دليلُ المسافر – الحلقة ٢٥ – المحطّة السادسة: أشراطُ الساعة ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 29 شهر رمضان 1440هـ الموافق 4 / 6 / 2019م

  • الحديثُ يَتواصلُ في مَحطّاتِ هذا الطَريق البعيد.. مَرَّ الكلامُ في مَحطّةِ الاحتضار، ومَحطّةِ زُهوق الرُوح، ومَحطّةِ هَولِ المُطّلَع، ومَحطّة القبر بعناوينها (وحْشة القبر، ضغْطة القبر، مُسائلة القبر، عالمُ البرزخ الفسيحُ الوسيع المُوازي لهذا العالم الذي نحنُ فيه).

  • المَحطّةُ الخامسةُ: الرجعة.. والرجعةُ موضوعٌ واسعٌ كبيرٌ جدّاً تحدّثتُ في أطرافهِ في تسعةِ أجزاء، وأنا أشعرُ أنّني ما حدّثتُكم شيئاً عن الرجعةِ في عُمْقها وتفاصيلها. ولكن هذا هُو الذي أتمكّنُ منهُ بحُدودِ برنامجٍ تلفزيونيٍّ ليسَ مُخصَّصاً لِموضوعِ الرجعة.. فموضوعُ البرنامج هُو [دليلُ المُسافر] والدليلُ الذي يُوضَعُ ويُهيّئُ للمُسافر لابُدَّ أن يكونَ مُوجزاً مُختصراً.
  •  
  • المحطّةُ السادسة : أشراط الساعة
  •  
  • عُنوانٌ قرآنيٌّ مُهم، وموضوعٌ تحدّثتْ عنهُ كلماتهم الشريفة وبيّنتْ الكثير مِن التفاصيل.

  • في الآية 18 بعد البسملة مِن سُورة مُحمّد:

  • {فهل ينظُرون إلّا الساعة أن تأتيهُم بغتةً فقد جاءَ أشراطُها* فأنّى لهُم إذا جاءَتهُم ذكراهُم}.
  • الحديثُ عن أشراطِ الساعة، الساعةُ هُنا المُرادُ منها يومُ القيامة.. الآيةُ صريحةٌ واضحةٌ في طَرْح هذا العُنوان “الساعة”.. هذا عُنوانٌ قرآنيُّ وعُنوانٌ تحدّثتْ عنه كلماتُ النبيَّ والعترة الطاهرة “عليهم السلام”.
  • الأشراطُ في لُغة العرب: جمْعٌ لِشَرَط، والشَرَط في لُغةِ العرب تعني العلامة.. فأشراطُ الساعةِ تعني علاماتُ الساعة.. إنّها علائمُ يومِ القيامة.
  • هذهِ المحطّةُ محطّةٌ مُعقدّةٌ إذا ما أردنا أن نتوغّل فيها.
  • ● بشكلٍ إجمالي أقول:
  • في أحاديثِ المُخالفين والتي نَقَلَها أيضاً عُلماؤنا ومُحدّثونا في أحاديثهم هُناك خَبْطٌ وخَلْطٌ واضحٌ ما بين عَلائم ظُهور إمامِ زماننا وما بينَ بعض وقائع الظُهور وبعض وقائع الرجعةِ وما بين أشراط الساعة.
  • مَن كانَ يمتلكُ الخِبرة في الشُؤون المَهدويّة (ما يَتعلّقُ بالملاحمِ والفِتن في عَصْر الغيبة، وما يَتعلّقُ بإرهاصاتِ الظُهورِ وعلائمِ الظُهور، وما يَرتبطُ بوقائع الظُهور وكذلكَ ما بأيدينا مِن تفاصيل ووقائع الرجعة، فإنَّ تفاصيلاً أُخذتْ مِن الملامحِ والفِتن ومِن علائمِ الظُهور ومِن وقائعِ الظُهور ومِن وقائعِ الرجعةِ وخُبطتْ في أحاديث تُخبرُ عن أشراطِ الساعة.. لذا لن أدخلَ في مناقشةِ هذا الخَبْط والخَلْط في أحاديثِ المُخالفين.
  • وإنّما أشرتُ إلى أحاديثِ المُخالفين لأنَّ كُتُبنا الحديثيّة هي الأُخرى ملأى بأحاديثِ المُخالفين فيما يَرتبطُ بأشراطِ الساعة.. حتّى في الكُتُب العقائديّة التي أشارتْ إلى أشراطِ الساعةِ فإنّهم رجعوا إلى هذا الخَبْط والخَلْط الذي أخذوهُ مِن كُتُب النواصب.. وهذهِ قضيّةٌ معروفةٌ في ساحةِ الثقافة الشيعيّة مِن أنَّ مراجعنا الكبار وحتّى المُحدّثون ينقلون مِن المُخالفين في مِثْل هذه الموضوعات.. فكُتُب الشيخ الصدوق فيها وفيها مِن هذهِ الأحاديث، وأنا لا أُريدُ أن أُناقِشَ كُلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ تَرتبطُ بهذا الموضوع.. إنّما أشرتُ إلى هذا لأنّكم ستُواجهون هذهِ المطالب إذا رجعتم إلى كُتُب مراجعنا وكُتُب مُحدّثينا.
  • ● المنهجيّةُ التي أتّبعها في فَهْم ديني وعقيدتي تبدأ بالقُرآنُ أولاً ولكن بتفسير عليٍّ وآل عليّ.. هذهِ المنهجيّةُ التي بَنيتُ عليها عقيدتي وفَهْمي لِقُرآني ومنها أستنبطُ أحكامَ ديني.. هذهِ المنهجيّةُ التي وجدتُها في فناءِ الكتاب والعترة.
  • والرقمُ الثاني في هذهِ المنهجيّة هُو حديثُ العترة.. كلامُهم النُوري الذي يَشرحُ نفسهُ بنفسهِ مِن خلالِ قواعد الفَهْم التي بُيّنتْ في طَوايا حَديثهم، إنّني أعتمدُ اعتماداً قطعيّاً كاملاً على أدعيتهم وزياراتهم ورواياتهم وأحاديثهم وخُطَبهم وكلماتهم الشريفة.. منها أخذُ ديني وعلى أساسها أبني منظومة تفكيري وعقلي.

  • المَحطّةُ السادسةُ مِن مَحطّاتِ طَريقنا وسَفَرنا هذا الطويل: أشراطُ الساعة.

  • إنّها ساعةُ القيامةِ الكُبرى، وأشراطُها علائمها. سأُلخّص لكم العناوين المُهمّة التي تقعُ تحتَ هذا العنوان: أشراطُ الساعة.
  • أشراطُ الساعة يُمكنني أن أُلخّصها مِن خلال مُتابعتي لآيات الكتاب وحدِيثِ العترة، ومِثلما قُلتُ لكم مِن أوّل البرنامج أنّني في مقامِ الإيجازِ والاختصار.
  • أوّلُ شرطٍ مِن أشراط الساعة هو: ظُهورُ دابّةِ الأرض، وهي ستكونُ في مَرحلةٍ برزخيّةٍ ما بينَ نهايةِ مرحلةِ الرجعةِ وبدايةِ أشراطِ الساعة، فَهذهِ المَحطّاتُ تتواصلُ فيما بينها.. مِثلما حدّثتكم يوم أمس عن تماهي جنان الدولةِ المُحمّديّة العُظمى مع جنان البرزخ ومع جنانِ الآخرة في ذلك العطاء غيرِ المَجذوذ.. كما عبّرَ القُرآنُ عن هذهِ الحقيقةِ في آياتٍ من سُورة هود.
  • الشرط الثاني مِن أشراط الساعة: انتشارُ الفسادُ والإفساد في المُجتمع البشري.. فإنَّ القيامة – كما في أحاديثِ النبيّ والعترةِ الطاهرة – لا تَقومُ إلّا على شرارِ الخَلْق.. فالمُجتمع هُو مُجتمعُ شِرارُ الخلق.
  • الشرط الثالث مِن أشراط الساعة: ظُهورُ أقوامِ يأجوج ومأجوج.. إنّهم يأكلونَ الناس، يأكلونَ البشر.
  • الشرط الرابع مِن أشراط الساعة: بدايةُ التغيّراتِ الكونيّة والارتجاجات والاهتزازات الكونيّة التي تكونُ مُقدّمةً وتَمهيداً لمرحلةِ طيّ الكونِ وللتغيّراتِ الكونيّةِ الهائلةِ استعداداً لِمحطّاتٍ أُخرى سيأتي الحديثُ عنها {يوم نطوي السماء كطيّ السماء للكُتب}.
  • فهذهِ العناوينُ هي العناوينُ المُهمّة في هذهِ المحطّة (محطّةُ أشراط الساعة).
  • — لابُدَّ أن نعرفَ مَسألةً مُهمّةً جدّاً:
  • وَصلتنا مِن مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ معارفُ ومعارف، ووصلنا الكثيرُ مِن ثقافتهم، مِن حديثهم، مِن عِلْمهم، مِن مَعرفتهم التي يُريدون مِنّا أن نتثقّفَ بها، أن نتعلّمها، أن نعرفها.. وضاعَ كثيرٌ أيضاً مِمّا كان مُقرّراً أن يصِلَ إلينا.
  • وصلنا كثيرٌ وعظيمٌ ووفيرٌ مِن حَديثهم وكلامهم.. ولا تَنسوا أنَّ الذي وصَلَ إلينا هُو بمُستوى مَداركنا وعُقُولنا.. لا علاقةَ لهُ بعِلْمهم هُم، ولا علاقةَ لهُ بعُقُولهم هُم.. فهُم يُقسمون بالله أنّهم ما كلّمونا قطّ على قَدْر عُقولهم هُم “صلواتُ اللهِ عليهم”.. هُم كلّمونا بكُلّ ذلك قدْر عُقولنا.
  • وهذا الكمُّ الهائلُ مِن الثقافةِ والمَعرفةِ والعِلْم في أحاديثهم الهائلةِ عدداً ومَضموناً.. مَن مِنّا مَن يستطيعُ أن يُحيطَ عِلْماً بهذهِ المَوسوعةِ المَعصوميّة الهائلة؟!
  • مَن مِنّا يستطيعُ أن يُحيطَ عِلْماً بكُلّ تلكَ الحقائق وبكُلّ تلكَ الأسرار التي بيّنوها لَنا بِحَسَبنا.. إنّنا نأخذُ مِنها بقَدْر ما نَستطيع.. مِثلما قالَ سيّد الأوصياء لكُميل: (يا كُميل.. إنَّ هذهِ القلوب أوعية وخيرها أوعاها..).
  • فإنّنا نأخذُ بقَدْر ما نَستطيع.. بقَدْر وعايةِ قُلوبنا ووعيّ عُقولنا.. ومَعَ كُلّ ذلكَ فإنّني أيضاً حينما أعرضُ ما أخذتهُ مِن قليلٍ مِن معارفهم إنّني أعرضُ القليل منه بين أيديكم. (بحُكم الوقتِ، بحُكْمِ أساليبِ العرض، بحُكْمِ قواعد الإعلام، بحُكْمِ قوانين البرامج التلفزيونيّة.. وهكذا.. وحُكْم الوقت.. حُكمٌ غالبٌ قاهر..)

  • للتذكرةِ سأقرأ بعضاً مِن أحاديثهم الشريفة “عليهم السلام”.

  • وقفة عند حديث سيّد الأوصياء “عليه السلام” في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] للشيخ الصدوق – صفحة 321 الحديث (1) من الباب (26):

  • (عن الاصبغ ابن نُباتة قال: أتيتُ أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب “عليه السلام” فوجدتهُ مُتفكّراً ينكتُ في الأرض، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين مالي أراكَ مُتفكّراً تنكتُ في الأرض أرغبتَ فيها؟ فقال: لا واللهِ، ما رغبتُ فيها ولا في الدُنيا يَوماً قطّ، ولكن فكّرتُ في مولودٍ يكونُ من ظهري الحادي عشر مِن ولدي، هُو المهديُّ يَملأها عدلاً كما مُلئتْ جَوراً وظلماً، تكونُ لهُ حيرةٌ وغَيبة، يَضلُّ فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين وإنَّ هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنَّهُ مخلوق وأنّى لكَ بالعِلْم بهذا الأمر يا أصبغ، أولئكَ خيارُ هذهِ الأُمّة مع إبرار هذهِ العترة، قلتُ: وما يكون بعد ذلك؟ قال: ثمَّ يفعلُ اللهُ ما يشاء فإنَّ لهُ إراداتٌ وغاياتٌ ونهايات).
  • الحديثُ عن زمان الغَيبة وبعد ذلكَ ما يتفرّعُ على الظُهور وإلى الرجعة.
  • ● قوله: (قال: ثمَّ يفعلُ اللهُ ما يشاء فإنَّ لهُ إراداتٌ وغاياتٌ ونهايات) فما يقعُ في تفاصيل الغَيبةِ يَخضعُ للقانونِ الأعظم.. إنّهُ قانونُ البداء.. وكذاكَ ما هو في تفاصيل الظهور الشريف، وفي تفاصيل العَصْر المَهدويّ الأوّل وحتّى في تفاصيل الرجعة.
  • رغم أنّنا نستطيعُ أن نستشرفَ الكثير مِن الصُور والمطالب والمعلوماتِ عن الرجعةِ مِن خلالِ النُصوصِ الكثيرةِ الوفيرةِ بين أيدينا إلّا أنَّ ذلك لا يُعَدُّ بشيءٍ إذا أردنا أن نقيس الأُمور بمقياس الحقيقة.
  • فقولهِ: (ثمَّ يفعلُ اللهُ ما يشاء) إنّهُ قانونُ البداء.
  • الروايةُ إجماليّة.. إنّها تُحدّثنا بلسانِ المُداراةِ وبلسانِ ما تتمكّن مَداركنا مِن فَهْمهِ ومِن الغَور في أبعادهِ.. قَطْعاً بما نَجمعهُ مِن المُعطياتِ ما بينَ الآياتِ وتفسيرها.. بتفسير عليٍّ مع الأحاديث والأدعية والزياراتِ وتفسيرها بقواعد الفَهْم مِن عليٍّ وآل عليٍّ “عليهم السلام”.

  • وقفة عند حديث سيّد الأوصياء “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج6] صفحة 312 الحديثُ (10):

  • (عن عبد الله بن الحارث، قال: قلتُ لعليٍّ “عليه السلام”: يا أميرَ المُؤمنين أخبرني بما يكونُ مِن الأحداث بعد قائمكم؟ قال: يابن الحارث ذلكَ شيءٌ ذِكْرهُ موكول إليه، وإنَّ رسول الله “صلَّى الله عليه وآله” عهد إليَّ أن لا أُخبر به إلّا الحسن والحسين).
  • ● قوله: (يابن الحارث ذلكَ شيءٌ ذِكْرهُ موكول إليه) أي إلى القائم عليه السلام.. لأنَّ تفاصيل الأُمور هُو الذي يُقرّرها.. هُو الذي يُجري المجاري.
  • الأمورُ منها ما هو ثابتٌ ومنها ما هُو مُتحرّكٌ.. الثوابتُ والمُتحرّكات بيده “عليه السلام” كما نقرأ في الزيارة الجواديّة: (وبهم سكنتْ السواكنُ وتحرّكت المُتحرّكات) وكما نقرأ في زيارةِ النُدبةِ الشريفة ونُحنُ نُخاطبُ إمامَ زماننا “عليه السلام”: (فما شيءٌ منّا إلّا وأنتم له السبب وإليه السبيل) وكما نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) وكذلك نقرأ فيها: (إيابُ الخَلْقِ إليكم وحسابهم عليكم).
  • ● قوله: (وإنَّ رسول الله عهد إليَّ أن لا أُخبر به إلّا الحسن والحسين) إنّها أسرارهم.. نَحنُ لا نعرفُ شيئاً.. مَعلوماتُنا قليلةٌ جدّاً رغم سعةِ وعظمةِ ما وصل إلينا.. إنّهُ عظيمٌ بالنسبة إلينا، وإنّهُ لا شيء بالنسبة لهم.

  • رواية جميلة جدّاً في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات] لحسن بن سُليمان الحليّ:

  • (عن كامل التمّار، قال: كُنتُ عند أبي عبد الله “عليه السلام” ذاتَ يومٍ فقال لي: يا كامل، اجعلوا لنا ربّاً نَؤوب إليه – يعني نحنُ مخلوقون – وقُولوا فينا ما شئتم، قال: فقلتُ: نجعلُ لكم ربّاً تؤُبون إليه ونقول فيكم ما شئنا، قال: فاستوى جالساً فقال: ما عسى أن تقولوا..! واللهِ ما خرجَ إليكم مِن عِلْمِنا إلّا ألفٌ غيرُ معطوفة).
  • هذه الألف الغير المعطوفة والتي ضيّعنا ما ضيّعنا منها وأسأنا ما أسأنا في التعامل معها.. لا حفظناها ولا فهمناها كما يُريدون ومع ذلك فإنّنا حينما ننظرُ إلى ما عندنا، فإنّنا إذا حذفنا أحاديثك يا صادق العترة لا بقي لا دينٌ ولا فِقهٌ ولا عقيدة.. ديننا وعقيدتنا أخذناها منك صادق العترة الطاهرة.
  • ● قوله: (واللهِ ما خرجَ إليكم مِن عِلْمِنا إلّا ألفٌ غيرُ معطوفة) الخطُّ الذي كان معروفاً وشائعاً في زمانِ الإمام الصادق إنّهُ الخطّ الكوفي الذي وضعهُ سيّد الأوصياء. في زمانِ إمامنا الصادق حين يخطّون خطّاً كُوفيّاً فإنّهم حين يكتبونَ الألف فإنّهم يُذيّلون الألف ويكونُ التذييل باتّجاهِ الشمال.
  • مُراد الإمام مِن أنَّ الذي خَرَج إلينا مِن عِلْمهم لم يخرجْ إلينا حتّى حرفٌ واحدٌ صحيح..! فإنَّ حرْف الألف لا يُقالُ لهُ ألف بحَسَب الخطّ الكوفي آنذاك ما لم يُعطف إلى جهة الشمال.
  • فالإمام يُريد أن يقول: ما أظهرناهُ لكم مِن العِلْم حتَّى لا يُمثِّل نِصْف حَرف.. فأين نضعُ هذا مع ما يقولهُ سيّد الأوصياء بلسان التقريب: (علّمني رسولُ اللهِ ألفَ بابٍ مِن العِلْم يُفتح لي مِن كُلّ بابٍ ألفُ ألفِ باب).

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات]:

  • (عن أسد بن اسماعيل عن أبي عبد الله “عليه السلام” أنّهُ قال حِين سُئِل عن اليوم الذي ذَكَر اللهُ مِقدارهُ في القُرآن في يومٍ كانَ مِقدارهُ خمسين ألف سنة، قال: وهي كرّةُ رسولِ الله “صلَّى الله عليه وآله” فيكونُ مُلْكهُ في كرّتهِ خمسين ألف سنة ويَملكُ أميرُ المُؤمنين في كرّته أربعاً وأربعين ألف سنة).
  • صُورةٌ مُوجزةٌ.. بعد عصْر الظُهور القائميّ الأوّل، وبعد مراحل الرجعة والأوبة المُتعدّدة، وبعد رجعةِ المُنتصِر الأعظم ذبيحُ الطفوف ورجعتهم وعصْر قائمهم الثاني.. تتوالى الكرّاتُ والأوباتُ حتّى نصِلَ إلى الكرّةِ العَلَويّة.. مِثلما يَقولُ الصادقُ “عليه السلام”: (ويَملكُ أميرُ المُؤمنين في كرّته أربعاً وأربعين ألف سنة) وبعدها تأتي الجنّةُ الدنيويّةُ المُحمّديّة.. إنّها دولةُ مُحمّدٍ العُظمى، مَلِكُها مُحمّدٌ ووزراؤُها عليٌّ وفاطمة وأبناؤهما.
  • وتتسامى الدولةُ المُحمّديّة إلى أعلى صُوَرها، وعند ذلك تَظهرُ الجنّتانِ المُدهامّتان عند مسجد الكوفة وما حَولهُ بما شاء الله.. وهُنا نَعودُ للحديثِ عن العُمْر الافتراضي وعن الحقّ الافتراضي وعن التفاصيل التي مَرَّ الحديثُ عنها في الحلقاتِ الماضية.. فهُنا تكونُ الرجعةُ قد استوفتْ أغراضها ولِذا ستنتهي الدولةُ المُحمّديّة ويَرتفعُ آلُ مُحمّد، ويرتفعُ لُطفهم.. وارتفاعُ لُطفهم هُو استيفاءُ الغَرض مِن الطاقةِ النُوريّة المُودَعةِ في هذا العالم.. وهُنا تبدأ المحطّةُ الجديدة بعد نهايةِ الدولةِ المُحمّديّةِ العُظمى وبعد ارتفاعهم، فإنّهم يرتفعون مِن هذا العالم.. والمُراد مِن ارتفاعهم: أي ارتفاعُ لُطْفهم الذي يَتقوّمُ بهِ هذا العالم.. وسيرتفعُ تدريجيّاً، لكنَّ المرتبةَ الأولى مِن ارتفاع هذا الّلطف هُو ارتفاعهم هُم “صلواتُ الله عليهم”.
  • هذا المَضمون يُمكنني أن أحدّثكم عنه بشكلٍ إجمالي.. (سأقرأُ عليكم شيئاً مِن أحاديثهم..).

  • وقفة عند حديث رسول الله “صلَّى الله عليه وآله” في كتاب [بحار الأنوار: ج6] صفحة 315 – الحديث (26):

  • (قال رسول الله “صلَّى الله عليه وآله”: بُعثتُ والساعة كهاتين – وأشار بإصبعيه – السبابة والوسطى ـ ثمَّ قال: والذي بعثني بيده إنّي لأجد الساعةَ بين كتفي).
  • ● قوله: (بُعثتُ والساعة كهاتين) جمع بين مُسبّحتيه (السبابة والوسطى)
  • ● قوله: (إنّي لأجد الساعةَ بين كتفي) إنّهُ لا يتحدّثُ عن البعثةِ في مَرحلةِ التنزيل.. تلكَ كانتْ مُقدّمةً ونُسختْ بِحَسَب ثقافةِ الكتاب والعترة، إنّه يتحدّثُ عن الدولةِ المُحمّديّة العُظمى، فبانتهاء مُدّةِ كرّتهِ “صلَّى الله عليه وآله” تنتهي مُدّة نبوّتهِ وبعثتهِ في هذا الكون الدنيوي.. أمَّا نبوّتهُ في الوجود فلا تنتهي.. فلمحمّدٍ نبوّةٍ في الوجود تلك نبوّةٌ أُخرى..
  • إنّني أتحدّثُ هُنا عن نُبوّة مُحمّدٍ في كوننا الدنيوي، السماء الدنيا وما دُونها.. فإنَّ الرجعةَ في هذا الجُزء من الوجود ستقع.
  • ● قوله: (والذي بعثني بيده إنّي لأجد الساعةَ بين كتفي) لأنّهُ بعد انتهاء عَصْر الكرّةِ المُحمّديّةِ مُباشرةً تبدأُ أشراطُ الساعة، وأشراطُ الساعة هي علائمُ يوم القيامة.. إلى هذا يُشيرُ “صلَّى اللهُ عليه وآله” وهُو يُحدّثنا بلسانِ التقريبِ عن عِلْمهِ المُحيطِ الذي في حقيقتهِ يتساوى فيه الماضي والحاضر والمُستقبل.. ففي العلْم الحضوري لا يُوجد شيء اسْمهُ ماضي، ولا يُوجَد شيءٌ اسمهُ حاضر، ولا يُوجد شيء اسْمهُ مُستقبل.. في عِلْمهم الحُضوري لا وُجودَ للماضي ولا للحاضر ولا للمُستقبل.. إنّها الأعيانُ العلميّةُ في حقائقها الوجوديّة الأصْل، وما نَحنُ إلّا صُورةٌ لتلكَ الأعيان.. نَحنُ صُوَرٌ تنعكسُ عن أعياننا وجَواهرنا الحقيقيّة التي مرّتْ عِبْر مسيرةٍ طويلة.

  • وفي حديثٍ آخر يقول “صلَّى اللهُ عليه وآله”: (بُعثتُ والساعة كفرسي رهان يسبقُ أحدهما صاحبه بإذنه، إنْ كانتْ الساعةُ لتسبقُني إليكم).

  • ● قوله: (كفرسي رهان) أي فرسا سِباق.. فإنّهما يَنطلقانِ مِن نُقطةٍ واحدةٍ في مِضمارٍ واحدٍ وهُو المحلُّ الذي تَركضُ فيه خُيولُ السباق والمُسابقة.
  • ● وقوله: (إنْ كانتْ الساعةُ لتسبقُني إليكم) وكأنّها تُريد أن تسبقني إليكم لأنّها تأتي بعد مرحلةِ الرجعةِ مُباشرةً.. وليس المُراد هُنا المُباشرة الزمانيّة، وإنّما هي مُباشرةُ المراتب.. فبعد الرجعة إنّنا ننتقلُ إلى محطّةٍ جديدةٍ هي محطّةُ أشراط الساعة، ولهذه المحطّة تفصيل سيأتينا في حلقةِ يوم غد إنْ شاء الله تعالى فحديثُ رسولُ الله بأنّهُ بُعِثَ والساعة كهاتين.. إنّهُ يتحدّث عن أهميّةِ الاعتقاد بالرجعة، وأنَّ نبوّتهُ الحقيقيّة لن تظهر إلّا في عصْر الرجعة العظيمة وبالتحديد في الدولة المُحمّديّة الخاتمة التي تستمرُّ خمسين ألف سنة كما حدّثتنا آياتُ الكتاب الكريم وأحاديث العترة الطاهرة.

  • وقفة عند حديث رسول الله “صلَّى الله عليه وآله” الذي ينقلهُ لنا سيّد الأوصياء في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] صفحة 236 الحديث (19) :
    (عن عليّ بن أبي طالب “عليه السلام” قال: قال رسولُ “صلَّى‌ الله‌ُ عليه‌ وآله”: النجومُ أمانٌ لأهل السماء – أي السماء الدُنيا – فإذا ذهبتْ النجومُ ذهبَ أهل السماء، وأهْلُ بيتي أمانٌ لأهل الأرض فإذا ذهبَ أهل بيتي ذهبَ أهْل الأرض).

  • القانون الأصْل في ثقافتنا عن الحُجّة في هذا الوجود هُو أنَّ الحُجّةُ قبل الخَلْق ومع الخَلْق وبعد الخَلْق.. لكنّهم “صلواتُ الله عليهم” قد يَتحدّثون عن الأرض بما هي الأرض باعتبار أنَّ الخطاب مع سُكّان الأرض.. يَعني هذهِ الجُمَل مُوجّهة إلى سُكّان الأرض.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] الحديث (17) :

  • (عن فضيل الرسّان قال: كتَبَ مُحمّد بن إبراهيم إلى أبي عبد الله “عليه‌ السلام”: أخبرنا ما فضلُكم أهل البيت؟ فكتَبَ إليه أبو عبد الله “عليه‌ السلام”: إنَّ الكواكبَ جُعلتْ في السماء أماناً لأهْل السماء، فإذا ذَهبتْ نُجومُ السماء جاءَ أهلَ السماءِ ما كانوا يُوعدون – من التغيّر والتبدّل – وقال رسول الله “صلَّى‌ الله‌ عليه‌ وآله”: جُعِلَ أهلُ بيتي أماناً لأُمّتي فإذا ذهبَ أهل بيتي جاءَ أُمّتي ما كانوا يوعدون).
  • في لغة العرب لا يُوجَد التفريق الفلكي بين الكواكب والنجوم، وإنّما يُنظَر إلى المُتلألئ الكبير هُو كوكب، وإلى المُتلألئ الصغير هو نجم.. بخلاف ما يقال في عِلْم الفلك وفي هندسةِ الفضاء مِن أنَّ الأجرام المُشتعلة الحارّة الساخنة هي النجوم.. وأنَّ الأجرام الباردة المُتجمّدة التي ليستْ لاهبة ولا ناريّة هي كواكب.. فهُناك تفريقٌ عند عُلماء الفَلَك بين الكواكب والنجوم.. أمَّا في لُغة العرب فلا يُوجد هذا التفريق، فالكواكب هي الأجرام المُتلألئة الكبيرة بغَضّ النظر هل هي في حقيقتها الفضائيّة أو الفلكيّة هي نارٌ أو هي باردةٌ جامدة.
  • ● قوله: (فإذا ذهبَ أهل بيتي جاءَ أُمّتي ما كانوا يوعدون) أي إذا ما ارتفعوا بعد اسيتفاء الغَرض مِن برنامج الرجعةِ العظيمة، واستوفيتْ كُلُّ الحقوق المُفترضة وارتفع الأطهار عن عالم التراب وعن كوننا الدنيوي وبدأ لُطفهم ينسحبُ تدريجيّاً، فإنَّ الزوال والاندثار سيحكم هذا العالم.. إنّهُ عالم الدنيا وهُو ما دُونَ السماء الدُنيا بكلّ ما فيه من الآياتِ والعجائب والغرائب..

  • في صفحة 263 مِن كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] للشيخ الصدوق – الحديث (33):

  • (عن أبي حمزة، عن أبي جعفر “الباقر عليه‌ السلام” قال: قلتُ في قول الله عزَّ وجلَّ: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} قال: يا فلان فيهلكُ كلُّ شيء ويبقى وجْه الله عزَّ وجلَّ؟ والله أعظمُ مِن أن يُوصَف، ولكن معناها كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا دينهُ ونَحنُ الوجه الّذي يُؤتى الله منه، ولن يَزال في عباد الله ما كانتْ لهُ فيهم رُوبة – أي الحاجة – قلتُ: وما الروبة؟ قال: الحاجة، فإذا لم يكنْ لهُ فيهم رُوبة رفعنا اللهُ فصنعَ ما أحبَّ).
  • صُورةُ الغَيبةِ قريبةٌ مِن هذا المعنى في أُفُقٍ من الآفاق.. فَإنَّ غَيبة إمامِ زماننا عن الأنظار يَتجلّى فيها شيءٌ مِن هذا المعنى إنْ كان لِعُموم الخَلْق، أو كان لِخاصّةِ المُسلمين الذين يقولون أنّنا مِن أُمّة مُحمَّد، أو كانَ لأخصّ خواصّهم وهُم الذين يَقولون إنّنا شيعتهم.
  • الأمرُ هُو هُو.. فالغَيبةُ شأنٌ مِن شُؤون قَطْعِ مُستوىً مِن مُستوياتِ الّلطف، وإنْ كانَ لُطفهُ “عليه السلام” يَصِلُ إلينا في مَرتبةٍ مِن المراتب مِثلما يَصِلُ شعاعُ الشمس مِن وراء الغيوم.. ولكن قَطْعاً هُناك لُطفٌ قد قُطِع عن الخَلْق عُموماً، عن بني البشر عُموماً، عن بني الجنّ عُموماً، عن الذين يقولون إنّنا مُسلمون عُموماً، عن الذين يقولون إنّنا شيعةٌ عموماً.
  • فإنَّ في الغَيبةِ مِن المعنى ما يُمثّل صُورةً مُقاربةً في جهةٍ مِن الجهاتِ مِن هذهِ الحقيقةِ التي يتحدّثُ عنها إمامُنا الباقر “عليه السلام”.
  • ● أبو حمزة الثمالي سألَ عن هذهِ الآية: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} باعتبار أنَّ هذهِ الآية يقول ما يقول المُخالفون بخُصوصها، ويقول ما يقول المُجسّمون مِن داخل الوسط الشيعي بخُصوصها.
  • ● قوله: (فإذا لم يكنْ لهُ فيهم رُوبة رفعنا اللهُ فصنعَ ما أحبَّ) يعني إذا انتهى العُمْرُ الافتراضي وانتهى الحقُّ الافتراضي واستوفيتْ الأغراض، وبلغنا إلى الأهداف التي قدّرها بحكمته.. (فإذا لم يكنْ لهُ فيهم رُوبة رفعنا اللهُ فصنعَ ما أحبَّ) هذا هُو الذي سيكونُ عند انتهاء عَصْر الرجعةِ العظيمة.. ولِذا فَإنَّ القيامةَ ستقومُ على شِرار الخَلْق.. لأنَّ عَصْر الخَير سينتهي بانتهاء عُمرهِ الافتراضي بِحَسَب الطاقةِ الإيجابيّة التي قُدّرتْ له.

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” وهو الحديث (14) صفحة 235 في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة]:

  • (عن أبي جعفر “عليه‌ السلام” قال: سمعتهُ يقول: لو بقيتْ الأرضُ يَوماً بلا إمامٍ منّا لساختْ بأهلها ولَعذَّبهم اللهُ بأشدِّ عذابه، أنَّ الله تباركَ وتعالى جعلنا حُجّةً في أرضهِ وأماناً في الأرض لأهْل الأرض، لم يزالوا في أمانٍ مِن أنَّ تسيخَ بهم الأرض ما دُمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يُهلكهم ثمَّ لا يُمهلهم ولا يُنظرهم – أي لا يُمهلهم – ذهب بنا مِن بينهم ورفعنا إليه، ثمَّ يفعل الله ما شاء وأحبَّ).
  • هذا هُو قانون الحُجّة الذي سيتفعّل عند نهاية عصْر الرجعةِ العظيمة.
  • ● قوله: (لو بقيتْ الأرضُ يَوماً بلا إمامٍ) ليس الحديثُ هُنا عن الوجودِ الفيزيائي للإمام.. وإنّما المُراد لو بقيت الأرض بلا إمامٍ يُرسِلُ لُطفَه.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في صفحة 20 الحديث (24) في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة]:

  • (عن عبد الله بن سليمان العامريِّ، عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: ما زالت الأرض إلّا ولله تعالى ذكره فيها حجّةٌ يَعرفُ الحلال والحرام ويدعو إلى سبيل الله جلَّ وعزَّ، ولا ينقطعُ الحجّة من الأرض إلّا أربعينَ يوماً قبلَ يومِ القيامة، فإذا رُفعتْ الحُجّةُ أغلقَ بابُ التوبة ولن ينفعَ نَفْساً إيمانُها لم تكنْ آمنتْ مِن قبلِ أن تُرفَع الحُجّة، أولئكَ شرارٌ مِن خَلْقِ الله وهُم الّذين تقومُ عليهم القيامة).

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٠ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج١

يازهراء …