الشواظّ هُو الّلهيبُ الناريُّ مِن دُون دُخان.
  • ● كُلُّ الذي أُريدُ أن أصِل إليه هو: أنّنا نستطيعُ أن نتواصلَ مع عالم البرزخ إذا توفّرتْ الأسباب.. مِثلما قال سيّد الأوصياء لِحبّة العُرَني (لو كُشِفَ لك…) وكُلُّ هذا أنا أضعهُ بين أيديكم لأجل أن أقول لكم: أنَّ البرزخ حقيقةٌ ثابتةٌ نستطيعُ أن نتلمّسها.
  • نَحنُ لا نمتلكُ هذا السُلطان، هذا شيءٌ آخر.. هذهِ هي قوانينُ التكوين، البرزخُ هُو جُزءٌ مِن هذا الكون، وهُو جُزءٌ مِن عالمنا الدُنيوي، والمُراد مِن العالم الدنيوي هُو ما تحتَ سقف السماء الدُنيا.
  • فمِثلما استطاعَ الإنسانُ أن يخترقَ الأرض وأن يطوي المسافات بالطائرات مَثَلاً.. فنَحنُ حِين نَركبُ الطائرةَ مِن شرْقِ الأرض إلى غَربها نَخرجُ مِن أقطارِ الجبالِ والبحارِ والصحاري والمُحيطات. هُناك سُلطةٌ للإنسانِ وبهذهِ السُلطة خرجَ مِن أقطارِ الأرض ومِن أقطار المسافة.
  • فالإنسانُ نَفَذ مِن أقطار السماواتِ والأرض ولكن بحُدودهِ، أي بحُدود ما عندهُ مِن وسيلةٍ لها مساحةٌ مِن السُلطةِ والتسلّط.. والجنُّ كذلك، فنحنُ إذا ذهبنا إلى سُورة النمل مثلاً في قصّة سُليمان في الآية 38 وما بعدها:
  • {قال يا أيّها الملأُ أيّكم يأتيني بعَرشها قبل أن يأتوني مُسلمين* قال عفريتٌ مِن الجنّ أنا آتيكَ بهِ قبل أن تقومَ مِن مقامكَ وإنّي عليهِ لقويٌّ أمين* قال الذي عندهُ عِلْمٌ مِن الكتاب أنا آتيكَ به قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك فلمّا رآهُ مُستقرّاً عنده قال هذا مِن فضْل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومَن شكر فإنّما يشكرُ لنفسهِ ومَن كفر فإنَّ ربّي غنيٌّ كريم}.
  • العفاريتُ مِن الجنّ هُم الأسرعُ فيهم وهُم الأقوى وهُم الأطولُ أعماراً.. إنّهم عمالقةُ الجنّ.
  • سُليمان وهذا العفريتُ كانا في فلسطين والعَرشُ في اليمن، ولكنَّ العفريتَ يستعملُ هُنا قُدْرةً تكوينيّةً يمتلكها هُو أساساً.. بالضبط كهذا الهندوسي أو هذا الصوفي الذي يُحصّلُ على صفاءٍ تكويني بغضّ النظر عن الإيمان والديانة.
  • ● أمَّا صاحبُ الإيمان العَلَوي وهُو “آصفُ بن برخيا” وزيرُ سُليمان فقال: {أنا آتيكَ به قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك} يعني قبل أن تصِلَ صُورةُ أيّ شيءٍ إلى عينك..! أي بسرعة أسرعُ بكثيرٍ مِن سُرعة الضوء..!
  • وهذا الأمرُ لا يستشعِرهُ الإنسانُ العادي، ولكنَّ سُليمان نبيٌّ فهو يستطيعُ أن يُفكّك الأشياء ويستطيعُ أن يُعطّل سُرعة الضوء، فهو صاحبُ ولايةٍ تكوينيّةٍ مِن عليّ.. فقُدراتُ الأنبياء مِن عليّ “عليه السلام” (كُنُت مع الأنبياء باطناً) فعليٌّ تُستبطَنُ ولايتُهُ التكوينيّة في ذواتِ الأنبياء وإلّا فلا نُبوّة لهم.. فالأحاديثُ تُخبرنا أنّهُ ما مِن نبيٍّ نُبّئ إلّا وقد أُخِذ عليه العَهد بنبوّةِ نبيّنا الأعظم وبولاية عليٍّ وآل عليّ.
  • ● قولهِ: {فلمّا رآهُ مُستقرّاً عنده قال هذا مِن فضْل ربّ} أي هذا عطاءٌ يعتمد على الصفاء الإيماني، هذا عطاءٌ في جهة الإيمان.. لاحظوا الفارق الكبير بين العطاء الإيماني وبين العطاء الذي يستندُ إلى قوانين التكوين.
  • ● قوله: {أنا آتيكَ بهِ قبل أن تقومَ مِن مقامكَ وإنّي عليهِ لقويٌّ أمين} العفريتُ يتحدّثُ هُنا عن قُدرته التكوينيّة.
  • فبِحَسَب القوانين التكوينيّة فإنَّ العفريتَ قادرٌ على ذلك بسبب ما يمتلكهُ مِن إمكاناتٍ في أصْلِ خِلْقَته.. فإنّهُ قادرٌ على أن يخترقَ أقطارَ الأرضِ حينما يَطوي المسافات بين فلسطين واليمن ويأتي بعَرش بلقيس بسبب قُوّتهِ وقُدرتهِ التكوينيّة.
  • وكذا رُوحُ الإنسان في أصْل خِلقتها يُمكنها إذا ما استطاعتْ أن تتجرّد مِن شهواتها ومادّيتها باستطاعتها أن تمتلكَ صفاءً تكوينيّاً تستطيعُ أن تتواصلَ به مع عالَم البرزخ ومع غيره، تستطيعُ أن تتجاوزَ الحواجزَ والحُجُب.
  • ● أمّا آصف فالقضيّةُ مُختلفة.. ولِذا كان الأمرُ في غايةٍ مِن الإعجازِ والإبهارِ والإتقانِ والعَظَمةِ والقُدْرة.. لأنّهُ يستبطِنُ الولايةَ العَلَويّة.

  • مثال آخر.. في سُورة الجنّ في الآية 8 – 9:

  • {وأنا لَمَسنا السماءَ فوجدناها مُلئتْ حَرَساً شديداً وشُهُبا* وأنا كُنّا نقعدُ منها مقاعدَ للسمع فمَن يستمعُ الآن يجِد لهُ شهاباً رَصَدا}.
  • الشياطينُ والجانُّ كانوا يصعدون إلى السماء، وكانوا يسترقون السَمْعَ فيسمعونَ ماذا تتحدّثُ الملائكةُ المُدبّرة والملائكةُ العمّالةُ والشغّالة، فيَصِلُ إلى آذانِ الشياطين والجانّ بعضاً من الكلام فكانوا يُوصلونه إلى بعضٍ مِن البشر (كالكُهّان، والسَحَرة والذين يتعاملون من الجنّ..).
  • ● قوله: {وأنا كُنّا نقعدُ منها مقاعدَ للسمع فمَن يستمعُ الآن يجِد لهُ شهاباً رَصَدا} كان ذلك في يومِ ولادةِ نبيّنا “صلّى اللهُ عليه وآله” كما تُخبرنا الروايات.. والمُراد مِن الشهاب الرصد هُو هذا الذي أشارتْ إليهِ سُورة الرحمن حين قالت: {يُرسل عليكما شواظٌّ مِن نارٍ ونُحاس فلا تنتصران} الشواظّ هو الّلهيبُ الناريُّ مِن دُون دُخان.
  • فهُنا الجانّ في سُورة الجن.. وعفريتٌ مِن الجنّ في سُورة النمل.. هؤلاء كانوا قادرين على أن ينفذوا مِن أقطار السماواتِ والأرض بحُدود ما عندهم.. تلكَ قُدْرةٌ تكوينيّة.
  • لمّا اشتغلَ الجانبُ الإيماني حين ولادةِ النبيّ أُغلقتْ أبوابُ السماء عليهم.. ولمّا اشتغلَ الجانبُ الإيماني عند آصِف كان الذي كان، وفارقٌ كبير بين ما قالَه العفريتُ مِن الجنّ وبين ما قالهُ آصِف وصيّ سُليمان.
  • والأمرُ هو هو في قضيّة المُكاشفاتِ في عالم المثال.. فهُناك مُكاشفاتٌ أساسُها الصفاءُ الإيماني (تلكَ مُكاشفاتُ سلمان وأمثال سلمان) وهُناك مُكاشفاتٌ أساسُها الصفاءُ التكويني المُكتسب بسبب ترويض الجَسَد والرُوح وفقاً لبرنامجٍ هذا البرنامج إذا ما خضعَ الإنسان لهُ وطبّقهُ على نفسه، فإنّهُ تكوينيّاً يكتسبُ صَفاءً يستطيعُ بواسطة هذا الصفاء أن يتواصلَ مع عالم البرزخ.. فهو سُلطانٌ في يده.
  • ما أُريدُ أن أصِلَ إليه هو:
  • أنَّ البرزخَ حقيقةٌ.. ليسَ فقط أخبرنا الغَيبُ عنها وحدّثتنا عنها الآياتُ والروايات.. وإنّما بإمكان الإنسان إذا امتلكَ سُلطاناً مُناسباً ووسيلةً مُناسبة أن ينفذَ إلى هذا العالم ويتواصلَ معهُ ولكن بِحَسَبه.. وفارقٌ كبير المُكاشفاتِ على أساسِ الصفاء الإيماني وبين المُكاشفاتِ على أساس الصفاء التكوين.
  • عالم البرزخ في الكتاب الكريم

  • في سُورة المُؤمنون وردَ ذِكْرُ البرزخ في الآيتين (99 – 100): {حتّى إذا جاءَ أحدَهُم الموت قال ربّ ارجعونِ* لَعليّ أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلّا إنّها كلمةٌ هُو قائلُها ومِن ورائهم برزخٌ إلى يومِ يُبعثون}.

  • هذا الكلام يقولهُ بعد موته.. وهذا الكلامُ يُشير إلى أن عالَم القَبر، أو عالم البرزخ هُو عالَم حياة.. بحيث أنَّ هذا الإنسان يُفكّر، وقد أعيدتْ برمجتهُ والتفتَ إلى الأمور.. وهُناك إمكانيّةٌ للتواصل بين عالَم البرزخ وعالَم التراب، ولو لم تكنْ هناك مِن إمكانيّةٍ لَما طُرِحَ هذا الكلام.
  • فجاء الجواب: {كلّا إنّها كلمةٌ هُو قائلُها} لأنَّ الآيات الأخرى تُحدّثنا أنّ الإنسان لو أُعيد سيُكرّر نفس الأخطاء.. وهذا هُو المعنى الذي أشرتُ إليه فيما سَلَف مِن أنَّ الذين يخلدون في الجنان يخلدون بنيّاتهم لا بأعمالهم.. والذين يخلدون في النيران يخلدون بنيّاتهم.. لأنَّ الذين يُحبّون عليّاً حُبّاً حقيقيّاً لو قِيَل لهم ستخلدون في الدُنيا سيبقون على حُبّه، والذين يُعادون عليّاً عَداءً شديداً لو قِيل لهم ستخلدون في الدُنيا سيبقون على عَدائهم لِعليٍّ.. فَخَلَد هؤلاءِ في الجنانِ بنيّةِ البقاء المُخلّد الخالد على حُبّ عليّ.. وخَلَد هؤلاء في النيران بنيّة البقاء الخالدِ المُخلّد على عَداءِ عليٍّ.
  • ● قوله: {ومِن ورائهم برزخٌ إلى يومِ يُبعثون} أي أنَّ وراءَهم عالمٌ فيه تفاصيل.. وهذهِ التفاصيل حدّثتنا الآياتُ عنها.. على سبيل المثال:
  • في [تفسير القمّي] في صفحة 451 في ذيل قولهِ عزَّ وجلَّ: {حتّى إذا جاءَ أحدَهُم الموت قال ربّ ارجعونِ* لَعليّ أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلّا إنّها كلمةٌ هُو قائلُها ومِن ورائهم برزخٌ إلى يومِ يُبعثون} قال الإمامُ الصادق “عليه السلام”:
  • (البرزخُ هُو أمرٌ بين أمرين – هذا هو المعنى الّلغوي لكلمة برزخ – وهُو الثوابُ والعقابُ بين الدُنيا والآخرة وهُو ردٌّ على مَن أنكرَ عذابَ القَبر والثواب والعِقاب قبل القيامة..).
  • ● وبعد ذلك يُضيف عليُّ بن إبراهيم ما قاله إمامُنا الصادق “صلواتُ الله عليه” في مقامٍ آخر، فيقول:
  • (وهُو قول الصادق “عليه السلام”: واللهِ ما أخافُ عليكم إلّا البرزخ، فأمّا إذا صارَ الأمرُ إلينا فنَحن أولى بكم، وقال عليُّ بن الحُسين “عليهما السلام”: إنَّ القَبر روضةٌ مِن رياض الجنّة أو حُفْرةٌ مِن حُفَر النيران..).
  • وهذا هُو المضمون في بعض الروايات مِن أنَّ الميت إذا ماتَ قامتْ قيامته.. هذهِ قيامةٌ صُغرى.. هُناك أكثرُ مِن قيامةٍ للميّت، هُناك القيامةُ الكُبرى والتي يذهبُ فيها إمّا إلى جنّةِ الآخرة أو إلى نار الآخرة.. ولكن قبل القيامةِ الكُبرى هُناك قيامات.
  • فظُهور الإمامِ الحُجّةِ قيامةٌ للمؤمنين، والرجعةُ قيامةٌ للمؤمنين، والإنسانُ إذا ما ماتَ وانتقلَ إلى عالم قبره فإنَّ قيامته قد قامتْ.. هذهِ قيامةٌ خاصّةٌ به.
  • ● قوله: (هُو أمرٌ بين أمرين وهُو الثوابُ والعقابُ بين الدُنيا والآخرة) الثوابُ والعقابُ يَتجلّى في جنان البرزخ ونيران البرزخ بالمعنى الأكمل.. أمَّا في القُبور الجنانيّة وفي القبور النيرانيّة فإنَّ الثواب والعقاب لا يتجلّى هُنا في أكمل صُوَره.. وإنّما أكملُ صُوَر الثواب والعقاب هو في جنان البرزخ وفي نيران البرزخ.. هذا إذا كان الكلامُ عن عالَم البرزخ، وعالَمُ البرزخ في جنانهِ ونيرانهِ هُو صُورةٌ وانعكاسٌ عن عالمِ الآخرة وعن جنانِ الآخرةِ ونيرانها.

  • وقفة عند مقطع مِن حديث الإمام السّجاد “عليه السلام” في كتاب [الخصال] للشيخ الصدوق حديث (108) صفحة 146 ممّا جاء فيه:

  • (قال عليُّ بن الحُسين “صلواتُ الله عليهما”: أشدُّ ساعاتِ ابن آدم ثلاثُ ساعات..) إلى أن يقول: (ومِن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعثون.. هو القَبر، وإنّ لهم فيهِ لَمعيشةً ضَنْكا، واللهِ إنَّ القَبر لروضةٌ مِن رياض الجنّة أو حُفْرةٌ مِن حُفَر النار…).
  • هذهِ آياتُ الكتابِ الكريم وهذهِ أحاديث العترةِ الطاهرة.

  • في سُورة مريم الآية 59: {فخَلَفَ مِن بعدهم خَلف أضاعوا الصلاةَ واتّبعوا الشهوات فسوفَ يلقونَ غيّاً* إلّا مَن تابَ وآمن وعَمِلَ صالحاً فأولئك يدخلون الجنّة ولا يُظلمونَ شيئا* جنّاتُ عدنٍ التي وعدَ الرحمنُ عبادَهُ بالغَيب إنّهُ كانَ وعدهُ مأتيّا* لا يسمعون فيها لغواً إلّا سلاما ولهم رِزقُهم فيها بُكْرةً وعشيّا* تلكَ الجنّةُ التي نُورثُ مِن عبادنا مَن كان تقيّا}.

  • الحديثُ عن بُكْرةٍ وعشيٍّ.. فليسَ في جنّةِ الآخرةِ ذلك، لأنَّ جنّةَ الآخرة إنّما يدخُلُها مَن يدخُلها بعد طيِّ السماء، وحينما تُطوى السماء فإنَّ الشمس تُكوَّر.. فلا يُوجَد ليلٌ ولا نهار.. وإنّما هذهِ جنانُ عالَم البرزخ وعالَم البرزخ من عالَم الدُنيا، ما تحت قبّة السماء الأولى وهو قريبٌ مُوازٍ للعالم الأرضي.. فهذهِ الخصوصيّات موجودةٌ في العالم البرزخي.

  • في [تفسير القُمّي] صفحة 409 في قولهِ عزَّ وجلَّ: ({لا يسمعونَ فيها} قال: يعني في الجنّة {لغواً إلّا سلاما ولهم رِزقُهم فيها بُكرةً وعشيّا} قال: ذلكَ في جنّات الدُنيا قبل القيامة والدليلُ على ذلك قولهِ: بُكْرةً وعشيّاً.. فالبُكْرةُ والعشيّ لا تكونُ في الآخرةِ في جنّاتِ الخُلْد وإنّما يكونُ الغدوّ والعشيّ في جنّاتِ الدُنيا التي تنتقلُ إليها أرواحُ المُؤمنين وتطلعُ فيها الشمسُ والقمر).

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …