دليلُ المسافر – الحلقة ٢٣ – المحطّة الخامسة: الرجعة ج٨

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 27 شهر رمضان 1440هـ الموافق 2 / 6 / 2019م

  • لازال الكلامُ في المَحطّةِ الخامسةِ مِن محطّاتِ هذا الطريقِ الطويل البعيد.. إنّها مَحطّةُ: الرجعة.. وهذهِ الحلقةُ هي الجزءُ الثامن في سلسلةِ الأجزاء التي تَحدّثتُ فيها عن الرجعةِ وشُؤونها في هذا البرنامج.

  • وفي الحقيقةِ هذهِ الحلقة تُشكّلُ جُزءاً ثالثاً مِن جوابٍ لسُؤالٍ ابتدأتُ بالإجابةِ عليهِ في الحلقةِ التي قبْل الحلقةِ الماضية، وهو هذا السُؤال: لماذا الرجعة؟ والسُؤال الذي أجبتُ عليه في الحلقتينِ الماضيتين ولازلتُ مُستمرّاً في إكمالِ هذا الجواب: رجعةُ مَن مَحَض الإيمان، ورجعةُ مَن مَحَض الكُفْر.. لماذا رجعتُهم؟!
  • لا أُريدُ أن أُكرّر ما تقدّمَ مِن كلامٍ في الحلقتينِ الماضيتين، ولكنّني بشكلِ موجز أقول:
  • وصلَ الحديثُ بنا إلى ما جاءَ في أحاديثهم الشريفة مِن أنّهُ مَن عرَفَ نفسهُ فقد عرفَ ربّه.. وفرّعتُ على معنى ما وَرَد في هذا الحديثِ في بعْضٍ مِن جهاته، فحدّثتُكم عن العُمْر الافتراضي وعن الحقّ الافتراضي، وحدّثتُكم عن الطاقةِ الإيجابيّةِ النُور، وعن الطاقةِ السلبيّةِ (الظلام) كما جاء في المقطع الـ(27) مِن دُعاء الجوشن الكبير: (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام).
  • ● تسلسل الحديثُ وصلَ بنا إلى الآية 30 بعد البسملة مِن سورة الحجّ: {أنَّ السماواتِ والأرض كانتا رتْقًا ففتقناهُما وجعلنا مِن الماءِ كُلّ شيءٍ حيٍّ}
  • لا أُريد أن أعيدَ ما تقدّمَ مِن كلامٍ إلّا أنّني أُلفتُ الأنظارَ إلى تعدّدِ الآفاقِ في آياتِ الكتاب الكريم.. فهُناك عندنا في أحاديثهم الشريفة في بيان معنى هذهِ الآية هو أنَّ الآية تتحدّث عن نُزول الأمطار.. فَإنَّ السماءَ فُتِقتْ وكان فَتقُها بنزولِ المَطر، وإنَّ الأرضَ فُتِقتْ وكان فتقُها بخُروجِ النباتِ والشَجَر.. قَطْعاً هذا وجْهٌ مِن الوجوه، ولكنّنا إذا ما رجعنا إلى نهج البلاغةِ الشريف على سبيلِ المِثال فإنَّ الفَتْقَ والرَتْق سيكونُ في اتّجاهٍ آخر.
  • ● الذي قادني إلى هذهِ الآية مِن سُورة الأنبياء وإلى الخُطبةِ الأولى مِن خُطَبِ سيّدِ الأوصياء في نَهْج البلاغةِ الشريف والتي يُحدّثنا فيها أميرُ المُؤمنين عن نشأة الكون، الذي قادني إليها هُو ما تقدّم الحديثُ عنهُ (وهو العُمْر الافتراضي، أو العمر المُقدّر.. وعن الحقّ الافتراضي، عن حقٍّ يفرضُ نفسهُ مِن داخلِ كُلّ كائنٍ مِن الكائنات بِحَسَب ما أُودِع في ذلك الكائنِ مِن طاقة.. وعن حَقٍّ يُفترَضُ عليه بِحَسَب مَوقعهِ ما بينَ هذهِ التكوينيّات.. فهُو يَفعلُ فيها وهي تَفعلُ فيه.. ما بينَ المَقولتين الفلسفيَّتين: (مَقولةُ الفِعْل ومَقولةُ الانفعال).
  • هذا هُو الذي قادني إلى أن أقِفَ في فناءِ الآيةِ التي أشرتُ إليها مِن سُورة الأنبياء وبعد ذلكَ عَطفتُ نَظري إلى نهجِ البلاغةِ الشريف.

  • يقول سيّد الأوصياء في الخُطبةِ الأولى مِن خُطَب نهج البلاغةِ الشريف وهو يُحدّثنا عن صُورةٍ تقريبيّةٍ لنشأةِ الكون، للطاقةِ التي أُودِعتْ في هذا الكونِ مُنذ بدايةِ نشأتهِ، يقول:

  • (ثُم أنشأ سُبحانهُ فَتْقَ الأجواء، وشَقّ الأرجاء، وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماءً مُتلاطماً تيّارهُ، مُتراكماً زخّارهُ. حَمَلَهُ على مَتن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة فأمرها بردّه، وسلَّطها على شدّه، وقَرَنها إلى حدّه. الهواءُ مِن تحتها فتيقٌ، والماءُ مِن فوقها دفيقٌ. ثُم أنشأ سُبحانهُ ريحاً اعتقم مهبَّها، وأدامَ مُربها – أي جعلها مُستقرّةً حيثما أُريدَ لها أن تكون – وأعصفَ مجراها، وأبعد مَنشاها، فأمرها بتصفيقِ الماءِ الزخّار وإثارةِ موج البحار – إنّها بحارُ الماء الأوّل – فَمَخَضْتهُ مَخْضَ السِقاء، وعَصفتْ به عَصْفها بالفَضاء. تَردُّ أوّلَهُ إلى آخِره، وساجيَهُ – ساكنهُ – إلى مائره – أي مُتحرّكه – حتّى عبَّ عُبابُهُ، ورمى بالزَبَد رُكامُهُ، فرفَعَهُ في هواء مُنفتِق، وجوٍّ مُنفهِق – جوٍّ قد فُتِحَ فتحاً واسعاً عريضاً – فسوّى منهُ سبع سماوات، جعل سُفلاهُنَّ مَوجاً مكفوفاً – أي ثابتاً ومُستقرّاً – وعُلياهُنَّ سَقْفاً محفوظاً، وسَمْكاً مرفوعاً، بغَير عَمَدٍ يدعمُها، ولا دسارٍ ينظمُها – الدسار هي المسامير – ثُمَّ زينها بزينةِ الكواكب، وضياءِ الثواقب، وأجرى فيها سِراجاً مُستطيراً – أي انتشر نُورهُ وضَوءهُ.. إنها الشمس – وقَمَراً مُنيراً في فَلَكٍ دائر، وسَقْف سائر، ورقيمٍ مائر..).
  • إنّها بدايةُ خِلقةِ الكون ونُشوئه وما تَفرَّعَ عن ذلكَ مِن خَلْقِ المَخلوقاتِ الأُخرى.
  • الكلماتُ صريحةٌ في أنَّ طاقةً هائلةً كانتْ سَبَباً في نُشوء هذا الكون، وأنَّ طاقةً هائلةً تَشكّلتْ بأشكالٍ مُختلفة.. فتَشكّلتْ بسَبْعِ سَماواتٍ، بسماءٍ وَصَفها بأنَّها مَوجٌ مَكفوف وبسماءٍ وصفها بأنّها سَقْفٌ محفوظ، وهكذا.. فصَّل الأميرُ ما فصَّل مِن كلامهِ وحديثهِ.. قَطْعاً كُلُّ ذلكَ في مُستوى المُقاربةِ والتقريب وبِحَسَب قانونِ المُداراةِ في المُخاطبةِ مع المُتلقّي.
  • ● قوله: (ثُم أنشأ سُبحانَهُ فَتْقَ الأجواء) إنّهُ فَتْقٌ لِذلكَ الارتِتاقِ الذي تَحدّثتْ عنهُ الآيةُ الـ30 بعد البسملة مِن سُورة الحجّ: {أنَّ السماواتِ والأرض كانتا رتْقًا ففتقناهُما وجعلنا مِن الماءِ كُلّ شيءٍ حيٍّ}.
  • ● قوله: (فأجرى فيها ماءً مُتلاطماً تيّارهُ، مُتراكماً زخّارهُ) هذا هُو الماءُ الأوّل، ماءُ التكوين.. مِثلما بيّنتُ لكم، إنّهُ الصُورةُ الفيزيائيّةُ لِولايةِ عليٍّ وآلِ عليّ.
  • ● قوله: (حَمَلَهُ على مَتن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة) الحديثُ ليس عن هواءٍ يتحرّكُ كالهواء الذي نَحنُ نستنشِقهُ.. هذهِ بدايةُ نشأةِ الكون، هذهِ طاقةٌ هائلةٌ عظيمةٌ على أساسها تحرّكتْ المادّةُ الأولى، الماء الأوّل لنشأةِ الكون.
  • ● قوله: (الهواءُ مِن تحتها فتيقٌ) هذا مُستوىً آخر مِن مُستوياتِ الطاقةِ التي تَمَّ تَحريكُ المادّةِ الأولى لنشُوء الكونِ بواسطتها.
  • ● قوله: (ثُم أنشأ سُبحانهُ ريحاً اعتقم مهبَّها) يعني ليستْ بريحٍ كالرياحِ التي قد تُلقّحُ الأشجار وقد تنقلُ المياه وقد تُلاقِحُ الغُيومَ فيما بينها ويكون ما يكون من نزول المطر، ومِن الصواعقِ والبرق والرعد.. وأمثال ذلك، فتلكَ الريحُ ليستْ ريحاً عقيماً.. الحديثُ هُنا عن ريحٍ عقيم، إنّها ريحٌ تَختلفُ في خَصائصها عن الرياحِ التي نعيشُ وتعيشُ في عالمنا التُرابي.. نعيشُ فيما بينها وتعيشُ فيما بيننا.

  • في خُطبةٍ أُخرى مِن خُطَب نهج البلاغةِ الشريف وهي الخُطبة (91) التي تُعرَفُ بين خُطَب الأمير بِخُطبة الأشباح – في صفحة 85 جاءَ فيها:

  • (وناداها بعد إذْ هي دُخانٌ فالتحمتْ عُرى أشراجها، وفتقَ بعد الارتتاق صوامتَ أبوابها – هي الأبوابُ المُغلقةُ التي لا تُفتحُ أبداً -..)
  • الحديثُ عن بدايةِ نشأةِ هذا الكون، وعن المادّة التي تكوّنتْ منها هذهِ السماواتُ الهائلة.
  • الأمير هُناكَ يتحدّثُ عن افتتاقٍ وعن ارتتاق.. وهُنا يتحدّثُ أيضاً، وهذا المضمونُ يَتكرّرُ في كلماتِ سيّد الأوصياء ويتكرّرُ في أحاديثِ العترةِ الطاهرة عن بدايةِ نشأةِ الكون.. فهُناك ارتتاق وهناك افتتاق، وهناك ماءٌ أوّل وهناك طاقةٌ هائلةٌ هي التي حَرّكتْ كُلَّ شيءٍ وتَحولتْ بعد ذلك إلى صُوَرٍ تكوينيّةٍ هي هذهِ الأشياءُ التي مِن حولنا.
  • ● أنا لستُ بصددِ شرْحِ ما جاء في نهْج البلاغةِ الشريف.. ولكن، هُناك مُفرداتٌ واضحة: هُناك ارتتاقٌ وهُناك افتتاقٌ (فَتْقٌ).
  • هُناك ماءٌ وهو الماءُ الأوّل ولا علاقةَ لهُ بالماءِ الذي نَشربهُ الآن.. إنّهُ ماءُ التكوين الأوَّل الذي هُو صُورةٌ فيزيائيّةٌ عن الطاقةِ الأصْل التي هي ولايةُ عليٍّ وآل عليّ “عليه السلام”.
  • بالمُناسبة: إنَّ أكثرَ المادّةِ الكونيّةِ التي تَملأُ فراغات الفضاء فيما بين المَجرّاتِ والأجرامِ الهائلة إنّها مادّةٌ غازيّةٌ في حالةِ البلازما.. إنّهُ “الهيدروجين وتَحوَّلات الهيدروجين”.. وهذهِ الغازاتُ في حالةِ البلازما لا نَجدُ تَعبيراً قريباً لوصفها في لُغةِ العرب إلّا هذا التعبير: الدُخان.
  • عِلْماً أنّني لا أُريدُ أن أُطبّقَ ما جاءَ في آياتِ الكتابِ الكريم وما جاءَ في كلماتِ المعصومين على ما وصل إليهِ العِلْمُ الحديث مِن استنتاجاتِ علميّةٍ ومِن اكتشافاتٍ ومِن نظريّاتٍ ومِن فرضيّات. فما وصلَ إليه العِلْم الحديث يتغيّر ويتبدّل.. فالعِلْمُ في حالةِ تطوّر.
  • أنا لا أُريدُ أن أجعلَ النُصوصَ القُرآنيّة والأحاديثَ المعصوميّةَ حبيسةً في زنزانةِ ما وصلَ إليهِ العِلْم الحديثُ.. لا أُريدُ أن أُقيّدها بهذهِ الأغلال، لأنَّ ما وصلَ إليهِ العِلْمُ الحديث هُو في حالةِ تغيّرٍ وفي حالةِ تبدّل.
  • في بعض الأحيان يتراجع العِلْم عمّا صرّح بهِ العُلماء لأنّهم يكتشفون حقائق جديدة.. ونفس العُلماء لا يقولونَ أنّهم وصلوا إلى النهايةِ في معرفةِ الحقيقة، أبداً.. هُم في حالةِ تطوّرٍ وفي حالةِ تقدّمٍ وبحثٍ مُتواصل.. لقد وصلوا إلى الكثير والكثير مِن عجائب هذا الكون ومِن حقائق العِلْم، لكنَّ الأمْر لم يصِل إلى النهايات ولن يصِل إلى النهايات..
  • ولذا فإنّني لا أُريد أن أحبس النصّ القُرآني والنصّ المعصومي في هذهِ الأُطُر.. وإنّما أذكرُ ما أذكرُ مِن حقائق العُلوم المُعاصرة استطراداً واستعراضاً لتقريب بعض المعاني، لأنَّ الخطابَ أساساً في النصّ القُرآني وفي النصّ المعصومي مبنيٌّ على أساسِ المقاربة والتقريب وهُو خطاب لي ولكم وِفقاً لقواعدِ المُداراةِ في التعليم وكشْف الحقائق.

  • في سُورة فصّلتْ في الآية 11 بعد البسملة وما بعدها:

  • {ثُمَّ استوى إلى السماءِ وهي دُخانٌ فقال لها وللأرضِ ائتيا طَوعًا أو كَرْهًا قَالتا أتينا طائعين* فقضاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ في يَومين – أي مرحلتين – وأوحى في كُلّ سماءٍ أمْرها وزينَّا السماءَ الدُنيا بمَصابيح وحِفْظاً ذلكَ تقديرُ العزيز العليم}.
  • تُلاحظون التطابقَ الواضحَ فيما بينَ آياتِ قُرآنهم، وبين كلماتهم الشريفة.. وهذا الأمْرُ على طُولِ الخط، وكُلُّ ذلك يكشِفُ لنا سفاهةَ المنهج الحوزوي الذي يعتمدُ الذوقَ الناصبي في التعامل مع الأحاديثِ التفسيريّة التي فسّر عليٌّ وآلُ عليٍّ بها القُرآن.
  • هذهِ لوحةٌ جميلةٌ أنيقةٌ لكوننا.. لسماواتنا وأرضنا.. الآياتُ تتحدّثُ عن عمْرٍ افتراضي وعن حقٍّ افتراضي، وعن طاقةٍ مُختزنةٍ.. يعودُ بنا الكلامُ إلى ما كان في دُعاء الجوشن الكبير: (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام).
  • حلٌّ وحرامٌ في أُفُق التكوين، نُورٌ وظلامٌ في أُفُق التكوين.. إذا انعكسَ على طِباعِ الإنسانِ فَإنَّ الإنسانَ جُزءٌ مِن هذا التكوين، وإذا انعكسَ على تشريعِ الأديان فإنَّ الأديانَ شُرّعتْ لأجل أن تُنظّمَ علاقةَ الإنسانِ بهذا الكونِ بكُلّ ما فيه.. حتّى تنتهيَ الطاقةُ المُودَعةُ في الإنسانِ وحينئذٍ ينتهي العُمْر الافتراضي وينتهي الحقُّ الافتراضي ويَظهرُ حقٌّ جديد.. حقٌّ مُفترضٌ مِن الجهةِ التي تملكنا.. والأمرُ هو هو مِثلما يجري على هذا الإنسان على هذا الكائنِ الصغير إنّه يجري على الكون الكبير.
  • ● قد يكونُ هذا التعبيرُ جميلاً في عباراتِ العُلماءِ والفلاسفةِ مِن أنَّ الإنسان كَونٌ صغير والكونُ إنسانٌ كبير.. فهُناك مِن التلاقي والترابط بين هذا الكون الصغير الذي هو الإنسان وبين ذلكَ الإنسانُ الكبير الذي هُو الكون.. مِن هُنا نَحنُ بحاجةٍ إلى منظومةٍ لتنظيمِ العلاقةِ بين هذين (بين هذا الوجود الصغير، وبين ذلك الوجود الكبير) تلك هي ضرورةُ وُجود الدين، وإذا ما وُجِد فلابُدَّ أن يبقى.
  • فهُناك ضَرورةٌ لوجود الدين وهُناك ضرورةٌ لبقاء الدين على طُول الخطّ.. فحلالُ مُحمّدٍ وحرامهُ ثابتٌ إلى يوم القيامة.
  • قد تكونُ آفاقٌ يُنسَخُ فيها ما يُنسَخ، وقد تكونُ آفاقٌ يُوسَّع فيها ما يُوسَّع، وقد تكونُ آفاقٌ في دائرةِ التشريع يُضيّقُ فيها ما يُضيّق.. ذلك أمْرٌ راجعٌ لِطبيعةِ التحوّلاتِ في حياةِ الإنسان ولِطبيعةِ التحوّلاتِ والمُجرياتِ مِن حولهِ في آفاقِ التكوين.
  • تلكَ أسرارٌ نَحنُ لا نُحيطُ عِلْماً بها، نَحتاجُ إلى عالمٍ بتلكَ الأسرار وهُو الإمامُ المعصوم، ومِن هُنا نَحتاجهُ لديننا.

  • وقفة عند ما جاء في [تفسير القمّي] في ذيل الآية 11 مِن سُورة فُصّلت، صفحة 605 جاء فيه:

  • (وقوله: {ثمَّ استوى إلى السماء} أي: دَبّر وخَلَق، وقَد سُئِل أبو الحسن الرضا “عليه السلام” عَمّن كلَّم اللهُ لا مِن الجنّ ولا مِن الإنس، فقال السماوات والأرض في قوله: {إئتيا طَوعاً أو كَرْهاً قَالتا أتينا طَائعين* فقَضاهُنَّ} أي فَخَلَقَهُنَّ {سَبْعَ سَمواتٍ في يَومين} يعني في وقتين ابتداءً وانقضاءً {وأوحى في كلّ سماءٍ أمرَها} فهذا وحيُ تقديرٍ وتدبير).
  • سائلٌ يسألُ الإمامَ الرضا: هل هُناك مِن الكائناتِ مِن غير الجنّ والإنس خاطبها الله؟ فالإمام يُجيبهُ أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى قد خاطبَ السماواتِ والأرض.
  • ● قوله: (فهذا وحيُ تقديرٍ وتدبير) أمَّا التقديرُ فهو العُمْرُ الافتراضي، وأمَّا التدبير فهو الحقُّ الافتراضي.. وهُو الكلام الذي مَرَّ في الحلقتينِ المُتقدّمتين.. (علماً أنّني أستعمِلُ هذهِ التعابير لِتقريبِ الفكرةِ بين أيديكم).

  • وقفة عند الآية 47 بعد البسملةِ مِن سُورةِ الذاريات:

  • {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لمُوسعُون}
  • هذهِ الأيدي هي تعبيرٌ عن الوسائل التي شكّلتْ الكونَ كيفما تشكّل.. إنّها الطاقةُ الحكيمة، الطاقةُ التي تَحرّكتْ ذلكَ التحرُّك الهائل حيثُ حدّثنا أميرُ المُؤمنين.. إنّها الطاقةُ التي حينَ تتحرّكُ فإنّها تتحرّكُ بحسابٍ وبدقّةٍ.. فما شيءٌ إلّا وقد قدّره تقديرا.
  • ومرَّتْ علينا الآياتُ التي تتحدّثُ عن الحكمةِ الدقيقةِ في التقدير وأنّهُ ما خَلَق شيئاً إلّا وقدّره تقديرا.
  • فنحنُ في حالةِ توسّعٍ كوني، لأنَّ الطاقةَ المُودَعةَ في هذا الكونِ لازالتْ تُستنفذُ أغراضُها.. وقد حدّثتُكم عن العُمْر الافتراضي وعن الحقّ الافتراضي، وعن استيفاءِ الأغراضِ بالوصولِ إلى الأهداف.. هذا كُلّهُ نحنُ نفعلُهُ فيما نقومُ بصناعتهِ وتدبيره نحنُ البشر (في العُمران، وفي التكنولوجيا، وفي كُلّ شيءٍ..) حتّى في الجانب الاجتماعي، حتّى في الجانب السياسي، فإنَّ المنتوجَ السياسي وإنَّ المنتوجَ الاجتماعي لا يَختلفُ كثيراً في هذهِ الأُطُرِ القانونيّةِ العامّة لا يَختلفُ كثيراً عن المنتوج الزراعي وعن المنتوج التجاري وعن المنتوج الصناعي وعن المنتوج التقني.
  • هناكَ عُمْرٌ افتراضي، هُناك حقٌّ افتراضي وهُو حقٌّ ينشأُ مِن داخل هذا التكوين.. وحُقوقٌ تأتي مِن خَارج هذا التكوين، حَقٌّ لِمالكهِ، لِصانعهِ، لسيّدهِ، وهُناك الطاقةُ المُختزنةُ التي هي في حالةِ احتدامٍ واصطراعٍ مع الطاقةِ المُضادّةِ في كُلّ الأشياء (يا ربّ الحلّ والحرام، يا ربّ النُور والظلام).
  • وهُناك الهدفُ الذي لابُدَّ أن نَصِلَ إليه ولا يكمُلُ إلّا مِن خِلالِ استيفاءِ الأغراضِ مِن خلالِ هذا التكوين الذي لَهُ عُمْرٌ افتراضي وفيهِ ما فيه مِن الطاقة.. لابُدَّ أن نَستوفيَ أغراضها مِن خلالِ السُبُل التي تُوصِلنا إلى أهدافنا في كُلّ الجهاتِ الماديّةِ والمعنويّة.

  • في الآية 104 بعد البسملةِ مِن سُورةِ الأنبياء:

  • {يومَ نطوي السماء كطي السجلّ للكُتُب كما بدأنا أوّل خَلْقٍ نُّعيدُهُ وعْدًا عَلينا إنّا كُنّا فاعلين}.
  • هذهِ عجائبُ حِكمةِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى.

  • وقفة عند ما جاء في [تفسير القمّي] في صفحة 434 في معنى قولهِ عزَّ وجلَّ: {يومَ نَطوي السماء كطيّ السجلّ للكُتُب كما بدأنا أوّل خَلْقٍ}:

  • (وأمّا قوله: {يومَ نَطوي السماء كطيّ السجلّ للكُتُب} قال السِجّل اسْمُ الملكِ الذي يَطوي الكُتُب ومعنى يَطويها أي يَفنيها فتَتحوّلُ دُخاناً والأرض نيراناً).
  • مِثلما بدأنا نشأةَ التكوينِ بِحَسَب ما تَحدّثتْ الآياتُ والكلماتُ المعصوميّةُ الشريفة عن رَتْقٍ وفَتْقٍ، عن دُخانٍ وعن مَاءٍ زخّارٍ، وعن ريحٍ عَقيمٍ، وعن طَاقةٍ هائلةٍ، وعن بقيّةِ التفاصيلِ التي مرَّتْ الإشارةُ إليها، فَإنَّ الأمْرَ سيعُودُ إلى أوّلهِ مِثلما جاءَ في تفسير القُمّي فإنَّ السماء تتحوّلُ إلى دُخان، وإنَّ الأرض تتحوّلُ إلى نيران..!
  • ● ليس جُزافاً أن تأتي الآية 105 بعد البسملة مِن سُورة الأنبياء في نفس هذا السياق: {ولقد كتبنا في الزبورِ مِن بعد الذِكْر أنَّ الأرض يرثُها عباديَ الصالحون} ومرَّ الكلامُ بخُصوصِ هذه الآية أنّها في الرجعة.
  • الرجعةُ تكونُ سابقةً لهذهِ الأحداث.. هذهِ الأحداث تكونُ ملاصقةً للرجعة في نهاياتها.. فبعدَ الرجعة تأتينا المَحطّةُ السادسة.. قد يصِل الحديثُ إليها في حلقةِ يوم غد. المحطّةُ السادسةُ عُنوانها: “أشراطُ الساعة” وهذه المحطّةُ تلتصِقُ بمحطّةِ الرجعة.. سأُحدّثكم عنها ربّما في حلقةِ يوم غد.
  • ● قوله: {يومَ نَطوي السماء كطيّ السجلّ للكُتُب} إنّها مَرحلةُ أشراطِ الساعة.. مَرحلةُ التغيّر والتبدُّل في الكون مِن حولنا حينما ينتهي العُمْر الافتراضيُّ وتتلاشى الحُقوقُ الافتراضيّةُ لهذهِ التكوينيّاتِ مِن حولنا.
  • فهذا هُو كوننا، وما جاءَ في الآياتِ وفي الأحاديثِ هو صُورةٌ تقريبيّةٌ لنشأةِ كوننا، لنشأةِ عالمنا.. وكيف أنَّ الطاقةَ الإيجابيّةَ قد اختُزنتْ في هذا الكون وهذا الكونُ لهُ عُمْرٌ افتراضيٌّ لابُدَّ أن يصِلَ إليه {يومَ نَطوي السماء كطيّ السجلّ للكُتُب}.. وقوله: {كما بدأنا أوّل خَلْقٍ} هُنا ينتهي العُمْر الافتراضيُّ لكوننا.
  • ● نحنُ أيضاً لنا عُمْرٌ افتراضيٌّ هذا العُمْرُ الافتراضيُّ ينتهي بانفصالِ الأرواحِ عن الأجساد، فهُنا ينتهي العُمْر الافتراضيُّ للعلاقةِ بين أرواحنا وأجسادنا.. أمَّا الأرواحُ فإنّها تنتقلُ إلى عالم البرزخ، والذين لم تقم عليهم الحُجَج لن يُسائلوا ولن يَتعرّضوا للامتحانِ لأنّهم أساساً لا يمتلكون طاقةً.
  • مركزُ الطاقةِ عندنا في عُقولنا والعقلُ هُو النقطةُ المُتوهّجةُ في أرواحنا.. مركزُ الإدراك.
  • أمَّا النائمون فإنَّ مركزَ الإدراكِ هذا عندهم قد انطفأ.. أمَّا الذين مَحضَوا الإيمان فإنَّ مركزُ الإيمانِ عندهم يَشتغلُ في الاتّجاهِ الإيجابي، والذين مَحَضوا الكُفْر مركزُ الإدراكِ يشتغلُ في الاتّجاه السلبي.. وهكذا.. فهُنا طاقةٌ مُختزنةٌ تتوالد، وهُنا طاقةٌ مُختزنةٌ تتوالد.
  • الطاقةُ الإيجابيّةُ تعودُ إلى أصلها الإيجابي إلى عوالم النور، إلى نُور الأنوار.. والطاقةُ السلبيّةُ لا بُدَّ أن تُطْمَر.. وهذا هُو الذي قرأتهُ عليكم في حديثِ إمامنا الصادق “عليه السلام” في معنى قولهِ تعالى: {يوم هم على النار يُفتنون} قال: (يُكسرون في الكرّةِ كما يُكسَرُ الذهب حتّى يرجعُ كُلّ شيءٍ إلى شِبههِ يعني إلى حقيقته..).
  • المعنى واضح.. نَحنُ في مُحتدمٍ كونيٍّ ما بين الحلّ والحرام في أُفُق التكوين وما بين النُور والظلام في أُفقِ التكوين الذي يَرتبطُ ارتباطاً مِفصليّاً بما هُو مِن حلٍّ وحرامٍ ونُورٍ وظلام في أُفُق التشريع.. وهذا هُو الذي ينعكسُ على مراكز الإدراكِ التي هي عُقولنا – إن كانَ ذلك في مجموعةِ الذين مَحَضوا الإيمان أو في مجموعةِ الذين مَحَضوا الكُفْر -.
  • ● قوله: (حتّى يرجعُ كُلّ شيءٍ إلى شِبههِ يعني إلى حَقيقته) المادّةُ تَؤول إلى الطاقةِ في مُستوىً مِن المُستويات، والطاقةُ إمّا أن تكونَ نُوريّةً وحينئذٍ تَجذبُها الأنوارُ القادسةُ العُليا، وإمَّا أن تكون ظلمانيّةً فلابُدّ مِن طَمْرها وتَحليلها في مَطْمَرِ تحليلِ وتدميرِ الطاقةِ المُظلمة.. هكذا هي حركتُنا على المُستوى الروحاني، على المُستوى التشريعي، وعلى المُستوى التكويني.. وهكذا يتحرّكُ الكونُ مِن حولنا.
  • وهذا يقودني إلى الحديثِ الذي أشرتُ إليه يوم أمس وهو حديثُ القاسم بن مُعاوية.

  • وقفة عند حديث القاسم بن معاوية مع إمامنا الصادق، في كتاب [الاحتجاج] للطبرسي، والذي يتحدّث عن الشهادة الثالثة:

  • (عن القاسم بن معاوية، قال: قلتُ لأبي عبد الله: هؤلاء يَروون حَديثاً في مِعراجهم أنّهُ لمّا أُسْري برسولِ الله، رأى على العَرش مَكتوباً لا إله إلا الله، مُحمّدٌ رسول الله أبو بكر الصدّيق، فقال: سُبحان الله، غيّروا كل شيءٍ حتّى هذا؟ قلتُ: نعم، قال الإمام: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمّا خَلَق العَرش كتَبَ عليه لا إله إلّا الله مُحمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أمير المُؤمنين، ولمَّا خلَقَ الله عزَّ وجلَّ الماء – إنّه الماء الأوّل الزخّار – كتَبَ في مَجراه: لا إله إلا الله، مُحمّدٌ رسول الله، علي أمير المؤمنين…).
  • ● قوله: (لمّا خَلَق العَرش كتَبَ عليه لا إله إلّا الله مُحمّدٌ رسولُ الله عليٌّ أمير المُؤمنين) هذهِ هي الطاقةُ النوريّةُ التي تُعطي العَرش وُجوداً وتُحدّد للعَرشِ عُمْرهُ الافتراضي بِحَسَب تلكَ الطاقة.. فهل أنَّ الطاقةَ التي أُودعتْ في العَرش تنضب أم لا تنضب؟ هذا الكلامُ يعودُ بنا إلى مصادر الطاقةِ ومنابعها.. فهل أنَّ مصادر الطاقةِ التي جاءتْ هذه الطاقةُ منها يُمكنُ أن تنضب؟!
  • ونبيّنا أخبرنا أنّنا خُلِقنا للبقاء وليس للفناء.. والبقاء لهُ صُوَرٌ ومَراتب والفناءُ أيضاً لَهُ صُوَرٌ ومراتب إذا كان الحديثُ عن الفناء المَجازي، أمَّا الفناءُ الحقيقي فإنّنا لم نُخلَق لأجله.. ولكنَّ الفناء المَجازي وهُو ما يكونُ مُضادّاً للبقاءِ النُوري الشريف.. فجهنّمُ هي مظهرُ الفناء ولكنّهُ ليس فناءً حقيقيّاً.. إذْ الكائناتُ موجودةٌ في جهنّم، وجهنّم حقيقةٌ موجودة.. وإنّما هُو الفناءُ المجازيُّ المُضادُّ للبقاء النُوري.
  • ● الحديثُ في آخرهِ بعد أن يُبيّنَ لنا إمامُنا الصادق أنَّ هذهِ الرُموز، هذهِ العناوين، هذهِ الشفْرةُ الإلهيّةُ التكوينيّةُ كُتِبتْ على كُلّ التكوينيّات مِن أعلاها إلى أسفلها في عوالم الغَيب وفي عوالمِ الشهادة، في الملأ الأعلى وفي الملأ الأسفل، في السماواتِ بكُلّ تفاصيلها وفي الأرض بكُلّ تفاصيلها، فيقولُ بعد ذلكَ بعد أن يُبيّن هذهِ الحقيقة (وهي حقيقةُ التطابقُ بين التكوين والتشريع) يقول:
  • (فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله فليقلْ علي أمير المؤمنين)
  • هذا الّلسان لسانُ الوجوب القطعي.. (فليقلْ) فعل مُضارع مسبوق بلام الأمر.. فهو في أعلى درجاتِ الوجوب.
  • الشهادةُ الثالثةُ كُتبتْ في كُلّ أُفُقٍ مِن آفاق الوجود.. فمثلما كُتبتْ هُناك فإنَّ الإمام يقول: (فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله مُحمّد رسول الله فليقلْ علي أمير المؤمنين) يعني في أيّ مكان.
  • فمِثلما كُتبتْ الشهادةُ الثالثة في أعلى التكوينيّاتِ وأشرفها في العَرش، وتَقَوَّمَ وُجودُ العَرش بوجودها.. كذلكَ تُكتَب كذلك هذهِ الشهادة في أعلى الطقوسِ والعباداتِ وهي الصلاة.. فلابُدَّ أن تكونَ الصلاةُ مُشتملةً اشتمالاً لفظيّاً ومعنويّاً على الشهادة الثالثة.
  • الاشتمالُ المعنوي هُو أنَّ الصلاةَ تتقوّمُ باعتقادنا بولاية عليٍّ وآل عليّ.. هذا هُو القِوام المعنوي للصلاة..
  • أمَّا القِوام الّلفظي فلابُدّ مِن وُجودِ هذهِ الألفاظ في صَلواتنا..
  • فمثلما كتَبَ اللهُ الشهادةَ الثالثةَ في كُلّ التكوينيّات مِن أعلاها إلى أسفلها، كذلكَ فإنَّ الشهادةَ الثالثة مكتوبةٌ في كُلّ التشريعيّاتِ مِن أعلاها إلى أسفلها.. وأوّلُ التشريعيّاتِ هي صلاتنا.. أمَّا عقيدتُنا فهي عَرْشُ التشريعيّات، فالتشريعيّاتُ مِن دُون العقيدةِ لا تُسمّى تشريعيّات.
  • ● الناصبُ هُو الذي لا يَعتقدُ بولايةِ عليٍّ وآلِ علي كما يُريدُ عليٌّ وآل عليّ.. فالناصبُ قد يكونُ مِن الشيعة، فهذا إمامُنا الصادق في رواية التقليد يَصِفُ أكثرَ مراجع الشيعةِ في عصْر الغَيبةِ أنّهم قومٌ نُصّاب.. وهُم زُعماء الشيعةِ وفُقهاؤهم..!
  • وفي أحاديثهم الشريفة هذا الناصِبُ صلاتهُ وزناه وسرقتهُ على حدٍّ سواء.. لأنَّ قِوامَ الصلاة ليس مَوجوداً عنده.. المادّةُ المعنويّةُ للصلاةِ هي ولايةُ عليٍّ وآل عليّ وغير هذا لا معنى للصلاة.
  • فمِثلما هُناك قِوامٌ معنويٌّ للصلاةِ فهُناك قِوامٌ لَفظيٌّ للصلاةِ أيضاً وهي (الشهادة الثالثة) في التشهّد الوسطي والأخير، وكذاك الأمرُ في الأذانِ والإقامة.. لابُدّ مِن ذكْر عليٍّ في الصلاة وإلّا فإنَّ الصلاةَ باطلة وكذا سائرُ العبادات.. لأنَّ الصلاة إنْ قُبلتْ قُبِلَ ما سواها وإنْ رُدّتْ رُدّ ما سواها.
  • ● في هذا الإطار الذي حدّثُتكم عنهُ قبل قليل فيما يَرتبطُ بنشأةِ الكون وطَويه بعد ذلكَ كطيّ السجّل للكُتب مِثلما جاء في الكتاب الكريم.. والكلام هُو هو موجود في رواياتهم وأحاديثهم الشريفة، وقد قرأتُ عليكم ما جاءَ في تفسير القُمّي مِن أنَّ السماء ستعُودُ إلى الحالةِ الأولى “حالةِ الدُخان”.
  • (وقفة تقريب للفِكْرة – بالحَديث عن نظريّة (الانفجار الكبير) لهذا الكون والتي تَتحدَّثُ عن العُمْر الافتراضي للكون.. عن بداية الإنفجار الكبير وعن الانكماش الكبير الذي سينتهي عندهُ الكون)
  • الخلاصة: الكونُ لَهُ عُمْرٌ ينتهي عنده، ونَحنُ لنا أعمارٌ ننتهي عندها.. علينا أن نَفْهمَ ثَقافةِ الموتِ وأن نُدركَ مَحطّاتِ طَريقنا وِفْقاً للرُؤيةِ المَعرفيّة للكتاب الكريم وحديثِ العترة الطاهرة.
  • فمِثلما كونُنا محكُومٌ بقَوانين العُمْر الافتراضي وبقَوانين الحقّ الافتراضي.. حقٌّ يَخرجُ مِن دَاخلهِ، وحُقوقٌ تأتي مِن الجهةِ التي منحتْهُ ما منحته مِن طاقةٍ ومِن عُمْرٍ افتراضي. ومرَّ الكلام في كُلّ هذهِ المضامين مع أمثلةٍ ومع توضيح في جولةٍ بين الآياتِ والأحاديث.
  • الحالُ هُو هو بالنسبة لنا.. فهُناك العُمْر الافتراضيُّ بالنسبة لنا، فنَحنُ جُزءٌ مِن هذا الكون مَحكومون بنفس القَوانين التكوينيّة ونُحكَم بالتشريع لتنظيم علاقتنا بالتكوين.. فلنا عُمْرٌ افتراضي، وهُناك حقٌّ افتراضيٌّ نفرضِهُ على أنفسنا يَخرجُ مِن داخلنا، وهناك حقٌّ افتراضيٌّ للجهة التي أنعمتْ علينا.. إنّهم أولياء النِعم كما جاء في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة. وهذا يَقودُنا إلى حديثِ الكساءِ الشريف اليماني الفاطمي.

  • وقفة عند ما جاء في الآية 7 بعد البسملة مِن سُورة مُحمّد:

  • {يا أيُها الّذين امنُوا إنْ تنصروا اللّه ينصركُم ويُثبت أقدامكُم}.
  • كم مرَّ في تأريخ البشريّة مِن أنبياء ومِن رُسُل ومِن أولياء نَصروا الله نصْراً حِسيّاً ولكنّهم لم ينتصِروا نصْراً حِسيّاً، وإنّما قُتِلوا وعُذّبوا وقُطّعوا.. فهذا هو القانون. هذا القانون يُمكن أن يكون قد انطبقَ في حياةِ بعض الذين نَصروا الله.. ولكنَّ أكثر الذين نَصروا الله لم ينصرهُم في هذهِ المرحلة التُرابيّة.
  • ونَحنُ حين نتحدّث عن الله سُبحانهُ وتعالى لا نتحدَّث عن مَخلوقٍ تتحكّمُ فيه العواطف، وتَتحكّم فيه المصالح وتُحرّكه الهواجس.. خطأٌ كبير أن نتصوَّر أنَّ الله سُبحانه وتعالى بهذا الوصف.. حتّى وإنْ لم نُصرّح بألسنتنا، ولكنّنا حين نُفكّر في شُؤونه نُفكّر فإنّنا نُفكّر بهذه الطريقة السمِجة الباردة.
  • ● العالمُ الأرضي بحُدود الإمكاناتِ المُتوفّرة عند هؤلاء المُخلصينَ الذين نَصروا الله لا يسمحُ لهم أن ينتصِروا على أعدائهم الذين يمتلكونَ مِن الإمكاناتِ والقُدراتِ على جميع المُستويات.
  • فبحَسَب القوانين إنَّ النصْر لا يأتيهم.. فمَتى يتحقّق نَصْرُهم وهُم يمتلكون طاقةً نُوريّةً هائلة بُحكم إخلاصهم وبُحكم نُصرتهم؟!
  • (وقفة توضيح لهذه النقطة بمثال المُصلّي الذي تُزاحمهُ النُخامة في المسجد).
  • هذهِ النيّةُ الجُزئيّة وهذا العملُ الجُزئي لدى هذا المُصلّي الذي تُزاحمهُ النُخامةُ في المسجد، تَحوَّلَ إلى طاقةٍ عجيبةٍ بحيث أنَّ المادّةَ الذي تتقزّزُ النفوسُ منها وهي (النُخامة) تَتحوّلُ بسبب هذهِ النيّة للحفاظ على نظافة المسجد وتوقيره تتحوّل إلى شيءٍ آخر، إلى دواءٍ يكونُ شفاءً لكُلّ داءٍ في البدن حين ابتلعها المُصلّي بنيّة المُحافظة على المسجد.. وهذا الأمرُ مبثوثٌ في ثقافة الكتاب والعترة.. فأين نضعُ إذاً دماء الأنبياء..؟! دماءُ الأنبياء تحملُ طاقةً هائلةً، هذهِ الطاقة هي التي تقودهم إلى جنان البرزخ وبعد ذلك حين يأتي يوم الظهور فإنَّ هذهِ الطاقة تدفعُ أولياء عليّ يُلبّون زُمَراً زُمَراً إن كان ذلك في الظُهور أو في مراحل الرجعةِ الطويلةِ والطويلة جدّاً.. فهُناك يتحقّق النصْر.

  • في الآية 47 بعد البسملة مِن سُورة الرُوم.. هي أيضاً في هذه الأجواء:

  • {ولقد أرسلنا مِن قبلك رسُلًا إلى قومهم فجاءُوهُم بالبيّنات فانتقمنا مِن الّذين أجرمُوا وكانَ حقّاً علينا نصْرُ المُؤمنين}.
  • هذا حقُّ افتراضيٌّ فرَضَتْهُ الجهةُ العليا على نفسها.. هذا هُو الحقُّ الافتراضيُّ الذي تحدّثتُ عنه.

  • في الآية 51 بعد البسملة مِن سُورة غافر، وهي الآيةُ الأُمّ في هذا الموضوع:

  • {إنّا لننصُرُ رسُلنا والّذين آمنُوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقُومُ الأشهاد}.
  • ● قوله: {يوم يقُومُ الأشهاد} هذا العُنوانُ ليومِ القيامة، أمَّا في الحياةِ الدُنيا كيف يتحقّق النصْر وقد قُتِلوا وماتوا..؟! إنّها الرجعةُ، إنّها الآيةُ الصريحةُ في الرجعةِ وفي الحديثِ عن الحقّ الافترضي.. هُناك عُمْرٌ افتراضي ينتهي وهو عُمْر العلاقةِ ِبين الرُوح والجَسَد.. ولكنَّ الحقّ الافتراضي لم يكنْ مُرتبطاً بهذه العلاقة.. الحقُّ الافتراضي هُو مُساوقٌ للطاقة المُودَعةِ في تلكَ الأرواح.
  • هُناك حقٌّ افتراضي يُؤخَذُ مِن الأرواحِ الماحضةِ للكُفْر، وهُناك حقٌّ افتراضيٌّ يُعطى للأرواح الماحضة للإيمان.. فهذا لم يَصِل إلى هؤلاء وهذا لم يصِل إلى هؤلاء وإنّما انتهى العُمْر الافتراضيّ للعلاقةِ بين الجسد والرُوح، فكان الاحتضارُ وكان زُهوق الرُوح وكان ما كان مِن التفاصيل التي مرَّ الحديثُ عنها.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات]:
  • (عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه “عليه السلام” قال: قُلتُ لهُ: قول اللّه عزّ وجلّ: إنّٰا لننصُرُ رسُلنا والّذين آمنُوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقُومُ الأشهادُ؟ قال: ذلك واللّه في الرجعة، أ ما علمتَ أنَّ أنبياءَ اللّهِ تبارك وتعالى كثيراً لم يُنصروا في الدُنيا وقُتلوا، وأئمةً مِن بعدهم قُتلوا ولم يُنصروا، فذلك في الرجعة).
  • الرجعةُ مثلما يقولُ إمامنا الصادق “عليه السلام” أنّهم يُكسرونَ في الكرّةِ كسْراً كما يُكسَر الذهب – هذا هو الجانبُ التكويني – وعودُ الطاقةِ إلى منابعها، فإمّا أن تعودَ إلى منابع النور وإمّا أن تعودَ إلى مطامِر الظلام.. وتلكَ هي الجنّةُ والنار ولكن عِبْر مجموعةٍ من الفلاتر.. هُناك مجموعةٌ مِن الوسائل، هُناك مَجموعةٌ مِن عوامل التنقية والتصفية.
  • الرجعةُ مرحلةٌ كونيّةٌ، إنّها كسْرٌ تكوينيٌّ في مرحلةِ الكرّة حَتّى يَعودُ كُلَّ شيءٌ إلى شبههِ، فالنُور إلى منابعِ الأنوار والظُلمةُ إلى مطامر الظلام.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [كامل الزيارات] الباب (18) الحديث (2):
  • (عن أبي بصيرٍ، عن أبي جعفرٍ “عليه السلام”، قال: تلا هذهِ الآية: {إنّٰا لننصُر رسُلنا والّذين آمنُوا في الحياةِ الدُنيا ويوم يقُومُ الأشهاد} قال: الحسينُ بنُ عليٍّ منهُم، قُتل ولم يُنصر بعدُ، ثُم قال: واللّه لقد قُتل قتلةُ الحسين ولم يُطلَب بدمهِ بعدُ).
  • نصْرُ الحُسين يتحقّق في الرجعة، وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع بنحوٍ مُفصّل في برنامج [يا حُسين .. البوصلةُ الفائقة].
  • الحُسين يعودُ في الرجعة ويتحقّق نصْرهُ في الرجعة كما جاء في دُعاء اليوم الثالث مِن شهر شعبان (في يوم ولادة سيّد الشُهداء) والمروي عن إمامنا الحَسَن العسكري “عليه السلام” نقرأ هذه العبارات التي تتحدّث عن الحُسين:
  • (قتيل العَبرة وسيّد الأُسرة الممدود بالنُصرةِ يوم الكرّة – يوم الرجعة – المُعوّض من قتلهِ أنّ الأئمة مِن نسله، والشفاءَ في تُربتهِ والفوزَ معهُ في أوبتهِ والأوصياء مِن عترتهِ بعد قائمهم وغَيبتهِ حتّى يُدركوا الأوتار ويثأروا الثأر ويُرضوا الجبّار..)

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …