دليلُ المسافر – الحلقة ٢٩ – المحطّة السادسة: أشراطُ الساعة ج٥ – يأجوج ومأجوج ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 5 شوّال 1440هـ الموافق 9 / 6 / 2019م

  • لازلتُ أُحدّثكم عن المحطّةِ (6) مِن مَحطّاتِ طَريقنا الطويل هذا.. أشراطُ الساعة، إنّها علائمُ القيامة.. هذا هُو الجزءُ (5) مِن حديثي حول هذهِ المَحطّة وهُو الجُزءُ (3) فيما يَرتبطُ بأحوالِ وشُؤون يأجوج ومأجوج.

  • بنحوٍ مُوجزٍ ومُلخّصٍ لأهمِّ ما تقدّم بخُصوصِ هذهِ المحطّة وهي المحطّةُ السادسة.. أقول:
  • بعد انتهاءِ مرحلةِ الرجعة تبدأ تفاصيلُ المحطّةِ السادسة “أشراطُ الساعة” أهمُّ العناوين فيها: ظُهورُ دابّة الأرض ومرَّ الكلامُ في ذلك، انتشارُ الفسادِ والفساد، قُدوم وهُجوم أقوامِ يأجوج ومأجوج.. والعنوانُ الأخير: الارتجاجاتُ والاهتزازاتُ والمُقدّماتُ التي ستأتي بعدها المحطّةُ السابعةُ وهي: نفخ الصُور.. وبعد ذلكَ يأتينا التغييرُ الكونيُّ الكبير.
  • في نهايةِ مَرحلةِ أشراطِ الساعةِ تكونُ هُناك بعضُ التغيّراتِ في عالمنا هذا الذي نَقْطُنهُ.. أكانَ الناسُ يشعرونَ بذلك، لا يشعرون بذلك.. البعضُ منهم يلتفتُ إلى تلكَ التغيّرات وبعضٌ لا يلتفتون.. إنّها حكايةُ بني آدم.. إنّها حكايةُ الإنسان، إنّها حكايةُ المخلوقات.
  • ● أمَّا ما يرتبطُ بيأجوجَ ومأجوج فقد مرَّ الكلام أنّهم ليسوا مِن البشر، ليسوا من قُطّان الأرض، وأنّهم سيأتوننا مِن الفضاء، مِن بُقعةٍ مِن مَوضعٍ في هذا الفضاءِ الواسع. وقد عَرضتُ عليكم في الحلقتينِ الماضيتينِ مَجموعةً مِن المُعطياتِ التي تُشيرُ إلى أنَّ حركةَ ذِي القرنين – إنّهُ صاحبُ السدّ، صاحبُ الردم – حين أغلقَ الأبوابَ بوجهِ تلكَ الأقوام (بوجهِ يأجوج ومأجوج) مِن أن يتحرّكوا ويُؤذوا الأُممَ المُختلفة في الأجرامِ السماويّةِ المُختلفة.. وكذاكَ قد يُقبلونَ إلى أرضنا هذهِ، فقد سدَّ الأبواب عليهم. عرضتُ مُعطياتٍ في الحلقتين الماضيتين وسأعرضُ مِن المعطياتِ ما أُلْحقهُ بما تَقدَّم في الحلقتينِ الماضيتين.
  • كُلُّ تلكَ المُعطيات تُشيرُ وتُحدِّثُ عن أنَّ رحلةِ ذِي القرنين الَّتي التقى فيها بتلكَ الأقوام لم تكُنْ على وجْه الأرض، وإنَّما هي في جهةِ الظُّلُماتِ مِن هذا الكونِ الوسيع. فلقد سارَ في جهةِ الظُّلُماتِ مُغرِّباً حتَّى وصَلَ إلى جهاتِ الضياءِ مُشرِّقاً، ثُمَّ عادَ أدراجَهُ ووصَلَ إلى أرضنا.. قرأتُ ذلكَ عليكم مِن حديثِ أميرِ المؤمنين الَّذي نقَلَهُ لَنا الأصبغُ بن نباتة وأثبتَهُ العياشي في تفسيرهِ، قرأتُ عليكم مِن الجُزء الثاني مِن وقائعِ رحلةِ ذي القرنين في سورة الكهف.
  • هذهِ خُلاصةٌ مُوجزةٌ سريعةٌ لِما تقدَّم من حديثٍ فيما يَرتبطُ بالمَحطةِ السادسةِ.. إنَّها “أشراطُ الساعة” وبنحوٍ خاص فيما يَرتبطُ بأقوام يأجوج ومأجوج.
  • ● أُكمِلُ حديثي مِن حيثُ انتهيتُ في الحلقةِ الماضية:

  • وقفة عند حديث سلمان الفارسي في [تفسير البرهان: ج5] في صفحة 82 الحديث (3)

  • (عن سلمان الفارسي، قال: كُنّا جلوساً مع أمير المُؤمنين “صلواتُ الله عليه” بمَنزلهِ لَمَّا بُويعَ عُمْر بنُ الخطّاب، قال: كُنتُ أنا، والحسنُ والحسينُ “صلواتُ الله عليهما”، ومُحمدُ بنُ الحنفية، ومُحمدُ بنُ أبي بكرٍ، وعمار بنُ ياسرٍ، والمقدادُ بنُ الأسود الكنديُ. قال لهُ ابنُهُ الحسنُ : يا أمير المُؤمنين..)
  • ● قوله: (كُنّا جلوساً مع أمير المُؤمنين بمَنزلهِ لَمَّا بُويعَ عُمْر بنُ الخطّاب) بُويعَ عُمَرُ بن الخطّاب بعد أبي بكر سنة 13 للهجرة، وإنَّما اغتُيل عُمر بن الخطاب سنة 23 للهجرة.
  • وقد ذكرتُ تأريخ بيعةِ عُمَر بن الخطّاب لغايةٍ ستبدو واضحةً لكم حينما أُكمِلُ قِراءةَ ما أُريدُ قراءتهُ مِن هذهِ الرواية.. أنا لا أعلم تأريخ هذا المجلس، إنّهُ زمان خِلافة عُمَر بن الخطّاب (قد يكون في أوّل خلافتهِ، قد يكون في وسط خلافتهِ، قد يكونُ في آخر خلافتهِ..).
  • ثُمَّ إنّي لا أريدُ أن أقرأ الحديثَ كلَّهُ وإنَّما أأخذُ منهُ فقط موطن الحاجةِ الَّذي يَرتبطُ بموضوعِ هذهِ الحلقة.
  • هُم طَلَبوا مِن أميرِ المُؤمنين أن يُريَهم شيئاً مِن فضلهِ وكرامته، والذي طَلَب ذلك نيابةً عن الجميع هو إمامُنا الحسن المُجتبى – على ما يبدو -.
  • ● إلى أن يقول سلمان: (فما كان بأسرع مِن أن جاءتْ سحابةٌ، فوقعتْ على الدار، وإذا بجانبها سحابةٌ أُخرى، فقال أمير المُؤمنين “صلواتُ الله عليه”: أيَّتُها السحابةُ، اهبطي بإذن اللّه تعالى، فهبطتْ وهي تقُول: “أشهدُ أن لا إله إلّا الله، وأنَّ مُحمَّداً رسُولُ الله، وأنّكَ خَليفتُهُ ووصيُهُ، مَن شكَّ فيكَ فقد ضَلَّ سبيلَ النجاة”. قال: ثُمَّ انبسطتْ السحابةُ على وجْه الأرض حتّى كأنّها بساطٌ موضُوع، فقال أمير المُؤمنين “عليه السلامُ”: اجلسُوا على الغمامة، فجلسنا، وأخذنا مَواضعنا، فأشارَ إلى السحابةِ الأُخرى فهبطتْ، وهي تقُول كمقالةِ الأُولى، وجلسَ أميرُ المُؤمنينَ عليها ثُم تكلّم بكلامٍ، وأشارَ إليهما بالمَسير نحو المَغرب – الحديث عن مغرب الكون – وإذا بالريحِ قد دخلتْ تحتَ السحابتين، فرفعتهُما رَفْعاً رفيقاً، فتمايلتْ نحو أمير المُؤمنين، وإذا بهِ على كُرسيٍّ والنُور يَسطعُ مِن وجْهه، ووجهُهُ أنورُ من القمر…).
  • ● قوله: (فما كان بأسرع مِن أن جاءتْ سحابةٌ) كما بيَّنتُ لكم في الحلقاتِ الـمُتقدِّمة مِن أنَّ السحاب والسحابة في أجواءِ أحاديثِ العترة الطاهرة عُنوانٌ لوسيلةِ الانتقالِ في الفضاء.
  • ● إلى أن تقول الرواية: (فقال الحسنُ “صلواتُ اللهِ عليه”: أُريدُ أن تُريني يأجوجَ ومأجوج والسدَّ الّذي بيننا وبينهُم، فسارتْ الريحُ تحتَ السحاب، فسمعْنا لها دَويَّاً كدوي الرعد، وعَلَتْ في الهواء، وأمير المُؤمنين يَقدُمُنا، حتّى انتهينا إلى جبلٍ شامخٍ في العُلوّ…)
    الحديثُ ليس على الأرض، إنّهُ حديثٌ في الفضاء.
  • ● قوله: (حتّى انتهينا إلى جبلٍ شامخٍ في العُلوّ) ليس المُراد مِن هذا الجبل أنّهُ جبلٌ كجبالِ الأرض في كوكبٍ آخر، وإنّما هُو شيءٌ نَحنُ لا نُبْصرهُ بحَواسِّنا.. والأميرُ هُنا منحَ الَّذين كانوا مِن صَحْبهِ القُدرةَ على رُؤيةِ ما لا نَستطيعُ أن نَراهُ بحواسنا العاديّة.. وقطْعاً الحَسَنُ والحُسين شأنهم شأنُ عليٍّ، وإنّما هذهِ القُدرة منحها سيّد الأوصياء لبقيّةِ مَن كانوا معه.
  • ولا غرابةَ في ذلك.. فعالمُ البرزخِ عالمٌ يُوازي عَالـمنا هَذا ويُطلُّ على عَالـمنا هذا ولكنَّنا لا نَراه، مثلما قال أمير المؤمنين لِحبَّة العُرني ومرَّ الكلام علينا: (لَو كُشِفَ لَك لَرَأيَتَهُم حَلَقَاً حَلَقَاً مُحتَبِين يَتَحَدَّثُون).
  • ● قوله: (فسارتْ الريحُ تحتَ السحاب، فسمعْنا لها دَويَّاً كدوي الرعد، وعَلَتْ في الهواء) هذهِ الصورةُ ألا تُقاربها صُورةُ اِنطلاقِ الـمركباتِ الفضائيّة حينما يَندفعُ الصاروخُ ويُطلقُ ما يُطلِقُ مِن هَبَّةٍ خَلفيةٍ، مِن صَوتٍ ومِن نارٍ ومِن دُخانٍ إلى غير ذلك..؟!
  • علماً أنّني لا أريدُ أن أُشبِّه تشبيهاً دقيقاً بين هذا وهذا إنَّما أُقرِّبُ الفكرة فقط.. ولهذا السبب ذكرتُ تاريخَ خلافةِ عُمر بن الخطاب مِن أنَّها بدأتْ سنة 13ه، ونَحنُ الآن سنة 1440هـ.
  • هذهِ المضامينُ الَّتي يَتحدَّثُ عنها سلمان هل كان العرب البدو يستطيعونَ أن يتصوَّروا هذهِ الصُوَر القريبة مِمَّا يحدثُ في أيامنا هذه؟!
  • بحَسَبِ عقيدتي ما يتحدَّثُ عنهُ سلمان إنَّهُ أقوى وأكبرُ وأعظمُ مِمَّا هُو في عَصْرنا هذا.. لأنَّنا نَتحدَّثُ عن قُدْرةٍ إلهيةٍ هُنا، والَّذي أتحدَّثُ عنهُ في زماننا إنَّهُ قُدْرةٌ بشريّة، فما وصل إليهِ ذُو القرنين هو أنّهُ تجاوز هذهِ المساحات الشاسعة مِن المقطع الـمُظلم للكون ووصلَ إلى المقطعِ المضيء.. ونحنُ إلى يَومنا هذا لم يستطع الإنسان أن يصلَ إلى جُزءٍ عميقٍ مِن الجانبِ المُظلم مِن هذا الكون، وصلَ إلى مسافاتٍ محدودةٍ فقط برغم كُلِّ هذا التقدُّم الهائل.. لكنَّها قدرةٌ بشرية، والحديثُ هُنا عن قُدْرةٍ إلهيّة إلَّا أنَّ القوانينَ هي القوانين الَّتي تحكُم هذا الكون.. فالقُرآنُ قال للجنِّ وللإنس في الآيةِ 33 بعد البسملة مِن سورة الرحمن: {يا مَعشرَ الجِنّ والإنسِ إنْ استطعتُم أن تنفذُوا مِن أقطارِ السماواتِ والأرضِ فانفذُوا لا تنفذُون إلّا بسُلطان} فذُو القرنين كانَ يملكُ سُلطاناً بحَسَبه.. إنّهُ سُلطانُ الأسباب الذي تحدّثتْ عنهُ سُورة الكهف في الآية 84 فقالت: {إنّا مكّنّا لَهُ في الأرض واتيناهُ من كُلّ شيءٍ سبباً}.
  • فذو القرنين كانَ يمتلكُ سلطانَ الأسباب، وأميرُ المؤمنين هُنا إنَّهُ يمتلكُ سُلطانَ الأسبابِ وما سبَّب الأسباب، كما نقرأ في زيارةِ النُدبة ونحنُ نُخاطبهم “عليهم السلام”: (فَمَا شَيءٌ مِنَّا إِلَّا وأنتم لَهُ السبَب وَإِلَيهِ السبِيل) فهو مالكٌ للأسبابِ وللسُبل ولِما يُسبِّبها.
  • ● وتستمرُّ الرواية بذكر تفاصيل.. في صفحة 84 مِن نفس الرواية، جاء فيها:
  • (وأمر الريح فسارتْ بنا – أي أمرَ الطاقة التي تُحرّكُ تلك السحابتين – وإذا نَحنُ بمَلَكٍ يَدهُ في المَغرب، والأُخرى بالمشرق، فلمَّا نظرَ الملكُ إلى أمير المُؤمنين، قال: أشهدُ أن لا إله إلّا اللّهُ وحدهُ لا شريك لهُ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسُولهُ، أرسلهُ بالهُدى ودين الحقّ، لِيُظهرهُ على الدين كُلّه ولو كره المُشركُون – الحديثُ عن الرجعة في كُلّ مكان – وأشهدُ أنّك وصيُهُ وخليفتُهُ حقّاً وصدقاً. فقُلتُ: يا أمير المُؤمنين، مَن هذا الّذي يدهُ في المَغرب ويدُهُ الأُخرى في المشرق؟ فقال أميرُ المُؤمنين “صلواتُ الله عليه”: هذا الملكُ الّذي وكّلهُ اللهُ تعالى بظُلْمةِ الّليل وضَوءِ النهار ولا يزُول إلى يوم القيامة – الحديثُ هنا عن ظُلمة الكون وعن ضياء الكون – وإنّ اللّه تعالى جعلَ أمْر الدُنيا إليَّ، وإنَّ أعمالَ العبادِ تُعْرَضُ عليَّ في كُلّ يومٍ، ثُمَّ تُرفَعُ إلى اللّهِ تعالى.
  • ثُم سِرْنا حتّى وقفنا على سدّ يأجوج ومأجوج، فقال أمير المُؤمنين “عليه السلامُ” للريح: اهْبطي بنا مِمّا يلي هذا الجبل، وأشارَ بيدهِ إلى جبلٍ شامخٍ في العُلوّ، وهُو جبل الخِضْر، فنظرنا إلى السدّ، وإذا ارتفاعُهُ ما يُحدُّ البصر – يعني أنَّ البصر يكونُ محدوداً، فالسدُّ أعلى مِن حدّ البصر – وهُو أسودُ كقطعةِ اللّيل الدامس – المُظلم – يَخرجُ مِن أرجائهِ الدُخانُ، فقال أمير المُؤمنين “عليه السلامُ”: يا أبا مُحمّدٍ – يُخاطبُ الإمامَ الحسن – أنا صاحبُ هذا الأمْر على هؤُلاء العَبيد – أي أقوام يأجوج ومأجوج فيما وراء هذا السدّ – قال سلمانُ: فرأيتُ أصنافاً ثلاثةً طُولُ أحدِهِم مائةٌ وعشرون ذِراعاً، والثاني طُول كُلُّ واحدٍ منهُم سِتُّون ذراعاً، والثالثُ يفرشُ أحدَ أُذُنيهِ تحتهُ، والأُخرى يلتحفُ بها، ثُم إنَّ أمير المُؤمنين “عليه السلام” أمرَ الريح فسارتْ بنا إلى جبل قافٍ، فانتهينا إليهِ وإذا هُو من زُمُرُدةٍ خضراء، وعليها ملكٌ على صُورة النسر..).
  • هذهِ المعاني لا نستطيعُ أن نتصوَّرها مثلما هي.. نعم يُمكننا أن نستنتجَ صُوَراً تقريبيّة مِن ذلك، وأنا لا أريدُ أن أقِفَ عند تفاصيل كُلِّ هذهِ الروايات، لكنَّهُ واضحٌ من أنَّ هذهِ الحركة، هذهِ السفَرة هي في نفس الطريق الَّذي سار فيهِ ذُو القرنين.
  • ● قوله: (وإذا نَحنُ بمَلَكٍ يَدهُ في المَغرب والأُخرى بالمشرق) هؤلاءِ ينظرونَ بقُدرةٍ أُخرى، فإنَّ الأميرَ مِثلما زَوَّدهُم بوسائل الانتقالِ هذهِ زوَّدهُم بوسائل أخرى.. إمَّا أنّهُ أضافَ قُدرةً إلى قُدْرةِ إبصارهم، وإمَّا أنَّ هُناك وسائل تتوفَّرُ في تلكَ السَّحابةِ الَّتي كانوا يستقلونها يَرون بواسطتها ما لا نستطيعُ أن نَراهُ نَحنُ بحواسِّنا العاديّة الطبيعيّة.
  • ● قوله: (ثُم سِرْنا حتّى وقفنا على سدّ يأجوج ومأجوج) هذا السياقُ وهذهِ التفاصيلُ تُخبرُنا عن أنَّ سَدَّ يأجوج ومأجوج ليسَ في الأرض.
  • ● قوله: (ثُم إنَّ أمير المُؤمنين أمرَ الريح فسارتْ بنا إلى جبل قافٍ) جبلُ قاف هُو الَّذي جاءَ مذكوراً في الكتابِ الكريم.. فهُناك سُورةٌ كاملةٌ في القرآن عُنوانها (ق).. آيتُها الأولى بعد البسملة قولهِ عزَّ وجلَّ: {ق* والقُرآنِ المجيدِ}.
  • فهذا العنوانُ (ق) عُنوانٌ قرآنيٌ.. وقاف هُنا في الكتاب الكريم ليستْ مَحصورةً بمعنىً واحد، في أُفقٍ مِن آفاقها فإنَّ قاف عُنوانٌ لهذا الجبلِ الَّذي يُحيطُ بأرضنا.. أمَّا ما المرادُ مِن هذا الجبل الَّذي يُحيطُ بأرضنا.. فنَحنُ لا نَستطيعُ نَتصوَّر هذا المعنى بشكلٍ دقيقٍ واضح!
  • ● سأقرأُ عليكم ما جاءَ في الرواياتِ والأحاديث بخُصوص (جبل قاف)، حتَّى تعرفوا أنَّ الجبل ليس على الأرض.

  • وقفة عند ما جاء في [تفسير القمّي] في صفحة 661 في سورة قاف.

  • (في قولهِ عزَّ وجلَّ: {ق* والقُرآن المجيد} قال: ق : جبلٌ مُحيطٌ بالدُنيا مِن وراء يأجوج ومأجوج).
  • قولهِ: (ق جبلٌ مُحيطٌ بالدُنيا) الدُنيا هُنا يُقصَد منها أرضنا الَّتي نَعيشُ عليها، وقوله: (مِن وراء يأجوج ومأجوج) يعني أنَّ يأجوجَ ومأجوج مِن أهْل الدُنيا ولكن ليسوا مِن أهل هذهِ الأرض الَّتي نحنُ عليها.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “عليه السلام” في كتاب [معاني الأخبار] للشيخ الصدوق، الحديث (1) باب معنى الحُروف المُقطّعة في أوائل السُور مِن القُرآن. الإمام الصادق يُبيّن لنا معاني الحُروف المُقطّعة:

  • (يقولُ الإمامُ الصادقُ “صلواتُ اللهِ عليه”: وأمّا (ق) فهو الجَبلُ المُحيطُ بالأرض وخُضْرة السماءِ منهُ، وبه يُمْسِكُ اللهُ الأرض أن تميدَ بأهلها..).
  • الخضراءُ عند العَرب عُنوانٌ للسماء.. أمَّا المرادُ مِن خُضْرة السماء هُنا فهُو عُنوانُ حَياتها وعُنوان ما فيها مِن طاقةٍ ونشاطٍ، عُنوان ما فيها من عُمْرٍ افتراضيٍّ لها، مِثلما تقدَّم الحديثُ عن العُمْر الافتراضي للموجودات.
  • وأنا لا أريدُ أن أقفَ طويلاً عند الروايات، إنَّما أُوردُ هذهِ المضامين كي أُقرِّبَ الفِكْرةَ لأذهانكم مِن أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ ليسوا مِن البشرِ وليسوا مِن قُطَّانِ أرضنا هذهِ.. قد يكونون مِن قُطَّان أرْضٍ أُخرى مِن الأرضين الأخرى الَّتي هي في هذا الكون الواسع العظيم.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الباقر “عليه السلام” في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات]:

  • (عن يقطين الجواليقي عن فُلفلة عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام” قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلَقَ جَبَلاً مُحيطاً بالدُنيا مِن زبرجدةٍ خُضراء وإنّما خُضْرةِ السماء مِن خُضْرةِ ذلكَ الجبل وخلَقَ خَلْفهُ خَلْقاً لم يَفترضْ عليهم شَيئاً مِمّا افترضَ على خَلْقهِ مِن صلاةٍ وزكاة، وكلّهم يلعنُ رجلين مِن هذهِ الأُمّة وسمّاهما..)
  • ● قوله: (خلَقَ جَبَلاً مُحيطاً بالدُنيا) ليسَ المرادُ مِن الدُنيا هُنا هي هذهِ الأرض الَّتي نعيشُ عليها، وإنّما المُراد مِن الدُنيا هو الدُنيا بمعناها الواسع، أي: ما تحتَ سقْفِ السماء الدنيا.
  • ● قوله: (وكُلُّهُم يَلعنُ رجلين مِن هذهِ الأُمّة وسمّاهُما) هذا المعنى يتكرّرُ في عددٍ وفيرٍ مِن الأحاديث.. وهُناك مَن سألَ الأئمةَ كيف عَرفتْ تلكَ الأُممُ بهذينِ الرجلين؟ لأنّهُ في الروايات ما سيأتينا مِن أنَّ كثيراً مِن تلكَ الأُمم تَلعنُ هذين المذكورين وهُم لا يعلمونَ أنَّ آدم قد خُلِق، فهُم لا صِلَةَ لَهم بعَالـمنا الأرضي.. فحينما يَستغربُ مَن يستغربُ ويقول: يابن رسول الله إذا كانوا لا يعرفونَ أنَّ آدمَ قد خُلِق، فكيف عرفَ أولئكَ هذين الرجلين؟! فقال لهُ الإمام: هل رأيتَ إبليس؟ هل تعرف إبليس؟ كيف تبرأتَ منه؟ كيفَ لعنتهُ؟ فقال: إنّني حُدّثتُ عنهُ، أُخبرتُ عنه، فقال الإمام: هُم أيضاً حُدّثوا وأُخبروا عنهم.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الرضا “عليه السلام” في كتاب [مُختصر بصائر الدرجات]:

  • (عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان عن أبي الحسن الرضا “صلواتُ الله عليه” قال: سمعتُهُ يقولُ: إنَّ للهِ خَلْفَ هذا النطاف زبرجدة خضراء منها اخضرّتْ السماء، قلتُ: وما النطاف؟ قال: الحِجاب وللهِ عزَّ وجلَّ وراءَ ذلك سبعونَ ألف عالَم أكثرُ مِن عدد الجنّ والإنس وكلّهم يلعنُ فلاناً وفلانا).
  • ● الروايةُ طويلةٌ وفيها كثيرٌ مِن التفاصيل.. أذهبُ إلى نهايةِ الرواية، يقول سلمان:
  • (ثُم سألناهُ الرُجوع إلى أوطاننا – إلى الأرض – فقال “صلواتُ اللهِ عليه”: أفعلُ ذلك إنْ شاءَ اللّهُ تعالى، وأشارَ إلى السحابتين فدنتا مِنّا، فقال: خذُوا مَواضعكُم، فجلسنا على سحابةٍ وجَلَس “عليه السلامُ” على أُخرى، وأمرَ الريحَ فحَمَلتنا حتّى صِرْنا في الجوّ، حتّى رأينا الأرض كالدرهم ، ثُمَّ حطّتنا في دار أمير المُؤمنين “صلواتُ الله عليه” في أقلّ مِن طَرْف النظر – إنّها سُرعةٌ تفوقُ سُرعة الضوء – وكان وُصولنا إلى المدينةِ وقتَ الظُهْر والمُؤذّنُ يُؤذّنُ، وكان خُروجنا منها وقتَ علتْ الشمسُ – أي عند الصباح – فقُلتُ: أيا للهِ العجبُ، كُنّا في جبل قافٍ، مسيرة خمس سنين وعُدنا في خمس ساعاتٍ من النهار؟! فقال أمير المُؤمنين “صلواتُ الله عليه”: لو أنّني أردتُ أن أخرقَ الدُنيا بأسرها والسماوات السبع وأرجع في أقلّ مِن الطرف لفعلتُ بما عندي مِن اسْم اللهِ الأعظم، فقُلنا: يا أميرَ المُؤمنين، أنتَ واللهِ الآيةُ العُظمى والمُعجزةُ الباهرةُ بعد أخيكَ وابن عمّكَ رسُول اللّه “صلّى اللّهُ عليهما وآلهما”).
  • ● قوله: (وأمرَ الريحَ فحَمَلتنا حتّى صِرْنا في الجوّ، حتّى رأينا الأرض كالدرهم).
  • الصُورة واضحة.. هل هُناك مِن تشبيهٍ موجودٍ في زمانِ سلمان بحَسَبِ الّلغةِ وبحَسَبِ الأشياءِ الَّتي يُمكنُ أن يُشبَّه بها.. هل هُناك مِن تشبيهٍ أفضلَ مِن تشبيهِ منظرِ الكوكبِ الأزرق مِن الفضاء العالي مِن أن نُشَبِّههُ بالدرهم الفضي.. ماذا تقولون؟!
  • ذَكرتُ قبل قليلٍ أنَّ خلافةَ عُمْر بن الخطاب وقعتْ ما بين سنة 13هـ للهجرة، إلى سنة 23هـ.. حتَّى إذا أردتُ أن افترضَ أنَّ السيِّد هاشم البحراني هُو الَّذي افترى هذهِ الرواية، مع أنّهُ لم يأتِ بها مِن عندهِ وإنّما نقلها من كتابٍ، وهذا الكتاب كان موجوداً قبل السيِّد هاشم البحراني، صحيح أنَّ هذا الكتاب ليس بين أيدينا الآن، ربّما هُو في مكتبات المخطوطات لا أدري.. دعوني أفترض أنَّ السيِّد هاشم البحراني هُو الَّذي افترى هذهِ الرواية، وهذا الكتاب لا وجود له.
  • السيِّد هاشم البحراني توفي سنة 1107هـ ، ونحن الآن سنة 1440هـ.. فيما بيننا وبين وفاتهِ أكثر مِن ثلاثة قُرون..! وقَطْعاً هُو أَلَّف هذا الكتاب قبل وفاتهِ.
  • لنفترض أنَّهُ قد ألَّف هذا الكتاب قبل وفاتهِ بسبع سنوات، يعني سنة 1100 ه.. فمِن سنة 1100ه إلى يومنا هذا 340 سنة!! يعني قبل 340 سنة السيِّد هاشم البحراني كذبَ هذهِ الكذبة.
  • (قطعاً أنا افترضُ هذا الكلام افتراضاً، فليسَ السيِّد هاشم البحراني بالَّذي يفتري ويكذب على آل مُحَمَّد..).
  • ولكن أقول: لنفترض أنَّ السيِّد هاشم البحراني كذبَ هذهِ الكذبة قبل 340 سنة.. فهل كان هُناك قبل 340 سنة مِن تصوُّر عند أحدٍ على
  • وجْه الكرة الأرضيّة أنَّ الكُرة الأرضيّة تبدو مِن الفضاء كالدرهم؟!
  • ثُمَّ لماذا لم يَقُل سلمان الفارسي كانتْ الأرضُ كالدينار؟!
  • الجواب واضح: لأنَّ الدينار ذَهبيٌ لَمَّاعٌ برَّاقٌ، أمَّا الدرهم الفِضّي فهُو مَيّالٌ إلى الزُرْقة.. ألا تُسمَّى أرضُنا بالكوكبِ الأزرق، إنَّما أُطلِقَ عليها هذا الوصْف “الكوكب الأزرق” حينما صوَّروها مِن الفضاء فكانتْ كوكباً أزرق.
  • ● (عرض مجموعة من الصُور للأرض التي صَوّرتها وكالةُ ناسا الفضائيّة، مع التعليق عليها..)

  • رواية أُخرى عن سلمان الفارسي في [تفسير البرهان: ج5]:

  • (عن سلمان الفارسي قال: كُنّا مع أمير المُؤمنين “عليه السلام”: فقُلتُ لهُ: يا أمير المُؤمنين، أُحبُّ أن أرى مِن مُعجزاتك شيئاً؟..).
  • ● روايةٌ طويلة.. إلى أن تقول الرواية في صفحة 89 جاء فيها:
  • (فقُلتُ: يا أمير المُؤمنين، هل سرنا فرسخين؟ – الفرسخ تقريباً يُساوي خمسة كلم – فقال: يا سلمانُ، لقد سرتَ خمسينَ ألف فرسخٍ، ودُرْتَ حَول الدُنيا عشرين ألف مرّةٍ – حديثٌ عن حركةٍ تكونُ خارج الأرض – فَقُلتُ: يا سيّدي، وكيف هذا؟ قال: يا سلمانُ، إذا كان ذُو القرنين طافَ شرقها وغربها وبلغَ إلى سدّ يأجوج ومأجوج، فأنّى يتعذّر عليَّ وأنا أميرُ المُؤمنين وخليفةُ رسُول ربّ العالمين؟! يا سلمانُ، ما قرأتَ قولهُ تعالى: {عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبهِ أحداً* إلاّ من ارتضى من رسُولٍ} فقُلتُ: بلى، يا أمير المُؤمنين. فقال: يا سلمانُ، أنا المُرتضى مِن الرسُول الّذي أظهرهُ اللّهُ عزَّ وجلَّ على غَيبه، أنا العالمُ الربانيُ، أنا الّذي هوَّن اللّهُ عليَّ الشدائد وطوى لي البعيد..).
  • الرواية فيها وفيها مِن التفاصيل لكنَّني أكتفي بهذهِ العبائر التي قرأتُها عليكم والَّتي تُثبتُ ما أُريدُ أن أُثبتَهُ مِن أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ ليسوا مِن البشر وليسوا مِن قُطَّان الأرض، وأنَّ يأجوجَ ومأجوج في مَوضعٍ بعيدٍ عن أرضنا، إنَّهم في هَذا الفضاءِ الوسيع.. وأنَّ ذا القرنين حينَ وصلَ إليهم كانَ في تلكَ الرحلةِ الفضائيّة.. وكلامُ أميرِ المؤمنين واضحٌ جِدَّاً وكُلُّ المعطياتِ الَّتي تقدَّمتْ تُشيرُ إلى هذهِ الحقيقة.
  • ● (خُلاصةٌ سريعةٌ لِما تقدَّم مِن كلامٍ في المحطّةِ السادسة وهي: أشراطُ الساعة).
  • ● بعد شرْط يأجوجَ ومأجوج تبدأ التغيُّرات.. وهَذهِ التغيراتُ لَيستْ هي التي تَحدَّثتْ عنها سُورةُ التكوير أو الَّتي تَحدَّثتْ عنها سُورةُ الانشقاق أو الَّتي تحدَّثتْ عنها سائرُ الآياتِ القُرآنيّة.. هذهِ التغيُّراتُ تكونُ مُقدِّمةً لـمرحلةٍ قادمة.. فبعد حُصولِ التغيُّراتِ مِن اهتزازاتٍ وارتجاجاتٍ في هذهِ الأرض مِن زلازل وما هُو أقوى مِن الزلازل مِن تغيراتٍ تتعلَّقُ بمياهِ الأرضِ، بهواءِ الأرض، بترابِ الأرض، بما يرتبطُ بليلِ الأرض ونهارها، وما يرتبطُ بعيشِ الناسِ على الأرض وحياتهم، وما يرتبطُ بالطبيعة وكوارثها.. ومِن التغيّرات الكبيرة الَّتي تنالُ الأرض والشجر والحيوانات، هناك تغيراتٌ كثيرةٌ ستحدُث ومع ذلك فإنَّ الناس لا يلتفتون إليها!
  • ● في سُورة يس في الآيةِ 48 بعد البسملة وما بعدها: {ويقُولُونَ متى هذا الوعدُ إِنْ كُنتُم صَادقِين* ما ينظُرون إلّا صيحةً واحدةً تأخذُهُم وهُم يخْصِمُون* فلا يستطيعُون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعُون}.
  • حين يقولون: {متى هذا الوعدُ إِنْ كُنتُم صَادقِين} إنَّهم يتحدَّثون عن وعْد القيامة، فإنَّنا نتحدَّثُ عن مرحلةٍ هي ما بعد الرجعة، فموعدُ القائم قد تحقَّق، وموعدُ الرجعةِ قد تحقَّق، وموعدُ دابَّةِ الأرض قد تحقَّق، وموعدُ قدومِ يأجوج ومأجوج قد تحقَّق.. لكنَّهم يجدون أنفسهم باقين يأكلون ويشربون ويمارسون الجنس وينامون ويستيقظون ويذهبون إلى أعمالهم ولا شيءَ فيهم، رغم أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يأكلون كُلَّ شيءٍ مِن حولهم!
  • ● قولهم: {متى هذا الوعدُ إِنْ كُنتُم صَادقِين} دائماً البشريةُ تُشكّك في وُعودِ اللهِ وفي وعود أنبيائهِ وفي وعود أوليائهِ..!
  • ● قوله: {ما يَنظُرونَ إِلَّا صَيحةً واحدة} هذهِ الصيحةُ هي نفخةُ الصُور، إنَّها المَحطةُ السابعة.. ونفخةُ الصُور نفختان: (نفخةٌ للإماتة ونفخة للإحياء) وهذا الكلام يتَّضحُ لنا في الحلقة القادمةِ مِن هذا البرنامج.
  • ● قوله: {ما ينظُرون إلّا صيحةً واحدةً تأخذُهُم وهُم يخْصِمُون} المُراد مِن “يخصِمون” كما وَرَد في الروايات أي يَختَصِمُون في السوق في حالةِ بيعٍ وشِراء ومُعاملة..!!
  • ● قوله: {ونُفِخَ في الصُورِ فإِذا هُم مِنَ الأجداثِ إِلى رَبِّهم يَنسِلُون} أي يخرجونَ خائفين.. فهذا الانسلالُ مِن خوفهم ومِن رهبتهم.. ها هُم يخرجونَ مِن قُبورهم، إنَّها نفْخةُ الصُور، هذهِ النفحةُ الثانية. هُنا في سُورة الأنبياء يأجوجُ ومأجوجُ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسلون مِن جهاتِ العُلو، وهُنا في سُورة يس الأمواتُ مِن أجداثهم ينسلون: {وَنُفِخَ في الصُورِ فإِذا هُم مِن الأجداثِ إِلى رَبِّهِم يَنْسِلُون}.

  • وقفة عند ما جاء في [تفسير القُمّي] في معنى الآية 48 مِن سُورةِ يس وما بعدها.

  • (وقولهِ: {ويقُولُونَ متى هذا الوعدُ إِنْ كُنتُم صَادقِين* ما ينظُرون إلّا صيحةً واحدةً تأخذُهُم وهُم يخْصِمُون} قال: ذلك في آخر الزمان يُصاحُ فيهم صيحةً وهُم في أسواقهم يتخاصمون، فيموتون كلّهم في مكانهم لا يرجعُ أحدٌ منهم إلى منزلهِ ولا يُوصي بوصيّةٍ.. وذلك قولهِ: {فلا يستطيعُون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعُون} وقولهِ: {ونُفِخَ في الصُور فإذا هُم مِن الأجداثِ إلى ربّهم ينسلون} قال: مِن القُبور).

  • في سُورة مُحمّد “صلّى الله عليه وآله” الآية 18 بعد البسملة: {فهل ينظُرون إلّا الساعة أن تأتيهُم بغتةً فقد جاءَ أشراطُها فأنّى لهُم إذا جاءَتهُم ذكراهُم}.

  • لم يتَّعظوا لا مِن فضلِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ عليهم حينما كانوا في زمانِ الدولةِ الـمُحمَّديَّةِ العُظمى وطُويَ زمانُها ورُفِعَ مُحمَّدٌ وآلُ مُحمَّد مِن هذا العالم، وبدأ لُطفُهم الخاص يُسْحَبُ شيئاً فشيئا.
  • ولا هُم بالَّذين توقَّفوا كي يُصحِّحوا المسار في مَرحلةِ دابَّةِ الأرض.. فهُناك قد حُسِمتْ الأمور، فالمُؤمنون بعليٍّ في حُصْنِ الولايةِ، والكافرونَ بعَليٍّ أُوكلوا إلى أنفسهم وإلى فسادهم وإفسادهم، وقد أفسدوا في كُلِّ شيء، وفُتحتْ بعد ذلكَ أبوابُ يأجوجَ ومأجوج وها هُم حلّوا ضيوفاً على هذهِ الأرض، فأكلوا ما أكلوا وشربوا ما شربوا وأفسدوا ما أفسدوا.. ليس في أرضنا فقط، وإنّما في أرضنا وفي سائر الأرضين الأخرى.
  • ولا زال الناسُ على هذا الترابِ يَبيعون ويشترونَ ويأكلون ويشربونَ رغْم التغيّرات الهائلةِ الَّتي حدثتْ في حياتِهم وعلى أرضِهم وفيما حولهم.
  • فحينما تُفتَحُ الأبوابُ ليأجوج ومأجوج ويَقدِمُونَ إلى الأرض، قَطْعاً هُناك تغيّراتٌ هائلةٌ قد حدثتْ في الأرضِ وفيما حول الأرض، وهُم يستشعرون ذلكَ ولكنَّها الطبيعةَ البشريَّةَ الَّتي خُدعتْ بخديعةِ إبليس مُنذ البدايةِ..!
  • ● مُشكلتنا تبدأُ حينما حَسَدَ إبليسُ أبانا آدم، فإبليسُ حَسَدَ أبانا آدم لِمَا حظيَ بهِ آدم من منزلةٍ عند مُحَمَّدٍ وآل مُحَمَّد.. هذهِ الحقيقةُ من الآخر.
  • إبليسُ لم يحسدْ مُحَمَّداً وآل مُحَمَّد لأنَّهُ يعرفُ مَن مُحمَّدٌ ومن آلُ مُحَمَّد، وهذا واضحٌ مِمَّا جاءَ في آياتِ الكتاب الكريم حينما نقرأُ قصّة أبينا آدم مع إبليس والتفاصيل الَّتي ذُكرت في سورِ الكتاب الكريم.
  • إبليسُ رفضَ السجودَ لأبينا آدم، لإنَّهُ رفضَ المنزلة الَّتي حظيَ بها آدمُ عند مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، وبعدَ ذلكَ نَقلَ المشكلةَ إلى أبينا آدم وأُمِّنا حَوّاء.. نقلَ هذهِ المشكلة.. فلذا جاء في الرواياتِ أنَّ الشجرةَ في وجْهٍ مِن وُجوهها هي شَجْرةُ الحَسَد.. فتسرَّبُ الحَسَدُ إلى الكينونة الإنسانيّة.
  • والشجرةُ هي شجرةُ العِلْم في وجْهٍ آخر ولذا فإنَّ الحَسَد يَلاصقُ العِلم وخُصوصاً العلم الديني.. ولذا فإنَّ كلماتهم الشريفةَ تُخبرنا أنَّ آفةَ العُلماء الحَسد، وأنَّ هلاكَ العُلماء أهلُ العلمِ يهلكونَ بالحسد! والروايات تُحدِّثنا أنَّ العُلماء – والحديثُ هُنا عن عُلماء الدين بالدرجةِ الأولى – أنَّ العُلماء أخذوا تسعاً وتسعين بالمئة مِن الحَسَد وشاركوا الناس في الجزء المتبقي..!
  • فمُشكلتنا بدأت مِن حين حسد إبليس أبينا آدم.. ومُشكلتُنا في واقع أُمَّةٍ مُحمَّد بدأتْ بحَسَدِ عليٍّ..! الأَئِمَّةُ هُم المحسودون، الحَسَدُ هُو الَّذي قتل الأئِمَّة!
  • ومُشكلتنا في الواقع الشيعي هي أنَّ مراجع وعلماء الشيعةِ يحسدونَ مُحَمَّداً وآل مُحَمَّد، هُم يأخذون أماكنهم.. (علماً أنّي لا أتحدَّثُ عن الجميع، لكن أتحدَّثُ عن الأعمِّ الأغلب).

  • في الآية 41 بعد البسملة مِن سُورة الروم: {ظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس} مِن أوضحِ مصاديق ظُهور الفساد في البرّ والبحر في هذهِ المرحلة، لقد ظَهرَ الفسادُ في البرِّ والبحر في مراحلَ مُتقدِّمة.. فآياتُ القُرآنِ تجري مَجرى الّليل والنهار، تَجري مَجرى الشمس والقمر.

  • الفسادُ ظَهَر في الأرض مُنذُ الّلحظةِ الَّتي قَتَلَ فيها قابيلُ هابيل، ولكنَّ هذا الفساد على درجات.. هُناك فسادٌ شديد، فسادٌ ضعيف، فسادٌ عريضٌ واسع، فسادٌ قد تكون مساحتهُ أقل مِن هذا الفساد العَريض الواسع.. الآيةُ هُنا تتحدَّثُ عن ظُهورٍ تامٍ للفساد.

  • في كتاب [الكافي الشريف: ج8] في صفحة 54 الحديث (19) يقول الإمام الباقر “عليه السلام”:

  • (في قوله عزَّ وجلَّ: {ظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس} قال: ذاكَ والله حين قالتْ الأنصار: منا أمير ومنكم أمير).
    يَجدون لنفسهم شأناً ومقاماً مع وجودِ عليٍّ “عليه السلام”.. إنَّها مُشكلةُ إبليس، إنَّها مُشكلةُ الديانات، إنَّها مشكلةُ رجال الدين، إنَّها مشكلةُ مراجع الشيعةِ مع آلِ مُحَمَّد!
  • ● وظهر الفسادُ في البرّ والبحْر أيضاً حين قتلوا الحُسين.. كما جاء في زيارة الناحية المُقدّسة:
  • (.. فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قَتَلوا بقتلكَ الإسلام، وعطلَّوا الصلاةَ والصيام ونقضُوا السُننَ والأحكام، وهَدمُوا قواعدَ الإيمان، وحرَّفوا آيات القرآن وهملجُوا في البغي والعدوان. لقد أصبحَ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” مَوتوراً، وعَادَ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ مَهجورا، وغُودِرَ الحقّ إذ قُهِرْتَ مَقهوراً، وفُقِدَ بفقْدكَ التكبيرُ والتهليل، والتحريمُ والتحليل، والتنزيلُ والتأويل، وظهَر َبعدكَ التغييرُ والتبديل، والإلحادُ والتعطيل والأهواءُ والأضاليل والفتنُ والأباطيل).
  • لقد ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحر.. هذهِ صورةٌ أُخرى لِظُهور الفسادِ في البرّ والبحر.
  • وفي مَرحلةِ أشراطِ الساعةِ أيضاً تكونُ صُورةٌ أُخرى لِظهور الفساد في البرّ والبحر.. لأنَّهم أعرضوا عن عليٍّ..! ولذا في مرحلة دابَّةِ الأرض كان التمييزُ بين أولئكَ الَّذين دخلوا في حُصْن الولايةِ مِن الَّذين آمنوا بعَليٍّ وآل عليّ.. قضيتنا إذاً مدارها مِن البداية إلى النهاية عليٌّ وآل عليّ.

  • أختمُ حديثي بما جاءَ في الآيةِ 82 بعد البسملة مِن سوره طه: {وإنِّي لَغفّارٌ لِمَن تابَ وآمنَ وعَمِلَ صالحًا ثُمّ اهتدى} يعني حتَّى الَّذي يتوبُ ويُؤمنُ ويعملُ صالحاً هُو مُفسدٌ إلى أن يهتدي.. ونحنُ نقرأ في الزيارة الغديريّة لسيّد الأوصياء الواردةِ عن إمامنا الهادي حين نُخاطِب أميرَ المؤمنين ونقول:

  • (وأنّه – أي رسول الله – القائلُ لكَ: والذي بعثني بالحق نبيّاً ما آمن بي من كفر بك، ولا أقرّ بالله مَن جحدك، وقد ضلّ من صدَّ عنك ولم يهتدِ إلى الله ولا إليَّ من لا يهتدي بك، وهو قول ربّي عزّ وجل: وإنّي لغفارٌ لمَن تابَ وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدى إلى ولايتك).

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …