دليلُ المسافر – الحلقة ٣١ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 14 شوّال 1440هـ الموافق 18 / 6 / 2019م

  • وصل الكلامُ إلى المحطّةِ (7) مِن محطّاتِ طَريقنا الطويل هذا، وهي مَحطّةُ: نفخُ الصور.. إنّها محطّةُ النفختين، النفخةُ الأولى: نَفخةُ الإماتة، والنفخةُ الثانية: نفخةُ الإحياء.. وهذا هُو الجُزءُ الثاني مِن حديثي في أجواءِ المَحطّةِ السابعة.

  • ● في الحلقةِ المُتقدّمة أخذتُكم في جولةٍ سريعةٍ بين آياتِ الكتابِ الكريم وهي تُحدّثُنا عن نفْخ الصُور وما يرتبطُ مِن تفاصيل أجملتْها الآياتُ.. مَرَّ الكلامُ في الحلقةِ الماضية بكُلّ ما جاءَ فيه مِن عرضٍ لآياتِ الكتاب الكريم وأعتقد أنَّ الصُورةَ صارتْ واضحةً لديكم مِن أنَّ القُرآن اهتمَّ اهتماماً كبيراً بهذهِ المحطّة المُهمّةِ في طَريق سفرنا الطويل هذا.
  • وأشرتُ إلى حقيقةٍ واضحةٍ وساطعةٍ جدّاً وهي أنَّ القُرآنَ ربطَ بين عقيدتنا في التوحيد وبين ما يتجلّى في هذهِ المحطّة ونحنُ نتحدّثُ عن مُستقبل هذا الكون وعن مُستقبل هذا الوجود.
  • للتذكير: مِن أهمّ الآياتِ التي تَحدَّثتْ في هذا الموضوع الآيةُ 68 بعد البسملةِ مِن سُورة الزُمر:
  • {ونُفِخَ في الصُور فصَعق من في السماوات ومن في الأرض إلّا من شاء اللّهُ ثُمَّ نُفخ فيه أُخرى فإذا هُم قيامٌ ينظُرون}.
  • ● قوله: {ونُفِخَ في الصُور فصَعق من في السماوات ومن في الأرض إلّا من شاء اللّهُ..} هذهِ النفخةُ الأولى إنّها نفْخةُ الإماتة.. والذينَ لا يُصعَقون في النفْخةِ الأولى فهُم لا يتأثّرون في النفْخةِ الثانية.
  • وكذلك ما جاءَ في الآية 87 بعد البسملة مِن سُورة النمل:
  • {ويومَ يُنفَخُ في الصُور فَفزع مَن في السماواتِ ومَن في الأرض إلّا مَن شاء اللّهُ وكُلٌّ أتوهُ داخرين}.
  • الآيةُ هُنا تتحدّثُ عن نفْخ الصُور، وبشكلٍ خاص إنّها تُشيرُ إلى النفخةِ الثانية.
  • قوله: {فَفزع مَن في السماواتِ ومَن في الأرض} هذا الفزعُ مع الإحياء.. هُناك فزعٌ وحيرةٌ مع الإماتةِ ولكنّهم يموتون، والآيةُ هُنا تتحدّثُ عن الإحياء.. إنّها في النفخةِ الثانية.. كُلٌّ أتوهُ داخرين في النفخةِ الثانية حالةِ إنكسارٍ ومذلّةٍ وهوانٍ واستكانةٍ.. إنّهم العبيدُ الداخرون، وهذا هو شأنُ العبد الداخر.

  • قرأتُ عليكم في [تفسير القمي] صفحة 593 فيما يَرتبطُ بالآية 68 من سُورة الزُمر التي قرأتُها عليكم قبل قليل.

  • الرواية عن إمامنا السجّاد “عليه السلام” وهُو يُحدّثنا عن إسرافيلَ وعن صُوره.. مِمّا جاءَ في الرواية:
  • (فإنَّ اللهَ يأمرُ إسرافيل فيهبطُ إلى الأرض ومعهُ الصُور، وللصُور رأسٌ واحدٌ – وهو مصدرُ القرارات – وطرفان، وبين طَرَفِ كُلّ رأسٍ منهما ما بينَ السماء والأرض، قال: فإذا رأتْ الملائكةُ إسرافيل وقد هبَطَ إلى الدُنيا – أي ما دُونَ السماء الدُنيا – ومعهُ الصُور، قالوا: قد أذِنَ اللهُ في موتِ أهْل الأرض وفي موتِ أهل السماء،
  • قال: فيهبطُ إسرافيل بحظيرةِ بين المقدس ويستقبلُ الكعبة، فإذا رآهُ أهْل الأرض قالوا: قد أذِنَ اللهُ في موتِ أهْل الأرض، قال: فينفخُ فيه نفخةً فيخرجُ الصوت مِن الطَرَف الذي يلي أهل الأرض – برجُ الإرسال باتّجاهِ عالم الدُنيا – فلا يبقى في الأرض ذُو رُوحٍ إلّا صَعِقَ ومات، ويَخرجُ الصوتُ مِن الطَرَف الذى يلي أهْل السماوات فلا يبقى في السماواتِ ذُو رُوحٍ إلّا صَعِقَ ومات إلّا إسرافيل، فيمكثونَ في ذلك ما شاءَ الله، قال: فيقولُ اللهُ لإسرافيل: يا إسرافيل مُتْ، فيموتُ إسرافيل، فيمكثونَ في ذلكَ ما شاءَ الله..).
  • ● قوله: (فإنَّ اللهَ يأمرُ إسرافيل فيهبطُ إلى الأرض ومعهُ الصُور) إنّها النفخةُ الأولى، لأنَّهُ في النفخةِ الثانية إسرافيل لن يكونَ حيّاً.. إسرافيلُ ينفخُ النفخةَ الأُولى وبعد ذلك هو يموتُ أيضاً.
  • النفخةُ الثانية يتولّاها اللهُ سُبحانَهُ وتعالى عِبْر الذين نُخاطبهم في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وإيابُ الخَلْقِ إليكم وحسابهم عليكم).
  • ● قوله: (وللصُور رأسٌ واحدٌ وطَرَفان) أمَّا الرأسُ الواحدُ فهو جهةُ إصدارِ الأوامر والقرارات وهي جهةٌ واحدة.. الرأس الواحد هو مقرُّ القراراتُ ومَصدرها، ومِن هُنا تصدرُ الإشاراتُ التي تُقرّرُ الإماتةَ وتُقرّرُ الإحياء.
  • وأمَّا الطرفان فهما بمثابةِ أبراج الإرسال، طَرَفٌ للعوالم السُفليّة وطَرَفٌ للعوالم العُلويّة.. إنّها أبراجُ الإرسال.. إنّها عجائبيّةٌ لا تنتهي عجائبيّتُها.
  • ● قوله: (فيهبطُ إسرافيل بحظيرةِ بين المقدس ويستقبلُ الكعبة) إسرافيل هُنا يتّخذُ مَوقعاً جغرافيّاً مُعيّناً بإحداثيّاتٍ مُعيّنة لأنّهُ يُريدُ أن يُرسِلَ عِبْر أبراج الإرسالِ العظيمة التي لا نتصور مدى ارتفاعها، ولا نتصوّر مدى قُدرة الأمواج المُرسلةِ مِن أبراجِ الإرسالِ هذه..!

  • وقفة عند روايةٍ مُهمّةٍ أُخرى.. الروايةُ عن إمامنا الصادق “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج3] صفحة 242 الحديث (25).

  • (بسندهِ عن يعقوب الأحمر، قال: دخلنا على أبي عبد الله “عليه السلام” نُعزّيه بإسماعيل – ولده – فترحّم عليه، ثُمَّ قال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ نَعى إلى نبيّه نفسه فقال: {إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون} وقال: {كُلُّ نفْسٍ ذائقةُ الموت} ثمَّ أنشأ يُحدّثُ فقال: إنّهُ يموتُ أهْلُ الأرض حتّى لا يبقى أحد، ثمَّ يموتُ أهل السماء حتّى لا يبقى أحدٌ إلّا مَلَكُ الموتِ وحَمَلَةُ العَرش وجبرئيلُ وميكائيل، قال: فيجئُ مَلَكُ الموتِ حتّى يَقومَ بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ فيُقالُ لَهُ: مَن بقي؟ – وهُو أعلم – فيقولُ: يا ربّ لم يبقَ إلّا مَلَكُ الموت وحَمَلَةُ العرش وجبرئيل وميكائيل، فيُقال لهُ: قُلْ لجبرئيل وميكائيل فليموتا، فتقولُ الملائكة عند ذلك: يا ربّ رسوليكَ وأمينيك، فيقول: إنّي قد قضيتُ على كُلِّ نفْسٍ فيها الرُوح الموت، ثُمَّ يجيئُ ملك الموت حتّى يقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ فيُقال لهُ: مَن بقي؟ – وهُو أعلم – فيقول: يا ربّ لم يبقَ إلّا مَلَكُ الموت وحَمَلَة العَرش، فيقول: قُلْ لِحَمَلةِ العَرش فليموتوا، قال: ثمَّ يجيئُ – مَلَكُ الموت – كئيباً حزيناً لا يرفعُ طَرْفه فيُقال: مَن بقي؟ فيقول: يا ربّ لم يبقَ إلّا مَلَكُ الموت، فيُقالُ لهُ: مُتْ يا مَلَك الموت، فيموت.. ثُمَّ يأخذُ الأرض بيمينهِ والسماوات بيمينه، ويقول: أينَ الذين كانوا يدعون معي شريكاً؟ أين الذين كانوا يَجعلون معي إلهاً آخر؟..).
  • قَطْعاً هذهِ الرواياتُ كُلُّ روايةٍ تنقلُ لنا جانباً مِن هذا الموضوع الواسع.. إذْ لا يُمكنُ لِروايةٍ في كلماتٍ قليلةٍ في سُطورٍ محدودةٍ أن تُحيطَ بكُلّ تفاصيلِ ما يجري في هذهِ المرحلةِ الهائلةِ العظيمة.
  • ● قوله: (ثُمَّ يأخذُ الأرض بيمينهِ والسماوات بيمينه) يمينُ اللهِ هي يدهُ الباسطة، ونَحنُ نقرأ في الزيارةِ السادسةِ لسيّد الأوصياء “عليه السلام” هذهِ العبارات: (السلامُ عليكَ يا عين الله الناظرة ويده الباسطة..).
  • ● مثلما أشرتُ قبل قليل إلى أنَّ الأحاديثَ والرواياتِ كُلُّ نصٍّ منها يَعرضُ لنا جانباً، ولِذا لابُدَّ أن نَجمعَ بين هذهِ الصُوَر.. فهذهِ حقائقُ تتكاملُ حين نجمعُ الصُور مِن آياتِ قرآنهم المُفسَّر بتفسيرهم “عليهم السلام”.. ومِن أدعيتهم ومِن مناجياتهم ومِن زياراتهم ومِن أحاديثهم ومِن أجوبتهم على أسئلةِ السائلين.. مِن كُلّ ما تختصرهُ هذهِ الجملةُ النوريّةُ العاليّةُ العالية: (كلامكم نور) كما نقرأ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.

  • وقفة عند حديثِ الإمام الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في كتاب [زيد النرسي] وهو مِن الكُتُب التي أُلّفتْ زمان إمامنا الصادق – الحديث (9):

  • (عن زيدٍ النرسي، قال: حدّثني عُبيد بن زرارة قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول: إذا أماتَ اللهُ أهْل الأرض – عِبْر النفخة الأولى في الصُور – لبِثَ مثلما كانَ الخَلْق ومِثْلما أماتهم وأضعافَ ذلك – إنّها مرحلةُ سكون – ثُمَّ أماتَ أهْل السماء الدُنيا، ثمَّ لَبِثَ مِثْلما خَلَق الخَلْق ومِثل ما أماتَ أهْل الأرض والسماء الدُنيا وأضعافَ ذلكَ، ثُمَّ أماتَ أهْل السماءِ الثانية، ثُمَّ لبِثَ مثلَ ما خَلَقَ الخَلْق ومثلما أماتَ أهْل الأرض والسماءِ الدُنيا والسماءِ الثانية وأضعافَ ذلك، ثُمَّ أماتَ أهْل السماءِ الثالثة ثُمَّ لَبِثَ مِثْلما خَلَق الخَلْق ومثلما أماتَ أهْل الأرض والسماءِ الدُنيا والسماءِ الثانية والسماءِ الثالثة وأضعافَ ذلك، ثمَّ أمات أهْل السماء الرابعة، ثمَّ لبِثَ مثلما خَلَق الخَلْق ومثلما أماتَ أهْل الأرض وأهْل السماء الدُنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة والسماء الرابعة وأضعاف ذلك، ثُمَّ أماتَ أهْل السماءِ الخامسة ثمَّ لبِثَ مثلما خَلَق الخَلْق ومثلما أماتَ أهْل الأرض وأهل السماء الدُنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة والرابعة والسماء الخامسة وأضعاف ذلك ثمَّ أماتَ أهْل السماء السادسة ثمَّ لَبِثَ مثلما خَلَق الخَلْق ومثلما أماتَ أهْل الأرض وأهْل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة وأضعاف ذلك، ثُمَّ أماتَ أهْل السماء السابعة، ثمَّ لبِثَ مثلما خَلَق الخَلْق ومِثلما أماتَ أهْل الأرض وأهْل السموات إلى السماء السابعة وأضعاف ذلكَ، ثُمَّ أماتَ ميكائيل، ثُمَّ لبِثَ مثلما خَلَق الخَلْق ومثل ذلكَ كلّهِ وأضعاف ذلك كلّه، ثمَّ أماتَ جبرئيل ثمَّ لبِثَ مثلما خَلَقَ الخَلْق ومثْلَ ذلك كلّه وأضعاف ذلك كلّه، ثُمَّ أمات إسرافيل، ثُمَّ لبِثَ مثْلما خَلَق الخَلْق مثل ذلكَ كلّه وأضعاف ذلك، ثُمَّ أماتَ ملَكَ الموت، قال ثمَّ يقولُ تبارك وتعالى: لِمَن المُلْك اليومَ؟ فيردُّ على نفسهِ: لله الواحد القهار. أين الجبّارون؟ أين الذين ادّعوا معي إلهاً؟ أين المتكبّرون؟ ونحو هذا – هذا التعبير “ونحو هذا” مِن الراوي – ثمَّ يلبث مثلما خَلَق الخَلْق ومثل ذلك كلّه وأضعاف ذلك، ثمَّ يبعثُ الخَلْق وينفخُ في الصُور.. قال عبيدُ بن زرارة: فقلتُ: إنَّ هذا الأمر كأنّك طوّلتُ ذلك، فقال “عليه السلام”: أرأيتَ ما كانَ قبل أن يخلُقَ الخَلْق أطول أو ذا؟ قال: قلتُ: ذا. قال: فهل علمتَ بهِ؟ قال: قلتُ: لا. قال فكذلك هذا – إنّها مرحلةُ السكون، وإنّما يكونُ الإستشعارُ في مرحلةِ الحركة -).
  • ● قوله: (إذا أماتَ اللهُ أهْل الأرض، لبِثَ مثلما كانَ الخَلْق ومِثْلما أماتهم وأضعافَ ذلك) إنّها مرحلةُ سكون.. ليس هُناك مِن حسابٍ بسنيّ الأرض، فنَحنُ نتحدّثُ عن مرحلةِ ما بعد أشراط الساعة.. التغيّراتُ بدأتْ مُنذُ عصْرِ الظُهور الشريف.. فالأحوالُ تتغيّرُ وتختلفُ عن أحوالنا التي نَحنُ عليها الآن مُنذ بداياتِ عصْر الظُهور الشريف، وعصْر الرجعةِ عصْرٌ طويلٌ جدّاً.
  • ● قوله: (أرأيتَ ما كانَ قبل أن يخلُقَ الخَلْق أطول أو ذا؟) هذا يُرجِعُنا إلى الحديث: (رَحِمَ اللهُ امرءاً عرِفَ مِن أين وإلى أين؟).
  • الإمامُ هُنا يقول: مِن أنّك يا عُبيد لَمّا مَرَرتَ عِبْر الطريق الطويل ابتداءً مِن رَحِمِ الحقيقةِ المُحمّديّةِ إلى أن وصلتَ إلى هذهِ الدُنيا.. هل تستشعِرُ الآن طُولَ ذلك الطريق؟! فذلكَ الطريقُ كان أطول.. فإنَّ الخَلْق كان بعد أن أشرقتْ الحقيقةُ المُحمّديّةُ بفيضِ أسمائها الحُسنى.. ومِن هُنا يتكاملُ الإنسانُ في عِلْمهِ ولو بنحوٍ إجماليّ لِمسيرتهِ “مِن أين؟ وإلى أين؟”.
  • عِلْمهِ ولو بنحوٍ إجماليّ لِمسيرتهِ “مِن أين؟ وإلى أين؟”.
  • فمِثلما أنتَ لا تستشعِرُ وأنتَ في الدُنيا ما مَرَرتَ به مُنذُ أن كُنتَ في رَحِمِ الحقيقةِ المُحمّديّة حتّى وَصلتَ إلى رَحِم أُمّكَ وحتّى خَرجتَ مِن رَحِمِ أُمّكَ وحتّى درجتَ تمشي على هذه الأرض.. كذلك أنتَ لا تستشعرُ مَحطّاتِ طريقكَ “إلى أين؟”.
  • الإنسانُ لا يتذكّر إذا أرادَ أن يعودَ بذاكرتهِ إلى أيّامِ صِباه.. فإنَّ ذاكرتَهُ تبدأُ مِن السنةِ الرابعة، فماذا نتذكّرُ مِن أيّامنا مُنذ أن خَرجنا مِن بطون أُمّهاتنا إلى الوقتِ الذي تبدأُ الذاكرةُ تُسجّلُ ما تُسجّل؟! وماذا نتذكّر حين كُنّا في أرحامِ أُمّهاتنا؟! وماذا نتذكّر حين كُنّا في المحطّاتِ السابقةِ في ذلك الطريق الطويل؟! ذلك الطريقُ أطولُ مِن هذا الطريق الذي نتحدّث عنه (رَحِمَ اللهُ امرءاً عرِفَ مِن أين وإلى أين؟)
  • فالإنسانُ لا يستشعرُ طُول الطريق الذي مَرَّ بهِ مُنذ أن خرجَ مِن رَحِم الحقيقةِ المُحمّديّةِ إلى هذهِ الّلحظة.. قد أُنسيَ ذلك، لأنَّ الإنسانَ لن يستطيعَ أن يُواصِلَ العيشَ على هذا التراب وهُو مُثقَلٌ بالذاكرةِ الطويلةِ لتفاصيلِ هذهِ المسافةِ الشاسعةِ والبعيدةِ مِن رَحِمِ الحقيقةِ المُحمّديّة إلى رَحِم هذه الأرض.

  • وقفة عند مقطع مِن دُعاء الإمام السجّاد في [الصحيفة السجّاديّة الكاملة] في الصلاةِ على حَمَلَةِ العَرش وكُلّ مَلَكٍ مُقرّبٍ:

  • (وإسرافيلُ صاحبُ الصُور، الشاخصُ الّذي ينتظرُ منكَ الإذن وحلول الأمْر، فيُنبّهُ بالنفخةِ صَرعى رهائنِ القُبُور..).
  • الإمامُ هُنا يتحدّثُ عن النفخةِ الأولى وهي نفخةُ الإماتة، لا كما يشرحُ الشُرّاح وكما يكتبونَ في الكُتُب مِن مراجع الشيعةِ ومِن عُلَمائهم مِن أنَّ الدُعاءَ هُنا يتحدَّثُ عن النفخةِ الثانية.. فإنَّ إسرافيل في النفْخةِ الثانية يكونُ ميّتاً فحينما تكونُ النفخةُ الثانية فإنَّ إسرافيل سيكونُ حيّاً بسبب النفخةِ الثانية.
  • ● قوله: (الشاخصُ الّذي ينتظرُ منكَ الإذن وحلول الأمْر) أي الشاخص الذي شَخَص ببصرهِ وبنظرهِ إليك.. هُو يتوقّعُ صُدورَ الأمْر في كُلّ لحظة، ولِذا فإنّهُ قد شَخَص ببصرهِ ونظرهِ إليك.. سُبحانكَ وتعاليت.
  • هذهِ التعابيرُ تتحدّثُ عن جلالِ الأمر.. إنّها الإماتة.
  • ● قوله: (فيُنبّهُ بالنفْخةِ صَرعى رهائنِ القُبُور) صرعى رهائنُ القُبور سيشعرونَ بالنفخةِ الأولى، لأنَّ النفخةَ الأولى لِجلالها لا يبقى ذُو رُوحٍ لا مِن الأحياء إلّا ومات، ولا مِن الأمواتِ إلّا وهزّتهُ هزّاً.. حتّى الذين هُم في مقابر النوم سيشعرون بنفخةِ إسرافيل.
  • وقد مَرَّ الحديثُ عن عالمِ القبر، ومرَّ الحديثُ عن مقابرِ النوم، ومَرَّ الحديثُ عن قُبورٍ جنانيّة وعن قُبورٍ نيرانيّة وعن جنانٍ في البرزخ وعن جنّاتِ عدنٍ في البرزخ وعن نيرانِ عدنٍ في البرزخ.. مرَّ الحديثُ في كُلّ هذا في الحلقاتِ المُتقدّمة.

  • وقفة عند مقطع مِن حديثٍ طويل لإمامنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” مع أحدِ الزنادقةِ في كتاب [الاحتجاج] للشيخ الطبرسي. في صفحة 336:

  • (ومِن سُؤالِ الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عن مسائل كثيرة…) إلى أن نَصِلَ إلى صفحةِ 350. يقول هذا الزنديق للإمام الصادق “عليه السلام”:
  • (أفتتلاشى الرُوحُ بعد خُروجهِ عن قالبهِ – أي عن جسد ذِي الرُوح – أم هُو باقٍ؟ – أي أم الرُوح باقية؟ – قال “عليه السلام”: بل هُو باقٍ إلى وقتِ يُنفَخُ في الصُور، فعند ذلكَ تبطلُ الأشياء وتفنى فلا حِسٌّ ولا محسوس، ثمَّ أُعيدتْ الأشياء كما بدأها مُدبّرُها – بعد النفخةِ الثانية – وذلكَ أربعُمائةِ سنةٍ يسبتُ فيها الخَلْق وذلكَ بينَ النفختين..).
  • الرُوحُ يُمكن أن تُؤنّثَ ويُمكن أن تُذكّر.. وهُنا السائلُ يتحدّثُ عن الرُوح بلسان التذكير.. فيقول السائل: أنَّ الرُوحَ إذا خرجتْ مِن بدن الإنسان مثلاً، فهل ستبقى هذهِ الرُوح أم تتلاشى مِثلما يتلاشى البدن؟ لأنَّ البدنَ سيتلاشى في التُراب.
  • سيأتينا الحديثُ عن نفخةِ الإماتة، لأنَّ هذهِ النفْخة يتلوها موتٌ وفناء.. هُناك موتٌ وهناك فناء، والحديث هنا عن الفناء الذي يكونُ بعد النفخةِ الأولى.
  • عند النفْخِ في الصُور مَن كانتْ رُوحهُ في جسدهِ فإنّها ستنفصِلُ عن جسده، فهذا هُو الموت، هذهِ الإماتة.. وأمَّا الأرواحُ المُنفصلةُ أساساً عن أجسادها والأرواحُ التي ستلتحِقُ بها بعد موتها فإنّها ستمرُّ جميعاً في مَرحلةِ الفناء.. الإمامُ يتحدّثُ هُنا عن الفناء الذي سيكونُ بعد الموت لأنَّ السائلَ سألَهُ عن الأرواح ولم يسألهُ عن الأحياء عند النفْخةِ.. فإنَّ الأحياءَ عند النفْخةِ سيموتون أوّلاً ثُمّ يفنونَ بعد ذلك.. أمّا الأمواتُ فإنّهم قد ماتوا، فيمرُّون بمرحلةِ الفناء.. فبعْدَ النفخةِ هُناك موتٌ وهُناك فناء، وفي النفخةِ الثانية سيحوّلُ الفناءُ إلى بقاء ويتحوّلُ الموتُ إلى حياة.
  • الموتُ سيُصيبُ الذين هُم أحياء (أكانوا في أرضنا هذهِ أم في سائر الأرضين الأُخرى) في كُلّ العوالم السُفليّة وحتّى في العوالم العُلويّة إلّا مَن شاءَ الله وهُم الخالدون، هُم العالون الذين هُم عند الله.. إنّهم الصُورةُ الكاملةُ التي تُعنونُ بالإسْم الأعظم الذي خَلَقهُ سُبحانهُ وتعالى فاستقرَّ في ظِلّهِ فلا يخرجُ مِنهُ إلى غيره.
  • ● قوله: (فعند ذلكَ تبطلُ الأشياء وتفنى) في ثقافةِ الكتاب والعترة الفناءُ ليس هُو العَدم، الفناءُ شيءٌ آخر سأُحدّثكم عنهُ في هذهِ الحلقةِ وبقيّةُ الحديث تأتينا في الحلقةِ القادمةِ إنْ شاء اللهُ تعالى.
  • ● قوله: (وذلكَ أربعُمائةِ سنةٍ يسبتُ فيها الخَلْق وذلكَ بينَ النفختين) إنّهُ السكون.. وهذهِ الأرقام مِثلما أشرتُ في الحلقةِ الماضية إنّما تأتي بلسان التقريب.. وقد مرَّ علينا في الحلقة الماضية أنّهُ حين سُئِل الإمام السجّاد “عليه السلام”: كم مِن الوقتِ بين النفختين؟ قال الإمامُ: “ما شاء الله”.. فما بينَ النفختينِ ما شاءَ الله.. وهذهِ الأرقامُ تأتي بلسانِ التقريب، باعتبار أنَّ السائل يبحثُ عن كُلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ لأجلِ الجدلِ والنقاش كما هُو واضحٌ مِن خلالِ أسئلةِ هذا المُلحد الزنديق.. وأعتقدُ أنَّ الروايةَ التي قرأتُها عليكم مِن كتابِ زيدٍ النرسي فيها تفصيلٌ لِهذا المضمون، لا أعيد ما تقدّم مِن حديث.

  • خُلاصة سريعة لِما تقدّم:

  • المحطّةُ السابعةُ نفْخُ الصُور.. إنّهما نفختانِ نفخةُ إماتةٍ، ونفخةُ إحياء وما بينهما ما شاء الله.
  • النفخةُ الأولى نفْخةُ الإماتةِ إنّها تسلُبُ الرُوحَ مِن كُلّ ذِي رُوحٍ في العوالمِ السُفليّة والعُلْويّة، وتُنبّهُ الأمواتَ الذينَ هُم صرعى رهائن القُبور.. تُنبّهُهم إلى التغيّراتِ والأهوالِ والعظائمِ مِن الأُمورِ التي سيُقبِلون عليها.. تُنبّهُ صرعى رهائن القبور وبعد ذلك يكونُ الفناء.. الفناءُ للذين كانوا قد ماتوا قبل النفْخةِ والفناءُ للذين ماتوا بعد النفْخةِ وبسببِ النفْخة.. فهُناك مِن الأمواتِ ماتوا قبل النفْخةِ لأيّ سببٍ كان، للأسباب التي أدّتْ إلى موتهم.. وهُناك مِن الأمواتِ مِن قُطّانِ العوالمِ السُفليّة ومِن قُطّان العوالم العلويّة سيموتون بسبب النفخة.. الجميع مَن ماتوا قبل النفخة ومن ماتوا بعد النفخةِ سيُدركهُم الفناء ما بعدَ الموت، فهُناك موتٌ وهناك فناء.. والفناءُ ليس هُو العدم كما أشرت، وستّتضحُ الفكرةُ جليّةً شيئاً فشيئاً.
  • في النفخة الثانية سيتغيّرُ الفناءُ إلى البقاءِ وسيتغيّرُ الموتُ إلى الحياة.

  • وقفة عند مقطع مِن كلماتِ سيّد الأوصياء في [نهج البلاغة] رقم الخطبة (186) صفحة 199 – وهي خطبةٌ طويلةٌ مِن الخُطَب التوحيديّةِ الجامعة.

  • مِمّا جاءَ فيها يقول سيّد الأوصياء وهُو يتحدّثُ عن فناءِ الدُنيا والذي سيكونُ بعد النفخةِ الأولى وبعد أن تُستَلبَ الأرواحُ مِن ذوي الأرواح:
  • (وليس فناءُ الدُنيا بعدَ ابتداعها – أي إيجادها مِن الّلاشيء – بأعجَبَ مِن إنشائها واختراعها، وكيف ولو اجتمعَ جميعُ حيوانها مِن طَيرها وبهائمها وما كان مِن مُراحها وسائمها، وأصنافِ أسناخها – أي أنواعها – وأجناسها، ومُتبلّدة أُمَمِها وأكياسها – الأغبياءُ والأذكياء منهم – على إحداثِ بعُوضةٍ ما قَدَرتْ على إحداثها – أي خلقها – ولا عرفتْ كيف السبيلُ إلى إيجادها، ولتحيّرتْ عُقُولها في عِلْم ذلكَ وتاهتْ وعَجزتْ قُواها وتناهتْ، ورجعتْ خاسئةً حَسيرةً عارفةً بأنّها مَقهُورةٌ مُقِرةً بالعَجْز عن إنشائها، مُذعنةً بالضَعْف عن إفنائها!
  • وإنَّ اللهَ سُبحانهُ يعُودُ بعد فناءِ الدُنيا وحْدهُ لا شيءَ معهُ – في أُفُق الدنيا – كما كان قبل ابتدائها، كذلكَ يكُونُ بعد فنائها بلا وقتٍ ولا مكان ولا حينٍ ولا زمان عُدمتْ عند ذلك الآجالُ والأوقاتُ، وزالتْ السُنُون والساعاتُ – هذه هي آثارُ التراكيب – فلا شيء إلّا الله الواحدُ القهّار الّذي إليه مصيرُ جميع الأُمُور بلا قُدْرةٍ منها – أي الدُنيا – كان ابتداءً خلقها، وبغير امتناعٍ منها كان فناؤُها، ولو قَدرتْ على الامتناع لَدامَ بقاؤُها، لم يتكأدهُ – أي لم يصعبْ عليه – صنْعُ شيءٍ منها إذْ صَنَعه، ولم يُؤدّهُ منها – أي يُثقله – خلْقُ ما خلَقَهُ وبَرَأه، ولم يُكوّنها لتشديد سُلطانٍ، ولا لِخَوفٍ من زَوالٍ ونُقصانٍ، ولا للاستعانةِ بها على ندٍّ مُكاثرٍ ولا للاحترازِ بها مِن ضدٍّ مُشاورٍ ولا للازدياد بها في مُلكه، ولا لمُكاثرة شريكٍ في شِركه – أي في مُشاركته – ولا لوحشةٍ كانتْ منه، فأرادَ أن يستأنس إليها. ثُمَّ هُو يُفنيها بعد تكوينها – التكوين هو التركيب – لا لسأمٍ دخل عليه في تَصريفها وتَدبيرها ولا لراحةٍ واصلةٍ إليه، ولا لثقلِ شيءٍ مِنها عليه، لا يَملُّهُ طُولُ بقائها فيدعُوهُ إلى سُرعةِ إفنائها، ولكنّه سُبحانهُ دبّرها بلُطفه، وأمْسكها بأمره، وأتقنها بقُدرته، ثُمَّ يُعيدُها بعد الفناءِ مِن غير حاجةٍ منهُ إليها – بعد النفخةِ الثانية – ولا استعانةٍ بشيءٍ منها عليها، ولا لانصرافٍ مِن حالِ وحْشةٍ إلى حالِ استئناسٍ، ولا مِن حال جهلٍ وعمىً إلى حال علمٍ والتماسٍ، ولا مِن فقْرٍ وحاجةٍ إلى غنى وكثرةٍ، ولا من ذُلٍّ وضعةٍ إلى عزٍ وقُدرةٍ….).
  • الخُطبةُ لم تتحدّثْ عن أصْل الفيض، وإنّما عن زوالِ هذهِ التراكيب عن زوالِ هذهِ التفاصيل (الوقت، الزمان، المكان، الآجالُ والأوقاتُ، السُنُون والساعاتُ)
  • بعبارةٍ أُخرى: الخُطبةُ لم تتحدّث عن مادّةِ الفيض وإنّما تحدَّثتْ عن الصُوَر التي تَصوَّر بها الفيضُ في عَالمِ الدُنيا، ولِذلكَ قال الأميرُ “عليه السلام”: (وإنَّ اللهَ سُبحانهُ يعُودُ بعد فناءِ الدُنيا وحْدهُ لا شيءَ معهُ كما كان قبل ابتدائها) الحديثُ عن الدُنيا.. فالدُنيا كانتْ قبل ابتدائها في مكنونِ الغَيب.. كما نقرأُ في خُطبة الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ الله وسلامهُ عليها”:
  • (وأشهدُ أنَّ أبي مُحمَّداً عبدهُ ورسوله، اختارهُ وانتجبهُ قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتَبَاهُ، واصطفاه قبل أن ابتَعَثَهُ، إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة، وبنهاية العدم مقرونة..).
  • فالدُنيا لم تكنْ معدومة، إنّها مقرونةٌ بالعدم ولكنّها موجودةٌ بدرجةٍ مِن درجاتِ الوجود (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة) إنّها مَصونةٌ ومكنونة في الغَيب، وهذا هُو الفناء، فليس مِن عدمٍ هُنا.. وسأعودُ إلى هذا المضمون.. إنّما أشرتُ إلى ما جاءَ في خُطبةِ الصدّيقةِ الكُبرى كي أُقرّب الصُورةَ إليكم.
  • فبعد النفخةِ الأولى هُناك موتٌ للأحياء لِمَن صاحبتْ الأرواحُ أجسادهم، وهُناك فناءٌ للدُنيا بكُلّ ما فيها (للأرواحِ ولِذوي الأرواح ولكُلّ شيء) إنّها مَرحلةُ الفناء، مَرحلةُ السكون (بهم تحرّكتْ المُتحرّكات، وبهم سكنتْ السواكن) في الغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة، وبنهاية العدم مقرونة.
  • وهُناك تنبيهٌ للأمواتِ، فإنَّ إسرافيلَ صاحبَ الصُور الشاخصُ الذي سينفخُ في صُورهِ إنّهُ سيُنبّهُ صرعى رهائن القبور.. إنّها مقابرُ النوم، وأكثرُ الناس سيكونون في هذهِ المقابر.
  • ● قوله: (وما كان مِن مُراحها وسائمها) تعبير: “مِن مُراحها” فيه الإشارةُ إلى الحيوانات المواشي التي هي في بيوتها التي تُربّى فيها وتعيشُ فيها، وأمَّا “سائمها” فهي الحيواناتُ التي تتحرّكُ في الأرضِ المفتوحة، في المراعي، في الحقول في كُلّ مكان.
  • ● قوله: (وزالتْ السُنُون والساعاتُ فلا شيء إلّا الله الواحدُ القهّار) حتّى هذا الاستعمالُ لهُ علاقةٌ بالموضوع الذي نَحنُ بصددهِ.. فحين استعملَ هذا الإسْم “القهّار” فلأنَّ أصْلَ الفيضِ مكنونٌ في الغَيبِ ومَصونٌ بستر الأهاويل وتلكَ هي غَلَبةُ القهْر الإلهي.
  • ● خُطبةُ سيّد الأوصياء تشتملُ على دقيق المعاني لكنَّ الخُلاصةَ التي نستخلِصُها مِن هذه الخُطبةِ الشريفة هي أنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى سيُفني الدُنيا (وأعني بالدُنيا أي كُلَّ ما تحتَ سقف السماء الدُنيا) سيفني الدُنيا، ولكنّهُ بعد ذلك سيُعيدها، ثُمَّ يُعيدها بعد الفناءِ مِن غيرِ حاجةٍ مِنهُ إليها.

  • وقفة عند كتاب [بحار الأنوار: ج6] في صفحة 230 الشيخُ المجلسي يُورد ما قرأتهُ عليكم مِن كلام سيّد الأوصياء في الخُطبة 186 من نهج البلاغة، وبعد أن يُورد هذا المقطع يُعلّق الشيخ المجلسي فيقول:

  • (اعلم أنَّ ظاهرَ هذا الخبر فناءُ جميعِ المخلوقات عند انقضاءِ العالم كما هُو مذهبُ جماعةٍ مِن المُتكلّمين..) ومراده بذلك العدم أنّها تُعدَم.
  • أنا جئتُكم بمثالٍ مِن مُتخصّصٍ في جَمْعِ حديث العترة وهُو الشيخ المجلسي، هكذا يفهُم كلامَ أمير المُؤمنين..! وأنا لَستُ بصَددِ أن أُورِدَ ما كَتَبهُ المراجعُ والعلماء بهذا الصدد.. الشيخ المجلسي نموذجٌ مِن النماذج.. فحينما وقفَ الشيخ المجلسي بين يدي هذهِ الخُطبةِ الشريفة فَهِمَ أنَّ المُرادَ مِن انقضاءِ العالم هُو العَدم.
  • ● أعتقدُ أنَّ خُطبةَ سيّد الأوصياء كانتْ واضحةً جداً.. فسيّدُ الأوصياء كان يتحدّثُ عن عالم الدُنيا (أعني ما دُون السماء الدُنيا) ولم يكنْ يتحدّثُ عن كُلّ الموجودات.. إنّهُ يتحدّثُ عن عالم الدُنيا، وقد تحدّثُ عن إفنائها وتحدَّث عن إعادتها إلى مرحلةِ البقاء وأنّهُ سيُعيدها بعد فنائها.. وحينَ تحدّث عن فناءِ الدُنيا إنّهُ تحدَّثَ عن إنعدامِ الآثارِ التي تَرتبطُ بالتراكيب.. أمَّا أصْلُ الفيض فإنّهُ في الغَيب مكنون وبستر الأهاويل مصون مِثلما حدّثتنا الزهراءُ عن بداية الدُنيا.. والأميرُ يقولُ أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى سيُفني الدُنيا مِثلما كانتْ قبل ابتدائها وبعد ذلك يُعيدها.
  • مُصطلحُ “العدم” لم يردْ في الكتاب الكريم أصلاً، وحتّى في أحاديثهم الشريفة.. نعم وردَ في بعضِ الموارد سأُشيرُ إلى أمثلةٍ في الحلقةِ القادمة.
  • مُصطلحُ “الفناء” الذي جاء في خُطبة سيّد الأوصياء لأجل أن أُشخّصَ دلالتهُ فإنّني سأعودُ نفس نهج البلاغة الشريف.
  • ● وقفة عند الخُطبة 83 وهي الخُطبةُ المعروفةُ بالخُطبةِ الغرّاء والتي تحمل عنوان: “في تنفيرهِ مِن الدُنيا”.. يقولُ سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ عليه”:
  • (فإنَّ الدُنيا رَنِقٌ مشربها – أي كَدِرٌ مُتقذّرٌ – رَدِغٌ مشرعها – امتزج بالأطيان والأتربةِ والأوساخ -..).
  • إلى أن يقول وهُو يتحدّث عن خُروج الرُوح مِن الجسد:
  • (وأعلقتْ المرء أوهاقَ المنيّة، قائدةً لهُ إلى ضنكِ المضجع ووحشةِ المرجع، ومعاينةِ المحلّ، وثوابِ العمل، وكذلكَ الخَلَفُ بعَقْب السَلَف، لا تُقلِعُ المنيّةُ اختراما، ولا يرعو الباقون اجتراما، يحتذونَ مثالاً، ويَمضون أرسالاً – مجموعاتٍ مجموعات – إلى غايةِ الانتهاء، وصَيّورِ الفناء، حتّى إذا تصرَّمتْ الأُمور، وتقضّتْ الدُهور، وأَزِفَ النشور أخرجَهم مِن ضرائحِ القُبور وأوكارِ الطيور، وأوجرةِ السباع، ومطارحِ المهالك سراعاً إلى أمْره، مُهطعين إلى معادهِ، رعيلاً صُموتاً، قياماً صُفوفاً، ينفُذُهم البَصَر، ويُسْمِعُهم الداعي، عليهم لَبوسُ الاستكانة، وضَرَعُ الاستسلام والذّلّة، قد ضلّتْ الحيل، وانقطعَ الأمل، وهوتْ الأفئدة كاظمة، وخشعتْ الأصواتُ مُهينمة…)
  • غايةُ ما أُريدُ أن أُبيّنهُ هو أنَّ صَيُّورَ الفناءِ ليس هو العدم، وإنّما هو التحوّل والتقلّب.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …