دليلُ المسافر – الحلقة ٢١ – المحطّة الخامسة: الرجعة ج٦

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 25 شهر رمضان 1440هـ الموافق 31 / 5 / 2019م

  • لازالَ الحديثُ يَتواصلُ في مَحطّاتِ طَريق سفرنا الطويل هذا، ولازلتُ عند المَحطّةِ الخامسة وهي: الرجعة.

  • الرجعةُ موضوعٌ واسعٌ عريض.. لن أستطيعَ في حلقاتٍ قليلةٍ مَحدودةٍ أن أتناولَ هذا الموضوع الكبير، لكنّني لازلتُ أدورُ في فَلَكِ هذا الموضوع.. وهذا هُو الجزءُ (6) مِن حديثي وبحثي في أجواء الرجعة.
  • إنّني حينَ أتحدّثُ عن الرجعة أتحدّثُ عن رجعتهم العظيمة “عليهم السلام”.. أمَّا رجعةُ مَن مَحَضَ الإيمان ومَن مَحَض الكُفْر فهي في جُمْلةِ شُؤوناتِ رجعتهم. حين أتحدّثُ عن الاعتقادِ بالرجعة إنّني أتحدّثُ بنفس المضمون الذي تتحدّثُ عنه آياتُ الكتاب الكريم والأحاديثُ التفسيريّةُ لِقُرآنهم وما جاءَ في كلماتهم الشريفة وفي أدعيتهم وفي زياراتهم. النظرةُ الأولى والأهمّ هي إلى ما يَرتبطُ برجعتهم هُم، بشُؤونهم “عليهم السلام”.. أمَّا رجعةُ الماحضين للإيمان والماحضين للكُفْر تأتي سُطوراً قليلةً في كتابٍ كبيرٍ جدّاً اسمهُ: رجعتهم “عليهم السلام”.

  • سُؤالٌ يُطرَحُ ويطرحهُ كثيرون:

  • بما أنَّ الذي شاعَ في أذهانِ الشيعةِ هو أنَّ الرجعةَ ترتبطُ برجوع مَن مَحَض الإيمان ومَن مَحَض الكُفْر وكأنَّ الحديثَ عن الرجعة يصِلُ إلى هُنا وينقطع.. فيُطرَحُ هذا السُؤال:
  • ما الحكمةُ مِن الرجعة؟! لماذا الرجعةُ والخَلْقُ سيُحشرون يومَ القيامةِ وهناك سيكونُ الحساب، وسيكون الجزاء.. فلماذا الرجعة قبل يوم القيامة؟!
  • وقد يقول قائل:
  • المُؤمنون يرجعونَ كرامةً لهم وإكراماً لهم منهُ سُبحانه وتعالى.. فلماذا يرجعُ الكافرون؟!
  • وإذا كانَ الحسابُ الشديد سيكونُ في الآخرةِ، والحسابُ الذي يُواجهونه في البرزخ ليس حِساباً يسيراً.. فلماذا يرجعُ الذين مَحضوا الكُفْر..؟!
  • هذهِ أسئلةٌ يُمكنُ أن تُطْرَح.. وهي فعْلاً مطروحة.

  • أُريدُ أن أقِفَ عند هذا السُؤال الكبير: لماذا الرجعة؟

  • يُمكنُني أن أتحدّثَ في جوابِ هذا السُؤال: (لماذا رجعتهم “عليهم السلام”) لكنّني سأُؤجّلُ الجوابَ على هذا السُؤالِ إلى الحلقةِ القادمةِ من برنامج “زهرائيّون” لأنَّ الحديثَ في برنامجِ (زهرائيّون) سيقُودنا إلى هذهِ النقطة: لماذا رجعتهم؟!
  • في هذهِ الحلقةِ سأُجيبُ عن هذا السُؤال:
  • لِماذا الرجعةُ بالنسبةِ للذين مَحَضوا الإيمان وبالنسبةِ للذين مَحَضوا الكُفْر.. خُصوصاً وأنَّ ماحضو الإيمان يتنعَّمونَ في جنانِ البرزخ، وماحضو الكُفْر يتألّمون ويتعذّبون في نيران البرزخ.. وما بعْد البرزخ ستأتي القيامةُ وهُناك النعيمُ الأعظمُ والجحيمُ الأعظم.. فلماذا رجعتهم؟!
  • مَحطّاتٌ بدأتْ مِن الاحتضار وبعد الاحتضار زُهوق الرُوح ثُمَّ هَولُ المُطَّلَع، ثُمَّ القَبْر بعناوينه: (وحشةُ القبر، ضغطةُ القبر، مُسائلةُ القبر، ثُمَّ البرزخُ وهُو العالم الوسيع الفسيح المُوازي لِعالمنا الأرضي بكلّ تفاصيلهِ.. ومِن تفاصيلهِ: جنانٌ ونعيمٌ بَرزخيٌ، ونيرانٌ وجحيمٌ برزخيٌّ.. ومَرَّ الكلامُ في ذلكَ حتّى وصلنا إلى المحطّةِ الخامسة وهي: الرجعة).
  • في هذهِ الحلقة – كما ذكرت – سأُجيبُ على هذا السُؤال: لماذا رجعتُهم ؟ الذين مَحَضوا الإيمان، والذين مَحَضوا الكُفْر ؟
  • مع أنَّ الحديثَ عن رجعةِ هؤلاء واضحٌ في الكتاب الكريم.

  • عرض لنماذج مِن الآياتِ الواضحة في رجعةِ الذين هُم ماحضو الإيمان والذين هُم ماحضو الكُفْر.

  • الآياتُ واضحةٌ ولكنّنا لابُدَّ أنَ نعودَ إلى الأحاديثِ التفسيريّة.. بالنسبةِ لي لن أجدَ وقتاً كي أعرضَ بين أيديكم الأحاديثَ التفسيريّة – وقد عَرضتُ جانباً منها في الحلقاتِ المُتقدّمة- ولِذا سأُذكّركم فقط ببعضٍ مِن الآيات.. وإلّا فآياتُ الرجعةُ كثيرةٌ وفيرةٌ في الكتاب الكريم (إنْ كان الحديثُ عن رجعتهم “صلواتُ الله عليهم” أو كان الحديثُ عن رجعةِ ماحضيّ الإيمان وماحضيّ الكُفْر).
  • ● وقفة عند الآية 83 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة النمل:
  • {ويومَ نَحشرُ مِن كلّ أُمةٍ فَوجاً مِمَّن يُكذّبُ بآياتنا فَهُم يُوزعون} وتَستمرُّ الآياتُ إلى الآيةِ 87: {ويومَ يُنفَخُ في الصُور فَفَزِعَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرض إلّا مَن شاء اللّه وكلٌّ أتوهُ داخرين}.
  • — قوله: {ويومَ نحشرُ مِن كلّ أُمةٍ فَوجًا} هذا حَشْرٌ لبعضِ الناس، فَإنَّ حَشْر الجميعِ سيكونُ في يوم القيامة.
  • — قوله: {ويومَ يُنفَخُ في الصُور فَفَزِعَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرض إلّا مَن شاء اللّه وكلٌّ أتوهُ داخرين} هُنا يومُ القيامةِ الكُبرى.. وهذهِ مُقدّماتُ يومُ القيامةِ الكُبرى: نفخُ الصُور.. وبعد النفْخِ وحين تبدأُ تفاصيلُ يوم القيامة فإنَّ الجميع سيأتون داخرين أي أذلّاءُ مُنكسرينَ خانعينَ خاضعين خاشعين.. فالنفخُ في الصُور يكونُ قبل يوم القيامة، والقيامةُ تتحقّقُ فعليّاً بعد نفْخ الصُور.
  • أمّا قولهِ: {ويومَ نحشرُ مِن كلّ أُمةٍ فَوجًا} فهذا الحَدَثُ سيكونُ قبل نفْخِ الصُور الذي هُو مُقدّمةٌ ليوم القيامةِ والذي سيأتي فيهِ الجميعُ داخرين.
  • ● الآية 47 بعد البسملة مِن سُورة الكهف:
  • {ويَومَ نُسيّر الجبال وتَرى الأرضَ بارزةً وحشرناهم فلم نُغادر مِنهم أحدا}.
  • هذهِ أشراطُ الساعة.. الأحداثُ التي تَقعُ قبل وُقوع يومِ القيامة.. وقولهِ: {وتَرى الأرضَ بارزةً} الأرضُ تتبدّل، تَتغيّر.. وقولهِ: {فلم نُغادر مِنهم أحدا} هذا الحَشْرُ في المَحشر الأكبر.. مِثل قَولهِ عزَّ وجلَّ: {وكلٌّ أتوهُ داخرين}.
  • بينما في الرجعةِ فَإنّهُ سيكونُ الحَشْر مِن كُلّ أُمّةٍ.. هُناك فوجٌ أي مجموعة.
  • ● وفي الآية 28 بعد البسملة مِن سُورة البقرة:
  • {كيف تكفرون باللّهِ وكُنتم أمواتاً فأحياكم ثمَّ يُميتُكم ثُمَّ يُحييكم ثُمَّ إليه تُرجعون}.
  • هُناك أكثرُ مِن موت، وهُناك أكثر من حياة، وبعد ذلكَ تكونُ الرجعةُ إليهِ سُبحانهُ وتعالى {إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون} والحديثُ عن الحياةِ هُنا: إنّها الحياةُ بِحَسَب قوانين الدُنيا، بِحَسَب قوانين عالم الأرض.. والحديثُ عن الموتِ إنّهُ انتقالٌ ومَرحلةٌ أُخرى مِن مراحلِ الحياةِ بعيداً عن عالمِ الأرض وعن عالمِ التُراب.
  • ● في سُورة غافر الآية 11 بعد البسملة:
  • {قالوا ربّنا أمتَّنا اثنتينِ وأحييتنا اثنتينِ فاعترفنا بذُنوبنا فهل إلى خُروجٍ مِن سبيل}.
  • الآيةُ صريحةٌ.. فهي تقول: {أَمتَّنا} يَعني هُناكَ عَمليّةُ إماتة.. إذا كانَ مِن أحدٍ يقول أنّهُ وَرَد في سُورة البقرة: {كُنتم أمواتاً} يَعني في عالَم العَدَم، وإنْ كانتْ الآيةُ لا تدلُّ على ذلك، ولكن ربّما يقولُ قائلٌ هذا الكلام.. ولِذا أقول: فماذا يقولُ هذا القائلُ إذاً مع هذهِ الآية: {أمتَّنا} فهُنا عَمليّةُ إماتة، وعمليّةُ الإماتةِ إنّما تكونُ بعْد عمليّة الإحياء.
  • الآياتُ عشراتٌ وعشراتٌ وعشراتٌ مِن الآيات فيما يَرتبطُ برُجوعهم “عليهم السلام”.. أو برجوع الماحضين للإيمان والماحضين للكُفْر.. وكما قُلتُ فإنَّ رُجوعَ الماحضين للإيمانِ والماحضين للكُفْر يُمثّلُ سُطوراً قليلةً في كتابٍ عظيمٍ جدّاً اسْمُهُ: رجعتهم “عليهم السلام”.
  • مع أنَّ الآياتِ كثيرةٌ وواضحةٌ، والكلامُ هو هو.. فما يقتنعُ بهِ المُؤمنون فيما يَرتبطُ بيومِ القيامةِ.. فإنَّ الحكمةَ هي هي فيما يَرتبطُ بيومِ الرجعة، ولكن لأنَّ الثقافةَ الشيعيّةَ نَسَجها مَراجعنا – مِن الأمواتِ والأحياء – وِفقاً للمَذاقِ الناصبي، فصارَ هذا الكلامُ يُطرَحُ في أوساطِ المُؤمنين: “لماذا الرجعة؟!”.
  • أنا لا شأنَ لي بالنواصب، ولا شأن لي بالّلادينيّين.. إنّني أتحدّثُ مع أشياعِ عليٍّ وآل عليّ.

  • لماذا رجعةُ الماحضينِ للإيمان والماحضين للكُفرْ..؟!

  • للإجابةِ عن هذا السُؤال سأبدأُ مِن الآية 13 مِن سُورة الذاريات: {يومَ هُم على النار يُفتنون}.
  • الآياتُ هُنا في سياقِ الحديثِ عن عالمِ البرزخ وعن عالمِ الرجعة:
  • {قُتِلَ الخرّاصون* الّذين هُم في غَمْرةٍ ساهُون* يسألون أيّان يومُ الدين* يوم هُم على النار يُفتنُون}
  • هؤلاءِ الذين تركّبتْ عُقُولهم بطَريقةٍ مُخالفةٍ لِمَنهج الكتاب والعترة.
  • ● قوله: {يسألون أيّانَ يومُ الدين} يومُ الدين هُنا إنّهُ القيامةُ الكُبرى.. هذا التساؤلُ يطرحونَهُ وهُم في عالَم البرزخ.. قَطْعاً هذا السُؤال لا يَطْرحهُ النائمون.. فالنائمونَ نائمون.
  • إنّما سيكونُ هذا السُؤالُ مَطروحاً في عالَم الجنانِ وفي عالَم النيران، وبِحَسَب السياق فإنَّ السُؤالَ مَطروحٌ هُنا في عالَمِ النيران.
  • ● قوله: {يوم هُم على النار يُفتنُون} إنّها نارُ البرزخ، والتي ستستمرُّ مُتواصلةً في مَرحلةِ الرجعة بما يُناسِبُ رُجوعَهم إلى عالَمِ الأرض، إلى عالَم التُراب.. فَهُم حين يَعودون إلى الأرض، إلى عالَم التُرابِ ويخرجونَ مِن نيرانِ البرزخ.. فالعمليّةُ عمليّةُ طَمْرٍ للظُلمةِ وهذا ما سيأتي بيانه.. إنّها عمليّةُ استيفاءٍ للظُلماتِ لِطمْرها، وبعد ذلكَ تُطمَرُ تلكَ الظُلمات في جهنّم الآخرة.. وجهنّم الآخرة إنّما تتّسعُ وتتبدّلُ أطوارُها بِحَسَب أعمال العباد.. فنَحنُ عندنا في النُصوص ما يُشيرُ إلى أنَّ الأعمالَ الصالحةَ تُؤثّرُ في تكوين الجنان، وأنَّ الأعمالَ السيّئة تُؤثّر في تكوينِ النيران.. وهذا يَنطبقُ على جنانِ ونيرانِ عالَم البرزخ، ويَنطبقُ على جنانِ ونيرانِ عالَم الآخرة.
  • فعندنا في الرواياتِ أنَّ العبد إذا قامَ بالعملِ الصالحِ كذا وكذا.. فإنَّ الملائكة تتحرّكُ باتّجاهِ توسعةِ جنانه، وهكذا الأمرُ في النيران.. وأنا هُنا لستُ بصددِ الحديثِ عن هذهِ المَطالب فإنَّ الوقوفَ عندها يَحتاجُ إلى وقتٍ طويل.. ولكن هذا يُعيدنا إلى بدايةِ البرنامج مِن أنَّ الجنّةَ قريبةٌ مِنّا، وأنَّ النارَ قريبةٌ مِنّا عِبْر جنّةِ البرزخ وعِبْر نار البرزخ.. وهُناك تَواصلٌ.. وهذا التواصلُ نَحنُ لا نَستشعِرهُ حِسّياً بسبب الحواجز والحواجب التي تَحولُ فيما بيننا وبين عالَم البرزخ.. كما قال سيّد الأوصياء لِحبّة العُرَني حينَ كان سيّد الأوصياء واقفاً في “وادي السلام” يُحادِثُ المُؤمنين البرزخيّين ويُؤانسهم.. قال له: (لو كُشِفَ لكَ لرأيتهم حَلَقاً حَلَقاً مُحتبين يتحادثون فيما بينهم).
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات] في صفحة 28:
  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {يوم هُم على النار يُفتنون} قال: يُكسرون في الكرّة كما يُكسَر الذهب حتّى يرجعَ كُلّ شيءٍ إلى شبههِ يعني إلى حقيقتهِ).
  • المسألةُ ليستْ مسألةً عاطفيّةً، ليستْ مسألةً لأجلِ العقوبة.. إنّها مرحلةٌ مِن مراحلِ سلسلةِ قواعد التكوين.
  • — قوله: (يُكسرون في الكرّة كما يُكسَر الذهب) كما يفعلُ الباحثون عن الذهب وصانعو الذهب.. والمُراد: إمَّا أنّهُ حينما يُؤتى بالمَعدن الخام الذي فيهِ عُنْصر الذهب.. فلابُدَّ مِن كسْر وتفكيك هذا المعدن لإخراج عُنصر الذهب.. أو إذا كانَ المُراد أن يُؤتى بالمَسكوكاتِ وبالمَصوغاتِ الذهبيّة فإنَّ الصائغَ إذا أرادَ أن يُحوّلها إلى مَسكوكةٍ جديدة أو إلى مَصوغةٍ جديدة فلابُدّ مِن الإذابةِ ولابُدّ مِن التنقيةِ والتصفيةِ لأنَّ الذهب عادةً ما يُخلَطُ ويُمزجُ بعناصر أخُرى.
  • والمُراد مِن هذا المَثَل:
  • هُو أنَّ الرجعةَ عمليّةٌ تكوينيّةٌ.. إنّها عمليّةُ استيفاءٍ وعمليةُ تنقيةٍ وعمليّةُ طَمْر.. مِثلما يقومُ الباحثون عن الذهب الصافي في مَعادنه بكسْر المعادنَ فيعزلون الذهب ويطمرون الموادّ التي لا علاقةَ لها بعُنصر الذهب، وبعد ذلك يُصَفُّون الذهب ويَجمعونَ بعضَهُ إلى بعض، فيُجمَعُ الذهب مِن خِلالِ الأجزاء التي يَعثرونَ عليها في معادنِ الذهب.. وأمّا تلكَ الأوساخ فإنّهم يتخلّصونَ منها ويطمرونها.. إنّها عمليّةُ استيفاءٍ واستخراجٍ وتنقيةٍ للذهب.
  • فالرجعةُ ليستْ عمليّةً عاطفيّةً لأنَ الله يُحبُّ هؤلاء ويُبغِضُ أولئك.. فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى مُنزّهٌ عن العواطف البشريّة.. إنّهُ إذا أحبَّ فإنّهُ يُحبّ بِحَسَب الذاتِ الإلهيّة المُقدّسة، وإذا أبغضَ فإنّهُ يُبغِضُ بِحَسَبه.. فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى مُنزّهٌ عن مشاعرنا وعن عواطفنا وعن خُصوصيّاتنا البشريّة.
  • القضيّةُ قضيّةٌ تكوينيّةٌ.. فحينما نقول “قضيّةٌ تكوينيّة” يعني لابُدَّ أن تكون.. كما إذا كان مُقدّراً لهذا الشخصٍ أن يعيشَ في الدُنيا، فلابُدَّ أن يتكوّنَ مِن عمليّةِ لقاءٍ بين والدٍ ووالدةٍ، ولابُدَّ أن ينشأ في رحِم أُمّهِ عِبْر سِلسلةٍ مِن المراحلِ التكوينيّة إلى أن يخرجَ إلى عالَم التراب.. فكُلُّ تلكَ المراحل لابُدَّ أن يمرَّ حتّى يتكاملَ ويستطيعَ بعد ذلك أن يُوصِل حياتهُ في عالم الدُنيا.
  • فكذاك الأمرُ هُو بالنسبة لِماحضي الإيمان ولِماحضي الكُفْر وهُم بخِلاف النائمين، فإنَّ النائمينَ لا يَمتلكون طاقةً مُميزةً.. ماحضو الإيمان يملكون طاقةً نُوريّةً إيجابيّةً.. وماحضو الكُفْر يملكونَ طاقةً سلبيّةً ظلمانيّةً.. فجنانُ البرزخ مادّةُ بقائها مِن تلكَ الطاقةِ النُوريّة، ونيرانُ البرزخ مادّةُ بقائها مِن تلكَ الطاقةِ الظلمانيّة. (إنّما خَلَد أهْل الجنانِ في الجنانِ بنيّاتهم بتلك الطاقة النُورّية، وخَلَد أهْل النيرانِ في النيرانِ بتلك الطاقةِ الظلمانيّة)
  • فإنَّ الله سُبحانه وتعالى لا ينتفعُ مِن تعذيبِ مخلوقاته.. هُناك قوانينُ التكوين والتي تنسجمُ مع قوانين التشريع، وتلكَ القوانينُ تَجري على تلكَ المخلوقات التي كان لها الاختيار.
  • الخلاصةُ مِن كُلّ ما تقدّم مِن بيان:
  • الرجعةُ مرحلةٌ تكوينيّةٌ لابُدَّ لِماحضي الإيمان ولِماحضي الكُفْر أن يمرُّوا فيها.
  • قد يقول قائلٌ:
  • فإنَّ مِن المجموعاتِ التي هي (أمرُها مُبهَمٌ) مِن الذين سيكونون في القُبور الجنانيّة أو في القُبور النيرانيّة.. فإنَّ مِن قاطني القُبور الجنانيّة سيلتحقون بماحضي الإيمان بسبب أعمالهم الصالحة.. فإنَّ جُمَلةً من الأعمالِ الصالحةِ كانوا قد فعلوها لأجل أن يعودوا مع إمامِ زمانهم بعد مَوتهم.. تلكَ الأعمالُ الصالحة – إنْ قُبِلتْ برضىً ولُطفٍ وتوفيقٍ مِن إمامِ زماننا – فإنّها ستُشكّلُ طاقةً إيجابيّةً تَعودُ بهم إلى الحياة، فيَعودون معَ تِلكَ الزُمَر المُلبيّة الخارجة من جنان البرزخ.
  • — {يوم هُم على النار يُفتنون} إنّها نارُ البرزخ، ومِن نار البرزخ حيثُ تكونُ عمليّةُ الكسْر هُناك، فلابُدّ من الانتقالِ إلى الرجعة.. الحديثُ هُنا عن ماحضي الكُفْر، ومِن خلالِ معرفةِ هذهِ الحقيقةِ نستطيعُ أن نتصوّرَ حالَ أولئكَ الذين مَحَضوا الإيمان.. فإنّما تستبينُ الأمور مِن أضدادها.
  • فقوله: {يوم هُم على النار يُفتنون} إنّها نارُ البرزخ، وهُناكَ في جنانِ البرزخ يتكاملون.. يوم هُم في جنّاتِ البرزخ يتنزّلُ لُطْفُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد عليهم، وهؤلاء في نار برزخهم يُفتنون، عمليّةُ الكسْر هذهِ تجري على ماحضي الإيمان وتجري على ماحضي الكُفْر.. ولكنَّ الحديثَ في أجواء الآيةِ التي تتحدّث عن نارِ البرزخِ وما يجري فيها.
  • — الحقيقةُ التي صارتْ واضحةً بين أيدينا هي أنَّ الرجعةَ مَرحلةٌ مِن مراحل التكوين.. مِثلما الإنسان الذي يُراد لهُ أن يأتي مِن عوالم الغَيب.. فنَحنُ كُنّا في عَوالم الغَيب، فمُنذ بدايةِ البرنامج ونَحنُ نتحدّثُ في أجواء هذا الحديث: “رَحِمَ اللهُ امرئً عرفَ مِن أين وإلى أين”.. نَحنُ نتحدّثُ في هذا الجُزء: “إلى أين؟” ولم أتحدّث عن الجُزء الأوّل “مِن أين؟”
  • نحنُ كُنّا في رَحِم الحقيقةِ المُحمّديّة.. ألا تقرأُون في أحاديثِ العترة الطاهرة أنَّ الرحِمَ في أصْلها هي رَحِمُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. وأنَّ الرحِمَ مُعلّقةٌ في العَرش، وأنَّ الإحسان إلى الأبوين يُولّدُ رحمةً في قلبي هذهِ الرحمة تَصنعُ أرضيّةً لأن أقبلَ ما يَحتجُّ بهِ عليَّ الوالدان الحقيقيّان مُحمّدٍ وعليّ.
  • هُناك تَرابطٌ بين التكوين والتشريع في كُلّ أبعاده، وأنا لستُ بصَددِ الحديثِ عن هذهِ الجزئيّات، لكنّنا كُنّا في رَحِم الحقيقةِ المُحمّديّة، ومِن هُناك أقبلنا ومَرَرنا بمراحلَ كثيرة.. وإذا ما سنَحَ لي الوقتُ فإنّني سأُحدّثُكم عن الشطْر الأوّل مِن الحديث: “رَحِمَ اللهُ امرئَ عرف مِن أين..؟” تلكَ مَحطّاتٌ كثيرةٌ تحدّثَ عنها القُرآن المُفسَّر بحديثِ عليٍّ وآل عليّ.
  • سأُحدّثكم عن الطريق الذي جئنا بهِ حيثُ كُنّا في رَحِم الحقيقةِ المُحمّديّة التي هي أُمّنا الحقيقية، إنّها أُمُّ الكتاب.. إنّها الأصْل، فالأُمُّ في الّلغة هي الأصْل، ولِذا الإمام اشتُقّ من الأُمّ لأنَّ الإمامَ هو الأصْل.
  • — فالحديثُ الشريف الذي يقول: “رَحِمَ اللهُ امرئَ عرف مِن أين وإلى أين..؟” المرادُ مِن الشقّ الأوّل: “مِن أين؟” يَعني مِن أين يبدأ المَسير مِن حيث كُنّا في رحمِ الحقيقة المُحمّديّة التي هي أُمّنا الحقيقيّة وهي الوطنُ الحقيقيّ لنا.. والمُراد مِن (حُبّ الوطن مِن الإيمان) إنّهُ حُبُّ الحقيقةِ المُحمّديّة، هُو حُبٌّ لوطننا الأصلي.. فنَحنُ مِن هُناك جئنا في طبقاتِ عَوالم الغَيب في مَحطّاتٍ كثيرة.. إلى أن تقرَّر أن نخرجَ في العالم التُرابي، فلابُدَّ أن نَمُرَّ بمراحل التكوين الجنيني.. والقضيّةُ هي هي في مرحلةِ الرجعة، فحينما نخرجُ مِن مرحلةِ العالم التُرابي لابُدَّ أن نَمرَّ بالاحتضار، ولابُدّ أن نَمُرَّ بزُهوقِ الروح، بهَول المُطّلَع، بالقَبر وتَفاصيله.. وحينما يَقِرُّ القرارُ بالنائمين، فإنَّ النائمين لا يمتلكون طاقةً مُختزنة.
  • الذين مَحَضوا الإيمان يمتلكونَ طاقةً مُختزنة، والذين مَحَضوا الكُفْر يَمتلكونَ طاقةً مُختزنة.. على سبيل المِثال:
  • في الآية 257 بعد البسملة مِن سُورة البقرة: {اللّهُ وليُ الّذين آمنُوا يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور والذين كفروا أولياؤُهُم الطاغوتُ يُخرجونَهُم مِن النُور إلى الظُلمات أُولئكَ أصحابُ النار هُم فيها خالدُون}.
  • نقْصُنا يُصْدِر طاقةً سلبيّةً، فنَحنُ بحاجةٍ إلى عمليّةِ تطهير، وهذا التطهيرُ إنّما يتمُّ عِبْر أئمتنا.. الأئمةُ هُم الذين يُخْرجوننا مِن الظُلماتِ إلى النُور.. فهذا النورُ طاقةٌ إيجابيّةٌ مُختزنةٌ.
  • — قوله: {اللّهُ وليُ الّذين آمنُوا يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور} مِن الطاقةِ السلبيّة التي هي بسبب نَقائصنا.
  • مَركزُ الظلامُ والنُور هُو العقل.. ولِذا (مَن لا عقلَ لهُ لا دينَ له، ومَن لا دينَ لهُ لا عقلَ له) الدينُ هُو عُنوانٌ للنُور.. الدينُ هُو العقل، لأنَّ العقل هُو مركزُ الطاقةِ النوريّة الإيجابيّة.
  • يكونُ كذلك حينما يأتي مع برنامج الأنبياء والأوصياء، مع برنامج مُحمَّدٍ وآلِ مُحمّد.. حينما تُثارُ دَفائنُهُ بِحَسَب البرنامج المُحمّدي العَلَوي، فإنَّ الإنبياء إنّما بُعثوا لإثارةِ دفائن العُقول، ودفائنُ العُقول هي كُنوزه.
  • فهُناك كنوزٌ في هذهِ العُقول تَحتاجُ إلى برنامجِ لإخراجها، وهذا البرنامج لابُدَّ أن يكونَ برنامجاً مُحمَّديّاً عَلَويَّاً، لابُدَّ أن يكونَ في مُستوى مَرحلةِ التأويل (هذا عليٌّ يُفهّمكم بعدي).
  • — المُؤسّساتُ الدينيّة عِبْر التأريخ وحتَّى يَومنا هذا بما فيها المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّةُ، هذهِ المُؤسّساتُ تَعملُ ببرنامجٍ إبليسيٍّ مُتكاملٍ تكاملاً شيطانيّاً لدفن العقول.
  • أئمتُنا يُخرجونَ دفائن عُقولنا، ولِذا فإنَّ أوَّلَ شيءٍ يَفعلهُ إمامُ زماننا حِين خُروجهِ هُو أنّهُ يضعُ يدهُ على رؤوسِ العباد فيجمعُ بذلك عُقولهم.. قطعاً هذا المعنى يتحقّق في المُجتمع القريب مِنه وبشكلٍ تدريجي.
  • وهذا المعنى (معنى تكامل العقول) هو مِصداقٌ مِن مَصاديقِ هذهِ الآية: {اللّهُ وليُ الّذين آمنُوا يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور} فحِين يَضَعُ يَدَهُ على رُؤوسنا وتُجمَعُ عُقولنا فقد أخرجنا مِن ظُلماتنا إلى نُوره “عليه السلام”.
  • — بِحَسَبنا إذا أردنا أن نبحثَ عن نُورهم فإنّنا نَجِدُهُ في الخارطةِ الكاملةِ وهي “الزيارةُ الجامعةُ الكبيرة”.. فالزيارةُ الجامعةُ الكبيرة وضعتْ لنا نُقطةً واضحةً دالّة فقالتْ: (كلامكم نُور) مِن هُنا بوّابةُ النور.. كلامهم دالٌّ على نفسهِ بنفسهِ بعيدٌ عن قذاراتِ النواصب وقذاراتِ الحوزةِ العلميّة الدينيّة الشيعيّة بِعِلْم رجالها وأُصولها وكلامها ومنهجها العُمري في التفسير.
  • إنّهُ قرآنُ عليٍّ بتفسير عليٍّ، إنّهُ حديثُ عليٍّ بِفَهْم عليٍّ.. تلكَ هي بوّابةُ النور.
  • فقوله: {اللّهُ وليُ الّذين آمنُوا يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور} هذهِ الطاقةُ الإيجابيّةُ النوريّة.. وقولهِ: {والذين كفروا أولياؤُهُم الطاغوتُ يُخرجونَهُم مِن النُور إلى الظُلمات} يُخرجونهم بدفن عقولهم.. فما تَقومُ بهِ المُؤسّساتُ الدينيّةُ طُرّاً في العالم يَقومون بدفن العُقول لأنّهم في خِدمةِ الشيطان.. رجالُ الدينِ مِن كُلّ الأصناف في خِدمةِ الشيطان، ولِذا فإنَّ جميعَهم يتحرّكون بهذا الاتّجاه، باتّجاهِ دفن العقول تحتَ رُكامِ التخاريف، وتحتَ رُكامِ التقاليد، وتحتَ رُكامِ الطُقوس.. فتَحوّل الدينُ بكُلّ أشكالهِ إلى طقوسٍ في كُلّ المُؤسّساتِ الدينيّة وإلى سرقةٍ لأموالِ أتباعِ تلكَ الديانات وإلى ضَحِكٍ على ذُقون أتباعهم..!
  • وفي الوقتِ نفسهِ فإنَّ هذهِ المُؤسّساتِ الدينيّة تُخفي مِن الحقائق ما تُخفي، والأمرُ هُو هُو يَجري في مُؤسّستنا الدينيّة الشيعيّة الرسميّة حذو القُذّةِ بالقُذّةِ وحذو النعلِ بالنعل.. الحقائقُ على أرض الواقع هكذا تقول، لأنَّ منطقَ هذهِ المُؤسّسةِ يُخالفُ منطق ثقافة الكتاب والعترة بالكامل.. إنّهُ منطقٌ يجنحُ إلى الاتّجاهِ الناصبي، مِثلما قال إمامُ زماننا في رسالتهِ إلى الشيخ المُفيد وهو يُخاطبُ فيها مراجع الشيعة يقول:
  • (مُذ جَنَح كثيرٌ مِنكم إلى ما كان السَلَفُ الصالحُ عنهُ شاسعاً ونبذوا العهد المأخوذَ منهم وراء ظُهورهم). فإنّهم أخرجونا مِن النور إلى الظُلمات.. وهذهِ الظُلمات (الطاقة السلبيّة) لابُدَّ أن تُطمَر.. ومكانُ طَمْرها في النار {أُولئكَ أصحابُ النار هُم فيها خالدُون} فهُم صنعوا مطامرهم بنفسهم.
  • ● وفي الآيةِ 122 بعد البسملة من سُورة الأنعام:
  • {أومَن كانَ مَيتًا فأحييناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يمشي بهِ في الناس كمَن مَثَلُهُ في الظُلمات ليس بخارجٍ منها كذلك زُيّن للكافرين ما كانُوا يَعملون}.
  • في أحاديثِ العترة الطاهرة المُراد مِن قوله: {أومَن كانَ مَيتًا} أي لا يعرفُ إمامَهُ {فأحييناهُ} بمعرفةِ إمامه.. إنّها الطاقةُ السلبيّة والطاقةُ الإيجابيّة.
  • قوله: {وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يمشي بهِ في الناس} جعلنا لهُ إماماً، جعلنا لهُ عقيدةً صحيحةً، جعلنا لهُ معرفةً بإمامِ زمانه وِفقاً لعقلٍ نُوري تُثار دفائنه لا كما يفعلُ مراجع الشيعة حيثُ يدفنون عُقولنا ضِمنَ البرنامج الديخي.
  • عرض الوثيقة الديخيّة.. (وهي مَقطع صَوتي للسيّد كمال الحيدري يتحدّثُ فيه عن الحالةِ الديخيّة في الواقع الشيعي، والمُراد منها: حالةُ استحمار المراجع للشيعة والركوب على أقفيتهم.. واتّخاذُ المراجع الشيعة حَميراً لهم).
  • يعني أنَّ العلاقةَ فيما بين الشيعةِ والمراجع هي بهذا النحو.. وفي آخرِ كلامهِ المرجع المُعاصِر السيّد كمال الحيدري يُقسِم – وهُو يُقسِمُ صادقاً – أنَّ هذا واقعُ الشيعة..! أنَّ المراجع يستحمرون الشيعة..!
  • ● في الآية 24 بعد البسملةِ مِن سُورة الأنفال: {يا أيُّها الّذين آمنُوا استجيبُوا للّه وللرسُول إذا دعاكُم لما يُحييكُم..} لِما يُحييكم أي إلى الطاقةِ الإيجابيّة.
  • ● وفي سُورةِ التوبة في الآية 103: {خُذ مِن أموالهم صَدَقةً تُطهّرهُم وتُزكّيهم بها وصلِّ عليهم إنَّ صلاتكَ سكنٌ لَهُم واللّهُ سميعٌ عليمٌ} هذا مَظهرٌ مِن مَظاهر الصلاةِ علينا حين يُصلّي علينا إمامُنا “عليه السلام”.. كما في الآية 43 بعد البسملة من سُورة الأحزاب: {هُو الذي يُصلّي عليكُم وملائكتُهُ ليُخرجكُم من الظُلمات إلى النُور وكان بالمُؤمنين رحيماً}.
  • حينما نُصلّي على مُحمّد وآلِ مُحمّد فإنَّ الله يُصلّي علينا.. ونَحنُ نقرأُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة هذهِ العبارات: (وجعَلَ صَلاتنا عليكُم وما خَصّنا بهِ مِن ولايتكُم طِيباً لِخَلقنا وطَهارةً لأنفُسنا وتزكيةً لنا وكُفّارةً لذُنُوبنا) هذا منطقُ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد وهُو مَنطقُ القُرآن.. وفي الآية 43 مِن سُورة الأحزاب: {هُو الذي يُصلّي عليكُم وملائكتُهُ ليُخرجكُم من الظُلمات إلى النُور}.
  • وفي الرواياتِ عندنا بأنّنا إذا صلّينا على مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد فإنَّ الله يُصلّي علينا، وإنَّ الملائكة يُصلّون علينا.
  • — قوله: {ليُخرجكُم من الظُلمات إلى النُور} إنّها الطاقةُ الإيجابيّةُ المُتفاعلةُ التي ستُخرجُ ماحضي الإيمان مِن جنانهم البرزخيّة كما حدّثتنا الروايات الشريفة.. فإنّهم يُقبِلون مِن جنانهم البرزخيّة زُمَراً زُمَراً إلى وادي السلام يُلبّون الحُجّة بن الحسن “لبيّكَ داعي الله”.
  • — ونقرأُ في زيارةِ إمامِ زماننا هذهِ العبارات: (أشهدُ أنَّ بولايتكَ تُقبَلُ الأعمال..) ومَقرُّ الولايةِ هُو العقلُ قبل القلب، فإنَّ القَلْب خادمٌ للعقل، القلبُ يتحرّكُ باتّجاهِ العقل.. وأنا أتحدّثُ هُنا عن المنظومةِ الصحيحةِ في بناء الإنسان، لا أتحدّثُ عن المنظومةِ العمياء العوراء.. إنّني أتحدّثُ عن منهج رجلُ الدين الإنسان لا أتحدَّثُ عن منهجِ رجل الدين الحمار.. وفي منهج رجل الدين الإنسان يكونُ العقلُ هُو الآمِر والقلبُ هُو المأمور.. والذي يُنقّي القُلوب هُو حديثُ العترة الطاهرة: (إنَّ حديثنا جَلاءٌ للقلوب).
  • {أشهدُ أنّ بولايتكَ تُقبَل الأعمال، وتُزكّى الأفعال، وتُضاعَف الحَسَناتُ، وتُمْحى السيّئاتُ، فمَن جاءَ بولايتكَ واعترفَ بإمامتكَ قُبِلتْ أعمالُهُ وصُدّقتْ أقوالُهُ وتضاعفتْ حَسَناتُهُ ومُحيتْ سيّئاتُهُ، ومَن عَدَل عن ولايتكَ وجَهِلَ مَعرفتكَ واستبدلَ بكَ غيركَ كبّهُ اللهُ على مَنخرهِ في النار، ولم يَقبلْ اللهُ لَهُ عَمَلاً ولم يُقم لَهُ يومَ القيامةِ وَزْناً}.
  • — قوله: {كبّهُ اللهُ على مَنخرهِ في النار} إنّها نارُ البرزخِ قبل يوم القيامة.
  • الخلاصة:
  • الرجعةُ مرحلةٌ تكوينيّةٌ لابُدَّ أن يمرَّ بها الذين مَحَضوا الإيمان والذين مَحَضوا الكُفْر.. مِثلما لابُدَّ أن يمرَّ الإنسان الذي قُدّر لَهُ أن يأتيَ مِن عوالم الغَيب إلى عالم التراب لابُدَّ أن يمرَّ في التكوين الجنيني، مرحلةٌ لابُدَّ أن يمرَّ بها وإلّا لن يستطيعَ أن يتحوَّل مِن ذلكَ الوجود الغَيبي إلى هذا الوجود البشَري الترابي الذي يَعيشُ على الأرض.. فلابُدَّ أن يمرَّ بمراحل التكوين الجنيني.
  • والأمرُ هو هو.. فقبل الانتقال إلى عالم الآخرة، وقبل أن تُطوى السماء ويُطوى كُلُّ شيء لابُدَّ مِن استيفاء الأغراض لكلِّ هذهِ الكائنات.. فهذهِ الكائنات لم تُخلَق عَبَثاً، وإنَّما كُلُّ مُيسّرٍ لِما خُلِقَ له.. كُلُّ مَخلوقٍ لهُ برنامج. (وقفة توضيح لهذه النقطة بأمثلة).
  • وخُلاصةُ الخلاصةِ:
  • الرجعةُ مَرحلةٌ تكوينيّةٌ لابُدَّ لِماحضي الإيمان وماحضي الكُفْر أن يمرُّوا فيها عِبْر التحوّلِ إلى المَحطّاتِ الأُخرى التي تقودهم إلى القيامةِ الكُبرى، إلى عالمِ الآخرة.
  • وفي وسط كُلّ ذلكَ كانَ الحديثُ عن الطاقةِ النُوريّة الإيجابيّة وعن الطاقةِ الظلمانيّة السَلبيّة وهذا لهُ بقيّة سيأتي بيانُها في حلقةِ يومِ غد.
  • كُلُّ هذا كان مُقدّمةً وهذهِ المُقدّمةُ تأخذني إلى هذه النقطةِ المُهمّةِ: “كيف نُفكّر، وكيف يبدأ التفكير؟”.. إنّني أُريد أن أُجيبَ على هذا السُؤال: لمِاذا الرجعةُ بالنسبةِ لِماحضي الإيمان وبالنسبةِ لِماحضي الكُفْر؟!
  • ما قدّمتهُ كان تَوضيحاً وبياناً، كان مُقدّمةً، تَقودني إلى هذه النقطة: “كيف نُفكّر؟ ومِن أين يبدأُ التفكيرُ حينما نُريدُ أن نبحثَ عن الحقيقة أو أن نُحاول أن نكونَ في فَلَك الحقيقة؟)
  • — (وقفة أُحدّثكم فيها عن المنطقِ القديم والمنطق الحديث.. لِتعرفوا مِن خلال هذهِ المُقدّمة المُراد مِن الحديث الشريف: “مَن عَرَف نفسه فقد عرف ربّه”).

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …