دليلُ المسافر – الحلقة ٢٧ – المحطّة السادسة: أشراطُ الساعة ج٣ – يأجوج ومأجوج ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 3 شوّال 1440هـ الموافق 7 / 6 / 2019م

  • وصلنا إلى المَحطّةِ السادسة: أشراطُ الساعة، إنّها علائمُ يوم القيامة.. وهذا هُو الجُزءُ الثالثُ فيما يَرتبطُ بحَديثي تَحتَ هذا العُنوان.

  • بنحوٍ مُجمَلٍ أقول: المُرادُ مِن أشراطِ الساعةِ أهمُّ العناوين (ظُهور دابّةِ الأرض، انتشارُ الفسادِ والإفسادِ بين شِرارِ الخَلْق مِن قُطّانِ هذا العالم، ظُهورُ قومِ يأجوج ومأجوج، ثُمَّ تبدأ التغيّرات الكونيّةُ تمهيداً للتغيّر الكوني الكبير الذي يكونُ سابقاً ليومِ القيامةِ الكُبرى).
  • ● مرَّ الحديثُ في المَحطّةِ الخامسةِ: الرجعة، وكيف أنَّ هذهِ المَرحلة تُطوى برفعِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ مِن الأرض، ثُمَّ يُسحَبُ تَدريجيّاً لُطْفُهم الخاص.. وهُنا ما بينَ نهايةِ مَرحلةِ الرجعةِ وبدايةِ مرحلةِ أشراطِ الساعة يبدأُ الشَرَطُ الأوّل مِن أشراطِ الساعة وهُو ظُهورُ دابّةِ الأرض.. ظُهورٌ عَلَويٌّ في أحسنِ صُورةٍ وفي أجملِ تَجلٍّ مِن تجلّياتهِ في كرّاتهِ المُتكرّرة والمُتعدّدة.. مِثلما يقول “عليه السلام”: (أنا صاحبُ الكرّات).
  • في هذهِ المرحلّة (مرحلةُ ظُهور دابّة الأرض) يَتميّزُ سُكّانُ هذا العالم ما بينَ الصالح والطالح، فإنَّ الظُهور العَلَوي الذي عُبّرَ عنهُ بدابّةِ الأرض ستظهرُ أفاعيلهُ وآثارهُ في تمييز الصالحين مِن الطالحين.
  • الذين يُقرُّ سيّدُ الأوصياء إيمانَهم ويُثبتُهُ فإنَّهُم داخلونَ في حِصْن ولايته.. أمَّا أُولئكَ الذين سيسِمُهم بِمِيسمهِ (فهو صاحبُ العصا والمِيسم) هؤلاء الذين سيسِمُهم بِمِيسَمِهُ مِن الطالحين سيظهرُ فسادُهم في أجلى صُوَر الشرّ والفساد.. ومِن هُنا فإنَّ القيامةَ تقومُ على شِرار الخَلْق.
  • ● مَرَّ الحديثُ عن العُمْر الافتراضي، وعن الحقّ الافتراضي، وعن الطاقةِ الإيجابيّة التي تُستوفى أغراضُها بنهاية عصْر الرجعة العظيمة.. كي يتبيّن للجميع أنَّ الخير والعدل كان بسبب مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، حِين ثُنيتْ لهم الوسادةُ ابتداءً مِن مَرحلةِ الظُهور وانتهاءً باختتامِ الدولةِ المُحمّديّة العُظمى.. فحِين ثُنيتْ لهم الوسادةُ عمَّ الخيرُ وانتشرتْ البركةُ، وتَلمَّسَ الناسُ الرحمةَ في كُلّ جهةٍ مِن جهاتِ حياتهم واستشعروا الفَضْل والنِعَم التي تنعَّموا بها في جميع الاتّجاهاتِ أنّى تحرّكوا وأنّى ساروا في الأبعادِ المعنويّةِ وفي الأبعادِ الماديّة.. الفَضْلُ كُلُّ الفضْلِ لهم، والرحمةُ كُلُّ الرحمةِ منهم وبهم.
  • تقدّم الكلام في هذهِ الجهة وفي هذهِ الحيثيّة فلا أُعيد.
  • ● فبعد أن يتميّز قُطّانُ هذا العالم بين الصالح والطالح في مَرحلةِ ظُهورِ دابّةِ الأرض وحينَ يكونُ المُؤمنونَ داخلينَ في حِصْن الولايةِ العَلَويّة وفي مأمنها وأمانها، فَإنَّ المُفسدينَ مِن شِرارِ الخَلْقِ سيُفسدونَ ويُفسدونَ ويُفسدون.. وحينئذٍ تُفتَحُ الأبوابُ وحينئذٍ سُتقبِلُ أقوامُ يأجوج ومأجوج.. إنّهم يأكلونَ الناس، إنّهم يأكلون كُلّ شيء، إنّهم يشربون كُلّ شيء، إنّهم يعبثون بكُلّ شيء.. ها هو العذابُ قد بدتْ علائمهُ.. هذا العذابُ منتوجٌ مِن صِناعةِ الإنسان.

  • المحطّة السادسةُ: أشراطُ الساعة.. وهي:

  • أوّلاً: خُروجُ دابّةِ الأرض، ثانياً: انتشارُ الفسادِ والإفساد بعد تمييز الصالحين مِن الطالحين، وحِين يَعمُّ الفساد وينتشرُ الإفسادُ فإنَّ يأجوجَ ومأجوج سيُقبلون.. القرآنُ يُحدّثنا عن ذلك.. كما جاء في الآية 96 بعد البسملة مِن سُورة الأنبياء وما بعدها مِن الآيات:
  • {حتّى إذا فُتحتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهُم مِن كُلّ حَدَبٍ ينسلون* واقتربَ الوعدُ الحقُّ فإذا هي شاخصةٌ أبصارُ الّذين كفروا يا ويلنا قد كُنّا في غفلةٍ من هذا بل كُنّا ظالمين* إنّكُم وما تعبُدُون مِن دُون اللهِ حَصَبُ جهنّم – أي حطبُ جهنّم – أنتُم لها واردُون* لو كان هؤُلاء آلهةً ما وردُوها وكُلٌّ فيها خالدُون* لهُم فيها زفيرٌ وهُم فيها لا يسمعُون* إنّ الّذين سبقتْ لهُم منّا الحسنى أُولئكَ عنها مُبعدُون* لا يسمعُون حسيسها وهُم في ما اشتهتْ أنفسُهُم خالدُون* لا يحزُنُهُمُ الفزعُ الأكبر وتتلقّاهُمُ الملائكةُ هٰذا يومُكُمُ الّذي كُنتُم تُوعدُون* يومَ نَطوي السماء كطيّ السجلّ للكُتُب كما بدأنا أوّل خلقٍ نُّعيدُهُ وعدًا علينا إنّا كُنّا فاعلين* ولقد كتبنا في الزبُور من بعد الذكْر أنّ الأرضَ يرثُها عبادي الصالحون* إنّ في هذا لَبلاغاً لِقومٍ عابدين* وما أرسلناك إلّا رحمةً لّلعالمين}.
  • يأجوجُ ومأجوجُ فيما بيننا وبينهم حاجز.. الحديثُ عن يأجوج ومأجوج نَحتاجُ فيهِ إلى كثيرِ مِن المُعطيات.. ولِذا سأعرضُ بين أيديكم نماذجَ مِن المُعطياتِ المُهمّةِ والتي ستُخبرنا أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ ليسوا مِن البشر، وأنَّ يأجوجَ ومأجوج ليسوا على الأرض، هُم مِن سُكّان العالم الدنيوي.. وكما تقدَّم فإنَّ الدُنيا هي ما تَحتَ السماء الدُنيا، والأرضُ جُزءٌ مِن عالم الدُنيا.
  • فهذهِ المَجرّاتُ والأجرامُ السماويّةُ وهذا الكونُ الفسيحُ مِن حَولنا (ما نَراهُ وما لا نَراهُ) هُناك جانبٌ مِن الكونِ لا نَراه بحواسّنا، مِثلما تقدَّم الحديثُ عن عالم البرزخ ذلك العالم الفسيحُ الوسيعُ جدّاً وهُو عالمٌ يُوازي عالمنا الأرضي إلّا أنّنا لا نُدركُهُ بحواسنا وهُو جُزءٌ مِن العالم الدنيوي، والمُرادُ مِن العالم الدنيوي ما تَحتَ السماء الدُنيا، ما نراهُ وما لا نراه.
  • ● يأجوجُ ومأجوج ليسوا مِن البشر.. يأجوجُ ومأجوج ليسوا على الأرض، وإنّما سيأتوننا مِن جُزءٍ آخر مِن عالمنا الدُنيوي هذا.. يأجوجُ ومأجوج يُقبِلون إلى الأرض في مَرحلةِ أشراطِ الساعة بعد أن تنتهي مَرحلةُ الرجعةِ وبعد أن يُرفَعَ مُحمَّدٌ وآلُ مُحمَّد مِن الأرض مِن العالم الدنيوي، وبعد أن يُسْحَب لُطْفهم الخاصّ تَدريجيّاً، وبعد أن تتمَّ المرحلةَ التي عُنونتْ بمَرحلةِ دابّة الأرض يَتميّز الصالحون مِن الطالحين.. الصالحون في حِصنهم، والطالحون في ساحةِ فسادهم وشرّهم وإفسادهم.. وحينئذٍ تُفتَحُ الأبوابُ ليأجوج ومأجوج فيُقبِلون مِن خارج الأرض.. وستتّضحُ هذه المعاني شيئاً فشيئاً.
  • ● قوله: {حتّى إذا فُتحتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهُم مِن كُلّ حَدَبٍ ينسلون} المُرادِ مِن {فُتحتْ يأجوجُ ومأجوجُ} أي فُتِحتْ الأبوابُ والحواجزُ فيما بينَ عالمهم الّذي هُو بعيدٌ عن عالمنا الأرضي وكانوا مَحجوزين بالسدّ الذي ستُحدّثنا سُورةُ الكهْف عن تفاصيل قِصّتهم.. فنَحنُ الآن في مَرحلةِ أشراطِ الساعةِ بعد أن طُويتْ الرجعة، وبعد أن تمّت مرحلةُ دابّة الأرض حيثُ تميّزَ الصالحونَ مِن الطالحين، وبعد أن انتشرَ الفسادُ وعمَّ الشرُّ في أرجاءِ عالمنا هذا.. هُنا تُفتَحُ الأبوابُ لأقوامِ يأجوج ومأجوج فيُقبلون إلى الأرضِ وعلى الأرض.
  • ● قوله: {وهُم مِن كُلّ حَدَبٍ ينسلون} أيُّ تعبيرٍ جميلٍ هذا..؟!
  • الحَدَبُ هو ما ارتفعَ مِن الأرض (الجبالُ، التلالُ، الهضابُ، الصخورُ العالية، البناياتُ العالية..)
  • قولهِ: {مِن كُلّ حَدَبٍ ينسلون} ربّما يكونُ هذا التعبيرُ قرينةً واضحةً على أنّهم سينزلونَ مِن جهاتٍ عالية.. سيأتوننا مِن الفضاء، وينزلون على الأماكن المُرتفعة، ولكن حين ينزلونَ على الأرض فإنَّ أهْل الأرضِ لا يشعرونَ بهم.. لأنَّ تعبيرَ “ينسلون” يعني أنّهم يتحرّكون بهدوءٍ وخُفيةٍ.
  • وبالمُناسبة.. فإنَّ هذا العُنوان “يأجوجُ ومأجوج” مِن العناوين المُنشرةِ في كُتُب الدياناتِ السابقة، في أكثر الثقافاتِ المُختلفةِ في أنحاء عالمنا الأرضي.. يُقالُ ويُقال إلى أن وصل الأمرُ إلى أفلام هوليود.. فما نُشاهِدهُ في أفلامِ هوليود هُو انعكاسٌ لثقافةٍ دينيّةٍ أو لِثقافاتٍ مُختلفةٍ مُنتشرةٍ في عالمنا الأرضي.
  • ● قوله: {واقتربَ الوعدُ الحقُّ} الوعدُ الحقّ هُو القيامةُ الكُبرى.. وهذا شَرَطٌ مِن أشراطها {فإذا هي شاخصةٌ أبصارُ الّذين كفروا – بعليٍّ وآل عليّ – يا ويلنا قد كُنّا في غفلةٍ من هذا بل كُنّا ظالمين}.
  • الصالحونَ إنّهم في حِصْن عليٍّ، فمَرحلةُ دابّةِ الأرض جاءتْ لِحمايتهم لِتحصينهم..
  • ● قوله: {يا ويلنا قد كُنّا في غفلةٍ من هذا} يا ويلنا قد جافتْ قُلوبُنا عليّاً وآل عليٍّ، وجَافتْ قُلوبنا وعُقلونا آياتهم.
  • ● قوله: {إنّ الّذين سبقتْ لهُم منّا الحسنى} هذا العُنوانُ “الحُسنى” في الكتاب الكريم هُو عُنوانٌ لولايةِ عليٍّ.. وما جاءَ مِن وصْفٍ للأسماء الإلهيّة “الأسماء الحُسنى” فلأنّها مظاهرُ ولايةِ عليٍّ التي هي ولايةُ الله، وصادقُهم يقول: (نحنُ الأسماء الحُسنى).
  • الحُسنى عُنوانٌ قُرآنيٌّ يَرتبطُ ارتباطاً وثيقاً بعليٍّ.. كُلُّ جمالٍ وكُلُّ حُسْنٍ تَحدَّثَ القُرآنُ عنهُ يقودنا إلى عليٍّ وتفوحُ مِن بين طيّاتهِ رائحةٌ فيها عَبَقٌ عَلَوي.
  • ● قولهِ: {إنّ الّذين سبقتْ لهُم منّا الحسنى أُولئكَ عنها مُبعدُون} أي مُبعدَون عن هذهِ النار، وعن العذاب، وعن كُلّ هذهِ التفاصيل التي تحدَّثتْ عنها الآيات.. وهؤلاء منهم أُولئكَ الذين مُيّزوا في مَرحلةِ دابّة الأرض.. مُيّزوا بأنّهم المُؤمنون بعليٍّ وآل عليّ.
  • ● قوله: {ولقد كتبنا في الزبُور من بعد الذكْر أنّ الأرضَ يرثُها عبادي الصالحون} هذا يكونُ في الرجعة كما جاءَ في تفسير عليٍّ وآل عليّ.
  • ● قوله: {وما أرسلناك إلّا رحمةً لّلعالمين} يَتجلَّى هذا في عصْر الرجعةِ العظيمة، ويَتجلّى أيضاً بعد انتهاءِ دَولتهِ العُظمى حيثُ ينتشرُ الفساد والإفساد، لأنَّ مُحمَّداً “صلَّى الله عليه وآله” قد رُفِع، ورُفِعَ آلهُ الأطهار.. لأنَّ الرحمةَ الحقيقيّة هي في دَولتهِ، هي في رسالته، هي في بعثتهِ، هي في دينه، هي في اتّباعهِ، هي في طاعته، هي في ولايته وولاية عترته الأطهار.
  • هذهِ المعاني ستتجلّى في كُلّ تلك الأيّام (في يومِ القائمِ، ويومِ الكرّة، ويوم القيامة) وقد وصلنا إلى أشراطِ يومِ القيامة.

  • لا أستطيعُ أن أتحدَّثَ عن يأجوج ومأجوج مِن دُون أن أعودَ إلى سُورة الكهْف، وإلى قِصّة (ذي القرنين).. (علماً أنّني لا أُريدُ أن أتحدّثَ عن قِصّة ذِي القرنين، ولكنّني سأتعرّضُ لجوانب مِن هذهِ القِصّة فيما يرتبطُ بيأجوج ومأجوج علّنا نستطيعُ أن نرسم صُورةً تقريبيّة عن أقوام يأجوج ومأجوج التي يتحدّث عنها القرآن.

  • ربما أطلق الناس هذا العنوان: “يأجوج ومأجوج” على بعض الشعوبِ مِن بني آدم على الأرض، هذه قضيّةٌ أُخرى فاختلط الأمرُ بين هذا العنوان الذي أطلَقهُ الناس على بعض الشعوب مع العنوان الذي ورَدَ في الكتاب الكريم.

  • وقفة عند الآية 83 بعد البسملةِ مِن سُورة الكهف وما بعدها:

  • {ويسألونكَ عن ذِي القرنين قُل سأتلو عليكُم منهُ ذكرا* إنّا مكّنّا لَهُ في الأرض وآتيناهُ من كُلّ شيءٍ سببا* فأتبعَ سببا* حتّى إذا بلَغَ مَغربَ الشمس وجدها تغربُ في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً قُلنا يا ذا القرنين إمّا أن تُعذّبَ وإمّا أن تتّخذَ فيهم حُسْنا* قال أمّا مَن ظلَمَ فسوفَ نُعذّبُهُ ثُم يُردُّ إلى ربّه فيُعذّبُهُ عذاباً نُّكرا* وأمّا مَن آمن وعمل صالحًا فلُهُ جزاءً الحُسنى وسنقُول لَهُ مِن أمرنا يُسْرا* ثُمَّ أتبعَ سَبَبا* حتّى إذا بلغَ مِطلِعَ الشمس وجدها تَطلُعُ على قَومٍ لم نجعلْ لّهُم مِن دُونها سِتْرا* كذلكَ وقد أحطنا بما لديه خُبْرا* ثُمَّ أتبعَ سَبَبا* حتّى إذا بلَغَ بين السدّين وَجدَ من دُونهما قَوماً لّا يكادُون يَفقهُون قولا* قالوا يا ذا القرنين إنَّ يأجوج ومأجوج مُفسدُون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهُم سدّا* قال ما مكّنّي فيه ربّي خيرٌ فأعينُوني بقُوّةٍ أجعل بينكُم وبينهُم ردْما* آتُوني زُبَرَ الحديد حتّى إذا ساوى بين الصّدفين قال انفخوا حتّى إذا جعلهُ ناراً قال اتُوني أُفرغ عليه قطرا* فما اسطاعُوا أن يظهروهُ وما استطاعُوا لهُ نقبا* قال هذا رحمةٌ من ربّي فإذا جاءَ وعدُ ربّي جعلهُ دكّاء وكان وعدُ ربي حقّا* وتركنا بعضهُم يومئذٍ يمُوج في بعضٍ ونُفخ في الصُور فجمعناهُم جمعاً* وعرضنا جهنّم يومئذٍ لّلكافرين عَرْضا* الّذين كانت أعيُنُهُم في غطاءٍ عن ذكري وكانُوا لا يستطيعُون سمْعا}
  • الآياتُ تتحدّث عن مرحلة أشراط الساعة، وعن شرط يأجوج ومأجوج وما يأتي بعد ذلك مِن نفْخِ الصُور ومِن الحشْر إلى بقيّة التفاصيل وذلك ما سيأتي بيانهُ في الحلقاتِ القادمة إنْ شاء الله تعالى.
  • ● في الرواياتِ عندنا أنَّ تسميتهُ بذي القرنين لها عَلاقةٌ بموضوعٍ علميٍّ يستعينُ بهِ في اختراقِ الفضاء.
  • أنا لستُ مُتحدّثاً هُنا عن ذي القرنين، وإنّما سأُسلّطُ الضوءَ على جوانب مِن قِصّتهِ ترتبطُ بمسألةِ فَهْمنا ومَعرفتنا ولو بنحوٍ إجمالي عن يأجوج ومأجوج.
  • ● قوله: {وآتيناهُ من كُلّ شيءٍ سببا} السببُ هُو ما يَستطيعُ الإنسانُ أن يَصِلَ بهِ إلى الأعالي أو إلى الأسافل، ومِنه التعبيرُ في دُعاء النُدبة الشريف: (أين السببُ المُتصلُ بين الأرض والسماء؟!)
  • ● قوله: {حتّى إذا بلغَ مِطلِعَ الشمس وجدها تَطلُعُ على قَومٍ لم نجعلْ لّهُم مِن دُونها سِتْرا} في الرواياتِ والأحاديثِ ما كانوا يعرفون الحياكةَ والخياطةَ وصِناعة الأقمشة.. الآياتُ تتحدّثُ عن أُممٍ وعن أقوامٍ لَيسوا على الأرض وهذا سيتّضحُ مِن خلالِ ما سأقرأُ عليكم في أحاديثهم “عليهم السلام”.
  • هذا الذي يَبدو فنَحنُ لا نَعلمُ الحقائقَ على حقيقتها وإنّما نتحرّكُ بين الآياتِ وبين الأحاديثِ الشريفة نُحاولُ أن نقتربَ مِن الفَهْمِ الصحيح بقدْر ما نتمكّن.
  • ● قوله: {ثُمَّ أتبعَ سَبَبا} إنّهُ يتنقّلُ عِبْر الأسباب.. وهذهِ الأسباب لا علاقةَ لها بالأرض.. فإنّنا إذا رجعنا للآية 84 فهي تقول: {إنّا مكّنّا لَهُ في الأرض وآتيناهُ من كُلّ شيءٍ سببا} هذا هُو التمكين.. هُناك مِن القُدُراتِ والتقنيّاتِ التي كان يَمتلكُها تجاوزَ العالم الأرضي بتلك التقنيّات.
  • ● قوله: {حتّى إذا بلَغَ مَغربَ الشمس وجدها تغربُ في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً} العين الحمِئة هي العينُ الساخنة.. وأمَّا القومُ الذين وَجَدُهم عند العين الحمِئة فلم تُصرّح الآيات أنّهم مِن الآدميّين.
  • ● قوله: {حتّى إذا بلَغَ بين السدّين وَجدَ من دُونهما قَوماً لّا يكادُون يَفقهُون قولا} لا أستطيعُ أن أقطعَ بمَضمونٍ مِن المضامين في المُرادُ مِن السدّين.. المُفسّرون قالوا وقالوا، والمُفكّرون قالوا وقالوا.. مِن القُدماءِ ومِن المُعاصرين.. نَحنُ لا نَعرفُ بالضبط ما المُراد مِن مغرب الشمس وفي أيّ بقُعةٍ مِن الأرض؟ والذي سيبدو مِن خلالِ الأحاديثِ فإنَّ حركة “ذي القرنين” التي تتحدّثُ هذهِ الآياتُ عنها ليستْ على وجْه أرضنا هذه التي نعيشُ عليها.
  • ● قوله: {قالوا يا ذا القرنين إنَّ يأجوج ومأجوج مُفسدُون في الأرض} قِصّةُ ذي القرنين مِن القصص المُغلقة.. ما وَرَد عندنا مِن المُعطياتِ يَكشِفُ جوانبَ منها، فهُناك الكثيرُ مِن المطالب ومِن الحقائق ومِن الأسئلةِ إذا ما دقّقنا النظَرَ في قِصّةِ ذِي القرنين لا نَجدُ لها جَواباً حقيقيّاً فعليّاً كاملاً.. قَطْعاً ضاعتْ نُصوص كثيرة.. فتفسيرُ إمامنا العسكري ضاع أكثره، وتفسيرُ جابر بن يزيد الجُعفي ضاعَ أكثره، وتفسيرُ العيّاشي تعرَّض للحذفِ والتصحيفِ والتحريف.. تفسير القُمّي هو الآخر لم يسلمْ مِن التحريفِ والتنقيصِ والحذف.
  • فما بأيدينا مِن المُعطياتِ والنُصوص يكشفُ لنا جوانبَ مِن رحلةِ ذي القرنين، مِن سَفَر ذي القرنين، مِن سِيرةِ ذي القرنين.
  • ● قوله: {قالوا يا ذا القرنين إنَّ يأجوج ومأجوج مُفسدُون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهُم سدّا} المُرادُ مِن الخرج هُو الإمكاناتُ الماليّة والماديّة لأجل هذا المشروع الذي سيقومُ بهِ ذي القرنين.
  • ● قوله: {حتّى إذا بلَغَ بين السدّين} هُناك سدود، ولكن يبدو أنّها لم تَكنْ مانعةً لهم.. وقوله: {قال ما مكّنّي فيه ربّي خيرٌ فأعينُوني بقُوّةٍ أجعل بينكُم وبينهُم ردْما} ردْماً إنّهُ نوعٌ مِن السدود أقوى وأشدّ مِن السدود التي ذكرتها الآيات..
  • ● قوله: {آتُوني زُبَرَ الحديد} أي قِطَع الحديد الكبيرة المُتصلّبة.. وقوله: {حتّى إذا ساوى بين الصدفين} الصدفُ هُنا بِحَسَب السياق هُو الجبل، يُقالُ في لُغةِ العرب للجبل وللبناءِ العالي أيضاً وحتّى للجدارِ السميكِ المُتسامي في العُلوّ الذي بُني بضخامةٍ وقُوّةٍ وصلابةٍ يُقالُ لهُ صدف.
  • هُو سدٌّ كبيرٌ هائلٌ ولكنّنا لا نعرفُ هل هو مِن سُدود الأرض كما يعتقدُ البعض.. فإنّنا إذا رجعنا إلى النُصوصِ الشريفةِ فإنَّ هذهِ التفاصيل لم تكنْ قد حدثتْ على الأرض، إنّها تحدثُ خارج الأرض، وسأقرأ عليكم.
  • ● قوله: {قال انفخوا حتّى إذا جعلهُ ناراً قال اتُوني أُفرغ عليه قِطْرا} القِطْرُ في لُغةِ العَرب هُو النُحاس، قد تُطلَقُ على النُحاس الذائب وقد تُطلَقُ على النُحاس المُتجمّد.. هُنا الحديثُ عن النُحاس الذائب.
  • ● قوله: {فما اسطاعُوا أن يظهروهُ وما استطاعُوا لهُ نقبا} الشقّ الأوّل مِن الآية: “فما اسطاعُوا أن يظهروهُ” أي أنّهم حاولوا أن يخترقوا هذا الردم فما اسطاعوا.. ثُمَّ بذلوا جُهْداً شديداً.
  • ولكن حينما أرادتْ الآيةُ أن تتحدّثَ عن مُحاولتهم لنقبهِ لِثقبهِ لإزالتهِ استخدمتْ هذا التعبير: {وما استطاعُوا لهُ نقبا} هُنا التاء مزيدة في “استطاعوا” وهُناك قاعدةٌ معروفة في لُغة العرب وهي أنَّ زيادة المباني تدلُّ على زيادة المعاني. فحينما تكثرُ الحروفُ في الكلمةِ فإنَّ معناها سيكونُ أشدّ وأوسع وأقوى.
  • فهم حاولوا أن يتجاوزا هذا السدّ، وحاولوا أن يُخرّبوه وأن ينقبوه ولكنّهم لم يستطيعوا.
  • ● قوله: {قال هذا رحمةٌ من ربّي فإذا جاءَ وعدُ ربّي جعلهُ دكّاء} هُو نفس المضمون الموجود في سُورة الأنبياء: {حتّى إذا فُتحتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهُم مِن كُلّ حَدَبٍ ينسلون* واقتربَ الوعْدُ الحقُّ} المضامينُ هي هي.. والمُراد مِن {جعلهُ دكّاء} أي دكّهُ دكّاً.. فُتِحتْ يأجوجُ ومأجوج.
  • ● قوله: {وتركنا بعضهُم يومئذٍ يمُوج في بعضٍ ونُفخ في الصُور فجمعناهُم جمعاً} أي اختلطتْ أقوامُ يأجوجَ ومأجوج مع الآدميّين على الأرض، فإذا ما سَنحتْ لهم فُرْصةٌ أن يأكلوا البشر فإنّهم سيأكلون البشر، وإذا ما سَنحتْ لهم فُرصةٌ أن يَشربوا كُلَّ شيء فإنَّهم يَشربون كُلَّ شيء.. إنّهم يَقضونَ على الأخضرِ واليابس.. لكنّهم سيختلطون بالبشر، سيختلطون بتلكَ الأقوامِ وبتلكَ الأُممِ والشُعوب التي خُتمتْ ووُسمتْ بالمِيسم العَلَوي في مَرحلة دابّة الأرض.
  • هذا التعبيرُ: “وتركنا بعضهُم يومئذٍ يمُوج في بعضٍ” يُشيرُ إلى الكثرةِ المُتكاثرةِ منهم وإلى الازدحام، فهُناك مُزاحمةٌ في الحركةِ وفي الانتقالِ، ومُزاحمةٌ في كُلّ جهةٍ من جهاتِ الحياة.
  • ● وقولهِ: {ونُفخ في الصُور} تِلكَ هي المَحطّةُ السابعةُ وسيأتي الحديثُ عنها.. وقولهُ: {فجمعناهُم جَمْعاً} تلكَ هي المحطّةُ الثامنة، إنّه المَحشر.. فما بعد أشراط الساعة سيأتينا الحديثُ عن مَحطّةِ نَفْخ الصُور، وبعدها الحديثُ عن المحطّةِ الثامنة وهي: الحشْر.

  • وقفةُ عرض لنماذج مِمّا جاءَ في أحاديثهم الشريفة لأجل أن نَرسم صُورةً قد تَكونُ قريبةً وقريبةً جدّاً مِن مَعرفةِ هؤلاءِ الأقوام: “يأجوج ومأجوج”.. وكثيرونَ يسألون عن أقوامِ يأجوج ومأجوج.. قد يجدونَ بُغيتهم وجوابهم فيما سأعرضُ بين أيديكم مِمَّا جاء عنهم “عليهم السلام”

  • ● وقفة عند حديث الإمام في [الكافي الشريف: ج8] صفحة 179 الحديثُ (274):
  • (عن ابن عباس قال: سُئِل أميرُ المؤمنين “عليه السلام” عن الخَلْق، فقال: خَلَقَ اللهُ ألفاً ومائتين في البرّ وألفاً ومائتين في البحْر – إنّه يتحدّث عن الأجناس والأنواع والأصناف – وأجناسُ بني آدم سبعون جِنْساً – يتحدّث عن السلالاتِ الآدميّة – والناسُ ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج).
  • هناك مَن فَهِم الحديث أنَّ يأجوج ومأجوج مِن أولادِ آدم ولكنّهم ليسوا مِن الناس.. هُناك مَن فَهِمَ الحديثَ بهذا الفَهْم.. الشيخُ المجلسي ذَكَر هذا الفَهْم في الجُزء (6) مِن بحار الأنوار صفحة 314 يقول:
  • (ويُمكن حمل هذا الخبر على أنّ المعنى أنّهُ ليس غيرُ الناس مِن وُلْد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج فإنّهم ليسوا مِن الناس وهُم مِن ولد آدم) هذا فَهْمهُ وهو فَهْمٌ غريب، وهُناك مَن ذَهَب مَعهُ في هذا الفَهْم.
  • ما أجدهُ في هذا الحديث هُو أنَّ الحديثَ يتحدّثُ عن أجناس الخَلْق على الأرض وخارجَ الأرض.. فحينَ قال: (خَلَقَ اللهُ ألفاً ومائتين في البرّ وألفاً ومائتين في البحْر) يبدو أنَّ الكلامَ عن أرضنا التي نعيشُ عليها.. إلّا إذا كان المُراد أنَّهُ في كُلّ أرضٍ مِن الأرضين الأخرى هُناك برٌّ وبحر.. إذا كان الكلامُ هكذا ربّما.. لكنّنا لا نَملكُ دليلاً على أنَّ الإمامَ يقِصدُ هذا المعنى.
  • — قوله: (والناسُ ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج) يعني أنَّ يأجوج ومأجوج هُم خَلْقٌ مِن خَلْق اللهِ ولكن لا هُم مِن سُكّان البرّ ولا هُم مِن سُكّان البحر، ولا هُم مِن وُلْد آدم.. فهُم ليسوا مِن أهْل الأرض، وهذا المعنى يُمكن أن نتحسّسهُ إذا ذهبنا إلى بقيّة المُعطيات.. فَإنَّ المُعطياتِ الأُخرى تُحدّثنا عن أنّهم لا يَقطنونَ على هذهِ الأرض، هُم في بُقعةٍ أُخرى في هذا الفضاء الواسع.
  • ● وقفة عند ما جاء عن صادق العترة “عليه السلام” في [تفسير القُمّي] صفحة 400:
  • (يقولُ الإمامُ الصادقُ “عليه السلام” في معنى قولهِ عزَّ وجلَّ: {هذا رحمةٌ مِن ربّي فاذا جاءَ وعْد ربّي جَعَلَهُ دكّاء وكانَ وعْدُ ربّي حقّاً} قال: إذا كانَ قبل يوم القيامةِ في آخر الزمان انهدمَ ذلك السدّ وخرجَ يأجوجُ ومأجوجُ إلى الدُنيا وأكلوا الناس، وهُو قوله: {حتّى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج وهُم مِن كُل حَدَبٍ يَنسلون} قال: فسار ذو القرنين إلى ناحية المغرب – إنّه مغرب الفضاء – فكان إذا مرَّ بقريةٍ زأر فيها كما يزأرُ الأسدُ المُغضِب، فينبعثُ في القرية ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ وصواعق تُهلكُ مَن ناواه وخالفه، فلم يبلغْ مغرب الشمس حتّى دان لهُ أهل المشرق والمغرب، فقال أمير المؤمنين “عليه السلام” وذلك قولهُ عزَّ وجلَّ: {إنّا مكّنا لهُ في الأرض وآتيناهُ مِن كلّ شيءٍ سَبَبا} أي دليلا، فقيل له: إنَّ لله في أرضه عيناً يُقالُ لها عينُ الحياة، لا يشربُ منها ذُو رُوح إلّا لم يمتْ حتّى الصيحة – أي نفخ الصور – فدعا ذُو القرنين الخِضْر وكان أفضلَ أصحابهِ عنده، ودعا بثلاثمائة وثلاثين رجلاً…. إلى بقيّة القِصّة)
  • — قوله: (فينبعثُ في القرية ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ وصواعق تُهلكُ مَن ناواه وخالفه) هذهِ أَسلحةُ ذِي القرنين، هذهِ الأسلحةُ لم يستعملها ذُو القرنين على وجْه الأرض. فنَحنُ إذا قرأنا تأريخَ ذِي القَرنين في نفس هذهِ النُصوص حينما كان يَتحرّكُ على وجْهِ الأرض نجد أنّهُ كان يَتحرّكُ بقوّةٍ عسكريّةٍ تقليديّة (خيول، فُرسان، رجّالة، سيوف، رماح، وأمثال ذلك..).
  • ● وقفة عند حديث الإمام في كتاب [بصائر الدرجات] صفحة 378 الباب (15) الحديث (1):
  • (عن علي بن سنان، عن عبد الرحيم أنّهُ قال: ابتدأني أبو جعفر “الباقر عليه السلام” فقال: أما إنَّ ذا القرنين قد خُيّر السحابين فاختار الذلول وذَخَر لصاحبكم – أي إمام زماننا – الصَعْب قلتُ: وما الصعب؟ قال: ما كان مِن سحابٍ فيه رعدٌ وبرْقٌ وصاعقةٌ فصاحبكم يركبهُ، أما إنّهُ سيركبُ السحابَ ويرقى في الأسباب، أسبابَ السمواتِ السَبْع خمسٌ عوامر واثنين خراب).
  • — قوله: (أما إنَّ ذا القرنين قد خُيّر السحابين فاختار الذلول وذَخَر لصاحبكم الصَعْب) هذا التعبير “السحاب” إنّهُ تعبيرٌ عن وسائل يتحرّكُ فيها مَن يركبُ عليها في الفضاء.. والكلامُ هو هو حينما تُحدّثنا الرواياتُ عن المُفتقدين مِن فُرُشهم مِن أنصار الإمامِ الحُجّة.. تُحدّثنا الروايات أنّهم يذهبونَ إليهِ بوسيلةِ السحاب.. فإنّهم ينتقلون مِن أماكنهم إلى مكّة بوسيلة السحاب.. إنّها وسائلُ الانتقالِ في الجوّ وفي الفضاء.
  • — قوله: (فاختار الذلول) الذلول هُو وصْفٌ للناقة، وقد تُوصَفُ بها الحيواناتُ الأُخرى التي تُركَب حينما تكونُ سهلةَ الركوب وتُعطي ظَهْرها لِراكبها بسهولة، وحينما تتحرّكُ تتحرّكُ حركةً إنسيابيّةً مع الذي يُريدهُ راكبها لا أن تتصعّب عليه.
  • — قوله: (وذَخَر لصاحبكم الصَعْب) باعتبار أنَّ الصعْب في الّلغةِ وفي العُرْف هُو وصْفٌ للجوادِ الذي لا يُعطي ظَهْرهُ لراكبه.. قَطْعاً ليس المُراد هذا المعنى.. هذهِ مُصطلحاتٌ يُقصَدُ منها معنىً آخر لا يُقصَدُ منها المعنى الّلغوي، ولكنّها هي التي كانتْ شائعةً مُستعملةً في الخِطابِ والمُحاورةِ والتفهيم.. ولابُدَّ أن تكونَ الخِطاباتُ في أيّامهم “عليهم السلام” وفقاً لِما هُو المُتعارف، وأن تأتي وفقاً لِقانون المُدارة، وأن تأتي وفقاً لقانون بيانِ جانبٍ مِن الحقيقةِ بصُورةٍ تقريبيّة.. هذا هُو المُمكن الذي يتحرّكُ فيه الأئمة والمُمكن الذي يتعامل معهُ المُتلقّي.
  • — قوله: (أسبابَ السمواتِ السَبْع خمسٌ عوامر واثنين خراب) المُراد مِن العوامر يعني: فيها سُكّانٌ، قُطّانٌ، حضاراتٌ، دُولٌ، شعوبٌ، أُمم.. الحديثُ كُلّهُ في العالم الدنيوي ما دُون السماء الدُنيا.
  • — قوله: (ويرقى في الأسباب، أسبابَ السمواتِ السَبْع) الإمامُ يرقى في كُلّ العوالم، ولكنَّ هذا الوصْف خمْسٌ عوامر واثنين خراب لن يكونَ في السماواتِ العُلا.. قد يكون المُراد خمْسُ مَجرّات، خمْس جهات، خمْس أرضين.. أنا لا أعرفُ بالدقّة، يُمكنني مِن خلالِ رواياتٍ أُخرى أن أستكشِف جانباً مِن المعنى، ولكنّني لستُ بصَدَدِ شرْح الروايةِ الآن.. كُلُّ الذي أُريدهُ وأقصدهُ هُو أن أوجّهَ أنظاركم إلى أنَّ ذا القرنين لم يكنْ يتعاملُ مع الأرض فقط، كان يتعاملُ مع الفضاء ومع الأجواء.. هذا هو الذي أُريد أن أُلفتَ أنظاركم إليه.
  • ● رواية أُخرى أيضاً في كتاب [بصائر الدرجات] في نفس الباب (15) الحديث (3) صفحة 379:
  • (عن سوره عن أبي جعفر ” الباقر عليه السلام” قال: إنَّ ذا القرنين قد خُيّر السحابين فاختارَ الذلول وذَخَرَ لصاحبكم الصَعْب، قال: قلتُ: وما الصَعْب؟ قال: ما كانَ مِن سحاب فيه رعْد وصاعقةٌ أو برْقٌ فصاحبكم يركبهُ، أما إنّهُ سيركبُ السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السموات السبع والأرضين السبع، خَمْسٌ عوامر واثنانِ خرابان)
  • ● رواية أُخرى أيضاً في كتاب [بصائر الدرجات] في نفس الباب (15) الحديث (4) صفحة 379:
  • (عن أبي يحيى قال: قال أبو عبد الله “عليه السلام”: إنَّ الله خيّر ذا القرنين السحابين الذلول والصعب فاختار الذلول وهُو ما ليسَ فيه بَرْقٌ ولا رعد، ولو اختار الصَعْب لم يكن لهُ ذلك، لأنَّ الله أذخرهُ للقائم).
  • — قوله: (فاختار الذلول وهُو ما ليسَ فيه بَرْقٌ ولا رعد) هو خُيّر.. واختار الذلول فإنّهُ يتناسبُ مع عصْره، يتناسبُ مع قُدراته، يتناسبُ مع برنامجه، يتناسبُ مع الطاقاتِ البشريّة التي كانتْ معه.. وقوله: (ولو اختار الصَعْب لم يكن لهُ ذلك، لأنَّ الله أذخرهُ للقائم) يعني أنَّ هذهِ التقنيّة (تقنيّةُ السحاب الصعب، سحابُ البرق والرعد والصواعق) هذهِ تقنيّةٌ ذُخِرتْ للقائم.. قطْعاً كُلُّ التعابير تقريبيّةٌ، وكُلّ التعابير بمُستوى المُدارةِ وبُمستوى بيان جانبٍ مِن الحقيقة.. لأنّها لو بُيّنتْ بكُلّ تفاصيلها فإنَّ المُتلقّي في عصْر الإمامِ وحتّى في العصور التي تلتْ عصْر الإمام لن يستطيع أن يُحيط علماً ولو بنحوٍ إجماليٍّ بما كان سيقولهُ الإمامُ “عليه السلام”.. ولِذلك قالوا “عليهم السلام”: “واللهِ ما كلّمنا الناس قطّ على قدْر عقولنا، إنّما نُكلّمهم على قدْر عُقولهم”.
  • هذهِ الرواياتُ وهذهِ الأحاديثُ واضحةٌ في أنَّ ذا القرنين لم يكنْ يتعاملُ مع الأرض فقط، وإنّما كان يتعاملُ مع الأرض ومع الفضاء ومع الأجواء.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر في كتاب [بحار الأنوار: ج12] صفحة 181 الحديثُ (9):
  • (عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام” قال: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لم يبعثْ أنبياءَ ملوكاً في الأرض إلّا أربعةً بعد نوح: ذُو القرنين وإسْمه عيّاش، وداود، وسليمان، ويوسف: فأمّا عيّاش فمَلَكَ ما بين المشرق والمغرب، وأمّا داود فمَلَك ما بينَ الشاماتِ إلى بلادِ إصطخر – في فارس – وكذلك مَلَك سليمان، وأمّا يوسف فمَلَك مِصْر وبراريها لم يُجاوزها إلى غيرها).
  • ذُو القرنين لم يكنْ نبيّاً، ولكنّهُ كانَ مُسدّداً.. كان على سيرة الأنبياء، كان مُتّبعاً للأنبياء، كانَ صالحاً مِن الصالحين، كانَ على هُدىً تامٍّ كاملٍ، على حقٍّ وعدلٍ وإنصافٍ وإحسان في شخصهِ وفي سيرته وفي حُكْمه، فقد فشا عدلهُ في رعيّته، فلِذا جاء معدوداً في سِلسلة الأنبياء.
  • — قوله: (فأمّا عيّاش فمَلَكَ ما بين المشرق والمغرب) هذهِ العناوينُ المَغربُ والمَشرق أقربُ إلى الفضاء وإلى الأجواء منها إلى الأرضين.. فحينَ تحدَّث عن مُلْك داوود وسُليمان ويُوسف كان التحديدُ تحديداً جُغرافيّاً على وجْه الأرض، لكن حينما كان الحديثُ عن ذِي القرنين قالتْ الروايةُ إنّهُ مَلَك ما بينَ المَشرق والمَغرب.. إنّهُ مَشرقُ الدُنيا ومغربُ الدنيا، وقَطْعاً الحديثُ عن الجهاتِ سيكونُ حديثاً نسبيّاً.. ولِذا فإنَّ القُرآن مَرَّةً يتحدّثُ عن مَشرقٍ واحد ومغربٍ واحد.. ومرَّةً يتحدّثُ عن مشرقين ومغربين.. ومرّةً أُخرى يتحدّثُ عن مشارقٍ ومغارب.. فالقضيّةُ نسبيّةٌ، فلا يُوجَدُ مشرقٌ على الإطلاق، ولا يُوجَدُ مغربٌ على الإطلاق لا على الأرض ولا في الفضاء.. القضيّةُ نسبيّة.
  • ● في صفحة 180 الحديث (8):
  • (عن عبد الله بن حماد، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن مُحمّد “عليهما السلام” قال: إنَّ ذا القرنين لَمَّا انتهى إلى السدّ جاوزهُ فدخلَ في الظُلُمات، فإذا هُو بملك قائمٌ على جبلٍ – موضعٌ حصينٌ قويٌّ عالٍ جدّاً – طُولُهُ خمسمائة ذراع. فقال له الملك: يا ذا القرنين، أما كان خلفك مسلك؟ – يعني لِماذا جئتَ إلى هُنا؟ – فقال لَهُ ذُو القرنين: مَن أنت؟ قال: أنا مَلَكٌ مِن ملائكةِ الرحمن مُوكّلٌ بهذا الجبل، فليس مِن جبلٍ خَلَقهُ الله عزّ وجلّ إلّا ولَهُ عِرْقٌ إلى هذا الجبل، فإذا أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يُزلزلَ مدينةً أوحى إليَّ فزلزلتها).
  • — قوله: (إنَّ ذا القرنين لَمَّا انتهى إلى السدّ) أي إلى الموقع الذي فيه أقوامُ يأجوج ومأجوج، وهناك بنى السدّ، فبعد أن أتمَّ ما أتمَّ جاوزهُ، أي انتقلَ إلى مكانٍ آخر هو أبعد مِن المكان الذي كان فيه يأجوجُ ومأجوج.
  • — قوله: (فليس مِن جبلٍ خَلَقهُ الله عزّ وجلّ إلّا ولَهُ عِرْقٌ إلى هذا الجبل، فإذا أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يُزلزلَ مدينةً أوحى إليَّ فزلزلتها) الحديثُ هُنا قد لا يكونُ في الجهةِ الفيزيائيّة.. وربّما قد يكونُ الحديثُ في المجالاتِ الكونيّة الواسعة بما فيها مِن قِوى الجذبِ وقِوى الطرد، وما فيها مِن مجالاتٍ هائلةٍ مِن مُختلفِ أنواعِ الطاقةِ التي قد يعرفُ الإنسانُ بعضها ولا يعرفُ الكثير عن أسرارها.
  • هذهِ الرواياتُ ورواياتٌ كثيرةٌ بهذا المضمون تُحدّثنا عن أنَّ ذا القرنين كان يتعاملُ مع عوالم خارج الأرض، وكان يَمتلكُ بصيرةً عاليةً وشديدةً جدّاً بحيث أنّهُ يتعاملُ مع العوالم التي لا تُدركها الحواسُّ العاديّةُ الطبيعيّة التي نمتلكها.. لأنَّ هذهِ الرواية تُحدّثنا عن حركةٍ خارج الأرض وعن قُوّةِ إدراكٍ وإحاطةٍ لِما لا يُرى بهذه الحواسّ الطبيعيّة.. ولِذا في نفس الجُزء (12) مِن كتاب [بحار الأنوار] صفحة 194 جاء هذا الحديث وهو الحديث (13):
  • (عن سمّاك بن حرب، عن رجلٍ مِن بني أسد، قال: سألَ رجلٌ عليّاً “عليه السلام”: أرأيتَ ذا القرنين كيفَ استطاع أن يبلغَ المشرقَ والمغرب؟ قال: سخَّر اللهُ لهُ السحاب، ومدَّ لهُ في الأسباب وبسطَ لهُ النور فكان الّليل والنهار عليه سواء).
  • إنّهُ في بُقعٍ، في مساحاتٍ، في فضاءٍ يختلفُ عن الأرض.
  • ● كتاب [بحار الأنوار: ج12] الحديث (18):
  • (عن سمّاك بن حرب بن حبيب قال: أتى رجلٌ عليّاً، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذِي القرنين، فقال لهُ عليٌّ “عليه السلام”: سُخّرتْ لهُ السحاب، وقُرّبتْ لهُ الأسباب، وبُسِطَ لهُ في النُور، فقال “عليه السلام”: كان يُبصرُ بالّليل كما يُبصر بالنهار)

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …