دليلُ المسافر – الحلقة ٢٦ – المحطّة السادسة: أشراطُ الساعة ج٢ – دابة الأرض

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 1 شوّال 1440هـ الموافق 5 / 6 / 2019م

  • الكلامُ يتواصلُ في محطّاتِ هذا الطريق.. وصلنا إلى المحطّةِ السادسة: أشراطُ الساعة، وكما قُلتُ لكم فإنَّ المُراد مِن أشراط الساعة هُو علاماتُ الساعة.

  • وهذا هُو الجُزء الثاني مِن حديثي تحتَ هذا العُنوان القرآني: “أشراطُ الساعة” كما جاء في الآية 18 بعد البسملة مِن سُورة مُحمّد:
  • {فهل ينظُرون إلّا الساعة أن تأتيهُم بغتةً فقد جاءَ أشراطُها * فأنّى لهُم إذا جاءَتهُم ذكراهُم}.
  • هذهِ المَحطّةُ تكونُ مُتّصلةً بالمَحطّة التي قَبلها، وهي مَحطّةُ الرجعة.. وبنهايةِ عَصْر الرجعةِ العَظيمة في عالمنا الدنيوي فإنّنا داخلون على مَحطّةٍ جديدةٍ وهي محطّةُ أشراط الساعة. (وحين أتحدّثُ عن عالمنا الدنيوي هُنا إنّني لا أتحدّث عن الأرض فقط، وإنّما كُلُّ ما تحتَ السماءِ الدُنيا والأرضُ جُزءٌ مِن ذلك..).

  • وقفة عند آخر حديثٍ قرأتهُ عليكم في الحلقةِ الماضية وهو حديثُ الإمام الصادق “عليه السلام” في صفحة 260 الحديث (24) في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة]:

  • (عن عبد الله بن سليمان العامريِّ، عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: ما زالت الأرض إلّا ولله تعالى ذكره فيها حجّةٌ يَعرفُ الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل الله جَلَّ وعزَّ، ولا يَنقطعُ الحُجّة مِن الأرض إلّا أربعينَ يَوماً قبلَ يومِ القيامة، فإذا رُفعتْ الحُجّةُ أغلقَ بابُ التوبة ولن ينفعَ نَفْساً إيمانُها لم تكنْ آمنتْ مِن قبلِ أن تُرفَع الحُجّة، أولئكَ شِرارٌ مِن خَلْقِ الله وهُم الّذين تقومُ عليهم القيامة).
  • ● قوله: (ولا يَنقطعُ الحُجّة مِن الأرض إلّا أربعينَ يَوماً قبلَ يومِ القيامة) أي بعد نهايةِ عَصْرِ الرجعة العظيمة.. إنّها الأيّام التي تتوالى فيها الأحداثُ الهائلةُ جدّاً.. حيثُ تبدأُ أشراطُ الساعةِ بكُلّ تفاصيلها.
  • فليس المُراد أنَّ المُدّة الزمانيّة لِمَحطّةِ أشراط الساعة تستمرُّ إلى أربعين يوماً.. وإنّما الإمامُ يتحدَّثُ عن هذهِ الفترة الزمانيّة التي يُرفَعُ فيها آلُ مُحمَّدٍ مِن هذا العالم الدنيوي.. وبعد ذلكَ يُرفَعُ لُطْفُهم بالتدريج.. إنّها الفترةُ التي تُرفَعُ فيها الحُجّةُ حينما لا يكونُ للهِ في خَلْقهِ مِن رُوبة كما يُعبّرون في كلماتهم الشريفة.. والرُوبة: هي الحاجة، وقد قرأتُ لكم الأحاديث التي تناولتْ هذا المضمون في الحلقةِ الماضية.
  • مرَّ الكلامُ في أنَّ المَحطَّة الخامسة هي “الرجعة” وهي مَحطّةٌ تَدومُ زَماناً طويلاً.. فالدولةُ الخاتمةُ المُحمّديّةُ العُظمى تستمرُّ خمسين ألف سنة.. مرَّت الأحاديث والبياناتُ فيما يرتبطُ بهذا الموضوع. فحينما تُطوى مَرحلةُ الرجعة إنّما ينتهي العُمْر الافتراضيُّ لدولةِ الحقّ.. فهُناكَ جَولةُ الباطل مُنذُ زمانِ أبينا آدم إلى يوم الظُهور الشريف، ومِن يومِ الظُهور الشريف إلى آخر يومٍ في الدولةِ المُحمَّديّةِ العُظمى هذهِ هي دَولةُ الحقّ.. فحِينما ينتهي العُمْر الافتراضيُّ لدولة الحقّ، فحينئذٍ سيُرفَعُ مُحمّدٌ وآل مُحمّدٍ من العالم الدنيوي وبالتدريج يُرفَع لُطفهم الخاصّ.
  • فهُناك لُطْفٌ عام، وهُناك لُطْفٌ خاص.. الّلطفُ العام إنّهُ لابُدَّ أن يكونَ ما دام هُناك موجود، بغَضّ النظر عن مَرتبةِ هذا الموجود وعن طَبيعةِ هذا الموجود وبغَضّ النظر عن محاسن هذا الموجود وعن قبائحه.. الموجودُ موجودٌ وهُو خيرٌ، وهذا الخيرُ لُطفٌ وهذا الّلطفُ مِن ألطاف الصادر الأوّل.. مِن ألطافِ الحقيقةِ المُحمَّديّةِ الأعظم.
  • فمِن ألطافِ الحقيقةِ المُحمّديّة الأعظم هُو ما يَلبسهُ كُلُّ مَوجودٍ مِن سِربالِ الوجود ومِن ثيابِ التحقّق على صفحةِ شيئيّةِ هذا العالم، يعني أن يكون يكونَ شيئاً، أن يكونَ موجوداً، أن يكونَ حقيقةً قائمةً قد تقوّمتْ بمُقوّماتِ وُجودها.
  • فإذا ما طُويتْ مَرحلةُ الرجعةِ وارتفعتْ الحُجّةُ وشيئاً فشيئاً بدأتْ علائمُ الزوال والاندثارِ والتغيّر والتبدّل تتسرّبُ إلى هذا العالم وُصولاً إلى مَرحلةِ الطيّ العظيم، يومَ يُطوى هذا الكون مِثلما عبَّر القُرآن كطيّ السِجّل للكُتب.
  • إنّها إرهاصاتُ مَحطّةِ أشراطِ الساعة.. أعني هذهِ الأربعون يَوماً التي أشارتْ إليها روايةُ إمامنا صادق العترة “عليه السلام”.
  • ● وهُنا قد يَطرحُ سؤالٌ نفسهُ.. وهُو:
  • لماذا يُرفَعُ مُحمّدٌ وآل مُحمّد؟ ولماذا يُرفَعُ لُطْفهم الخاصّ بعد ذلك؟ ولماذا يتحوّلُ المُجتمعُ البشريُّ السعيد الذي كان ينعمُ في الدولةِ المُحمّديّةِ العُظمى إلى مُجتمعٍ ينتشرُ فيهِ الفسادُ والإفساد؟!
  • في الجواب عن هذا السُؤالِ أقول:
  • لقد أشرتُ إلى مثالٍ تقريبيٍّ في الحلقةِ الماضية وقلتُ: أنَّ غَيبة إمامِ زماننا “عليه السلام” الحِكمةُ هي الحكمةُ واضحةٌ فيها.

  • وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “عليهِ السلام” في كتاب [الغيبة] للشيخ النعماني صفحة 282 الحديث (53).

  • (عن هشام بن سالمٍ عن أبي عبد اللّه “عليه السلام” أنّهُ قال‌: ما يكُونُ هذا الأمْر حتّى لا يبقى صِنفٌ مِن الناس إلّا وقد وُلُّوا على الناس‌، حتّى لا يقُولَ قائلٌ إنّا لو وُلّينا لَعدلنا، ثُم يقُومُ القائمُ بالحقّ والعدل‌).
  • الإمامُ الصادقُ يتحدّث عن ظُهورِ إمامِ زماننا.. لِماذا غابَ إمامُ زماننا؟ وأنا لا أُريدُ أن أجعلَ الحلقةَ للحديثِ في هذا الموضوع الذي قد يتشعّب فيهِ الكلام.. ولكن بالمُجمَل أقول:
  • هُناكَ ما هُو مُرتَبطٌ بالمُجتمعِ البشري بنحوٍ عام، بالمُجتمع الذي يدَّعي أنّهُ مِن أُمّةِ مُحمّدٍ “صلَّى الله عليه وآله” وبالمُجتمع الذي يدّعي أنّهُ مِن شيعةِ عليٍّ وآل عليّ. هُناك ما يَرتبطُ بالناسِ على اختلافِ طبقاتهم التي أشرتُ إليها لهُ مَدخليّةٌ واضحةٌ جدّاً فيما يَرتبطُ بغَيبةِ إمامِ زماننا.. ولِذا فإنَّ الإمامَ “عليه السلام” في أوّلِ خُروجهِ يضعُ يدهُ على رُؤوس الخَلْق كي يجمعَ بذلك عُقولهم.
  • هُناك خَلَل بُنيويٌّ في الواقع المُجتمعي. (على المُستوى الديني، على المُستوى المَعرفي والثقافي، على المُستوى الاجتماعي، على المُستوى السياسي..) وأنا لا أُريدُ أن أتحدّثَ عن هذا الموضوع فهذا موضوعٌ واسعٌ عريض.
  • ● قوله: (حتّى لا يقُولَ قائلٌ إنّا لو وُلّينا لَعدلنا) لأنَّ مُحمَّداً وآل مُحمَّد لا يُقاسُ بهم أحد.. وإنَّ مشروعَ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد لا يُقاسُ بهِ مشروع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المُستقبل.. ولِذا فإنَّ الجميعَ مِمَّن يجدونَ في أنفُسهم أنّهم يملكونَ قيادةً، مشروعَ حُكْمٍ، مشروع تنظيمٍ لحياةِ الناس لابُدَّ أن يحكموا.. وقد جرّبتْ البشريّةُ ما جرّبتْ، وجرّبنا نحنُ في واقعنا المُسلم ما جرّبنا، وجرّبنا أيضاً نحنُ في واقعنا الشيعي ما جرّبنا.. الجميعُ وصلوا إلى الحُكْم وكانوا يقولون ما يقولون، وحين وصلوا أفسدوا ما أفسدوا..!
  • قوله: (إنّا لو وُلّينا لَعدلنا) الحديثُ هُنا عن ولايةِ الحُكْم الدنيوي (ما يرتبطُ برئاسةِ الدنيا وشُؤون الدنيا) وكذلك ما يَرتبطُ بشؤونِ الدين ورئاسةِ الدين التي تتمثّلُ في واقعنا الشيعي بمراجع الشيعة.
  • نَحنُ قد جرّبنا غير الدينيّين، وجرّبنا الدينيّين في مُستوى السياسةِ والرئاسةِ الدنيويّة وفي مُستوى السياسةِ والرئاسةِ الدينيّة.. جرّبنا الجميع، وكُلّما وضعنا يداً على جهةٍ من الجهات وقُلنا هي هذهِ.. نَجّستْ تلكَ الجهةُ في أيدينا، وكُلّما تَصوَّرنا الأمانةَ في حِزْبٍ مِن الأحزاب، في مَجموعةٍ مِن المجموعات، في مرجعيّةٍ مِن المرجعيّات يَظهرُ لنا بعدَ ذلك أنّها لِصٌّ خبيثٌ تُظهِرُ الّلصوصيّةُ الخبيثةُ الماكرةُ بنحوٍ لا يُتصوّر.. هكذا وجدنا الأمور أينما توجّهنا، وإنّني أتحدّث عن الواقع المرجعيّ المُعاصر، وفي واقع الأحزاب والتجمّعاتِ الشيعيّةِ الدينيّة السياسيّة بكُلّ أشكالها تحتَ أيّ عُنوان.
  • ● ما ذكرتهُ هُنا إنّما هُو تقريبٌ وتمثيلٌ لِما سيكون مِن إنطواءِ عَصْر الرجعةِ العظيمة ومِن انتشارِ الفسادِ والإفسادِ في واقع المُجتمع البشري (في عالم الدُنيا) وهذا الكلامُ ينطبقُ على سائر المُجتمعاتِ الأخرى التي هي كثيرةٌ كما يبدو مِن خلالِ ما عندنا مِن المُعطياتِ المعصوميّة.

  • في زيارةِ أئمةِ البقيع “عليهم السلام” نقرأ هذه العبارات:

  • (وجعَلَ صَلاتنا عليكم، وما خَصَّنا به مِن وِلايتكم، طِيباً لِخَلقنا، وطَهارةً لأنفُسنا، وتَزكيةً لنا، وكَفَّارةً لِذُنوبنا، فكُنّا عندهُ مُسلّمين بفضلكم ومعروفين بتصديقنا إيّاكم..).
  • هذا المضمونُ نَحنُ نَقرؤه، نتلبّسُ بهِ في كُلّ لحظةٍ مِن حياتنا.. وهذا المعنى يُمكن أن يتحقّق في مرحلةِ الرجعةِ أيضاً.. المضمون هو هو فنَحنُ نُصلّي عليهم – إنْ كُنّا في حياتنا قبل موتنا، أو كُنّا مِن الراجعين – ففي فترةِ الرجعةِ إنّنا نُصلّي عليهم، والقانونُ هو هو.. فنصُّ الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة ليس مَخصوصاً بمَقطعٍ زمانيٍّ مُعيّن.. هذهِ الزيارةُ دستورهم ونحنُ على الأرض قبل الموتِ، ودُستورهم في عصْر الرجعةِ أيضاً.
  • قد يختلفُ مُستوى الفَهْم عندنا، ففي مَرحلةِ الرجعةِ يكونُ الفَهْمُ في مُستوىً آخر.
  • ● أيضاً نقرأ في هذهِ الزيارة الشريفة هذه العبارات:
  • (فبَلَغَ اللهُ بكُم أشرفَ مَحلّ المُكرّمين وأعلى منازلِ المُقرّبين وأرفعَ درجاتِ المُرسلين حيثُ لا يَلحقُهُ لاحقٌ ولا يَفوقُهُ فائقٌ ولا يَسبقُهُ سابقٌ ولا يَطمعُ في إدراكهِ طامع، حتّى لا يبقى مَلَكٌ مُقرّب ولا نبيٌّ مُرسَل ولا صِدّيقٌ ولا شهيد، ولا عَالمٌ ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مُؤمنٌ صالح، ولا فاجرٌ طالح، ولا جبَّارٌ عنيد، ولا شيطانٌ مَريد ولا خَلْقٌ فيما بينَ ذلك شهيد، إلّا عرَّفهم جَلالةَ أمْركم وعِظَمَ خَطَركِم وكِبَرَ شأنكم وتَمامَ نُوركم وصِدْقَ مَقاعدكم وثباتَ مَقامكم وَشَرَف مَحلَّكم ومَنزلتكم عنده وكرامتكم عليه وخاصّتكم لديه وقُرْب مَنزلتكم منه).
  • هذا المضمون يتحقّق في كُلّ أيّامهم.. وأيّامُ الله ثلاثة: يومُ القائم، ويومُ الكرّة، ويوم القيامة.
  • أمَّا يومُ القائمِ وهُو يومُ ظُهورِ إمامِ زماننا فلن تبقى مجموعةٌ تمتلكُ مشروعاً وتدّعي أنّها لو فُسِحَ لها المَجال وطَبّقتْ مَشروعها فإنّها إذا ما حَكمتْ ستعدل.. فلا تبقى مجموعةٌ إلّا وحكمتْ وظَلَمتْ كُلٌّ بِحَسَبه. الظُلْم موجودٌ ولكن كُلُّ حاكمٍ يكونُ لهُ مِقدارٌ مِن الظُلْم بحَسَبه.. البعضُ منهم مِثلما يقولُ سيّد الأوصياء: (أسدٌ حطوم خيرٌ مِن سُلطانٍ غشوم..) البعضُ منهم بهذه الدرجات، والبعضُ منهم بدرجاتٍ أُخرى.
  • فما مِن أحدٍ يقول: “لو أنّني حكمتُ لعدلتُ” إلّا ويحكم حتّى يتّضحَ أنَّ الحقَّ وأنَّ العدل وأنَّ الهُدى ليس إلّا في مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. وحينئذٍ يتجلّى هذا المعنى بما يتناسبُ وذلك اليوم وهُو يومُ القائم (أي العَصْر المهدوي الأوّل).
  • ويومُ الكرّةِ هو مُنذ الّلحظةِ ينتهي فيها العصْر القائميُّ الأوّل فإنَّ عَصْر الرجعةِ يبدأ من هُنا وينتهي بنهايةِ الدولةِ المُحمّديّة العُظمى.
  • في هذا المقطع وهو مقطعٌ طويلٌ جدّاً (طويلٌ زماناً وعريضٌ مكاناً) في هذا المقطع أيضاً تتجلّى هذهِ المعاني المذكورة في هذا المقطع مِن الزيارة الجامعة الكبيرة والتي تُبيّن أنَّ مُحمَّداً وآلِ مُحمّدٍ لا يُقاسونَ بأحد ولا يُقاس بهم أحد ومشروعهم كذلك.. فتتجلّى هذهِ المضامين وكذلكَ في يوم القيامة في كُلّ مَراحلها وفي كُلّ مَواقفها وفي كُلّ مقاماتها ومشاهدها.. فهذهِ هي أيّامُ الله، وأيّامُ اللهِ هي أيّامهم.
  • ● الأيّامُ التي تحدّث عنها القرآنُ في سُورة إبراهيم، في الآيةِ 5 بعد البسملةِ مِن سُورةِ إبراهيم:
  • {ولقد أرسلنا مُوسىٰ بآياتنا أن أخْرج قومكَ مِن الظُلماتِ إلى النُور وذَكّرهُم بأيّام الله إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لّكُلِّ صَبارٍ شكُور}.
  • هذهِ الأيّامُ هي الأيّامُ الثلاثة: يومُ القائم، يومُ الرجعةِ، يومُ القيامة.

  • في سُورة الأحزابِ في الآية 43 بعد البسملةِ:

  • {هُو الّذي يُصلّي عليكُم وملائكتُهُ لِيُخرجكُم مِن الظُلماتِ إلى النُور وكانَ بالمُؤمنين رحيما}.
  • وفي نفس السُورةِ أيضاً في الآية 56 بعد البسملة: {إنَّ الله ومَلائكتهُ يُصلّون على النبي يا أيُّها الذين آمنُوا صَلّوا عليه وسلّمُوا تسليما}
  • فحينما نُصلّي على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد فإنَّ الله يُصلّي علينا، يُصلّي هُو ويأمر ملائكتَهُ أن تُصلّي علينا.. وحينئذٍ فإنَّ هذهِ الصلاة على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ الصادرةَ مِنّا تُؤدّي إلى أنَّ الله وملائكتهُ يُصلّون علينا، وذلك يُؤدّي إلى إخراجنا مِن الظُلماتِ إلى النور.. فالإخراجُ مِن الظُلماتِ إلى النُور إنّما يأتي مِن جهةِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.
  • ● قوله: {وذَكّرهُم بأيّام الله} ذكّرهم كي ينتظروا، وكي يصبروا.. {إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لّكُلِّ صَبارٍ شكُور} فأيّامُ اللهِ قادمةٌ.. إنّهُ (يومُ القائمِ، يوم الكرّة، يوم القيامة) فَمَن كان مع مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ في تلك الأيّام فتلكَ هي الأعيادُ الحقيقيّة.. هذهِ الأيّامُ هي الأيّامُ الحقيقيّة للحياة الحقيقيّة.

  • في الآيةِ 14 بعد البسملة مِن سُورة الجاثية:

  • {قُل للّذين آمنُوا يَغفروا للّذين لا يَرجونَ أيّام الله لِيجزيَ قوماً بما كانُوا يكسبُون} المُفسّرون يتخبّطون في معنى هذه الآية (إنْ كانوا مِن النواصب أو كانوا مِن مراجع الشيعة الذين هُم على نفس منهج النواصب).
  • ● قوله: {للّذين لا يَرجونَ أيّام الله} الذين لا يَرجونَ أيّامَ الله هم ليسوا قريبين مِن الله، فكيف يُؤمَر الذين آمنوا أن يغفروا لهم.. وماذا يغفرون لهم؟! هل يغفرون لهم شيئاً شخصيّاً فعلوه معهم؟! (يُبرئونهم الذمّة كما نقول ويُسامحونهم)؟ أم أنّهم يدعون لهم بالمغفرة؟ ما المُراد مِن هذهِ الآية؟
  • أيّامُ اللهِ في ثقافةِ العترة الطاهرة – كما مرَّ – أيّامٌ ثلاثة (يومُ القائم، ويومُ الرجعةِ، ويومُ القيامة) والمُراد مِن اليوم هُنا أي مَرحلةٌ زمانيّةٌ طويلة.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق في [تفسير القُمّي] بخُصوص معنى الآية 14 مِن سُورة الجاثية:

  • (عن داود بن كثير عن أبي عبد الله “عليه السلام” في قولهِ الله عزَّ وجلَّ: {قُل للّذين آمنوا يَغفروا للّذين لا يَرجونَ أيّامَ الله} قال: قُلْ للّذين مَننا عليهم بمَعرفتنا أن يغفروا للذين لا يعلمون فإذا عرّفوهم فقد غفروا لهم).
  • ● قوله: (فإذا عرّفوهم فقد غفروا لهم) أي غفروا لهم نقصهم، غفروا لهم ضلالهم.. الغَفْرُ هو التغطية.. ولِذا يُقالُ لِما يلبسهُ المُقاتلُ في ساحة الحرب “المِغْفَر” لأنّها تُغطّي الرأس وتحفظهُ مِن ضَرْب السيوف.
  • والمراد مِن قوله: {إذا عرّفوهم} أي إذا عرّفوهم العقيدةَ الصحيحة، لأنَّ العقيدة الصحيحة ستُغطّي عُيوبهم، ستُغطّي نواقصهم، ستنقلهم إلى دائرةِ النجاة وتُبعدهم عن دائرة الهلاك.
  • ● قوله: {للّذين لا يَرجونَ أيّامَ الله} لا يَرجونَ أيّامَ اللهِ بسبب جهلهم، فَهُم لا يعرفون أيّام الله.. لا يعرفونها أساساً بالإجمالِ ولا يعرفونها بالتفصيل، ولا يعرفون ماذا سيكونُ موقِفُهم منها.. أيّامُ اللهِ هي (يومُ القائم، ويومُ الرجعةِ، ويومُ القيامة) هذا بالإجمال.. أمَّا التفصيل فهذا حديثٌ يطول، ولكنّني أقول لكم: برامجي وأحاديثي على طُول الخطّ كُلّها في فناء الأيّامِ الثلاثة.. إنّها الأيّام التي نَرجوها وننتظرها.. إنّها الأيّامُ التي ننتظرها إنّها الأيّامُ التي ترتبطُ عقيدتنا بها.
  • علينا أن نعرفَ هذه الأيّام، فإذا ما عرفنا هذه الأيّام وعرفنا مَن هُم الفائزون وعرفنا مَن هُم السادة الحاكمون، حينئذٍ قد انتقلنا مِن دائرةِ الهلاكِ إلى دائرة النجاة وهذا هُو الذي تتحدّثُ عنه الآية الكريمة، وهي تصبُّ في نفس الاتّجاه الذي تحدّثتْ عنه الآيةُ 5 بعد البسملة من سُورة إبراهيم:
  • {ولقد أرسلنا مُوسىٰ بآياتنا أن أخْرج قومكَ مِن الظُلماتِ إلى النُور وذَكّرهُم بأيّام الله إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لّكُلِّ صَبارٍ شكُور}.
  • فذِكْرُ هذهِ الأيّام والارتباطُ بهذهِ الأيّام يُعيننا على الخُروج مِن الظُلماتِ إلى النور.. يأخُذنا إلى المغفرة وإلى ساحةِ الهداية.
  • ● مِثلما بيّنتْ الأحاديثُ الشريفة أنّهُ ما مِن أحدٍ يقول: “لو أنّني حكمتُ لَعدلت” إلّا وسيحكمُ ويكونُ ظالماً.. قَطْعاً ليس المُراد مِن هذا الكلام أن يأتي أيُّ شخصٍ ويقول “لو أنّني حكمتُ لَعدلت” فلا بُدَّ أن يحكم.
  • وإنّما المُراد أنّه إذا كان هُناك مِن مَشروعٍ، ومِن أُناسٍ يقومون على هذا المشروع، ومِن فِكْرٍ ورايةٍ وقيادةٍ.. هذا هُو الذي يُقصَدُ بما أشارتْ إليهِ الرواياتُ الشريفة.. فيحكمون ويظلمون وبعد ذلك تتبيّنُ العدالةُ المهدويّة، ولِذا فإنَّ الأئمة يقولون: (أمَّا إنَّ عدلَهُ سيدخلُ عليهم جوف بُيوتهم مِثلما يدخلُ الحرُّ والبَرد) إنّهُ العدلُ القائميُّ المهدوي، وحينئذٍ يتبيّنُ فضْلُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، وكذاك الأمرُ في الرجعةِ، وكذاك الأمرُ في القيامةِ حين تشهدُ الخلائقُ بنفسها المنزلةَ العالية لأولياء مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد القريبين منهم، لأنَّ منازل مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد أسمى وأسمى وأعلى وأعلى وأعلى وأغلى وكذلك هي أبعدُ عن إدراكِ عُقولِ الخَلْقِ حتّى في تلكَ المراحل المُتقدّمةِ العالية.. فكذاك الأمرُ فإنَّ الدولة المُحمَّديّة العُظمى حين تنتهي ويَرتفعُ مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد ويرتفعُ لُطْفهم بالتدريج حينئذٍ يتّضحُ للجميع أنَّ الناس مِن دُون مُحمّدٍ وآل مُحمّد لن يستطيعوا أن يصِلوا إلى ما يُريدهُ سُبحانه وتعالى.
  • لن تتحقّقَ السعادةُ ولن يتحقّق الخيرُ مِن دُونِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد – إنْ كان ذلك بمُستوى الألطاف الجليّة، أو بمُستوى الألطاف الخفيّة – فلِذا ترتفعُ الدولةُ المُحمّديّة وحينئذٍ تتبيّنُ الحقائقُ مِن أنَّ الفضلَ كُلُّ الفضلِ كان لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد وليس للناس بما هُم هُم.
  • إنْ كان لأحدٍ مِن الناسِ مِن فضْلٍ فذاكَ بسبب اتّباعهِ والتصاقهِ بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.
  • ولِذا في هذهِ المرحلةِ تتجلّى لنا هذهِ العلامةُ الواضحةُ مِن علائم القيامة.. فقد بدأتْ أشراطُ الساعة: دابّةُ الأرض.
  • ● هذا العُنوان “دابّةُ الأرض” عُنوانٌ قُرانيٌّ ورمزٌ وحيانيٌّ جاء في الآية 82 بعد البسملةِ مِن سُورة النمل:
  • {وإذا وقعَ القولُ عليهم أخرجنا لهُم دابّةَ مِن الأرض تُكلّمُهُم أنَّ الناس كانُوا بآياتنا لا يُوقنُون}
  • ● قوله: {إذا وقعَ القولُ عليهم} يعني أنَّ الدولةَ المُحمّديّة قد طُويتْ، وإنَّ القيامةَ قادمة.. يومُ القائمِ طُوي، ويومُ الرجعةِ طُوي.. وها نَحنُ نُقبِلُ على يومِ القيامةِ.. هذهِ إرهاصاتهُ، هذهِ بداياته.
  • ● قوله: {أنَّ الناس كانُوا بآياتنا لا يُوقنُون} مُصطلَحُ الآياتِ بِحَسَب التأويلِ العَلَوي، فَإنَّ الآياتِ هي آياتُ مُحمَّدٍ وآل مُحمَّد.. الآياتُ هُم في وجْهٍ مِن الوجوه، الآياتُ ما يصدرُ عنهم، ما يرتبطُ ويتعلّق بهم.
  • مِثلما نُعبّر عنهم أنّهم خزائنُ الله ونُعبّر عنهم أنّهم خُزّان الله.. الخزائن خزائن، والخُزّان خُزّان.. فهم خزائنُ الله وهم أيضاً خُزّان الله.
  • كذلك هم الآياتُ بنفسها، وكذلك فيضهم وما يصدرُ عنهم يُعبَّر عنه بالآيات.
  • ● أمَّا لماذا لم يكونوا يُوقنون يآياتِ الله فلأنّهم كانوا يعيشون سعادةَ الدُنيا في الدولةِ المُحمّديّة العُظمى.. ففيها الصالحون وفيها الطالحون.
  • حين طُويتْ أيّامُ الدولةِ المُحمّديّة العُظمى بقي الصالحونَ وبقي الطالحون، وإنّنا مُقبلون على يوم القيامة، فهُنا يأتي التمييزُ الإلهي، والرواياتُ تُحدّثنا أنَّ هذا العنوان “دابّةُ الأرض” هو عُنوانٌ مُختصٌّ بسيّد الأوصياء، سيتجلّى للخَلْقِ في أجملِ صُورةٍ في أحسن ما يكون.. لا مِثلما يأتي في أحاديثِ النواصب – والتي اعتمدَ عليها عُلماؤنا ومراجعنا – من أنَّ دابّةَ الأرض هي دابةٌ مُخيفةٌ ووحشٌ مُخيف.
  • رواياتُ العترة الطاهرة تُحدّثنا عن أنَّ الأمير سيكونُ في أجملِ صُورة وأبهى ما يُمكنُ أن يكونَ عليه حينما تتفعّل هذهِ المرحلة (ظُهور دابّة الأرض).

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات]:

  • (عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله “عليه السلام”: قال رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”: لقد أسرى بي ربّي عزَّ وجلَّ فأوحى إليَّ مِن وراء الحجاب ما أوحى وكلّمني بما كلّمني، فكان مِمّا كلّمني بهِ أن قال…
  • يا مُحمَّد عليٌّ أوّل مَن آخِذُ مِيثاقَهُ مِن الأئمة، يا مُحمّد عليٌّ آخرُ مَن أقبض رُوحَهُ مِن الأئمة، وهو الدابّة التي تكلّمهم، يا مُحمّد عليٌّ أظهرهُ على جميع ما أُوحيهِ إليكَ، ليس لك أن تكتم منه شيئاً، يا محمّد عليٌّ أبطِنْهُ سِرّي الذي أسررتهُ إليك، فليس فيما بيني وبينكَ سرٌّ دُونَهُ…).
  • مَوطنُ الشاهدُ مِن الرواية هُنا: (يا مُحمّد عليٌّ آخرُ مَن أقبض رُوحَهُ مِن الأئمة، وهو الدابّة التي تكلّمهم) الحديثُ عن الدولةِ المُحمّديّةِ العُظمى حيثُ يرتفعُ مُحمّدٌ ويرتفعُ الأئمةُ الأطهار “عليهم السلام” لا يَبقى إلّا عليٌّ في العالم الدنيوي، لأنّهُ هُو الذي سيكونُ في هذهِ المرحلة وهي مرحلة دابّةِ الأرض التي هي مِن أشراط المحطّةِ السادسة في هذا الطريق وهي مَحطّة أشراط الساعة.
  • في مرحلةِ أشراط الساعة النبيُّ ارتفعَ، آلُ مُحمّدٍ ارتفعوا، ولم يبقَ إلّا عليٌّ الذي سيُنفّذُ هذهِ المرحلة وهي مرحلةُ دابّة الأرض.. وإلى هذا يُشيرُ الحديثُ الذي قرأتهُ عليكم. دابّةُ الأرض هذهِ تُكلّمُ الصالح والطالح، تُكلّم الأخيار والأشرار مِمّن بقي مِن رعايا الدولةِ المُحمّديّة العُظمى بعد أن ارتفع مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “عليهم السلام”.

  • وقفة عند ما جاء في [تفسير القُمّي] فيما يَرتبطُ بالآية 82 بعد البسملة مِن سُورة النملة صفحة 488 وما بعدها.

  • (عن أبي بصير عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: انتهى رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” إلى أمير المُؤمنين وهُو نائمٌ في المسجد، قد جمعَ رَمْلاً ووضعَ رأسهُ عليه فحرّكهُ برجلهِ ثمَّ قال له: قُم يا دابّة الله، فقال رجلٌ مِن أصحابهِ: يا رسول الله، أيُسمي بعضُنا بعضا بهذا الإسم؟ فقال: لا واللهِ ما هو إلّا لهُ خاصّة، وهُو الدابّة التي ذَكَرَ اللهُ في كتابه: {وإذا وقعَ القولُ عليهم أخرجنا لهُم دابّةَ مِن الأرض تُكلّمُهُم أنَّ الناس كانُوا بآياتنا لا يُوقنُون} ثمَّ قال: يا عليّ إذا كانَ آخرُ الزمان أخرجكَ اللهُ في أحسنِ صُورة ومعكَ ميسم – آلةٌ للوسم أي وضع العلامات – تَسِمُ بهِ أعداءك، فقال رجلٌ لأبي عبد الله “عليه السلام”: إنَّ الناس يقولون هذهِ الدابّة إنّما تَكْلِمُهم؟ فقال أبوعبدالله “عليه السلام” كَلَمَهُم اللهُ في نار جهنّم، إنّما هُو يُكلّمهم مِن الكلام، والدليل على أنَّ هذا في الرجعة قوله: {ويومَ نحشرُ مِن كلّ أُمّةٍ فَوجاً مِمّن يُكذّب بآياتنا فهُم يُوزعون* حتّى إذا جاؤُا قال أكذبتم بآياتي ولم تُحيطوا بها عِلْما أمّاذا كُنتم تَعملون} قال: الآياتُ أميرُ المُؤمنين والأئمة، فقال الرجل لأبي عبدالله “عليه السلام”: إنَّ العامّة تَزعمُ أنَّ قولهِ: {ويومَ نَحشرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فوجاً} عنى يوم القيامة، فقال أبو عبدالله “عليه السلام”: أفيحشرُ اللهُ مِن كلّ أُمّةٍ فوجاً ويَدَعُ الباقين؟ لا، ولكنّهُ في الرجعة، وأمّا آيةُ القيامة فهي {وحشرناهم فلم نُغادر منهم أحدا}..).
  • عليٌّ “عليه السلام” سيكونُ لَهُ ظُهور.. في ظُهورٍ مِن ظُهوراتهِ التي عُنونتْ بدابّةِ الأرض حَيثُ يُحدّثنا رسولُ الله وهُو يقول لأمير المؤمنين: (يا عليّ إذا كانَ آخرُ الزمان أخرجكَ اللهُ في أحسنِ صُورة ومعكَ ميسم تَسِمُ بهِ أعداءك) لأنَّ دابّةَ الأرض في هذهِ المرحلة ستُعزَلُ فيما بينَ الأخيارِ والأشرار.. وهُنا يَتجلّى معنى (ولاية عليِّ بن أبي طالبٍ حصني فَمَن دَخَل حصني أمِنَ مِن عذابي) هُنا الأخيار سيكونونَ في حِصْنٍ مُحصّنٍ مِن فتن الفساد والإفساد ومِن العذاب القادم وهُو عذابٌ سيُفعّلُ عن طريقِ أقوامِ يأجوج ومأجوج.. فالذين يَسِمُهم عليٌّ بميسمِهِ مِن أنّهم أعداؤهُ فهؤلاء يَجري عليهم ما يجري.. والذين يَسِمُهم يَعزلهم، إنّهُ يَعزلهُم في حِصْنهِ.. فذلكَ شأنٌ آخر.. هُنا يتجلّى هذا المعنى: (ولاية عليِّ بن أبي طالبٍ حصني فَمَن دَخَل حصني أمِنَ مِن عذابي)
  • هذا هُو عذابُ اللهِ القادم بعد أن انتهتْ مَرحلةُ الرجعة وبعد أن رُفِعَ مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد، وبعد أن بدأ لُطْفُهم الخاصُّ بالانسحاب تدريجيّاً.. هُنا تتجلّى لنا دابّة الأرض وهي صُورةٌ لعليٍّ في أحسنِ ما يُمكن أن تكون.. فإنّهُ سيجعلُ أولياءهُ في حِصْنٍ منيع، في حِصْن ولايته.
  • أمّا الذين سيُوسَمون بهذا المِيسم ويُميّزون ويُشخّصون على أنّهم أعداءُ عليٍّ وآلِ عليّ فإنَّ كثيراً مِن الأمور بانتظارهم.
  • ● قوله: (فقال رجلٌ لأبي عبد الله “عليه السلام”: إنَّ الناس يقولون هذهِ الدابّة إنّما تَكْلِمُهم) أي تجرحُهم مِن الكَلْم وهي الجِراحة، لأنّهم – أي النواصب – في كُتُبهم يُصوّرونها بصُورةٍ مُخيفة كما ذكرتُ لكم قبل قليل.. والثقافةُ الشيعيّة أيضاً تأثّرتْ بهذا.
  • ● دابةُ الأرض لها ظُهورات.. دابّةُ الأرض سيكونُ لها ظُهورٌ في مَرحلةِ الرجعة، وسيكونُ لها ظُهورٌ وظهور.. إلّا أنَّ الحديثَ عن أشراطِ الساعةِ وفي أشراطِ الساعةِ هُناك ظُهورٌ خاصٌّ لِدابّة الأرض.. فإنَّ دابّةَ الأرض في هذهِ المرحلة تُميّزُ بين أوليائها وأعدائها.
  • ● ويستمرّ المُحدّث القُمّي يُحدّثنا عن المُفضّل عن إمامنا الصادق “عليه السلام” في قوله تعالى: {ويومَ نَحشرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوجا} قال: (ليس أحدٌ مِن المُؤمنين قُتِل إلّا يرجع حتّى يموت، ولا يرجعُ إلّا مَن مَحَض الإيمانَ مَحْضَاً ومَن مَحَض الكُفْر مَحْضَا).
  • ● ويستمرّ المُحدّث القُمّي يُحدّثنا عن إمامنا الصادق “عليه السلام” فيقول:
  • (قال أبوعبد الله “عليه السلام”: قال رجلٌ لعمّار بن ياسر: يا أبا اليقظان، آيةٌ في كتابِ الله قد أفسدتْ قلبي وشكّكتني..! قال عمّار: وأيُّ آيةٍ هي؟ قال قولُ الله: وإذا وقعَ القولُ عليهم أخرجنا لهم دابّةً مِن الأرض، فأيُّ دابّة هي؟ قال عمّار: واللهِ ما أجلسُ ولا آكلُ ولا أشربُ حتّى أُريكها: فجاءَ عمّار مع الرجل إلى أمير المؤمنين وهو يأكلُ تمراً وزُبداً، فقال له: يا أبا اليقظان هَلُم.. فجلسَ عمّار وأقبلَ يأكل معه، فتعجّب الرجلُ منه، فلمّا قامَ عمّار قال لهُ الرجل: سُبحانَ الله يا أبا اليقظان حلفتَ أنّكَ لا تأكلُ ولا تشرب ولا تجلس حتّى تُرينيها، قال عمّار: قد أريتُكَها إنْ كنتَ تعقل..).
  • هذا هُو أميرُ المؤمنين، وهذا هُو عنوانُ “دابّةُ الأرض” يُطلَقُ عليهِ في مَظهرٍ مِن أحسن وأجمل مظاهرهِ “عليه السلام”..

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج1] صفحة 222 الحديث (3) باب أنَّ الأئمةَ هم أركانُ الأرض:

  • (وقال أميرُ المؤمنين “عليه السلام”: أنا قسيمُ اللهِ بن الجنّة والنار، لا يدخُلها داخلٌ إلّا على حدّ قَسْمي – أي ما أقوم بتقسيمه بين الجنّة والنار – وأنا الإمامُ لِمَن بعدي، والمُؤدّي عمّن كان قبلي، لا يتقدّمُني أحدٌ إلّا أحمد “صلّى اللهُ عليهِ وآله” وإنّي وإيّاهُ لَعلى سبيلٍ واحد، إلّا أنّهُ هُو المدعوّ باسْمه، ولقد أُعطيتُ السِت: عِلْمَ المنايا والبلايا، والوصايا، وفَصْل الخِطاب، وإنّي لَصاحبُ الكرّات ودولةُ الدُوَل، وإنّي لَصاحبُ العصا والمِيسم، والدابّة التي تُكلّم الناس).
  • حين يقول الإمام: (وإنّي لَصاحبُ الكرّات ودولةُ الدُوَل) فإنَّ كُلَّ واحدةٍ مِن هذه الكرّاتِ هي دولةٌ مِن الدُوَل.
  • إنّهُ صاحبُ العصا والميسم .. إنّها العصا التي يسوقُ بها شِرار الخَلْق، وليس الحديثُ عن عَصاً بهذا المعنى البسيطِ الساذج، وكذا هو الحالُ في معنى المِيسم.. فهو صاحبُ العَصا التي يسوقُ بها شِرار الخَلْق في الاتّجاهاتِ التي هُم حكموا على أنفُسهم بها.. سيسوقهم بعيداً عن حِصْن ولايتهِ وعن الأخيار القاطنين في حِصْن حقيقةِ الولايةِ العلويّة.

  • وقفة عند صُورةٍ يَرسمُها لنا الإمامُ السجّاد في خُطبتهِ في قَصْر يزيد لَعنهُ الله في كتاب [بحار الأنوار: ج45] صفحة 138:

  • (أنا ابنُ عليٍّ المُرتضى، أنا ابنُ مَن ضَرَبَ خراطيم الخَلْقِ حتّى قالوا لا إلّه إلّا الله..) صُورةٌ تُقرّبُ نفس المعنى، هذهِ مظاهرُ عليٍّ ولكنّها لا تُعدُّ ولا تُحصى وفي كُلّ طبقةٍ مِن طبقاتِ الوجودِ بِحَسَب خصائص تلكَ الطبقة. في كُلّ مَرحلةٍ هُناكَ خُصوصيّةٌ لِصاحبِ العصا هذا.. فتارةً تكونُ العَصا سيفاً يُنادي بين السماء والأرض بإسمها جبرئيل: (لا فتى إلّا عليٍّ ولا سيف إلّا ذُو الفِقار)

  • وقفة عند كلماتِ سيّد الأوصياء في كتاب [مشارقِ أنوار اليقين] وهو يُحدّثنا فيها عن نفسهِ في صفحة 164:

  • (ومَن أنكرَ أنَّ لي في الأرض كرَّةً بعد كرَّة وعوداً بعد رَجْعة، حديثاً كما كُنتُ قديماً فقد ردَّ علينا، ومَن ردَّ علينا فقد ردَّ على اللّه.
  • أنا صاحبُ الدعوات، أنا صاحبُ الصلوات، أنا صاحبُ النقمات، أنا صاحبُ الدِلالات، أنا صاحبُ الآياتِ العجيبات، أنا عالمُ أسرارِ البريّات، أنا قَرْنٌ مِن حَديد، أنا أَبَداً جديد، أنا مُنزِلُ الملائكةِ منازلها، أنا آخِذُ العَهد على الأرواح في الأزل، أنا المُنادي لهم أ لستُ بربّكم بأمْر قيّومٍ لم يزلْ.
  • أنا كلمةُ اللّهِ الناطقةُ في خَلْقهِ، أنا آخِذُ العَهد على جميعِ الخلائقِ في الصلوات، أنا غَوثُ الأراملِ واليتامى، أنا بابُ مدينةِ العِلْم، أنا كهْفُ الحِلْم، أنا عامّةُ اللهِ القائمة، أنا صاحبُ لواء الحَمْد، أنا صاحبُ الهِبات بعد الهبات ولو أخبرتكم لكَفرتُم، أنا قاتلُ الجبابرة، أنا الذخيرةُ في الدُنيا والآخرة، أنا سيّدُ المُؤمنين، أنا عَلَمُ المُهتدين، أنا صاحبُ اليمين، أنا اليقين، أنا إمامُ المتّقين، أنا السابقُ إلى الدين، أنا حَبلُ اللّهِ المَتين، أنا الذي أملؤُها عَدْلاً كما مُلئتْ ظُلْماً وَجَورا بسيفي هذا، أنا صاحبُ جبريل، أنا تابعُ مِيكائيل، أنا شجرةُ الهدى، أنا عَلَمُ التُقى، أنا حاشرُ الخَلْق إلى اللّهِ بالكلمةِ التي بها يَجمعُ الخلائق، أنا مُنشئ‌ُ الأنام، أنا جَامعُ الأحكام، أنا صاحبُ القضيب الأزهر والجمل الأحمر، أنا باب اليقين، أنا أميرُ المؤمنين، أنا صاحبُ الخِضر، أنا صاحبُ البيضاء، أنا صاحبُ الفيحاء، أنا قاتلُ الأقران، أنا مُبيد الشجعان، أنا صاحبُ القُرون الأوّلين، أنا الصدّيق الأكبر، أنا الفاروق الأعظم، أنا المُتكلّم بالوحي، أنا صاحبُ النجوم، أنا مُدبّرها بأمْر ربّي…).
  • ● قوله: (ومَن ردَّ علينا فقد ردَّ على الله) يعني الرادُّ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمَّد هو رادٌّ على الله لأنّهم هُم وجهُ الله.. أمَّا مقولة: “الرادّ على الفقيهِ رادٌّ على الله” فهذهِ مِن افتراءاتِ المراجع على أئمتنا “عليهم السلام”.
  • ● ختام الحديث بأبيات حقّ أمير المُؤمنين مِن قصيدةِ عبد الباقي العمري.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …