دليلُ المسافر – الحلقة ١٦ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٧ + المحطّة الخامسة: الرجعة ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 19 شهر رمضان 1440هـ الموافق 25 / 5 / 2019م

  • مَرَّ الحديثُ في الحَلَقاتِ الماضية في جانبٍ مِن مَحطّاتِ هذا السَفَر الطويل.. وَلازالَ الحديثُ يَتواصلُ في مَحطّاتِ سَفَرنا الطويل البعيد هذا.. مَحطّةُ الاحتضار، مَحطَّةُ زُهوقُ الرُوح، مَحطّةُ هَول المُطّلَع، محطّةُ القَبر، والتي تشتملُ على عدّة عناوين:

  • (وحْشةُ القَبر، ضَغْطةُ القَبر، مُساءَلةُ القَبر، ثُمَّ البرزخ..)
  • هذا هُو الجُزءُ السابعُ مِن حديثي في أجواء عَالم البرزخ.. وسيكونُ جُزءاً أخيراً.
  • ● في الحلقةِ الماضيةِ والتي قَبْلها عَرَضتُ بين أيديكم مَجموعةً مِن آياتِ الكتاب الكريم تدورُ مَضامينُها بِحَسَب تفسير عليٍّ وآل عليّ حول البرزخ.. من سُورٍ مُختلفة: (المُؤمنون، مريم، غافر أو “سُورة المُؤمن”، الصفّ، يس، نُوح، البقرة، آلِ عمران، هُود، طه، الحجّ، الواقعة، والختامُ عند سُورة مُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله”).
  •  
  • البرزخ في حديث العترة الطاهرة
  •  
  • في هذا الجُزء مِن حديثي سأُوردُ لكم نَماذج مِن الرواياتِ أقتطِفُها مِن كمٍّ هائلٍ مِن حديثِ العترةِ في أجواءِ البرزخ.

  • وقفة عند حديث الإمام السجّاد “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج6] صفحة 248 الحديث (86) وهو منقول عن كتاب بصائر الدرجات.

  • (عن يَحيى بن أمّ الطويل، قال: صَحِبتُ عليَّ بن الحُسين “عليهما لسلام” مِن المدينةِ الى مكّة وهُو على بغَلتهِ وأنا على راحلةٍ – أي ناقة – فَجُزنا وادي ضجنان – أي مررنا بهِ وهو وادٍ بين المدينة ومكّة – فإذا نَحنُ برجلٍ أسود في رقبتهِ سلسلة وهُو يقول: يا عليَّ بن الحُسين اسقني، فوضعَ رأسهُ على صَدْره ثمَّ حرَّك دابّته، قال: فالتفتُّ فإذا برجلٍ يَجذبهُ – يجذبُ ذلك الرجل الأسود – وهُو يقول – للإمام السجّاد -: لا تسْقهِ.. لا سقاهُ الله، قال: فحرّكتُ راحلتي ولحقتُ بعليّ بن الحُسين، فقال لي: أيّ شيءٍ رأيت؟ فأخبرته، فقال: ذاك معاوية لعنه الله).
  • ● قوله: (فوضعَ رأسهُ على صَدْره ثمَّ حرَّك دابّته) أي أنَّ الإمامَ ما أرادَ أن ينظرَ إليه، أعرضَ عنه.. يعني أطرقَ باتّجاهِ صدْره.
  • مُكاشفةٌ في عالم البرزخ، ولكنّها مِن المُكاشفاتِ في الدرجةِ العالية جدّاً.. فيحيى بن أُمّ الطويل قد رأى ذلك وهُو شيءٌ لا يراه الآخرون.. الإمامُ السجّادُ هو الذي مَنَحهُ تِلك الرؤية.. هذهِ صُورةٌ مِن صُوَر المُكاشفةِ على أساسِ الصفاء الإيماني وهي مِنحةٌ مِن الإمامِ المعصومِ “عليه السلام”

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج6] صفحة 291 الحديث (15) وهو منقولٌ عن كتاب الكافي الشريف.

  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنَّ مِن وراءِ اليمن – لِمَن كان يعيشُ في حواضر اليمن – وادياً يُقالُ لهُ: وادي برهوت، ولا يُجاورُ ذلكَ الوادي إلّا الحيّاتُ السُود والبومُ مِن الطير – لأنّهُ قَفْرٌ مُدقعٌ – في ذلكَ الوادي بئرٌ يُقال لها: بلهوت يُغدى ويُراح إليها بأرواحِ المُشركين، يُسقَون مِن ماءِ الصديد).
  • هذا الكلامُ مرَّتْ الإشارةُ إليهِ في سُورةِ غافر في الآيةِ 46 تتحدّث عن آلِ فرعون: {.. وحاقَ بآلِ فرعونَ سُوءُ العذاب* النارُ يُعرضَون عليها غُدوَّاً وعشيّاً..}.
  • فهذا القانون “قانونُ الغُدوّ والعشَيّ للنعيمِ وللجحيمِ” هُو مِن قوانينِ عالم البرزخ.. وهذا مِصداقٌ آخر مِن مَصاديقِ هذا القانون.

  • وقفة عند مقطع مِن روايةٍ طويلةٍ جميلةٍ جدّاً لإمامنا الصادق “عليه السلام” في كتاب [كامل الزيارات] باب (108) صفحة 340 الحديث (2):

  • (عن عبد الله بن بكير الأرجاني، قال: صحِبتُ أبا عبد الله “عليه السلام” في طَريق مكّة مِن المدينة، فَنزلنا مَنزلاً يُقال لهُ عسفان – منطقةٌ ما بين مكّة والمدينة – ثمَّ مَرَرنا بجبلٍ أسود عن يسارِ الطريق مُوحش، فقلتُ له: يا بن رسول الله، ما أوحشَ هذا الجبل..! ما رأيتُ في الطريق مِثل هذا، فقال لي: يا بن بكير أ تدري أيّ جبلٍ هذا؟ قلتُ: لا. قال: هذا جبلٌ يُقالُ لهُ الكُمْد وهُو على وادٍ مِن أودية جَهنَّم، وفيه قَتَلَةُ أبي الحُسين استودعَهم فيه، تجري مِن تحتهم مياه جهنّم مِن الغِسلين والصديد والحميم – إنّها سوائلُ جهنّم – وما يخرجُ مِن جبّ الجوي وما يخرجُ مِن الفَلَقِ من أثام وما يَخرجُ مِن الخَبال وما يَخرجُ مِن جَهنّم – جهنّم موطنٌ مِن مواطن النار – وما يخرجُ مِن لظى، ومِن الحُطَمة، وما يخرجُ مِن سَقَر، وما يَخرجُ مِن الحميم، وما يَخرجُ مِن الهاوية، وما يَخرجُ مِن السعير – هذهِ مَراتبُ وطبقاتٌ في نارِ البرزخِ وهي انعكاسٌ لطبقاتِ النار في عالم الآخرة –
  • ● يقول الإمام: (وما مررتُ بهذا الجَبَل في سَفري فَوقفتُ بهِ إلّا رأيتُهما – أي الأوّل والثاني – يستغيثان إليّ، وإنّي لأنظرُ إلى قَتَلَةِ أبي وأقولُ لهما: إنّما هؤلاء فعلوا ما أسّستُما..).
  • ● قوله: (قال: هذا جبلٌ يُقالُ لهُ الكمد وهُو على وادٍ مِن أودية جَهنَّم) مِن أوديةِ جهنّم في عالمِ البرزخ، إنّها جهنّمُ البرزخيّة.. هذهِ بوّاباتٌ في عالم الأرضِ إلى عالَمِ البرزخ العالَمُ المُوازي لِعالمنا هذا.
  • وقول الإمام: (وفيه قَتَلَةُ أبي الحُسين استودعَهم فيه) الإمامُ مسؤولٌ عن هذا الأمر.. الإمامُ الصادق مَسؤولٌ عمَّا يَجري في عالَم الأرض التُرابي وفي عالَم البرزخ الذي يُوازي عالَمنا هذا.. فهم “عليهم السلام” يُشرفون علينا في كُلّ لحظةٍ وقد كانوا حُضّاراً عند الاحتضار.. ومرَّتْ التفاصيل، ونَحنُ هُنا في هذا البرنامج إنّما نتشاركُ في صُوَرٍ مُقتضبةٍ مَحدودة.. الموضوعُ أكبرُ مِن كُلّ هذا الذي أقوله.
  • الروايةُ تتحدّثُ عن النار وعن جهنّم وعن مواقع النار في عالم البرزخ التي هي صُوَرٌ وانعكاساتٌ لنفس هذهِ المواقع في نار الآخرة.. فهذهِ العناوينُ هي هي في عالمِ البرزخ وهي هي في عالَم الآخرة.. قَطْعاً مع الفارق في ما يجري هُناك وما يجري هُنا في عالم البرزخ.
  • ● قوله: (وإنّي لأنظرُ إلى قَتَلَةِ أبي وأقولُ لهما – أي للأوّل والثاني -: إنّما هؤلاء فعلوا ما أسّستُما..) ولذا كان الحُسينُ يقول بعد أنّ خضّبَ وجهَهُ بدمهِ الطاهر: فقال هكذا ألقى جدّي رسولَ الله وأقولُ يا جدّ قتلني فلانٌ وفلان.. والروايةُ صريحةٌ في الجُزء الثامن مِن [الكافي الشريف] عن إمامنا الصادق “عليه السلام” يقولُ فيها الإمامُ “عليه السلام”: (إذا كُتِبَ الكتاب قُتِلَ الحُسين) إنّها الصحيفةُ المشؤومةُ التي كتبوها في زمانِ رسول الله ونفَّذوها عَمليّاً في سقيفة بني ساعدة الملعونة.. وهو نفس المضمون الذي نقرؤهُ في زيارةِ عاشوراء، حين تقول الزيارة:
  • (فلعَنَ اللهُ أُمَّةً أسستْ أساسَ الظُلْم والجَور عليكم أهل البيت..) إنّهم رُموز السقيفة الذين يُدافعُ عنهم مراجعنا وعُلماؤنا.. فكُتُب مَراجعنا مَشحونةٌ مِن قبائحِ وقذاراتِ أقلامهم يُدافعون عن قَتَلةِ فاطمة وعن اعداء فاطمة وأعداء عليٍّ وآل علي.. ويُحاولون قدْر الإمكان أن يُبرّئوا هؤلاء..!
  • ● وفي مقطعٍ آخر مِن زيارة عاشوراء نقرأ:
  • (يا أبا عبد الله إنّي أتقرّب إلى اللهِ وإلى رسولهِ وإلى أميرِ المُؤمنين وإلى فاطمة وإلى الحَسَن وإليكَ بمُوالاتك، وبالبراءةِ مِمَّن قاتلكَ ونَصَبَ لكَ الحَرْب وبالبراءةِ مِمَّن أسّس أساس الظُلْم والجَور عليكم، وأبرأُ إلى اللهِ وإلى رسولهِ مِمَّن أسَّس أساسَ ذلك وبنى عليه بُنيانه…).
  • ● وفي مَقطع الّلعنِ المئوي مِن زيارةِ عاشوراء.. نقرأ: (الَّلهمَّ العنْ أوَّل ظالمٍ ظَلَم حقَّ مُحمّد وآل مُحمّدٍ، وآخرَ تابعٍ لهُ على ذلك..).
  • منطقُ زياراتهم ورواياتهم وآياتهم وفي قُرآنهم منطقٌ واحد.. ألا لعنةٌ على عِلْم الرجال الذي جاء بهِ مَراجعنا مِن النواصب ودمّروا ثقافةَ العترة الطاهرة.
  • ● الروايةُ طويلةٌ.. في جانبٍ منها يُحدّثنا إمامُنا الصادق عن الذين هُم في تلك الأصقاع الجهنّميّة مِن عالَم البرزخ، مِن أُولئك الذين يتواجدون في هذهِ الطَبَقاتِ النيرانيّةِ البرزخيّة (قاتلُ أمير المؤمنين، وقاتلُ فاطمة ومُحسن..).
  • فاطمةُ مقتولةٌ.. ولكنَّ مراجعكم الذين تُقلّدونهم يرفضون ذلك ويُبرّئون قَتَلَة فاطمة.. هؤلاء هُم المراجع الذين تُقلّدونهم الآن.. الذين هُم في سُدّة المرجعيّة.. يُبرّئون قَتَلة فاطمة مِن قتل فاطمة..! وهذا إمامُنا الصادقُ يُحدّثُنا عن أنَّ الذينَ يتواجدونَ في هذهِ الطَبَقةِ، في هذا الموضعِ مِن مَواضع جهنّم البرزخ هم قاتلُ أمير المؤمنين، وقاتُل فاطمةَ ومُحسن، وقاتلُ الحَسَن والحُسين.
  • فاطمةُ قُتلتْ.. ولكنَّ المُشكلة أنَّ أكثر مَراجعنا عِبْر تأريخ الغَيبةِ الكُبرى يرفضون هذهِ الحقيقة بأنَّ فاطمة قد قُتِلتْ.. يُمكنكم أن تعودوا إلى برنامج [قَتَلوكِ يا فاطمة] ستطّلعون على التفاصيل.. إمامُنا الصادق في نفس كتاب كامل الزيارات، في روايةٍ طويلة يُصرّح فيها بقتل فاطمة فيقولُ: (وتُضرَبُ – أي فاطمة – وهي حامل وتطرحُ ما في بطنها مِن الضرب وتموتُ مِن ذلك الضرب..).

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [الأصول السِتّة عَشَر] صفحة 187 – كتاب زيد النرسي – الحديث (1):

  • (عن زيد النرسي عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: سمعتهُ – أي الإمام الصادق “عليه السلام” – يقول: إذا كان يومُ الجمعةِ ويومُ العيدينِ أمرَ اللهُ رضوان خازن الجنان أن يُنادي في أرواح المُؤمنين وهُم في عرصاتِ الجنان: إنَّ الله قد أذِنَ لكم بالزيارة إلى أهاليكم وأحبّائكم مِن أهْل الدُنيا، ثمَّ يأمرُ اللهُ رضوان أن يأتي لكلّ رُوحٍ بناقةٍ مِن نُوق الجنّة عليها قُبّةٌ مِن زُبرجدةٍ خضراء غِشاؤُها مِن ياقوتةٍ رَطِبةٍ صفراء، وعلى النُوق جِلالٌ وبراقعُ مِن سُندس الجنان واستبرقها، فيركبون تلكَ النُوق عليهم حُلَل الجنّة مُتوّجونَ بتيجان الدرّ الرطِب تُضيئ كما تُضيئ الكواكبُ الدُريّة في جوّ السماء مِن قُرْب الناظر إليها لا مِن البُعد، فيَجتمعون في العَرْصة – أي في ساحة تلكم الجنان – ثمَّ يأمرُ اللهُ جبرئيل في أهْل السماواتِ أن يستقبلوهُم، فتستقبلهُم ملائكةُ كلّ سماء وتُشيّعُهم ملائكةُ كُلّ سماءٍ إلى السماء الأُخرى، فينزلون بوادي السلام وهُو وادٍ بظهْر الكوفة، ثمَّ يَتفرَّقون في البُلدان والأمصار حتّى يَزورون أهاليهم الذين كانوا مَعَهم في دارِ الدنيا، ومَعهم ملائكةٌ يَصرفون وُجوهَهم عمّا يكرهون النظر إليه إلى ما يُحبّون، ويَزورون حُفَرَ الأبدان – إنّها قُبور الأجساد – حتّى إذا ما صَلّى الناس – باعتبار أنَّ الحديث عن يوم الجُمَعة وعن يوم العيد – وراحَ أهلُ الدنيا إلى مَنازلهم مِن مُصلّاهُم نادى فيهم جبرئيل بالرحيل إلى غُرُفاتِ الجنان فيرحلون.
  • قال: فبكى رجلٌ في المَجلس، فقال: جُعلتُ فداك، هذا للمُؤمن – بعليٍّ وآل عليّ – فما حال الكافر – بعليٍّ وآل عليّ – ؟
  • فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: أبدانٌ مَلعونةٌ تَحتَ الثرى في بقاعِ النار، وأرواحٌ خَبيثةٌ مَلعونةٌ تَجري بوادي برهوت في بئر الكبريت في مركّبات الخَبيثات الملعونات تُؤدّي ذلك الفزع والأهوال إلى الأبدانِ الملعونةِ الخَبيثة تحتَ الثرى في بقاع النار، فهي بمنزلةِ النائم إذا رأى الأهوال، فلا تزالُ تلكَ الأبدانُ فزعةً ذَعِرةً وتلكَ الأرواحُ مُعذّبةً بأنواع العَذاب في أنواع المُركّبات المَسخوطات المَلعونات المُصفّداتِ، مسجوناتٍ فيها لا ترى رَوحاً ولا راحةً إلى مَبعثِ قائمنا، فيَحشُرها اللهُ مِن تلكَ المُركّبات فتُرَدُّ في الأبدان – أولئك الراجعون مِمّن محض الكُفْر محضا – وذلك عند النشْرات – أي الرجعات – فيضربُ أعناقهم، ثمَّ تَصيرُ إلى النار أبدَ الآبدين ودهْرَ الداهرين – أي تعودُ إلى نار البرزخ، ولكنَّ نار البرزخ ستّتصِلُ بنار الآخرة -).
  • هذهِ صُوَرٌ تَقريبيّة لجانبٍ مِمّا يَجري في عالمِ البرزخ.. ونَحنُ لا نَقِفُ عند الصُورة وقفةَ المُحنّطين.. فأنا قد بيّنتُ لكم مُنذُ الحَلَقةِ الأولى أنَّ الصُورَ كثيرةٌ جدّاً وأنا سأختارُ بعضاً منها.. البياناتُ بياناتٌ في أُفُقِ المُدارة، والصُوَر صُوَرٌ تقريبيّة تتناسبُ مع الثقافةِ التي عليها المُخاطبون.. فالنُوقُ والجلالُ والبراقعُ تتناسبُ مع ثقافةِ العرب.
  • ● قوله: (أمرَ اللهُ رضوان خازن الجنان أن يُنادي في أرواح المُؤمنين وهُم في عرصاتِ الجنان) أي في عَرَصاتِ الجنانِ البرزخيّة.. فرضوان خازنُ الجنانِ في الآخرةِ وخازنُ الجنانِ في عالمِ البرزخ، لأنَّ الجنانَ في عالمِ البرزخ مع عظمتها ومع اتّساعها هي فروعٌ صغيرةٌ للجنان الأصليّة في عالم الآخرة.. وهكذا الأمرُ مع النيران. وقد مرّت علينا الرواياتُ كيف أنَّ سُكّان الجنان البرزخيّة يَزورون أهاليهم، يَزورون أحبّاءهم.
  • ● قوله: (وتُشيّعُهم ملائكةُ كُلّ سماءٍ إلى السماء الأُخرى، فينزلون بوادي السلام) الحديثُ عن السماواتِ بحاجةٍ إلى بيان.. السماواتُ جَمْعٌ لِسماء، والسماءُ هي جهةُ العلو.. فهذا المُصطَلحُ وهذا العُنوانُ لهُ دلالاتٌ كثيرة.. هذهِ سماواتِ عالم البرزخ، لأنَّ جنانَ الآخرةِ إنّما تُفتَحُ أبوابُها لأهل الدُنيا بعد أن يمرُّوا بمحطّاتٍ كثيرةٍ لم نتطرّق إليها لحدّ الآن. الروايةُ قادتنا إلى مَبعثِ قائمنا، إلى ظُهور إمامِ زماننا الذي هُو طَليعةٌ لِعَصْر الرجعةِ العظيمة.
  • ● أظنُّ أنَّ البيانات التي وضعتُها بين أيديكم في الحلقاتِ الماضيةِ وُصولاً إلى هذهِ الحلقة.. أظنُّ أنَّها أعطتكم صُورةً واضحةً لا أُريدُ أن أقول تمامَ الوضوح ولكنّها كانتْ واضحةً إلى حدٍّ كبير.

  • الذي جعلني أُطوّلُ الحديثَ عن البرزخ هُو سبّبين:

  • السبّب الأوّل: هو أنَّ الثقافةَ الشيعيّةَ خليّةٌ مِمّا جاء في البياناتِ التي عرضتهُا بين أيديكم.. والسبب واضحٌ: ثقافتُنا ناصبيّةٌ وحتّى التي تُؤخَذُ مِن حديثِ العترة إنّها تُنظَّمُ وِفقاً لِمنظومةِ العقائد الناصبيّة.. هذا هُو الذي قامَ به مراجعُ الشيعةِ مُنذ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى وإلى هذهِ الّلحظة (إلى المراجع الذين تُقلّدونهم الآن، وحتّى الذين سيأتون بعدهم على نفس هذا الطريق)..!
  • لِذلكَ طوّلتُ الحديثَ عن هذا الموضوع لأنَّ الثقافةَ الشيعيّةَ خليّةٌ مِن هذهِ البيانات.
  • السبب الثاني: أنَّ أئمتُنا يتخوّفون علينا في هذهِ المرحلة وهي مَرحلة البرزخ، والسبب: لأنّنا لابُدَّ أن نَمرَّ بها، ولابُدَّ مِن إعادةِ برمجتنا ولابُدَّ مِن تنقيتنا وتصفيتنا.. فكلّما كانتْ القاذوراتُ عندنا كثيرةً، كلّما كانَ التعبُ والعناءُ كثيراً وشديداً علينا في هذهِ المرحلة “مَرحلة عالم البرزخ”.. وكلّما قلّتْ القاذوراتُ والنجاسات الناصبيّة مِن عقائدنا كُلّما ارتحنا وتنعّمنا.. وهذا هُو الذي يقصدهُ أئمتنا، يَتخوّفون علينا مِن هذهِ المرحلة.. لأنَّ هذهِ المرحلة هي مرحلةُ التنقيةِ والتصفية إعداداً لقُطّانِ تلكَ المَرحلة للرجعةِ أو للجنّة للذين سينتقلونَ إلى عالمِ الآخرةِ وإلى يومِ القيامة وما يجري فيها..
  • ومَن يكونُ مُرتاحاً في عالم البرزخ سيكونُ مُرتاحاً في المَحطّاتِ القادمة.. إلّا إذا سُلِبَ منهُ الإيمان..! فإنّهُ يُمكنُ أن يُسلَب الإيمانُ مِن الإنسان في أيّ مرحلةٍ مِن المراحلِ ما قبل لقاء الله..! ولِقاءُ الله إنّما يكونُ بعْد دُخول الجنّة.
  • فإذا استطعنا أن نعرفَ ماذا سينتظرنا.. وبإمكاننا أن ندفعَ الأضرار عن أنفُسنا وأن نُهيّئ أنفسنا قبل أن نصِلَ إلى تلكَ المواقف، فهذا أمرٌ يجبُ على العاقل أن يُلّم به.. وقد بيّنتُ مُنذ الحَلَقةِ الأولى أنَّ سِرَّ النجاةِ وسِرَّ النجاح وسِرَّ الفلاحِ هو العقيدةُ الصحيحة، ولا تكونُ العقيدةُ صحيحةً إلّا أن تُؤخذ وفقاً للمنهج الصحيح والمنهج الصحيح هو منهجُ الكتاب والعترة.

  • المحطّة الخامسة: محطّة الرجعة

  • قَطعاً الذين هُم في مِقابر النوم لا علاقةَ لهم بهذهِ المحطّة لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد.. والذين هُم في مقابر الأرواح النائمة وهُم الذين لم تُقَم عليهم الحُجَج وهُم أكثرُ الناس وأكثرُ الآدميّين على وجْهِ الأرض هؤلاء لَم تُقَمْ عليهم الحُجَج.. فهؤلاء يُلهى عنهم، لأنَّ الذين يُساءلون ويُمتحنون في قُبورهم هُم الذين مَحضوا الإيمان والذين مَحضوا الكُفْر.. ويُراد بهم الذينَ أُقيمتْ عليهم الحُجَج (استجابوا، أو رفضوا).
  • فهذهِ المحطّةُ “محطّة الرجعة” ترتبطُ بأُولئك الذين خضعوا للمُسائلةِ وللامتحان.. أمَّا الذين لم يُسائلوا ولم يخضعوا للامتحان وإنّما كما قالتْ الروايات: “يُلهى عنهم” ونُقلوا إلى مقابر الأرواح النائمةِ في عالمِ البرزخ وهي مقابرُ واسعةٌ مُمّتدّةٌ جدّاً في عالم البرزخ.
  • ● الذين محضوا الإيمان، الذين محضوا الكُفْر.. هذا عُنوانٌ لِطبقاتٍ مِن الناس.. فهذا العُنوانُ لا ينطبقُ بدرجةٍ واحدة، فالذين مَحضوا الإيمان وهُم تلكَ المجموعةُ القريبةُ جدّاً مِن عليٍّ وآل عليّ تَختلفُ عن المجموعةِ الكبيرةِ مِن أمثالنا مِن الذين هُم أمرُهم مُبهَم.. هؤلاء أيضاً “أصحابُ الأمر المُبهَم” هُم مِن الذين مَحضوا الإيمان، لأنَّ الحُجج قد أُقيمت عليهم.. صحيح أنّهم ليسوا بتلكَ المرتبة العالية، ولكن الحُجَج قد أُقيمتْ عليهم وهُم استجابوا لها كُلُّ واحدٍ بِحَسَبه.. ولِذا تعرّضوا للمُسائلةِ والامتحان وشُخّص لهم مكانٌ في عالم البرزخ.
  • ففي البرزخ جنانٌ برزخيّةٍ ونيرانٌ برزخيّة وقُبور النوم وقُبورٌ جنانيّة وقُبورٌ نيرانيّة.. وفي كُلّ ذلك هُناك مِن المراتب الكثيرة جدّاً التي لا حدَّ لها ولا حَصْر.. العالَمُ البرزخيُّ وسيعٌ جدّاً وقُطّانهُ كثيرون جدّاً أيضاً.
  • ● حينما أُريد أن أُحدّثكم عن موضوع الرجعة فإنّني لا أُريد أن أفتح الموضوع بكُلّ تفاصيله.. إذا أردتم أن تتطّلعوا بنحوٍ إجماليٍّ يشتملُ على شيء من التفصيل في موضوع الرجعة.. هُناك مجموعةُ حلقاتٍ عُنوانُها “الرجعة” موجودةٌ على الشبكة العنكبوتيّة وهي جُزء مِن برنامج [الكتاب الناطق].
  • ● الرجعةُ موضوعٌ كبيرٌ جدّاً لا كما يُصوّرهُ مراجعُ الشيعة.. فهناك عشراتٌ مِن آياتِ الكتاب الكريم، ومئاتٌ مِن أحاديث العترة الطاهرة بينَ أيدينا تتناولُ أطرافاً مِن موضوع الرجعةِ فضْلاً عن الكمّياتِ الهائلةِ مِن الأحاديث التي ضاعتْ.
  • أنا لا أُريد أن أُحدّثكم عن الرجعةِ في هذا البرنامج، وإنّما أذكرها باعتبار أنّها مَحطّةٌ مِن المحطّات.. سأُحدّثكم عن أهميّة الاعتقاد بالرجعة، ربّما أمرُّ مروراً إجماليّاً حول موضوع الرجعة في حلقةِ يوم غد إذا ما تمَّ حديثي في الجهة التي أُريد أن أتناولها بخُصوص الرجعةِ في هذهِ الحلقة.
  • ● سأُحدّثكم اليوم مِن قُرآن مُحمّدٍ وآل مُحمّد ومِن تفسيرهم لِقرآنهم فيما يَرتبطُ بمَدى أهميّة الإعتقادِ بالرجعة، وأنَّ مَن لا يعتقدُ بالرجعةِ مثلما بيّنها القُرآن وبيّنتها العترةُ الطاهرة فإنّهُ لا يعتقدُ بنبوّة مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” وإنّما اعتقادهُ بنُبوّة نبيّنا هُو في مُستوى اعتقادِ السقيفةِ وأتباعها..!
  • ● ديننا مرَّ بمرحلةِ التنزيل، وبعد ذلك انتقلَ إلى مَرحلةِ التأويل.. وقد قاتلَ رسولُ اللهِ على التنزيل، وقال لعليٍّ أنّك ستُقاتلهم على التأويل، ومرحلةُ التـأويل بدأتْ مُنذ بيعةِ الغدير ونُسِختْ مرحلةُ التنزيل.
  • مُشكلةُ مراجعنا هي أنّهم لازالوا في تلكَ المرحلةِ المَنسوخة، ولِذا تميلُ قُلُوبهم إلى السقيفة.. ولِذا تُلاحظونهم يُدافعون دائماً عن أجواءِ السقيفةِ بقَدْر ما يتمكّنون..! المُشكلةُ أنَّ عُقولهم قد رُكّبتْ في إطارِ مَرحلة التنزيلِ وهي مَرحلة مَنسوخة.
  • ● إذا كُنتم تتصوّرون أنَّ نُبوّةَ نبيّنا الأعظم وأنَّ بعثتهُ خُلاصتها أن ترتدَّ الأُمَّةُ ولا يبقى على دينهِ إلّا ثلاثة فتلك نُبوّةٌ بائسة، نُبوّةٌ فاشلة.. بعثةٌ لا قيمةَ لها.
  • فنحنُ نعتقدُ أنَّ الأُمّة ارتدّتْ والنبيُّ لم يُدفن.. ولم يبقَ على دين مُحمّدٍ إلّا ثلاثة (سلمان، المِقداد، أبو ذرّ).. فأيّةُ نبُوّةٍ بائسة إذا اعتقدنا بها إلى هذا الحدّ..؟! هذا فَهْمُ البدو مِن أصحابِ السقيفة، وهؤلاء هُم الأعراب.. هؤلاء هُم أهلُ السقيفة.
  • أمَّا إذا عُدنا إلى فَهْم القُرآن وفقاً لِتفسير عليٍّ وآل عليّ فإنَّ نُبوّة النبيّ ليستْ مَحصورةً في تلكَ الفترةِ القَصيرةِ مِثلما يقولُ أصحابُ السقيفة.
  • أليس الأمور بخواتيهما..؟! فهل خاتمةُ نُبوّةُ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” أن ترتدَّ الأُمّةُ ولا يبقى على الدين إلّا ثلاثة..؟! هذهِ نُبوّةٌ فاشلة إذا تصوّرناها بهذا التصوّر.
  • ● نبيّنا الأعظم هو الفاتحُ الخاتم.. فهو قد فتح بوّابةَ الإمامة وهو إمامُ الأئمة، وفتحَ بابَ الولايةِ وهُو وليُّ الأولياء، وهُو الذي سيختمُ الأمر.. دولتُهُ الكاملةُ هي الدولةُ الخاتمة.. هُناك تكتملُ بعثةُ نبيّنا في نهايةِ عَصْر الرجعةِ العظيمة.. فالذي لا يعتقدُ بنبوّةُ مُحمّدٍ بهذا الفَهم فهو لا يَعتقدُ بمُحمَّد “صلَّى الله عليه وآله”.. هُو يعتقدُ بمُحمّدٍ الذي تتحدّثُ السقيفةُ عنه وذلكَ مُحمّدٌ آخر..! هذا لا هُو مُحمّدُ عليٍّ وفاطمةَ والحسن والحُسين.
  • مُحمّدُ عليٍّ وفاطمةَ والحسن والحُسين كانتْ تلكَ السماواتُ في مكّة والمدينة فاتحةً لنبوّته.. فنُبوّةُ مُحمّدٍ “صلَّى الله عليه وآله” لم تكتملْ إلى هذهِ الّلحظة.. وإذا ما تحدّث القرآن وقال: {اليوم أكملتُ لكم دينكم..} فهذا الإكمالُ بولايةِ عليٍّ والأئمة.. فحتّى مشروعُ إمامِ زماننا هُو مُقدّمةٌ لإتمامِ نُبوّةِ نبيّنا “صلَّى اللهُ عليه وآله”.
  • ● نُبوّةُ نبيّنا “صلَّى الله عليه وآله” كانتْ فاتحتُها في عَصْر التنزيل، ونُسِخ ذلكَ العَصْر وانتقلنا إلى مرحلةِ التأويل وهي على مَراتب، إلى أن تكتمل تلكَ المرحلةِ في عصْر الرجعةِ العظيمة.. وتمامُ اكتمالها عند الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة.
  • ● قولنا بأنّ النبيَّ هُو الفاتحُ وهُو الخاتم هذه العبارة لها دلالات.. ولكن ما يرتبطُ بالموضوع الذي أتحدّث عنهُ فالمُراد مِن النبيّ الفاتح هو أنَّ نبيّنا هُو الذي فتح بوابّة الإمامة فهو إمامُ الأئمة وهو الإمام الأوّل، وهو الذي فتح باب الولايةِ وهو سيّد الأولياء.. ولِذا فإنَّ الذين تحتَ سُلطانهِ في دولتهِ هم عليٌّ، فاطمة، حَسَنٌ، حُسينٌ إلى القائمِ مِن آلِ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • في الآية 28 بعد البسملة مِن سُورة سبأ: {وما أرسلناكَ إلّا كافّةً للناسِ بشيراً ونذيراً ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون} فهل تحقّق هذا المعنى لكُلّ الناس؟! حتّى لو تحدَّثنا فقط عن عصْره “صلَّى اللهُ عليه وآله”.. فهل استطاعَ أن يصِلَ إلى كُلَّ الناسِ في عصْره؟! هذا المعنى لم يتحقّق مِنهُ شيءٌ أبداً.. ونحنُ عندنا في رواياتنا أنَّ هذهِ الآية لا تحقّق إلّا في عصر رجعتهِ “صلَّى الله عليه وآله”.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [تفسير البرهان: ج6] صفحة 341 الحديث (1) نقلاً عن تفسير القُمّي.

  • (عن عبد الله بن بكر الأُرّجاني، قال: قال لي الصادقُ جعفر بن مُحمَّد “عليهما السلام”: أخبرني عن رسول الله.. كانَ أُرسلَ عامّة للناس؟ أ ليسَ قد قال اللهُ في مُحكَم كتابه: {وما أرسلناكَ إلّا كافّةً للناس} لأهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض مِن الجنّ والإنس؟ هل بلَّغ رسالتَهُ إليهم كُلّهم؟ قُلتُ: لا أدري. قال: يا بن بكر، إنَّ رسولَ الله لم يخرجْ مِن المدينة، فكيف أبلغ أهل المشرق والمغرب؟ قلتُ: لا أدري. قال “عليه السلام”: إنَّ اللهَ تعالى أمرَ جبرئيل فاقتلعَ الأرض بريشةٍ مِن جناحه، ونَصَبَها لرسولِ الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”، فكانتْ بين يديهِ مثْلَ راحتهِ في كفّه، ينظرُ إلى أهْل المَشرق والمغرب، ويُخاطِبُ كُلَّ قومٍ بألسنتهم، ويدعوهم إلى اللهِ تعالى وإلى نُبوّته بنفسه، فما بقيتْ قُريةٌ ولا مدينةٌ إلّا ودَعاهم النبيُّ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” بنفسه).
  • ● قوله: (فما بقيتْ قُريةٌ ولا مدينةٌ إلّا ودَعاهم النبيُّ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” بنفسه).
  • هذهِ “النبوّةُ الباطنة”.. وهذا موضوعٌ واسعٌ.. فقط أنا أردتُ أن أُشير إلى هذهِ العقيدة، فهذه عقيدةٌ من عقائدنا المُهمّة: النبوّة الباطنة.. حديثي عن الرجعة كان في أجواء النبوّة الظاهرة.. (وقفة تقريب للفكرة بمثال – دعوة إبراهيم).
  • ● نُبوّةُ نبيّنا الباطنة جاريةٌ وساريةٌ قبل آدم (كُنتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطين) وأنا هُنا لا أتحدّث عن النبوّة الباطنة رُغم أنّها عقيدةٌ واجبةٌ ومُهمّةٌ ويجبُ على المُسلم أن يعتقد بها، ومِن دُونها لن يكونُ مُسلماً.. ولكن حديثي هُنا عن النبوّة الظاهرة.
  • الآية 28 بعد البسملة مِن سُورة سبأ واضحة في أنَّ النبيّ مُرسَلٌ إلى جميع بني البشر، وسمعتم أيضاً أنَّ النبيّ لم يخرجْ مِن المدينة.. فكيف بلّغ أهل المشرق وأهل المغرب؟!
  • النبوّةُ الظاهرة لم تحقّق بعد ولن تتحقّق إلّا في الدولةِ الخاتمة وهي الدولة المُحمّديّة العظيمة وهي (جنّةُ الدُنيا العظيمة) هناك تتمُّ نبوّةُ نبيّنا “صلَّى الله عليه وآله”. الذي يُؤمنُ بمُحمّدٍ لابُدَّ أن يُؤمن بهذا المُستوى.. هذا هُو الإيمانُ بمُحمّدٍ في مرحلة التأويل، وهذا هو الذي قاتل عليهِ عليٌّ.. أمَّا القوم فيُريدون مِنّا أن نبقى في حُدودِ ذلك الفَهْم البدوي الساذج السطحي مِن أنّ نبوّتهُ “صلَّى الله عليه وآله” انتهتْ ولم يبقَ على دين نُبوّتهِ إلا ثلاثة.. فهذا المعنى في سُورة سبأ {وما أرسلناكَ إلّا كافّةً للناسِ بشيراً ونذيراً} إنّما يتحقّقُ في عصْر الرجعةِ العظيمة.

  • سُورة الرحمن.. وليس جُزافاً هذا التكرار في آياتها: {فبأيّ آلاءِ ربّكما تُكذّبان} وليس جُزافاً هذا الاستحباب في أن نُردّد بعد كُلّ آيةٍ تقول: {فبأيّ آلاءِ ربّكما تُكذّبان} نقول: “لا بشيءٍ مِن آلاء ربّي أُكذّب”..

  • هذهِ السُورةُ تتحدّثُ بلسانٍ واضحٍ في أوّلها عن مرحلة التنزيل وعن مرحلةِ التأويل، حين تقول: {الرحمن* علَّم القُران* خَلَق الإنسان* علَّمهُ البيان}.
  • ● حين تقول الآيات: {الرحمن* علَّم القُران} هذا هو التعليمُ الأوّلي، إنّها مرحلة التنزيل.. وقوله: {خَلَق الإنسان* علَّمهُ البيان} في أحاديث العترة الطاهرة الإنسان هو عليٌّ والمُراد مِن {علَّمهُ البيان} أي التأويل.
  • ● وفي سورة القيامة نقرأ: {فإذا قرأناهُ فاتّبعْ قُرآنهُ* ثمَّ إنَّ علينا بيانه} وهي إشاراتٌ واضحة إلى مرحلة التنزيل وإلى مرحلة التأويل.
  • (موضوع التنزيل والتأويل قدّمتُ فيهِ برنامجاً مُفصّلاً تجدونهُ على الشبكةِ العنكبوتيّة..)
  • ● سورةُ الرحمن الخِطابُ واضحٌ فيها إلى الجنّ والإنس: {فبأيّ آلاء ربّكما تُكذّبان} هذا الخطاب المثنّى لِمن؟
  • القرآن له مجاري.. يجري مَجرى الّليلِ والنهار.. ومَجرىً مِن مجاري القُرآن هو أنَّ المُراد مِن قوله: {فبأيّ آلاء ربّكما تُكذّبان} هُما الأوّل والثاني.. وليس الحديثُ في هذا الجوّ.
  • الحديثُ في موضوع الرجعة في هذهِ الجهة أنَّ الخطاب بحَسَب أُفُق العبارة مُوجّهٌ للجنّ والإنس.. كما تُشيرُ بوضوح إلى ذلك الآية (33): {يا معشر الجنّ والإنس إنْ استطعتم أن تنفذوا مِن أقطار السماواتِ والأرض فانفذوا لا تنفذون إلّا بسلطان* فبأيّ آلاء ربّكما تكذبان}.
  • فالخطابُ في سُورة الرحمن مِن أوّلها إلى آخرها للجنّ والإنس، ولِذا فإنّنا نقرأ في سُورة الذاريات: {وما خَلقتُ الجنّ والإنسَ إلّا لِيعبدون}.
  • هُناك جهةٌ واحدةٌ في التكليف، هُناك جهةٌ واحدةٌ في المعرفة والهداية للمجموعتين الجنّ والإنس على حدّ سواء..
  • وهناك سُورةٌ في القرآن اسمُها “سورة الجنّ” وهي تتحدّث عن تواصلٍ فيما بين الجنّ والإنس قبل بعثة النبيّ، وعن تواصلٍ فيما بين الجنّ وبين النبيّ وبين دينهِ وقرآنه.
  • فنبوّة نبيّنا ليستْ محصورةً في جهةٍ من الجهات.. فهل أنَّ النبيَّ بِحَسَب النبوّة الظاهرة تواصل مع كُلّ أمُم الجنّ؟! النبيّ تواصل مع بعض أُممهم قطعاً.. كما جاء في الروايات ولكن تواصل معهم بحدود الإمكاناتِ التي توفّرتْ في ذلكَ الظرف الموضوعي في مرحلةِ التنزيل التي هي مُقدّمةٌ فاتحةٌ لنبوّتهِ “صلّى الله عليه وآله”.. ما كان في تلكَ السنوات القليلة كان مُقدّمة، أمَّا نبوّةُ نبيّنا فهي أعظمُ مِن ذلك بكثير.. نبوّة نبيّنا لكُلّ الوجود.
  • ● في الآية 107 مِن سُورة الأنبياء: {وما أرسلناكَ إلّا رحمةً للعالمين} هؤلاء العالمون مَن هُم؟!
  • العالمون هُنا هُم العالمون في سُورة الفاتحة.. (العالمين) هُنا تتحدّث عن كُلّ العوالم في كلّ الوجود.
  • فهل أنَّ النبوّة الظاهرة لنبيّنا “صلّى الله عليه وآله” قد أدّتْ رسالتها إلى كُلّ العوالم؟! هذا لم يتحقّق لا مِن قريبٍ ولا من بعيد.. إنّما يتحقّق هذا الأمر حينما تبدأ الطلائع المهدويّة حين يظهر إمامُ زماننا ويفتح الآفاقَ فيما بين عوالم الشهادة والغيب وتأتي الرجعةُ تباعاً حتّى تتّصل كُلّ عوالم الغيب بكُلّ عوالم الشهادة، وهنا تتجلّى نُبوّةُ نبيّنا الأعظم، وهُنا يتحقّقُ هذا المعنى وما أرسلناكَ إلّا رحمةً للعالمين.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …