دليلُ المسافر – الحلقة ١٥ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٦

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 18 شهر رمضان 1440هـ الموافق 24 / 5 / 2019م

  • لازالَ الحديثُ يَتواصلُ في مَحطّاتِ طَريقنا الطويل البعيد هذا.. هذهِ الحلقةُ هي الجُزءُ السادس من حديثي في أجواء عالم البرزخ.

  • مرَّ الكلامُ في مَحطّةُ الاحتضار، ومَحطَّةُ زُهوقُ الرُوح، ومَحطّةُ هَول المُطّلَع، ومحطّةُ القَبر، والتي اشتملتْ على عدّة عناوين:
  • (وحْشةُ القَبر، ضَغْطةُ القَبر، مُساءَلةُ القَبر، وبعد ذلكَ وصلَ الحديثُ إلى البرزخ وشؤونه وأحواله.
  • ● في الحلقةِ الماضيةِ تناولتُ مجموعةً مِن آياتِ الكتاب الكريم تتحدّثُ عن البرزخ وأحوالهِ وشُؤونه، حيثُ وضعتُ بين أيديكم آياتٍ مِن سُورة المُؤمنون، وسُورة مريم، وسُورة غافر، وسُورة الصفّ، وسُورةِ يس، وسُورةِ نُوح، سُورة البقرة، وسُورة آل عمران، وسُورة هود.. وبقيتْ بين يديَّ آياتٌ أُخرى سأُكمِل عرضها وبنحوٍ مُوجز في هذهِ الحلقة.. فآخر الحديثِ كان في آياتٍ مِن سُورةِ هُود.

  • 10 – وقفة عند الآية 124 بعد البسملة مِن سُورة طه، قولهِ عزَّ وجلَّ: {ومَن أعرض عن ذكري فإنَّ لهُ معيشةً ضنكا ونَحْشُرهُ يومَ القيامةِ أعمى* قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كُنتُ بصيرا* قال كذلك أتتكَ آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى}.

  • ● قوله: {ومَن أعرض عن ذكري فإنَّ لهُ معيشةً ضنكا} قطعاً هذهِ المعيشةُ الضنكا ليستْ في الحياةِ الدنيوية.. الذين يُعرضون عن ذكره (أي عن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد) هل هُم يعيشون معيشةً ضنكا في الحياةِ الدنيويّة؟!
  • عندنا في الرواياتِ ما يُشيرُ إلى أنَّ الآيةَ في أُفُقٍ مِن آفاقها عند ظُهورِ إمامِ زماننا “عليه السلام”.. وقد تَصْدقُ الآيةُ إذا كانَ الحديثُ عن مَعيشةٍ ضَنْكا في بعض جهاتها.. إذا أُريد مِن المعيشةِ الضنكا مَعيشةٌ خاليةٌ مِن لِذّة الإيمان.. يُمكن أن ينطبِقَ هذا المعنى على حياةِ المُعرضين عن مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد.. ولكنَّ ما عندنا مِن الرواياتِ والأحاديثِ في هذا الخُصوصِ فإنّها تتحدّثُ عن مَعيشةٍ ضنكا في عالم البرزخ بعد الموت.. فهُناك مَرحلةٌ قبل يوم القيامة هي مرحلة “المعيشةِ الضنكا”.

  • وقفة عند ما كَتَبهُ أميرُ المُؤمنين إلى مُحمّدٍ بن أبي بكر وهي موجّهةٌ إلى أهْل مِصْر [تفسير البرهان: ج5] صفحة 196 الحديث (9):

  • (وإنَّ المعيشةَ الضنك التي حذّر اللهُ منها عدوّه عذابَ القبر..)

  • وقفة عند مقطع مِن حديثِ الإمام السجاد “عليه السلام” في كتاب [الخِصال] للشيخ الصدوق وهُو الحديثُ (108) صفحة 146.

  • ممّا جاء فيه يقول الإمامُ “عليه السلام” فيما يرتبطُ بقولهِ عزَّ وجلَّ: {ومِن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعثون} قال: (هُو القَبر، وإنَّ لهم فيهِ لَمعيشةً ضَنْكا، واللهِ إنَّ القَبرَ لَروضةٌ مِن رياضِ الجنّة أو حُفْرةٌ مِن حُفَرِ النار…).
  • وقد قرأتُ عليكم هذهِ الرواية في الحلقةِ الماضية.
  • موطنُ الشاهد بالدقّة هُنا.. حين يقول الإمام مُتحدّثاً عمّا يلقاهُ الإنسان في البرزخ، يقول: (هُو القَبر، وإنَّ لهم فيهِ لَمعيشةً ضَنْكا) فَإنَّ الإمامَ السجّاد يُشير إلى ما جاءَ في سُورةِ طه.
  • أعتقد إذا ما دقّقنا النظرَ في التركيبِ التعبيري في نفسِ الآية وجمعنا ما قالهُ سيّدَ الأوصياء وما قالَهُ إمامُنا السجّاد فإنَّ الصُورةَ تكونُ جليّةً واضحة.
  • ● قولهِ: {قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كُنتُ بصيرا* قال كذلك أتتكَ آياتُنا فنسيتها} آياتُ الله هُم مُحمَّدٌ وآلُ مُحمَّد “عليهم السلام”.. فأنتَ ما كُنتَ تُبصِرُ نُور كلامِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. وإنّما تُبصِرُ بعينيكَ قذارات النواصب في كُتُبهم..!

  • 11 – الآية 58 بعد البسملة وما بعدها مِن سورة الحج:

  • {والذين هاجروا في سبيل الله ثمَّ قُتِلوا أو ماتوا ليرزُقنَّهم اللهُ رِزقاً حَسَناً وإنَّ اللهَ لهو خيرُ الرازقين* لَيُدخلَّنهم مُدخَلاً يَرضونَهُ وإنَّ اللهَ لعليمٌ حليم}.
  • هاتانِ الآيتانِ إذا ما جمعناهما مع ما جاءَ في سُورةِ البقرة وما جاءَ في سُورةِ آلِ عمران وقد مَرَّ الحديثُ في ذلك فيما يَرتبطُ بالذين يُقتلون في سبيلِ الله.

  • 12 – سُورة البقرة الآية 54:

  • {ولا تقولوا لِمَن يُقتَلُ في سبيلِ اللهِ أموات بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون}.
  • مرَّ الكلامُ في هذا.. وكذلك في سُورة آل عمران في الآية: 169 – 170:
  • {ولا تَحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون* فرحين بما آتاهم اللهُ مِن فَضْلهِ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم مِن خِلْفهم ألا خَوفٌ عليهم ولا هُم يَحزنون..}.
  • المضمون هو هو الذي جاءنا في سُورة مريم، قولهِ عزَّ وجلَّ:
  • {جنّاتُ عدنٍ التي وعدَ الرحمنُ عبادَهُ بالغَيب إنّهُ كانَ وعدهُ مأتيّا* لا يسمعون فيها لغواً إلّا سلاما ولهم رِزقُهم فيها بُكْرةً وعشيّا}.
  • مرَّ الكلامُ في هذهِ الآيات، ومرَّ الحديثُ في الرزق الذي يُؤتّى به لأهْل الجنّةِ البرزخيّةِ بُكْرةً وعشيّا.. وها هُو المضمونُ يتكرّرُ هُنا في سُورةِ الحجّ في الآيةِ 58 – 59 بعد البسملةِ مِن هذهِ السُورة.. وسبيل الله مُحمّدٌ وآلُ مُحمّداً “عليهم السلام”.

  • 13 – سورة الواقعة الآية 83 وما بعدها: {فلولا إذا بلغتْ الحُلقوم* وأنتم حينئذ تنظرون* ونحنُ أقرب إليهِ منكم ولكن لا تُبصرون}.

  • مرَّ الكلامُ في أنَّ هذهِ الآيات تتحدّث عن حُضور أمير المؤمنين عند كُلّ ميّت.. مرَّ هذا الكلامُ وأشرتُ إلى بعْضٍ مِن الرواياتِ التي وردتْ بهذا الخُصوص.
  • وفي الآيات (88 – إلى 94) جاء في سُورة الواقعة:
  • {فأمَّا إنْ كان مِن المُقرّبين* فرَوحٌ وريحانٌ وجنت نعيم* وأمّا إنْ كانَ مِن أصحاب اليمين* فسلامٌ لكَ مِن أصحابِ اليمين* وأمَّا إنْ كانَ مِن المُكذّبين الضالّين* فنُزُلٌ مِن حميم* وتَصْليةُ جحيم}.
  • ● وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “عليه السلام” في [تفسير القمي] صفحة 685:
  • (عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول: {فأمَّا إنْ كانَ مِن المُقرّبين فرَوحٌ وريحانٌ} في قَبرهِ {وجنَّةُ نعيم} في الآخرة، {وأمَّا إنْ كانَ مِن المُكذّبين الضالّين فنُزُلٌ مِن حَميم} في قبرهِ {وتَصْليةُ جحيم} في الآخرة).
  • — قوله: ({فأمَّا إنْ كانَ مِن المُقرّبين فرَوحٌ وريحانٌ} في قَبرهِ) ذاكَ حين يُفتَحُ فيما بين المؤمنِ الذي يكونُ مَقرّهُ في البرزخ في القبور الجنانيّة، ويُفتحُ فيما بينهُ وفيما بين جنّاتِ البرزخ باباً يصِلُ الرَوحُ والريحان منهُ إلى ذلكَ المدفون في المقابر الجنانيّة.. إنّهُ حديثٌ عن البرزخ.

  • وقفة عند آيات مِن سُورة مُحمّد “صلَّى اللهُ عليه وآله”.. أُريدُ أن أضربَ لكم مِثالاً لأنَّ هذهِ الآيات هي آخرُ آياتٍ أعرضُها بين أيديكم فيما يَرتبط بعالَم البرزخ.. لذا سأقفُ وقفةً لأضعَ مِثالاً بين أيديكم يُبيّن لكم كيف تتمازجُ الآياتُ والروايات.

  • إنّهُ منهجُ عليٍّ وآل عليٍّ في فَهْم القرُآن في أُفقٍ مِن آفاقهِ.. لأنَّ القُرآن كما يقول صادقهم “صلواتُ الله عليه” نزلَ على العبارةِ والإشارةِ والّلطائفِ والحقائق.
  • أمَّا العبارةُ فللعوام، وأمَّا الإشارةُ فللخواص، وأمَّا الّلطائفُ فللأولياء (وهُم المجموعةُ الفائزةُ الناجحةُ الذين لهم ما لهم مِن الخُصوصيّات ومَرَّ الحديثُ عنهم) أمَّا نَحنُ فإنَّنا مِن المجموعة التي يكونُ أمرُها مُبهَماً.
  • وأمَّا حقيقةُ القُرآن بحقيقةِ حقيقةِ حقّهِ فتلكَ خاصّةٌ بهم “صلواتُ الله عليهم” حين يقولون: (لا يفهم القرآن إلّا مَن خُوطِبَ به).

  • 14 – سُورة مُحمّد الآية 15:

  • {مثل الجنَّة التي وُعِد المُتّقون فيها أنهارٌ مِن ماءٍ غير آسن وأنهارٌ مِن لَبَنٍ لم يتغيّر طَعْمهُ وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لَذّةٍ للشاربين، وأنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصفَّى ولهم فيها مِن كلّ الثمرات ومغفرةٌ مِن ربّهم كمَن هُو خالدٌ في النار وسُقُوا ماءً حميماً فقطّع أمعاءهم}.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [الاختصاص] للشيخ المُفيد.
  • (عن عبد الله بن سنان، قال: سألتُ أبا عبد الله “عليه السلام” عن الحوض فقال لي: هُو حوض ما بين بُصرى إلى صنعاء، أتحبُّ أن تراه؟ فقُلتُ لهُ: نعم، قال: فأخذَ بيدي وأخرجني إلى ظهْر المدينة – أي خارج المدينة – ثمَّ ضربَ برجلهِ فنظرتُ إلى نهرٍ يَجري مِن جانبهِ هذا ماءٌ أبيضُ مِن الثلج، ومِن جانبهِ هذا لبنٌ أبيضُ مِن الثلج، وفي وَسَطِهِ خمْرٌ أحسنُ مِن الياقوت، فما رأيتُ شيئاً أحسنَ مِن تلكَ الخَمْرِ بينَ الَّلبن والماء، فقلتُ له: جعلتُ فداك، مِن أين يخرجُ هذا ومِن أينَ مَجراه؟ فقال “عليه السلام”: هذهِ العُيون التي ذكرها اللهُ في كتابه:
  • أنهارٌ في الجنّة، عينٌ مِن ماء، وعينٌ مِن لبن، وعينٌ مِن خَمْر يَجري في هذا النهْر، ورأيتُ حافّتيهِ – أي حافّتا النهر – عليهما شجرٌ فيهنَّ جوارٍ مُعلّقاتٍ برُؤوسهن، ما رأيتُ شيئاً أحسنَ مِنهُنَّ، وبأيديهنَّ آنيةٌ ما رأيتُ أحسنَ منها، ليستْ مِن آنيةِ الدُنيا، فدنى – الإمام – مِن إحداهُنَّ فأومأ إليها بيدهِ لتسقيهِ فنظرتُ إليها وقد مالتْ لتغرفَ مِن النهْر فمال الشجر، فاغترفتْ ثمَّ ناولتهُ، فشرِب، ثمَّ ناولها وأومأ إليها، فمالت الشجرة معها، فاغترفتْ، ثمَّ ناولتهُ، فناولني فشربتُ، فما رأيتُ شراباً كانَ ألينَ منهُ ولا ألذ، وكانتْ رائحتهُ رائحةُ المِسْك، ونظرتُ في الكأس فإذا فيهِ ثلاثةُ ألوان مِن الشراب فقُلتُ لهُ: جعلتُ فداك، ما رأيتُ كاليوم قطّ وما كنتُ أرى الأمْر هكذا، فقال: هذا مِن أقلّ ما أعدّهُ الله تعالى لشيعتنا، إنَّ المُؤمن إذا تُوفّي صارتْ رُوحهُ إلى هذا النهر، ورعتْ في رياضهِ، وشربتْ مِن شرابه، وإنَّ عدوَّنا إذا تُوفّي صارتْ رُوحه إلى وادي برهوت، فأخلِدتْ في عذابه، وأُطعِمتْ مِن زقّومهِ وسُقيتْ مِن حميمهِ، فاستعيذوا باللهِ مِن ذلك الوادي).
  • مِن خلالِ جوابِ إمامنا الصادق يبدو أنَّ سُؤال عبد الله بن سنان عن الحوض في عالم البرزخ وليس في عالمِ الآخرة.. فإنَّ حوض الكوثر لهُ صُورةٌ في عالمِ البرزخ وستظهرُ في زمانِ الرجعة العظيمة نُسخةُ الكوثر البرزخيّة.. ويتواصلُ أهلُ زمانِ الرجعة مع حوضِ الكوثر في زمنِ الدولة المُحمّديّة.. هكذا أخبرتنا الروايات.
  • ● قوله: (هُو حوض ما بين بُصرى إلى صنعاء) بُصرى في الشام، وصنعاء في اليمن.. بُصرى كانتْ حاضرةً مَعروفةً آنذاك مِن حواضر الغساسنة.
  • استعمالُ العناوين والمُصطلحات والأسماء الجغرافيّة التي هي في عالمنا التُرابي هي إشاراتٌ إلى بوّاباتٍ.. هذهِ البوّاباتُ ليستْ مِن سِنخيّةِ عالمنا التُرابي، تقودنا إلى عالم البرزخ بكُلّ تفاصيله.
  • ● قوله: (ثمَّ ناولها وأومأ إليها، فمالت الشجرة معها، فاغترفتْ، ثمَّ ناولتهُ، فناولني فشربتُ) الإمام شرِبَ أوّلاً ولم يُشركْ فيهِ عبد الله بن سنان لأنَّ الشرابَ الذي شرِبهُ الإمامُ لا يحتملُ عبد الله بن سنان أن يتناولَهُ.. فعبد الله بن سنان كانَ في الدُنيا ولابُدَّ أن تكونَ المُكاشفةُ بحَسَبه ولابُدَّ أن تكونَ الرُؤيةُ بِحَسَب بصيرته.. وهذه المضامين واضحةٌ في ثقافة الكتاب والعترة.
  • هذهِ المعاني تُنقَلُ إلينا بلسانٍ تقريبي.. عبد الله بن سنان رأى ما رأى بِحَسَب البصيرة التي مَنَحهُ إيّاهُ الإمامُ الصادق.. وهُو يُحدّثنا بلسانٍ تقريبي، لأنّهُ لا يَستطيعُ أن يَصِفَ لنا ما أدركهُ ببصيرتهِ بلسانهِ.. فما يُدرَكُ بالبصائر يصعبُ على الألسنةِ أن تُترجمه.
  • ● قوله: (إنَّ المُؤمن إذا تُوفّي صارتْ رُوحهُ إلى هذا النهر) أي صارتْ رُوحهُ إلى عالمِ البرزخ.. فالإمام يتحدَّث عن حوض الكوثر البرزخي، وهذا ما تحدّثتُ عنه مِن أنَّ البرزخ فيهِ جنبةٌ ماديّةٌ تتناسبُ مع ذلك العالم، وهذا ما يَقولهُ عبداللهُ بن سنان مِن أنّهُ رأى آنيةٍ ليستْ مِن آنيةِ الدُنيا، ورأى شراباً ليس مِن شراب الدُنيا، وكُلُّ الذي رآهُ لم يرَ مِثلهُ في عالم الدنيا.
  • ● قوله: (وإنَّ عدوَّنا إذا تُوفّي صارتْ رُوحه إلى وادي برهوت، فأخلِدتْ في عذابه) هذا الخلود خُلودٌ مُقيّد.. فإنّنا نقرأ في نفس الآية مِن سُورةِ مُحمّد: {كمَن هو خالدٌ في النار وسُقُوا ماءً حميماً فقطّع أمعاءهم} النغمةُ هي النغمة.
  • الحديثُ عن الخلودِ إن كان في الجنّةِ أو كان في النار فيما يرتبطُ بعالَم البرزخ.. مرَّتْ الإشارةُ إليهِ مثلما جاء في سُورة هُود في الآية 106 وما بعدها، قولهِ عزَّ وجلَّ: {فأمَّا الذين شَقُوا ففي النار لَهم فيها زفيرٌ وشهيق* خالدين فيها ما دامتْ السماواتُ والأرض إلّا ما شاءَ ربّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لِمَا يُريد* وأمَّا الذين سُعِدُوا ففي الجنّةِ خالدين فيها ما دامتْ السماواتُ والأرض إلّا ما شاءَ ربّك عطاءٌ غير مَجذوذ}.
  • فإنَّ البرزخ قائمٌ ما دامتْ السماواتُ والأرض، أمَّا جنانُ الآخرةِ ونيرانُ الآخرةِ فإنّنا ندخُلها بعد التغيّر والتبدّل في تكوين السماواتِ والأرض.
  • إنّما أشرتُ إلى هذهِ النُقطةِ كي تُلاحظوا التطابقَ الواضح والتناغم الجميل بين أحاديث العترة الطاهرة التي تُفسّر الكتاب الكريم وبين ما جاء في آياتِ قرآنِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ “عليهم السلام”.
  • ● قوله: (فاستعيذوا باللهِ مِن ذلك الوادي) أي استعيذوا باللهِ ممّا يَجري مِن ألمٍ وعَذابٍ في عالَمِ البرزخ.. فهذهِ الآيةُ صريحةٌ واضحةٌ في عالَم البرزخ، وهي تنقلُ لنا صُورةً قريبةً مِن صُوَرٍ هي أعظمُ في جنانِ الخُلْدِ في “جنانِ الآخرة”.
  • مثلما قُلتُ لكم في الحلقاتِ المُتقدّمةِ مِن أنَّ جنانَ البرزخِ هي صُوَرٌ مُقاربةٌ لجنانِ الآخرة، وكذلكَ نيرانُ البرزخِ هي صُوَرٌ مُقرّبةٌ لِنيرانِ الآخرة.

  • وقفة عند حديث سيّد الأوصياء في كتاب [كامل الزيارات] الباب (13):

  • (عن عليٍّ “صلواتُ الله عليه” قال: الماءُ سيّدُ شراب الدُنيا والآخرة، وأربعة أنهار في الدنيا من الجنّة الفُرات والنيل وسيحان وجيحان – من الأنهر التي في بلاد ما وراء النهر- الفراتُ: الماء، والنيلُ: العسل، وسيحان: الخمر، وجيحان: الّلبن).
  • والمضمون هُو هو رواهُ الشيخ الصدوق في كتابهِ [الخصال] في صفحة 279 الحديث (116):
  • (عن أمير المؤمنين “صلواتُ الله عليه” قال: قال رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”: أربعةُ أنهارٍ مِن الجنّة: الفُرات والنيل وسيحان وجيحان، فالفراتُ الماء في الدنيا والآخرة، والنيل العسل، وسيحان الخمر، وجيحان اللبن).
  • فهذهِ المضامين جاءتنا مرويّةً عن رسول الله وعن أمير المؤمنين “صلواتُ الله وسلامهُ عليهما”.
  • ● يحيرُ الإنسانُ أن يصِفَ طَعْمَ الماء.. أو أن يُعبّر عن طَعْم الماء.. ولكنَّ الإمامَ الباقر اختصرَ الطريقَ علينا وأعطانا تعريفاً لِطعم الماء.. فحِين سُئِلَ عن طعم الماء ما هو؟ قال “عليه السلام”: (طَعْمُ الماءِ طَعْمُ الحيــاة..) هل تَجدون تَعبيراً أجملَ مِن هذا التعبير؟!
  • ● قول سيّد الأوصياء: (وأربعة أنهار في الدنيا من الجنّة) هذهِ هي الرُموز.. هُنا تتحرّكُ آليّةُ الرمز في حديثِ العترة وفي حديثِ القُرآن.. فحين تقول الرواية: (الفُرات والنيل وسيحان وجيحان) هذهِ عناوينُ أرضيّةٌ.. الإمامُ لا يتحدّثُ عن نهر الفُراتِ الذي ينبعُ مِن تُركيا.. فإذا كان يتحدَّثُ عن هذا النهر، فهو بوّابةٌ أرضيّةٌ تُشيرُ إلى جهةٍ في عالمِ البرزخ.
  • مِثلما هُناك قبرٌ للأجسادِ في عالم التراب وهُناك قبرٌ حقيقيٌّ للأرواحِ في عالَم البرزخ.. ففُراتُنا الذي على الأرض هذا هُو فُراتنا الأرضي، وإذا كانتْ لهُ مِن خُصوصيّةٍ فخُصوصيّتهُ تأتي مِن جهاتٍ أُخرى.
  • فُراتُ الجنّةِ – الذي هُو في عالَم البرزخ – شيءٌ، وفراتُ الأرض شيءٌ آخر.. وإذا كانتْ لِفراتِ الأرضِ مِن خُصوصيّةٍ فإنّها تأتي مِن جهاتٍ أُخرى.. أنا لا أتحدّثُ هُنا عن فضْل نهْر الفُرات.. فهُناك رواياتٌ تمدحُ ماءَ نهْر الفُرات الذي هُو في أرضنا.. ولكن أنا لا أتحدَّث عن ماءِ نهْر الفُرات، وإنّما هذهِ عناوين ورُموز.
  • ● هُناك رُموزٌ في حديثِ القُرآن وفي حديثِ العترة.. أنا هُنا لستُ بصددِ تفكيكِ هذهِ الرُموز، لو كُنتُ بصدد تفكيكِ هذهِ الرُموز فسأحتاجُ إلى ساعاتٍ طويلةٍ وقَطْعاً بحَسَب فَهْمي.. فأنا لا أمتلكُ ناصية الحقيقة.. وإنّما أجولُ وقد أتخبّطُ في تجوالي هذا.
  • أنا أُعطيكم ضماناً فقط أنّي لا أُخرجكم مِن حدود الكتاب والعترة في برامجي هذهِ.. ولكنّني لا أُعطي ضماناً أبداً على صِحّة فَهْمي أبداً..

  • وقفة عند عبارة مِن كلامٍ طويلٍ مُفصّلٍ لسيّد الأوصياء في كتاب [الاحتجاج] للشيخ الطبرسي.. في صفحة 252 يقول أميرُ المُؤمنين “صلواتُ اللهِ عليه”:

  • (وإنّما جعلَ اللهُ تباركَ وتعالى في كتابهِ هذهِ الرُموز التي لا يعلمُها غيره وغير أنبيائه وحُجَجِهِ في أرضهِ لعلمهِ بما يُحدثهُ في كتابهِ المُبدّلون).
  • أنا لستُ بصددِ إيرادِ كُلّ كلامِ الأمير، وإنّما أردتُ الإشارة إلى هذهِ القضيّة وهي أنَّ القُرآن يَشتملُ على رُموز، وأنَّ حديثهم يشتملُ على رُموز.
  • ● قوله: (هذهِ الرُموز التي لا يعلمُها غيره وغير أنبيائه وحُجَجِهِ في أرضهِ لعلمهِ) هُو نفس المَنطق القُرآني: {وما يعلمُ تأويلَهُ إلّا اللهُ والراسخُون في العِلْم} هذا القُرآن لا يَفهمُهُ إلّا مَن خُوطِبَ به.
  • ● قوله: (لعلمهِ بما يُحدثهُ في كتابهِ المُبدّلون) حرَّفوا القُرآن لَفظيّاً وحرّفوا القُرآن مَعنويّاً.. وركضَ مراجعُ الشيعةِ وراءَ أُولئكَ المُحرّفين..!
  • فهُناك رُموزٌ في القُرآن ورُموزٌ في حديثِ العترة.. وسيّد الأوصياء هُنا يُحدّثنا عن رُموز القرآن.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [معاني الأخبار] للشيخ الصدوق، والذي يُحدّثنا فيهِ عن رُموز حديث العترة.. فيقول:

  • (عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” أنّهُ قال: حديثٌ تدريهِ خيرٌ مِن ألف حديثٍ ترويه، ولا يكونُ الرجلُ منكم فقيهاً حتَّى يعرفَ معاريضَ كلامنا، وإنَّ الكلمةَ مِن كلامنا لتنصرِفُ على سبعين وجهاً لنا مِن جميعها المخرج).
  • عمائمُنا الشيعيّة الكبيرة لا هي التي تروي الحديث ولا هي التي تدري الحديث..! وقد عرضتُ في برامجي السابقة الكثير والكثير مِن الحقائق والوثائق تُؤكّد هذهِ الحقيقة.
  • سيّد الأوصياء يقول: “قيمةُ كُلُّ امرئٍ ما يُحسنهُ” أي ما يُحسنُ مِن العلم والفَهْم والبيان.. وقَطْعاً البيانُ يُخْبِرُ عن عِلْمٍ وفَهْم.. أمَّا هؤلاء الذين يُبيّنون شيئاً ولا يبينُ منهم شيء فذلك يُخبرُ عن عدم فَهْمٍ صحيح وعن جهْلٍ وجهالة.. وهذه القضيّة واضحة لا تحتاجُ إلى كثيرٍ من الذكاءِ وإلى كثيرٍ مِن التفكّر والتدبّر.. ولِذا نحنُ ابتُلينا بمراجع ساكتين لا يتكلّمون.. مراجع عاجزين عن الحديث، وهو إمّا فشلٌ في الاختصاصِ أو تقصيرٌ في الواجب.
  • هذا المرجع الذي لا يتحدّث، ولا يتكلّم، ولا يُبيّن الحقائق، ولا ينصرُ الإمام الحُجّة بلسانه، ولا يُوجّه الشيعةَ إلى معارف إلى آلِ مُحمّد، وإذا ما نصحهم نَصَحَهم بأشخاصٍ هم أبعد ما يكونون عن ثقافةِ آل مُحمّد.. المرجع الذي حالهُ هكذا إمّا هو فاشلٌ في اختصاصهِ فلا يتحدّث ولا يتكلّم كي لا يُفضّح.. وإمّا هو مُقصّرٌ في واجبه.. وإلّا فما هو السرّ وراء ذلك؟!
  • هل هي سيرةٌ جديدةٌ أفضلُ مِن سيرة مُحمّدٍ وآل مُحمّد..؟!
  • سِيرةُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد هي الكلام والحديث والبيان.. لو لم يتكلّموا كيف وصل إلينا هذا الدين وهذهِ الحقائق التي يجهلها هؤلاء المراجع ولا يعرفون أسرارها ولا حقائقها بسبّب اتّباعهم للمناهج الناصبيّة (إن كان في مسألةِ قبول ورفض الحديث، أو في مسألةِ فَهْم الحديث وما يُستخرَج منه مِن معانٍ ومضامين).
  • ● قولهِ: (ولا يكونُ الرجلُ منكم فقيهاً حتَّى يعرفَ معاريضَ كلامنا) المعاريضُ في كلامِ أيّ شخصٍ هي رُموزٌ ومفاتيح يستعملها هُو بشكلٍ خاص.. بحيث لا يُمكنُ أن يُفهَم كلامهُ ما لم تُعرَف تلكَ المعاريض.. وبإمكان أيّ شخصٍ أن يَصنعَ لهُ معاريض.
  • آلُ مُحمّد عندهم مَعاريضهم الخاصّةُ بهم، والذي يُريدُ أن يعرفَ معاني كلامهم فعليهِ أن يعرفَ معاريضَ كلامهم وتلكَ هي رُموزهم ومفاتيحُ حديثهم.
  • فقُرآنهم وحَديثهم “صلواتُ الله عليهم” يبتني على منظومةٍ مِن الرموز ومِن المعاريض، والكلامُ هُنا وفقاً لِتلك الرُموز.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج3] صفحة 233 باب: جنّة الدنيا:

  • (عن ضريس الكناسي، قال: سألتُ أبا جعفر “الباقر عليه السلام”: إنَّ الناس يَذكرونَ أنَّ فُراتنا يَخرجُ مِن الجنّة، فكيف هُو وهُو يقبِلُ مِن المَغرب وتصبّ فيه العيون والأودية؟ قال: فقال أبو جعفر “عليه السلام” وأنا أسمع: إنَّ للهِ جنَّةً خَلَقَها اللهُ في المَغرب – أي في الجانب البعيد عن عُيوننا – وماءُ فُراتكم يَخرجُ مِنها، وإليها تخرجُ أرواحُ المُؤمنين مِن حُفًرهم عند كلّ مساء، فتسقطُ على ثمارها وتأكلُ منها وتتنعَّم فيها وتتلاقى وتتعارف، فإذا طلعَ الفجرُ هاجتْ مِن الجنّة – أي خرجتْ بمجموعها – فكانتْ في الهواء فيما بين السماء والأرض، تطيرُ ذاهبةً وجائيةً، وتعهدُ حُفَرَها إذا طلعتْ الشمس – أي تذهب تزورُ قُبورها الجسديّة – وتتلاقى في الهواء وتتعارف…).
  • ● قوله: (إنَّ للهِ جنَّةً خَلَقَها اللهُ في المَغرب وماءُ فُراتكم يَخرجُ مِنها) الإمامُ هُنا لا يتحدّث عن نهر الفراتِ الذي هو في عالم الأرض.. الإمامُ يتحدّثُ عن فُراتٍ في عالمِ البرزخ.. ولكنّنا في الرواياتِ إذا ما أردنا أن نجمعَ كُلّ النصوصَ حول نهْر الفُراتِ الذي هُو في البرزخ والذي هُو في عالمِ الأرض.. فإنَّ الرواياتُ تُخبرنا أنَّ الملائكةَ تَصبُّ في نهْر الفُرات الأرضي مِن ماءِ ذلكَ الفُرات الجناني.. ولهذا السبب كانتْ هُناك خُصوصيّةٌ لماء نهْر الفرات.
  • قَطْعاً الحديثُ في خُصوصيّةِ ماء نهْر الفرات ليس مِن بدايته وإنّما حينما يكونُ في الأرضِ المُقدّسة (أرض كربلاء) الحديثُ في هذهِ الخُصوصيّة، وهذا موضوعٌ لهُ تفصيل.. وكذاك حين يكونُ في الكوفة فهُناك وادي السلام وتلكَ جنّةٌ مِن جنّاتِ عدنٍ بوّابتُها هُناك.
  • فنهرُ الفرات الأرضي لهُ ما لَه مِن الخُصوصيّة في استحبابِ الاغتسال فيه، في استحبابِ شُرْبه، في استحبابِ مَزجهِ بترابِ كربلاء، في استحبابِ تَحنيك الأطفال به وبقيّة الطقوس التي مرّت في الروايات.
  • ● قوله: (وماءُ فُراتكم يَخرجُ مِنها – أي مِن هذهِ الجنّة – وإليها تخرجُ أرواحُ المُؤمنين مِن حُفًرهم عند كلّ مساء) هذا للذين يُدفَنون في القُبورِ الجنانيّة ويُؤذَن لِبعضهم.. أمَّا سُكّانُ الجنانِ البرزخيّة فأولئكَ لَهم ما لَهم مِن الشأن وقد مرَّ الحديثُ عن ذلك.
  • هذهِ الروايات كُلُّ روايةٍ تتحدّثُ جانبٍ، عن جهةٍ، عن مقطعٍ ممّا يجري في عالم البرزخ.
  • ● الروايةُ تستمرُّ بنفس هذا الاتّجاه في الحديثُ عن عالَم البرزخ، عن جنانٍ في البرزخ وعن نيرانٍ في البرزخ، وعن قُبورٍ جنانيّة، وعن قُبورٍ نيرانيّة.. وهُناك مقابرُ واسعة للنوم ليس لَها مِن ذِكْرٍ كثيرٍ في أحاديثِ الأئمة.. هُم نائمون.. ناموا في الدُنيا، نامتْ عقولهم وتنامُ أرواحهم في عالَم البرزخ.. مِثلما قال الأئمة: “يُلهى عنهم”.
  • أكثرُ الأحاديث عندنا عن عالَم البرزخ وكذلكَ الآيات تتناولُ بالدرجةِ الأوّل الجنانَ البرزخيّة وبالدرجة الثانيّة القبورَ الجنانيّة والقبور النيرانيّة، وهذهِ قُبور أرواحِ وليستْ قُبور الأجساد.. أمَّا مقابرُ نومِ الأرواح فهي مقابرُ واسعةٌ جدّاً جدّاً جدّاً.. ولكنَّ الأحاديث لم تعبأ بتلكَ المقابر كثيراً.

  • في الآية 18 مِن سُورة مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله”: {فهل ينظرون إلَّا الساعةَ أن تأتيهم بغتةً فقد جاءَ أشراطُها}.

  • الساعةُ التي تأتينا بغتة إمّا هي ساعةُ إمامِ زماننا، ساعةُ ظهورهِ وقد ورَدَ هذا المعنى في كلماتهم الشريفة وفي أحاديثهم التفسيريّة.. وكذاك ساعةُ يوم القيامةِ فإنّها تأتي بغتةً بعد انتهاء الدولةِ المُحمّديّة وبعد دخول الأرض في مَرحلةِ الفساد حينما ينتهي عُمْر الدنيا الافتراضي.
  • ● هذا المُصطلح “أشراط الساعة” مُصطلحٌ قرانيٌّ ومُصطلحٌ معصوميٌّ من مُصطلحاتِ ثقافة الكتاب والعترة.. فكُلُّ ما تقدّم هُو سابقٌ على أشراطِ الساعةِ وعلى الساعة.

تحقَق أيضاً

الجزء ٢ والأخير

تقدّمَ الجُزءُ الأوّل حيثُ ناقشتُ بيانَ المرجعيّةِ الدينيّةِ العُليا في النجف الأشرف الذي …