دليلُ المسافر – الحلقة ٢٢ – المحطّة الخامسة: الرجعة ج٧

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 26 شهر رمضان 1440هـ الموافق 1 / 6 / 2019م

  • لازلتُ أتحدّثُ في المحطّةِ الخامسةِ مِن محطّاتِ هذا الطريق وهي: الرجعة.. وهذهِ الحلقةُ هي الجُزءُ السابعُ مِن حديثي في أجواءِ هذهِ المحطّة، وهي جُزءٌ ثانٍ أُلْحِقهُ بجُزءٍ أوّل تقدّم في الحلقةِ الماضية.. حيثُ ذكرتُ شطْراً مِن جوابي على سُؤالٍ: “لماذا رجعةُ مَن مَحَض الإيمان؟ ورجعةُ مَن مَحَض الكُفر؟”

  • لا أُعيد ما تقدّم مِن كلامٍ في الحلقةِ الماضية، لكنّني وصلتُ في نهايةِ الحديث إلى ما جاء عنهم “عليهم السلام”: (مَن عرفَ نفسه فقد عرف ربّه).
  • لا أُريدُ أن أُعيدَ ما ذكرتهُ مِن كلامٍ في أجواء هذا الحديث.. سوف أذهبُ إلى آخر نقطةٍ تحدّثتُ عنها ومِن هناك أُكمِلُ حديثي.
  • ● آخرُ نقطةٍ تحدّثتُ عنها في الحلقةِ الماضية هي ما قُلتهُ مِن أنّنا حين نتدبّرُ في أحوالنا وأوضاعنا ونُفكّرُ في مضمون وُجودنا وفي تفاصيلِ كينونتنا.. هُناك أمرانِ يُمكننا أن نَجدهما في قائمةٍ طويلةٍ مُفصّلةٍ ومُعقّدةٍ مِن الأمور.
  • تحدّثتُ عن هذين الأمرين على سبيل المِثال، ولارتباطهما بجواب السُؤالِ الذي بين يديّ.

  • تحدّثتُ عن العُمْر الافتراضي.

  • وتحدّثتُ عن الحقّ الافتراضي.

  • وجئتُ بمثالٍ للتوضيح وقُلت: أنَّ صُنّاع جهازٍ مِن الأجهزة سيفترضون لهُ عُمْراً مُعيّناً ومُدّةً زمانيّةً وبعدها يكونُ هذا الجهاز لا نفْعَ فيه، فإنّه سيكون خارج الفائدة.. فهذا هو العُمْر الافتراضي.
  • وأمَّا الحقُّ الافتراضي: فهو حقٌّ للزبائن في أن تبقى هذه الأجهزة تعملُ إلى فترةٍ مُعيّنة (فترة الضمان).
  • وصلتُ في حديثي إلى هذهِ النُقطة: وقُلتُ أنَّ هذا التقنين، هذا التنظيم، هذا التدبير مَوجودٌ في حياتنا الإنسانيّة في مُختَلفِ أنشطتها الجادّةِ والهادفة.. على المُستوى الصناعي، على المُستوى التجاري، وحتّى على المُستوياتِ الطبيّةِ القانونيّةِ وسائر المُستوياتِ الأُخرى.
  • إنّما توصَّل الإنسانُ إلى هذا لأنّهُ يَجدُ تدبيراً مُودَعاً في باطنِ كينونتهِ وهذ التدبيرُ هو نفسهُ ينطبقُ علينا فَنحنُ لنا عُمْرٌ مُعين.. الفارقُ بين أعمارنا وأعمارِ الأجهزةِ هُو أنَّ أعمارَنا قد قُدّرتْ بتقديرٍ إلهيٍّ مُحكم.. وأمّا الأجهزةُ التي يصنعُها الصُنّاع مِن البشر هُم يَضعونَ عُمْراً افتراضيّاً.. قد يُخطىءُ هذا التقديرُ وقد يُصيب.. وإذا ما أخطأ فإنَّ الأسباب المُؤدّية إلى الخطأ لم تكن في بالهم.
  • أمَّا نحنُ حتّى وإن خضعنا لقانون البداء حيث تتغيّر مقاديرُ أعمارنا وأوقاتُ آجالنا فكُلُّ ذلكَ مَحسوبٌ بحسابٍ دقيق معلومٌ قبل أن نوجد.
  • أنا لستُ في مقامِ المُقارنة بين ما هُو شأنٌ إلهيٌّ وبين ما هُو شأنٌ بشري، ولكنَّ هذهِ الحقيقةَ التي تَرتبطُ بوُجودِ عُمْرٍ افتراضي وبوجود حقٍّ افتراضي مِثلما هي في حياتنا نتعاملُ معها وتجري أُمور الحياةِ بين طيّاتِ تفاصيلها فهذا التدبيرُ وهذا النظامُ يَسري في حياتنا على المُستوى التكويني ويرتبطُ بالمُستوى التشريعي، وهكذا في كُلّ الأشياء مِن حولنا.. بل في كُلّ التكوين.

  • في الآية 8 بعد البسملة من سُورة الرعد:

  • {اللّهُ يعلمُ ما تحملُ كُلُّ أُنثى وما تَغيضُ الأرحامُ وما تَزدادُ وكُلُّ شيءٍ عندهُ بمقدار}.
  • ● قولهِ: {ما تَغيضُ الأرحامُ وما تَزدادُ} أي ما تنقصُ الأرحامُ وما تزداد وهي المُجرياتُ التي تجري على الجنينِ بكُلّ تفاصيلها.. وذِكْر الأجنّةِ هُنا جاء مثالاً، وإلّا فإنَّ القانون الأصل هو هذا: {وكُلُّ شيءٍ عندهُ بمِقدار}
  • لستُ بصدد التوغّل في مضامين الآياتِ بنحوٍ تفصيلي.. حديثي كانَ عمّا يقومُ بهِ مِن تدبيرٍ مِن تنظيمٍ مِن تقنين في الكثير مِن جوانب حياتهِ المُختلفة فيما يرتبطُ بوجودِ عُمْرٍ افتراضيٍّ وما يرتبطُ بوجودِ حقٍّ افتراضيٍّ في كثيرٍ مِن شُؤون حياةِ الإنسان اليوميّة.. وذلك انعكاسٌ لِما هو في الكونِ مِن حولنا، فما هو عندنا موجودٌ في هذا الكون الكبير، وما هو في هذا الكون الكبير هو آتٍ مِنهُ سُبحانهُ وتعالى.
  • ● {اللّهُ يعلمُ ما تحملُ كُلُّ أُنثى وما تَغيضُ الأرحامُ وما تَزدادُ وكُلُّ شيءٍ عندهُ بمِقدار} حينما نتحدَّثُ في الجوّ الإنساني عن عُمْرٍ افتراضي.. فهذا هُو التقدير، هُناك مقادير، هُناك تقديرٌ دقيق. عند الإنسانِ يكونُ التقديرُ في مُستوى العالم الافتراضي، ولكنَّ عند اللهُ سُبحانهُ وتعالى يكونُ التقدير في مُستوى العالم الحقيقي (إنْ كان ذلك في آفاق الغَيب أو كان ذلك في آفاقِ الشهادة).
  • ● قوله: {وكُلُّ شيءٍ عندهُ بمِقدار} هُناك أعمار، آجال.. هُناك أرقام، هُناك بدايات، هُناك نهايات، هُناك منافع، هُناك أضرار.. هُناك وهُناك وهُناك.. الآية واضحةٌ جدّاً

  • في الآية 21 بعد البسملة مِن سُورة الحِجْر، قولهِ عزَّ وجلَّ:

  • {وإنْ مِن شيءٍ إلّا عِندنا خزائنُهُ وما نُنزلهُ إلّا بقَدَرٍ معلومٍ}
  • ● قوله: {إلّا عِندنا خزائنُهُ} أي مصادرُ الإمدادِ بالطاقةِ بكُلّ أشكالها.. طاقةُ التكوين والنُشوء، وطاقةُ البقاء والسلامة، طاقةُ الاستمرار والترقّي.. وهكذا..
  • ● قوله: {وما نُنزلهُ إلّا بقَدَرٍ معلومٍ} فما يتنزّلُ في كُلُّ عالَمٍ يكونُ بِحَسَب قوانين ذلك العالم وبِحَسَب التقدير الذي يستندُ إلى الحكمةُ الإلهيّة.. فإنْ أرادَ أن يمدّهُ فإنَّ خزائنَ الطاقةِ قادرةٌ على الإمدادِ على طُول الخطّ.
  • هُناك تقدير، هُناك عُمْرٌ افتراضي.. مِثلما صانعُ الجهاز يَضعُ عُمْراً افتراضيّاً للجهاز الذي يصنعهُ بالنظر إلى الموادّ التي يصنعُ منها الجهاز، بالنظر إلى مصدر الطاقةِ والحياةِ في ذلك الجهاز، بالنظر إلى قيمة الجهاز السُوقيّة، بالنظر إلى ما يُريد أن يُصنّعهُ مِن أجيالٍ جديدةٍ من هذا الجهاز.. فكُلُّ ذلك وغيرهُ مِن المنافسةِ في عالَم السُوق، مِن الدعايةِ لأجهزةٍ أُخرى كبيرةٍ سيقومُ بصناعتها في الأيّامِ القادمةِ القريبة.. هناك الكثيرُ مِن التفاصيل.. على ضوء تلكَ التفاصيل يضعُ الصانعُ العُمْر الافتراضي لِذلك الجهاز.
  • هُناك تقدير، هُناك عُمْرٌ افتراضي.. مِثلما صانعُ الجهاز يَضعُ عُمْراً افتراضيّاً للجهاز الذي يصنعهُ بالنظر إلى الموادّ التي يصنعُ منها الجهاز، بالنظر إلى مصدر الطاقةِ والحياةِ في ذلك الجهاز، بالنظر إلى قيمة الجهاز السُوقيّة، بالنظر إلى ما يُريد أن يُصنّعهُ مِن أجيالٍ جديدةٍ من هذا الجهاز.. فكُلُّ ذلك وغيرهُ مِن المنافسةِ في عالَم السُوق، مِن الدعايةِ لأجهزةٍ أُخرى كبيرةٍ سيقومُ بصناعتها في الأيّامِ القادمةِ القريبة.. هناك الكثيرُ مِن التفاصيل.. على ضوء تلكَ التفاصيل يضعُ الصانعُ العُمْر الافتراضي لِذلك الجهاز.
  • فهناك عُمْرٌ افتراضي، وهناك عُمْرٌ مُقدَّر.. والفارقُ بين العُمْر الافتراضي للجهاز المصنوع في مصنعٍ بشري وبين الكائن (إنساناً كان هذا الكائن أم كان شيئاً آخر) الفارقُ أنّ هُنا شأنٌ إلهيٌّ تحكمهُ القوانينُ الإلهيّةُ الكاملة، وهُنا شأنٌ إنسانيٌّ تحكمهُ القوانينُ الإنسانيّة وهي القوانينُ الطبيعيّة الناقصة.

  • في الآية 2 بعد البسملة مِن سُورة الفرقان:

  • {الّذي لهُ مُلْك السماواتِ والأرض ولم يَتّخذْ وَلدًا ولم يكنْ لهُ شريكٌ في المُلْك وخَلَق كُلَّ شيءٍ فَقَدَّره تقديرا}.
  • هذا العُنوان عُنوانُ السماوات والأرض في الأعمّ الأغلب في آياتِ الكتاب وفي حديث المعصومين إنّهُ عُنوانٌ لكلّ الكون، وإنْ كانَ الكونُ أكبرَ مِن السماواتِ والأرض.. إلّا إذا أردنا أن نتحدَّث عن كوننا. فإذا أردنا أن نتحدَّث عن كوننا فإنَّ كوننا السماواتِ والأرض.. ما بعدَ السماواتِ والأرض ليس كوننا، إنّها أكوانُ النُور. أكوانُ السماواتِ والأرض هي أكوانُ الغَيب والشهادة أمّا أكوانُ النُور فإنّها تَتجاوزُ أكوان الغَيبِ والشهادة.
  • ● قولهِ: {وخَلَق كُلَّ شيءٍ فَقَدَّره تقديرا} خَلَق كُلُّ شيءٍ في أكواننا التي هي السماواتُ والأرض، وفي ما بعد أكواننا إنّها عوالمُ النور.. خَلَق كُلَّ شيء، ولِذا قُلتُ فإنَّ الأعمَّ الأغلب في الكتاب الكريم وفي أحاديث العترة هذا العُنوان “السماواتُ او الأرض” عُنوانٌ لكلّ ما على صفحة الوجود الذي فاض عن الحقيقةِ المُحمّدية.
  • فهناك عُمرٌ مُقدّر، هُناك أجلٌ مُقدّر لي ولِهذا الجبل ولتلكَ الشجرةِ ولجبرئيل ولجميع الأنبياء ولكلّ الشياطين، ولكلّ طبقاتِ هذا الخَلْق.. هُناك تقادير (تقادير في الطاقةِ الممنوحةِ لهذه الكائنات، تقاديرُ في الآثار الصادرة منها)
  • نَحنُ ما بينَ أن نفعلَ في الأشياء أو أن ننفعلَ بها.. فنَحنُ نتأثّرُ بما حَولنا ونُؤثّر بما حولنا وهكذا كُلُّ الأشياء.. كما يُعبّر عن ذلك الفلاسفة بمقولةِ (الفعل والانفعال) فنَحنُ ما بين مقولتين: ما بينَ مَقولةِ الفِعْل وبين مَقولةِ الانفعال.
  • فما يصدرُ مِن فعْلٍ مِنّا هُو بحُدود المقادير التي قُدّرتْ لنا، وما يطرأُ علينا مِن انفعالٍ بسبب تأثير الفواعل الأُخرى فهو داخلٌ في حُدود دائرة التقدير هذه.

  • في الآية 49 بعد البسملة مِن سُورة القمر، قانونٌ واضحٌ صريحٌ لا يَحتاجُ إلى شرحٍ وتبسيطٍ وبيان:

  • {إنّا كُلّ شيءٍ خَلقناهُ بقدرٍ}

  • وفي سُورةِ الطلاق في الآية 2 و 3 بعد البسملة:

  • {ومَن يَتّقِ اللّهَ يجعل لّهُ مخرجًا* ويرزُقهُ مِن حيثُ لا يحتسبُ ومَن يتوكّل على اللّهِ فهُو حَسْبُهُ إنَّ اللّهَ بالغُ أمْرهِ قد جعَلَ اللّهُ لكُلّ شيءٍ قَدْرا}
  • ● قوله: {قد جعَلَ اللّهُ لكُلّ شيءٍ قَدْرا} القانونُ هُنا.. الآياتُ واضحةٌ صريحةٌ جدّاً.
  • كُلُّ هذه الآيات تُحدّثنا عن العُمْر وعن الأجلِ وعن الطاقةِ الممنوحةِ بحكمةٍ، بتقديرٍ لكُلّ مُكوّنٍ مِن هذه المُكوّنات.
  • ● في الأحاديثِ الشريفة وبشكلٍ واضح أنَّ الذي يموتُ على وِلاءِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد يَموتُ مَوتاً حقيقيّاً.. لا أنّهُ كانَ يُحبّهم في الدُنيا كحالي وحالكم، ولكن عند الاحتضارِ تلتبسُ عليهِ الأمور، فهو مِن مجموعةِ الذين أمرُهم مُبهَمٌ (مثلي ومثلكم).
  • الذين يملكونَ وُضوحاً وانكشافاً كاملاً بحيث أنّهم في مَرحلةِ الاحتضار لا تلتبسُ عليهم الأُمور، هؤلاء الذين إذا ما ماتوا فإنّهم يَموتونَ صِدّيقيّن شُهداء.. هكذا حدّثتنا الروايات، فيموتُ وليُّ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد صدّيقاً شهيداً، بينما هُناكَ مِمّن يُسفَكُ دَمُهُ يُضحّي بنفسهِ في سُوح القتال ولكنّهُ لا يُعَدُّ صِدّيقاً ولا يُعَدُّ شهيداً لأنّهُ يموتُ وهو لا يَملكُ الانكشافَ والوضوحَ والبصيرةَ الكاملة.
  • قد يقولُ قائلٌ: ولكنّهُ يُضحّي بروحه..!
  • وأقول: القضيّةُ ليست في التضحيةِ بالرُوح والقضيّةُ ليستْ بسَفْكِ الدِماء وليستْ بالقتل والقتال.. فهُناكَ مِمّن قُتِلَ بين يدي رسول الله وما عدَّهُ رسولُ اللهِ شهيداً وفي أحرجِ المواقف، في واقعةِ أُحد..!
  • هُناك مِن الصحابةِ مَن قاتلَ وقُتِلَ في تلك الوقعةِ التي لها مِن الخُصوصيّةِ ما لها ورفضَ رسولُ اللهِ أن يعدّهُ شهيداً..! فالقضيّةُ ليستْ في أُفُق التضحيةِ بالنفيس والغالي.. التضحيةُ بالنفيس والغالي أمرٌ مُهمٌّ، ولكنَّ القضيّة ليستْ بسفْكِ الدِماء وأمثالِ ذلك.. أبداً.. وإنّما القضيّةُ قضيّةُ الوضوح.
  • فهذا الذي يُسفَكُ دَمهُ في سبيلِ الله – أي في سبيلِ عليٌّ وآل عليّ – على وضوحٍ وبصيرةٍ وانكشافٍ وعلى بيانٍ وقُرْب مِن الحقيقةِ هذا أمْرهُ مُختلفٌ جدّاً.. شهادتهُ، منزلته.. هذا لو لم يُقتَلْ في سُوحِ القتالِ والحَرْب فَإنّهُ سيموتُ صدّيقاً شهيداً.. فما بالكم وهو قد جندلَ نفسهُ وسَفَحَ دَمَهُ في سبيلٍ عليٍّ وآل عليّ..! ذلك أمرٌ آخر.
  • أنا لا أُريدُ أن أتشعّب في هذهِ القضيّةِ.. لكنّني أقول:
  • أنَّ البصيرةَ وأنَّ المعرفةَ الخالصةَ تُمثّلُ طاقةً مُتزايدةً تكونُ مِصْداقاً لهذا القانون: “ما كان للهِ ينمو”.. ولِذا حينَ يَموتُ هذا الذي هُو وليٌّ حقيقيٌّ لِعليٍّ وآلِ عليّ فَإنَّ الطاقةَ التي عندهُ تُجنّبهُ أن يكونَ في مقابر النوم، تُجنّبهُ أن يكونَ في مقابرِ الجنانِ أو في مَقابرِ النيران.. إنّه سيذهبُ مُستقيماً وبنحوٍ سريعٍ إلى جنانِ عالَم البرزخ، وحينما يَحينُ موعدُ الظُهور فإنَّ الطاقةَ التي عنده هي التي ستُعيدهُ راجعاً إلى عالَم الأرض، يُقبلون زُمَراً زُمَراً يُلبّون: “لبيّكَ داعي الله”.. فتلكَ الطاقةُ هي التي كانتْ سَبَباً في أن يذهبَ إلى الجنانِ، وكانتْ سَبَباً في أن يعودَ راجعاً إلى الحُجّةِ بن الحسن “عليه السلام”.
  • هذا القانون: “كُلٌّ مُيسّرٌ لِما خُلِقَ لَه” إنّهُ تَعبيرٌ مُوجَزٌ عن العُمْر الافتراضي وعن الحقّ الافتراضي.. فهذا المخلوقُ لَهُ عُمْرٌ، لَهُ أجلٌ وينتهي.. ينتهي هذا الأجل بنهايةِ الهدفِ الذي جُعِلَ لَه.
  • يأتي سُؤالٌ هُنا، وهو: أنَّ أولياءَ عليٍّ وآلِ عليٍّ بسببِ الطاقةِ النُوريّةِ التي عندهم يَذهبونَ بها إلى جنانِ البرزخ ويَتجاوزون كُلَّ المصاعب في المَحطّاتِ المُتقدّمة الذِكْر.. فَهُم لن يتعرّضوا لِما يَجري في مَحطّةِ هَول المُطّلَع، ولن يَتعرّضوا لِما يَجري في مَحطّةِ القبر (إنْ كان ذلكَ تحتَ عُنوان وحْشة القبر، تحتَ عُنوان ضَغْطة القبر، تحت عُنوان مُساءلة القبر) فكُلُّ ما يَمرّونَ به يكونُ مُريحاً.. فلماذا لم تُسْعِفُهم الطاقةُ فيَبقونَ في الحياةِ الدُنيويّة؟ لِماذا لم تُسعِفُهم تلكَ الطاقةُ فتستمرّ حياتُهم في العالَم الأرضي؟
  • عُمْرهُم الافتراضي وأجلُهُم الافتراضي، وبعبارةٍ أُخرى: أجلُهم المُقدّر لَهم بتقديرٍ إلهيٍّ لم يكن مُرتبطاً بهذه الطاقةِ النُورّية، وإنّما انتهتْ صَلاحيّةُ العلاقةِ في التمازج بين أرواحهم وأجسادهم.
  • هُناك مُؤهّلاتٌ البَعضُ منها يَرتبطُ بالرُوح والبعضُ مِنها يَرتبطُ بالجَسَد.. إذا ما تفكّكتْ هذهِ المُؤهّلات، إذا ما تشقّقتْ وتعرَّضتْ للتخريبِ بسبب انتهاءِ العُمْر الافتراضي لِتلك العلاقات، فحينئذٍ تنفصِلُ الرُوحُ عن الجَسَد.. فقد انتهى العُمْر الافتراضيُّ للعلاقةِ القائمةِ بين الرُوحِ والجسد.. بينما الطاقةُ النُوريّة إنّها مخزونةٌ في مركز الطاقةِ الذي هو العقل، ومِن العقل تتسرّب تلكَ الطاقةُ إلى القلب، وكُلُّ ذلك في باطنِ الرُوحِ وفي ضميرها وفي وجدانها.
  • أمّا العلاقة بين الرُوح والجسد فلها عُمْرٌ افتراضيٌّ، لها أجلٌ مُقدّر.
  • ● (فكُلٌّ مُيسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه) فالرُوحُ بطاقتها النُوريّة مُيسّرٌ لها أن تتجاوزَ تلكَ المحطّاتِ الصعبةِ وأن تتنعّم في جنانِ البرزخ بسبب تلكَ الطاقة، وأمَّا العلاقةُ بين الجَسَدِ التُرابي وبين الرُوح فإنّها قد انتهى عُمْرها الافتراضي، فلابُدَّ مِن التفكيكِ بينَ الجَسَدِ وبين الرُوح.
  • إذا كانتْ الرُوحُ تمتلكُ تلكَ الطاقةَ النُوريّة فإنّها لن تُعاني أَلَماً لا في الاحتضارِ، ولا في زُهوقِ الرُوح، ولا في هَولِ المُطَّلَع، ولا في وحشةِ القبر، ولا في ضَغْطةِ القبر، ولا في المُسائلة. هذهِ الأمورُ ستسهُل عليها وتنتقلُ مُباشرةً إلى جنانِ البرزخ.. بسبب تلكَ الطاقةِ النُوريّةِ الطاهرة.
  • ● وإنّما تُستبانُ الأُمور مِن أضدادها.. هذا الأمرُ إذا أردنا أن ننظرَ إليهِ بنحوٍ مُضادّ بالنسبةِ لأولئكَ الذين يقعونَ تحتَ هذا العنوان: “أعداءُ عليٍّ وآل عليّ” مِمّن مَحَضوا الكُفْر.
  • القانونُ هو القانون.. فالطاقةُ الظلمانيّةُ تقودُهم إلى ما تقودُهم إليه، والعلاقةُ بين أرواحهم وأجسادهم تتفكّكُ عند نهايةِ العُمْر الأفتراضي.. ولكنّها تتفكّكُ في الأعمّ الأغلب بألمٍ.. وبقيّةُ التفاصيل التي مرَّتْ الإشارةُ إليها في الحَلَقاتِ المُتقدّمة، أو حتّى في الصُوَر التي ما سَنَح الوقتُ لِعرضها فيما يرتبطُ بموتِ الذين مَحَضوا الإيمان وبموتِ الذين مَحَضوا الكُفْر.
  • ● (لو لم يبقَ مِن عُمْر هذهِ الدنيا إلّا يومٌ واحد، لطوّل اللهُ ذلك اليوم..) حتّى يكتملَ المشروع المهدوي.
  • الحديثُ واضح في أنَّ الدُنيا لها عُمْرٌ افتراضي، لها صَلاحيّةُ بقاءٍ مُعيّنة، لها تَقديرٌ مُعيّن.. والمُراد مِن الدُنيا هي كُلّ العالم الذي يَكونُ تحتَ السماء الدُنيا (أي السماء الأولى). قد نُطِلقُ على الأرض أنَّها الدُنيا وهُو إطلاقٌ صحيح، فالقُرآن استعملَ هذا الوصْف والعترة الطاهرة أيضاً.. ولكنَّ الإطلاق الحقيقي حينما نتحدثُ عن الدُنيا إنّنا نَتحدّث عن كُلّ ما تحتَ السماءِ الدُنيا، وأرضُنا جُزءٌ مِن الدنيا.. ولذا فإنَّ عالَم البرزخ بكُلّ اتّساعهِ هو جُزءٌ مِن الدنيا.. ومِن هُنا عبّرتْ الرواياتُ والأحاديثُ عن جنانِ البرزخِ أنّها مِن جنان الدُنيا.
  • حتّى الجنّةُ التي خُلِقَ في طَبَقتها أبونا آدم ودخلَ فيها وأُخرجَ منها.. وردَ في أحاديثِ العترةِ أنّها في طبقةٍ مِن طَبَقاتِ عالَم الدُنيا.. فأبونا آدم لم يكنْ قد دَخَل في جنّةِ الآخرة، وإنّما دخل في جنّةٍ هي في طَبقةٍ مِن طَبقاتِ عالَمِ الدُنيا، المُرادُ بهِ ما تحتَ السماء الدُنيا.. فجنّةُ أبينا آدم مِن جنان عالم الدُنيا، مِن جنانِ هذا العالمِ الوسيعِ الفسيح الذي هو دُون السماءِ الدُنيا.
  • ● قوله: (لطوّل اللهُ ذلك اليوم) هذا التطويل إنّما يأتي مِن تلكَ الخزائن.. لابُدَّ مِن طاقةٍ، لابُدَّ مِن مَدَدٍ يُضافُ وحينئذٍ تتغيّرُ خارطةُ التقدير للدُنيا أو لأيّ كائنٍ آخر يأتيه المَدَد.. يتغيّر حينئذٍ العُمْر الافتراضي ويتغيّرُ الحقُّ الافتراضي.. وكُلُّ ذلك إنّما يتمّ عن طريقِ استيفاءِ الغَرض، والمُراد مِن استيفاء الغرض: أي تحديدُ الهدف وتسهيل الأسباب لتحقيق ذلك الهدف.
  • فهناك عُمْرٌ افتراضيٌّ، وهُناك حقٌّ افتراضيٌّ يَرتبطُ بمِقدار العُمْر الافتراضي وكُلُّ ذلك إنّما يتحقّقُ عَمَليّاً على أرض الواقع من خلالِ استيفاءِ الغَرض مِن ذلك العمْر الافتراضي ومِن ذلك الحقّ الافتراضي وإنّما يكونُ بتشخيص الهَدف بشكلٍ دقيق وبتسهيل السُبُل لتحقيق ذلك الهدف.. هكذا يعملُ الإنسان بحُدوده، وهكذا يعمل الكونُ بحَسَب القوانين الإلهيّة.
  • التكوينُ والتشريعُ يتحرّكانِ بهذا المنطق.. والإنسانُ أيضاً في عالم الاقتصاد، في عالم السياسة، في عالم التكنلوجيا.. إنّه يتحرّكُ بنفس هذا المنطق، فهُناك عُمْرٌ افتراضيٌّ، وهُناك حقٌّ افتراضيٌّ، وهُناك استيفاءٌ للغَرض، وهُناك تحديدٌ للأهدافِ والغاياتِ، وهُناك سعيٌّ لتسهيل السُبُل بأقّل كُلْفةٍ للوصول إلى تحقيق الأهداف.. هذهِ خُطّةُ الإنسان أيضاً.. وما الرجعةُ إلّا صُورةٌ مِن هذا البرنامج.
  • ● وقفة عند هذهِ العبارة مِن دُعاء الجوشن الكبير والموجودة في المقطع (27): (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام..)
  • الحِلُّ هو كُلُّ ما يُمكن أن نُصنّفهُ في الجانب القريب مِن الله، والحرامُ هو كُلّ ما نُصنّفهُ في الجانب البعيد مِن الله.. وقوله: (يا ربّ النُور والظلام) فهُناك الطاقةُ الإيجابيّة وهُناك الطاقةُ الظلمانيّة على جميع المُستويات.
  • على مُستوى الدين: هناك ناطقان: ناطقٌ ينطقُ عن الله فقط، وهُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “عليهم السلام”، وهُم الناطقون عن أنفسهم أيضاً.. وهذا المضمون يُمكن أن نتلمّسه في زيارة آل يس.. حيثُ جاء فيها: (إذا أردتم التوجّه بنا إلى الله تعالى وإلينا) التوجّهُ إلى الله مِن خلالهم، وإليهم.
  • فهم الناطقون عن الله وهُم الناطقون عن أنفسهم.. أمّا نَحنُ فإنّنا ننقلُ حديثهم فقط، ولسنا ناطقين عنهم “عليهم السلام”.
  • فعلى مُستوى الدين هُناك ناطقٌ عن الله، هُناك ناطقٌ عن الشيطان.
  • على مُستوى التشريع وعلى مُستوى التكوين هُناكَ جهةُ النُور وهناك جهةُ الظلام.
  • ● على سبيل المِثال: نقرأ في دُعاء كُميل:
  • (الّلهم اغفرْ لي الذنوب التي تهتكُ العِصَم، الّلهُم اغفـرْ لي الذُنُوب الّتي تُنزل النّقم، الّلهُم اغفرْ لي الذُنُوب الّتي تُغيـر النعم، الّلهُم اغفر ْلي الذُنُوب الّتي تحبسُ الدُعاء، الّلـهُم اغفرْ لي الذُنُوب الّتي تُنزلُ البلاء..)
  • المغفرةُ في جهةِ النُور.. إنّهُ نُورٌ تكويني، المغفرةُ عمليّةٌ تكوينيّة وليستْ عمليّةً تشريعيّة.
  • ذنوبٌ تهتكُ العِصَم إنّها عمليّةٌ تكوينيّة.
  • الذنوبُ ونَحنُ نرتكبها إنّنا نقومُ بخَلْقها، وتكوينها وتَصويرها بنحوٍ فيزيائيٍّ مِن خلالِ الطاقةِ المُودَعةِ عندنا.. فَإنَّ الطاقةَ الإيجابيّةَ المُودَعةَ عندنا بسببِ النيّةِ السيّئةِ ستتحوّل إلى طاقةٍ سلبيّة، نَحنُ نُحوّلها.. لأنَّ النيّةَ السيّئةَ ولادةُ طاقةٍ جديدة.
  • المُخالفةُ بما هي هي ذلكَ أمرٌ شرعي، ولكن تَصويرَ المُخالفةِ بشكلٍ فيزيائيٍّ هذا أمْرٌ كوني، وآثارٌ تترتّبُ عليهِ ذنوبٌ تَهتكُ العِصَم ذلك أمرٌ كوني.
  • التعانقُ بين التشريع والتكوين في جميع الاتّجاهات.
  • هُناك ترابطٌ واضحٌ بين جهةٍ تكوينيّةٍ نُوريّة وبين جهةٍ تكوينيّة ظلمانيّة.. المغفرةُ جهةٌ تكوينيّةٌ نُوريّةٌ، وأنا بذنوبي مَصدرٌ لجهةٍ تكوينيّةٍ ظلمانيّة.
  • ● (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام..) إنّهُ قانونُ التدافع الذي يتحدّثُ عنه الكتاب الكريم مِثلما جاء في الآية 251 بعد البسملةِ مِن سُورة البقرة، في تفاصيل قِصّة طالوت وجالوت:
  • {فهزمُوهُم بإذنِ اللّهِ وقتَلَ داوُودُ جالوت وآتاهُ اللّهُ المُلك والحِكمة وعَلّمهُ مِمّا يشاءُ ولولا دَفْعُ اللّه الناس بَعضهُم ببعضٍ لَفسدتْ الأرضُ ولكن اللّه ذُو فضْلٍ على العالمين}
  • ● قوله: (ولولا دَفْعُ اللّه الناس بَعضهُم ببعضٍ لَفسدتْ الأرضُ) هذا مِصداقٌ مِن مصاديق قانونُ التدافع بين الحلّ والحرام، بين النُور والظلام.
  • قانونُ التدافع ليس خاصّاً بالناس فقط، وإنّما هُو قانونٌ لتنظيمِ العلاقةِ بين النُور والظلام.. وما هذا الذي جاءَ مذكوراً في هذهِ الواقعةِ ما هُو إلّا مِصداقٌ مِن مَصاديق تطبيقِ قانونِ التدافع بين النور والظلام، بين الحلّ والحرام.. (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام..) تلكَ هي طبيعةُ عالَم الدُنيا.. عالَم الدنيا هو عالَم مِن طبيعتهِ أن يكون فيهِ حِلٌّ وأن يكون فيهِ حرام، ولا أتحدّث هُنا عن الحلّ بالعُنوان الشرعي وعن الحرام بالعنوان الشرعي.
  • فإنَّ الحلّ بالعُنوان الشرعي وإنَّ الحرام بالعُنوان الشرعي هو مِصداقٌ جُزئيٌّ مِن هذا الحلّ والحرام الذي يتحدّثُ عنه دُعاءُ الجوشن الكبير.. فهُناك الحلُّ وهُناك الحرام على مُستوى التشريع وعلى مُستوى التكوين وعلى مُستوى التناغمِ والعلاقةِ فيما بين التشريعِ والتكوين.
  • فعَالَم الدُنيا مِن طَبائعهِ فيهِ حلٌّ وفيه حرام.. فيهِ نُورٌ وفيهِ ظلام.. طَبيعةُ العالَم هكذا تقتضي، وليسَ اللهُ سُبحانه وتعالى أرادَ للظلامِ أن يكون، وليس الله سُبحانهُ وتعالى هو الذي أرادَ للحرام أن يكون.. ولكنَّ هذا العالَم خُلِقَ وفقاً لِمقاييس، هذه المقاييس تقتضي أن يكون هناك حلٌّ وهناك حرام في أصْل التكوين. التشريعُ جاءَ لتنظيمِ حياةِ الإنسان لأجلِ أن تكونَ سليمةً في التعاملِ مع الكونِ فجاءتْ التشريعاتُ صدىً لواقع الحلّ والحرام والتكوين، لدفع المفاسدِ ولجلب المنافع وتحقيق المصالح.
  • الأصلُ في الحِلّ والحرام ليس في التشريع إنّما هو في أصْل التكوين. (وقفة توضيحيّة بمثال).
  • ● عالَم التكوين في طبقةِ عالَم الدُنيا فيهِ حِلٌّ وحرام، فيهِ نُورٌ وظلام.. ونحنُ أبناء هذا العالم، نتعاملُ مع التكوين نفعلُ فيهِ ويفعلُ فينا.. نُؤثّر فيه ويُؤثّر فينا سَلباً أو إيجاباً، زيادةً أو نقصاً.. وهكذا..
  • في ضوء كُلُّ هذه العلاقة تأتي الدياناتُ والتشريعاتُ لتنظيم حياة الإنسان، فيكونُ هُناك حلالٌ وحرام، واجبٌ وممنوع، مُستحبٌّ ومكروه، مُباح… إلى بقيّة التفاصيل. هي عمليّةُ تنظيمٍ للحلّ والحرام، للنور والظلام في عالَم التكوين الذي نحنُ جزءٌ منه.
  • ● نحنُ نقضي عُمْراً في هذا العالَم فيأتي الدينُ والتشريع ينظّم لنا هذا العُمْر الافتراضي كي نَصِلَ إلى الغايةِ المطلوبة.. هذا التشريعُ يُعطينا ضَماناً، هذا هُو الحقُّ الافتراضي لهذا العُمْر الافتراضيّ. فهُناكَ عُمْرٌ مُقدّرٌ، وهُناك حَقٌّ مُفترضٌ علينا، وهُناك حقٌّ يَفرضُهُ اللهُ على نفسه {كان حقّاً علينا نصْر المؤمنين} فَإنَّ الرجعةَ داخلةٌ في هذا الحقّ الذي افترضهُ الله على نفسه.
  • هُناك حقٌّ افتراضي، حقٌّ يُفترضُ عليّ، بل فطرتي هي التي تفرضُ هذا الحقّ عليّ، وكُلُّ ذلكَ يرتبطُ في أصْل تكويننا ويرتبطُ بعلاقاتِنا مع هذا الكون مِن حولنا.. وهذا الكونُ أيضاً لهُ عُمْرٌ افتراضي (لو لم يبقَ مِن عُمْر هذهِ الدنيا إلّا يومٌ واحد) هُناك عُمْرٌ افتراضيٌّ للدُنيا ونَحنُ لَنا عُمْرٌ افتراضي، وحِين يُطوى العُمْر الافتراضيُّ لِذلكَ العالم لابُدَّ أن يُطوى عُمْرنا الافتراضي قبل أن يُطوى عُمْر الدُنيا.. هكذا هُو التنظيمُ وهكذا هو النظامُ وهكذا هي الحكمة.

  • المضمون هو هو في الآية 40 بعد البسملة مِن سُورة الحجّ، والتي جاءتْ في هذا السياق:

  • {أُذن للّذين يُقاتلون بأنّهُم ظُلمُوا وإنّ اللّه علىٰ نصرهم لقدير* الذين أُخرجوا مِن ديارهم بغَير حقٍّ إلّا أن يقُولوا ربُّنا اللّهُ ولَولا دَفْعُ اللّهُ الناس بعضهُم ببعضٍ لَهُدّمتْ صَوامعُ وبِيَعٌ وصَلواتٌ ومساجدُ يُذكْر فيها اسْمُ اللّه كثيرًا ولَينصرنّ اللّهُ مَن ينصرهُ إنَّ اللّهَ لقويٌ عزيز}.
  • ● قوله في الآية 39: {أُذن للّذين يُقاتلون بأنّهُم ظُلمُوا وإنّ اللّه علىٰ نصرهم لقدير} هذا مِصداقٌ مِن مَصاديق التدافع.. هذا التدافع في بعضِ الأحيان يأتي مِن قِبَل التشريع، التشريعُ في أحكامهِ قد يُطبّقُ قانونَ التدافع ليس فقط في عمليّة القتال والجهاد وإنّما في كثيرٍ من الأشياء. العبادة هي نوعٌ من التدافع مع الشيطان، فقِيل لهُ محرابٌ لأنّهُ ساحةُ حرْبٍ مع الشيطان.. العبادةُ هي لونٌ مِن ألوان التدافع فيما بين النُور والظلام.. وهكذا..
  • ● قوله: {لَهُدّمتْ صَوامعُ وبِيَعٌ وصَلواتٌ ومساجدُ} المرادُ من الصلواتِ هنا هي أماكنُ العبادة، وليستْ الطقوس.. فإنَّ الصلاةَ في الدياناتِ الأُخرى قد تُطلَقُ على مكانِ العبادة.
  • ● قوله: {ولَينصرنّ اللّهُ مَن ينصرهُ إنَّ اللّهَ لقويٌ عزيز} هذا قانونٌ لابُدَّ مِن تطبيقهِ، وهو مِصداقٌ من مصاديق قانون التدافع.
  • المُؤمنون الذين خاضوا حَرْباً ولم ينتصروا لابُدَّ أن يرجعوا كي ينتصروا.. والقضيّةُ لَيستْ عاطفيّةً، وإنّما لابُدَّ للطاقةِ أن تُستنفَذَ أغراضُها.. فحينما يُخطّطُ المُخطّطُ في برنامجٍ كبيرٍ ويرسمُ خُطّته على عدّةِ مراحل للوصول إلى الهدف.. فلن يَصِل إلى الهدف بشكلٍ سليم ما لم يستوفي أغراضَ كُلّ مرحلةٍ مِن المراحل (إنْ كان ذلك على مُستوى التكوين أو كان ذلك على مُستوى التشريع) والتشريعُ خادمٌ للتكوين.. فالقضيّةُ كُلّها في التكوين وليس في التشريع، التشريعُ تنظيمٌ لعلاقتنا مع الكون، فليس الكونُ في خدمةِ الشرع وإنّما الشرع في خدمة الكون، وليس الإنسان في خدمة الشرع، وإنّما الشرع في خدمة الإنسان.
  • قد نُضحّي في سبيل الشرع لكي يبقى الشرعُ سليماً في خِدمةِ البقيّة الباقيّة مِن الناس ومِن كُلّ التكوينيّات.. وإلّا فليسَ الإنسانُ خادماً للدين، وإنّما الدينُ خادمٌ للإنسان، الدينُ خادمٌ للكون، الدينُ يُنظّم علاقة الإنسان بالكون لخدمة الإنسان وللحفظ على الكون.. هذه هي حقيقةُ الدين.
  • ● الآية 257 مِن سُورة البقرة مرّت الإشارةُ إليها في حلقةِ يوم أمس.. هي تطبيقٌ واضحٌ جدّاً وبنفس الألفاظِ التي مرّت الإشارةُ إليها في دُعاء الجوشن الكبير (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام..) جاء في الآية 257 بعد البسملة مِن سُورة البقرة: {اللّهُ وليُ الّذين آمنُوا يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور والذين كفروا أولياؤُهُم الطاغوتُ يُخرجونَهُم مِن النُور إلى الظُلمات أُولئكَ أصحابُ النار هُم فيها خالدُون}.
  • هذا هو لونٌ واضحٌ وصريحٌ مِن ألوان التدافع (يُخرِجهُم مِن الظُلماتِ إلى النُور) قد يكونُ ذلك الإخراجُ مِن الظُلماتِ وهبيّاً، وقد يكونُ ذلك الإخراجُ كسبيّاً بالتوفيق.
  • فهُناك حِلٌّ وهُناك حرامٌ في عالَم التكوين هذا ينعكسُ في عالم التشريع في الأحكام والطقوسِ والقوانين الدينيّة، وهناك في عالم التكوين هُناك النُور وهناك الظلام وهو أيضاً ينعكسُ في تطبيقاتهِ على حياتنا وعلى مُستقبلنا وعلى آخرتنا.. تنظيمُ كُلَّ ذلكَ يأتي عِبْر دينٍ قويمٍ وهذا الدينُ القويمُ يَحتاجُ إلى مركزٍ للطاقةِ الإيجابية وهُو العقل، وهذا العقلُ لابُدَّ أن يرتبطَ بمركزٍ هائلٍ لمدّهِ بالتسديد والّلطف وهُو الإمام المعصوم.. ولذا لو لم يبقَ في هذه الدنيا إلّا اثنان لكان أحدهما الحُجّة، لأنَّ مركزَ الطاقةِ عند غيرهِ سيبقى مُختّلاً وهُو قابلٌ للاختراق مِن قِبَل الطاقةِ الظلمانيّة التي قد تنشأُ مِن داخلِ التكوين البشري أو قد تنشأ مِن خارج التكوين البشري عِبْر البرنامج الإبليسي أو عِبْر ما يُحيطه (تارةً من مَخاوف الطبيعةِ وآلامها وتارةً لأشياء أُخرى يرآها مِن حولهِ ويُسيءُ فهمها).

  • في الآية 8 بعد البسملةِ مِن سُورة الرُوم، والتي جاءتْ في هذا السياق:

  • {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمُون* يَعلمُون ظاهراً مِن الحياة الدُنيا وهُم عن الآخرةِ هُم غافلون* أولم يتفكّروا في أنفسهم ما خَلَقَ اللّهُ السماواتِ والأرض وما بينهُما إلّا بالحقّ وأجلٍ مُسمًى وإنَّ كثيراً من الناس بلقاءِ ربّهم لَكافرون}.
  • ● قوله: {ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمُون} ما نَعلمُهُ إنّنا نَعلمُ بحُدود ما نرى.. بحُدود ما تَصِلُ إليه مَداركنا الضيّقة.. نَحنُ لا نَمتلكُ البصائر.. كما قال سيّد الأوصياء لحبّة العُرَني: (لو كُشِفَ لك الغطاء لرأيتم حَلَقاً حَلَقاً مُحتبين يتحادثون فيما بينهم).
  • ● قوله: {ما خَلَقَ اللّهُ السماواتِ والأرض وما بينهُما إلّا بالحقّ وأجلٍ مُسمًى} منطقُ القُرآن واضحٌ جدّاً.. هُناك عُمْرٌ مُقدّر.. وهُناك حقٌّ لابُدَّ أن يكون.. حقٌّ يتناسبُ مع هذا العُمْر الافتراضي. فحينما نتحدّث عن العُمْر الافتراضي فهُناك مِن الأشياء، مِن القابليّات، مِن المَوادّ، مِن التكوينيّات قد حُشِدتْ ونُظّمتْ في هذا الشيءُ الذي لهُ عُمْرٌ افتراضي. (وقفة توضيحيّة لهذا الكلام).
  • ● في الآية 30 بعد البسملة من سُورة الأنبياء وما بعدها.. نقرأ:
  • {أولم يرَ الّذينَ كفروا أنَّ السماواتِ والأرض كانتا رتْقًا ففتقناهُما وجعلنا مِن الماءِ كُلّ شيءٍ حيٍّ أفلا يُؤمنُون* وجعلْنا في الأرض رواسي أن تميدَ بهم وجعلنا فيها فِجاجًا سُبُلًا لّعلّهُم يهتدُون* وجعلنا السماء سَقْفًا مَحفوظًا وهُم عن آياتها مُعرضُون* وهُو الّذي خلق اللّيل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ في فَلَكٍ يسبحون}. هذهِ الآياتُ تتحدّثُ عن تفاصيل خِلْقةِ كوننا.
  • ● قوله: {كانتا رتْقًا ففتقناهُما} رتقاً أي في حالةِ التصاق شديد، هُناك إمكانيّةٌ للانفتاق، ولكنّهما كانتا في حالةِ التصاقٍ شديد.
  • ● قوله: {أولم يرَ الّذينَ كفروا أنَّ السماواتِ والأرض كانتا رتْقًا ففتقناهُما} في أيّ مُستوىً مِن المُستوياتِ الذين كفروا كانوا يعلمون أنَّ السماواتِ والأرضَ كانتا رتقاً ففتقناهما.. هذا موضوعٌ بحاجةٍ إلى بحثٍ وشرحٍ وهذا يُعيدنا إلى القِسْم الأوّل مِن الحديث: (رَحِمَ اللهُ امرئً عرف مِن أين وإلى أين؟) متى عرفنا هذهِ الحقيقة.. إنّها في طريقِ المسير مِن هُناك عِبْر المَحطّاتِ التي تنقّلنا فيها مِن رَحِم الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • ● قوله: {وجعلنا مِن الماءِ كُلّ شيءٍ حيٍّ} ليسَ الحديثُ هُنا عن الماءِ الذي نَشربه، إنّهُ حديثٌ عن الماء الأوّل، ماءُ التكوين الأوّل.. كما يقولُ سيّد الأوصياء في الخُطبة الأولى مِن خُطَب أمير المؤمنين في نهج البلاغة وهو يُحدّثنا عن نشأةِ الكون، فيقول:
  • (ثُم أنشأ سُبحانهُ فَتْقَ الأجواء، وشَقّ الأرجاء، وسكائكَ الهواء، فأجازَ فيها ماءً مُتلاطماً تيّارهُ، مُتراكماً زخّارهُ)
  • هذا هُو الماءُ الذي جُعِلَ منه كُلّ شيءٍ حيّ.. إنّهُ ماءُ التكوين، هذا الماءُ الأوّل هُو الوجودُ الفيزيائيُّ في عالمِ النشأةِ لولاية عليٍّ وآل عليّ.
  • المادّةُ حتّى بحَسَب فيزيائنا اليوم إنّها صُورةٌ من صُوَر الطاقة، والطاقةُ التي تتشكّل منها المادّةُ جُذورها بِحَسَب عقيدتنا إلى نُور الأنوار.. ونُورُ الأنوار حينما يفيضُ إنّما يفيضُ بمعنى الولاية.. مِن دُون معنى الولاية لن يتحقّقَ وجود الموجود.. فهذا الماءُ المُتلاطِمُ في تيّاره كما يُحدّثنا سيّد الأوصياء هُو الوجود الفيزيائيّ في تلك النشأة لولاية عليٍّ وآل عليّ وهذا هو مضمون حديث الكساء.
  • ● وهذا الماءُ الذي جاء مذكوراً في كلماتِ سيّد الأوصياء هُو الذي جاء مَذكوراً في حديث الإمام الصادق في كتاب [الاحتجاج] حين يقول:
  • (إنّ الله عزّ وجل لمّا خلق العرش كتب عليه لا إله إلا الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين، ولمّا خلق الله الماء كتب في مَجراه لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، علي أمير المؤمنين…)
  • هذا الحديث الشريف لإمامنا الصادق هو الذي ينتهي بهذه العبارة: (فإذا قال أحدكم لا إله إلّا الله مُحمّدٌ رسولُ الله فليقلْ: عليٌّ أميرُ المؤمنين) والتي هي صريحةٌ في وُجوب الشهادةِ الثالثةِ المُقدّسة.

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …