دليلُ المسافر – الحلقة ٣٢ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 15 شوّال 1440هـ الموافق 19 / 6 / 2019م

  • لازالَ الكلامُ في المَحطّةِ السابعةِ مِن مَحطّاتِ طَريقنا الطويلِ هذا وهي مَحطّةُ: نفْخ الصُور.. إنّها مَحطّةُ النفختين، النفخةُ الأولى: نفخةُ الإماتة، والنفخةُ الثانية: نفخةُ الإحياء. وهذا هُو الجُزءُ الثالثُ مِن حديثي في أجواءِ هذهِ المَحطّة.

  • وصلَ الكلامُ بنا في الحلقةِ الماضية إلى ما جاءَ في خُطبةِ سيّد الأوصياء، وهي الخُطبة 186 مِن خُطَب نهج البلاغة الشريف. في صفحة 199 – وقد قرأتُ عليكم ما قرأتُ منها في الحلقةِ الماضية – مِمّا جاء في هذهِ الخُطبة وهُو يتحدَّث عن فناء الدُنيا، يقول:
  • (وإنَّ اللهَ سُبحانهُ يعُودُ بعد فناءِ الدُنيا وحْدهُ لا شيءَ معهُ، كما كان قبل ابتدائها، كذلكَ يكُونُ بعد فنائها بلا وقتٍ ولا مكان ولا حِينٍ ولا زمان عُدمتْ عند ذلك الآجالُ والأوقاتُ – العدمُ للآثار – وزالتْ السُنُون والساعاتُ…).
  • بيّنتُ بالإجمال أنَّ الفناء ليس هو العدم.
  • هذا العنوان “العدم، والإنعدام” لم يردْ في الكتاب العزيز ولا حتّى في كلماتهم الشريفة “صلواتُ الله عليهم” إلّا في بعض الموارد والتي سأُشيرُ إلى أمثلةٍ مِنها كي تتّضحَ الصُورةُ بين أيديكم.
  • ● نَحنُ في المَحطّةِ السابعة مِن مَحطّاتِ طَريقنا الذي عُنوانهُ: “إلى أين؟” كما جاء في الحديث الشريف: (رَحِمَ اللهُ امرءاً عَرِفَ مِن أين وإلى أين؟)
  • البرنامج مضمونهُ فحواهُ: مَحطّاتُ طَريقنا “إلى أين؟” وهذهِ المَحطّةُ محطّةُ نفْخ الصُور.. وهي نفْختان، النفخةُ الأُولى للإماتةِ حيثُ تُسلَبُ الأرواحُ مِن كُلّ ذي رُوحٍ في العوالمِ السُفليّةِ وفي العوالم العُلويّةِ، ثم تأتي مَرحلةُ الفناء إلى ما شاء الله، ثُمَّ تأتي النفْخةُ الثانية فيتحوّلُ الموتُ إلى حياة ويتحوّلُ الفناءُ إلى بقاء، وليس العدمُ يتحوّلُ إلى وجود، فلا ذِكْرَ للعدمِ فيما جاءَ في أحاديثهم الشريفة فيما يرتبطُ بهذهِ المرحلةِ مِن طَريقنا الطويل البعيد الذي نتحدّثُ عنهُ في هذهِ الحلقاتِ مِن هذا البرنامج.
  • ● إلى أن يقول سيّد الأوصياء وهو يتحدّثُ عن الدُنيا (أي ما دُونَ السماءِ الدُنيا):
  • (ثُمَّ يُعيدُها بعد الفناءِ مِن غير حاجةٍ منهُ إليها..)
  • حديثُنا في نفْخةِ الصُور.. النفخةُ الأولى سيكونُ بعدها إماتةٌ وإفناء، وبعد النفْخةِ الثانية يَتحوّلُ الموتُ إلى حياة والفناءُ إلى بقاء.. والفناءُ ليس هُو العدم، الفناءُ هو عدمٌ للآثارِ والمُتعلّقاتِ، لكنَّ أصْل الفيضِ سيكونُ مَكنوناً في خزائن الغَيب.
  • هذا العُنوانُ الذي يتردّدُ في ثقافةِ الكتاب والعترة مِن أنَّ مُحمَّداً وآل مُحمَّد “صلواتُ اللهِ عليهم” خُزّانُ العِلْم.. أيُّ عِلْمٍ هذا..؟! هل هُو العِلْم الذي أعلمُهُ أنا وتعلمونَهُ أنتم؟
  • العِلْمُ الذي يتحدّثُ هذا العُنوان عنه مِن أنّهم “صلواتُ الله عليهم” خُزّانُ العِلْم.. هذا العِلْم هو حقيقةُ الفيض، فيضُ الوجودِ منبعُهُ العِلْم.. العِلْم الذي يُشيرُ إليهِ هذا العُنوان ليس بصُورٍ لِمعلوماتٍ في الذهن.. إنّها المعلوماتُ بعينها، بنفسها.
  • “خُزّان العِلْم” إنّهم خُزّانُ حقيقةِ الوجود، خُزّانُ حقيقةِ الفيض، جوهرُ الفيض، أصْل الوجود.. هذا هُو العِلْم.
  • ● ما جاءَ في بعض الرواياتِ مِن أنَّ الإمامَ المعصوم يتحدّثُ عن عِلْمهِ بالدُنيا وأنَّ الدُنيا عند الإمام كفلقةِ جوزٍ في راحةِ يده.. كم هُو حجمُ فلْقةِ الجوزة؟!
  • الإمامُ المعصوم يقول أنَّ الدُنيا (أيّ كُلُّ ما تحتَ السماءِ الدُنيا في مغربِ الظلماتِ وفي مشرقِ الضياء، وكُلّ المجرّاتِ وكُلُّ هذهِ المسافاتِ الكونيّةِ الشاسعة، وكُلُّ الخلائقِ في هذا الكونِ المُترامي الأطراف والذي هُو في حالةِ توسّعٍ دائم وفي حالةِ انتشارٍ واستطارةٍ مُستمرّة) هذهِ الدُنيا بكلّها بيدِ الإمامِ المعصوم كفلقةِ جوز..! يعني أنَّ المعلومُ حاضرٌ بنفسه.
  • الإمامُ هُنا يُقرّبُ لنا الأمرَ بمثالٍ، فإنَّ القضيّةَ ليستْ بهذهِ السذاجةِ.. ولكن ماذا يصنعُ الإمام، لابُدَّ مِن وسيلةِ إيضاحٍ لتقريب الفِكْرة إلينا والخطابُ على أيّ حالٍ هو وِفقاً لقانون المُداراةِ في الحديثِ والتبليغِ والبيان.
  • فحينما نقول “خُزّان العلم” ليس الحديثُ عن صُورٍ للمعلومات، ليس الحديثُ عن خُزانة كُتُب، ليس الحديثُ عن ذاكرةٍ شُحنتْ بصُور المعلومات.. هذا الكلام ينطبقُ عليَّ وعليكم، ينطبقُ على الأنبياء وعلى أوصياءهم.. ولكنّهُ لا ينطبقُ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.
  • حينما نتحدّثُ عن عِلْم مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ الحقيقي فإنَّ عِلْمَهم لا يكونُ مَحبوساً بصُورِ المعلومات.. عِلْمُهم عِلْم الله، عِلْمُهم حقائقُ المعلومات، المعلوماتُ في جوهرها، في أصْلها، في حقيقتها بما هي هي.. وليس عِلْمُهم صُوَراً شبحيّةً تكونُ مُقاربةً للحقيقةِ، ولِذا فإنّنا لا نَمتلكُ الحقيقةَ كما هي هي، إنّنا نقتربُ مِن أفلاكها ونَدورُ حَولها طائفينَ مهما بلغَ التدقيقُ في عِلْمنا ومَهما بَلَغ التحقيقُ حتّى في مُستوى بصائرنا.
  • المعلوماتُ التي يُشيرُ إليها هذا العُنوان “خُزّان العِلْم” هي الحقائقُ بِذاتها.. إنّه عِلْمُ الإحاطة.. وما يتجلّى في عالمِ الدُنيا إنّما هي صُورٌ لتلكَ الأصولِ الأصيلةِ والأصليّةِ لحقائقِ الأشياء.. نَحنُ صُوَرٌ مُتحرّكة.
  • فحينما نقرأ في الأدعية: (سَجَد لكَ سوادي وخيالي) هُناك سوادٌ وهُناك خيال.. هُناك شَبَحٌ وهُناك أصْل، وما عُنوانُ الأشباحِ في العَوالمِ العُلْويّة إلّا إشارةٌ إلى أصولِ الأشياء.
  • ● أنا هُنا لا أُريدُ أن أتحدّثَ عن مَحطّاتِ طريقنا مِن أين.. لو كانَ الحديثُ عن هذهِ المحطّاتِ لفصّلتُ الكلام وعُدتُ بكم إلى آياتِ الكتاب الكريم وحديث العترة.. نحنُ نتحدّث في المحطّةِ السابعة وهي: مَحطّةُ النفختين (نفخةُ الإماتةِ ونفخةُ الإحياء).
  • وبعد الإماتةِ، بعد النفخةِ الأولى يأتي الفناء.. والأميرُ هُنا يتحدّثُ عن الفناء هذا.. إنّهُ فناءٌ لا بمعنى العدم، عدمٌ للآثار، عدمٌ للإضافاتِ، عدمٌ للتعلّقاتِ، عدمٌ لِشراشِر الأشياء.. والشراشر هي الذيول، هي الخُيوطُ التي تتدلّى مِن نهاياتِ الشراشفِ والستائر وبعض أنواع الأقمشة.
  • فآثارُ الأشياء، صُوَر التراكيب، تصاميم التكوين، أزمنةُ الّليلُ والنهار، دقائقُ الساعاتِ والأيّامِ هي هذهِ التي ستُعدم.. أمَّا أصْلُ الفيض فإنّهُ ثابتٌ موجودٌ، وكُلُّ شيءٍ مخزونٌ في خزائن الغيب لا يمتلكُ القُدرةَ على الظُهور أو على التحرّك فإنّهُ في مرحلةِ السكون وذلك هو الفناء.. وسيتّضحُ هذا مِن خلالِ تتبُّعي لبعضِ الشواهدِ في كتابِ نهْج البلاغةِ الشريف وفي مصادر أُخرى.
  • ● في الحلقة الماضية قرأتُ عليكم مَقْطعاً مِن الخطبة 83 مِن خُطَب نهْج البلاغةِ الشريف وهي الخُطبةُ المعروفةُ بـ(الخُطبة الغرّاء) مِمّا جاء في هذه الخُطبة الشريفة والتي يدورُ الحديث فيها حول التنفيرِ مِن الدُنيا وما فيها.. يقولُ سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ عليه”:
  • (فإنَّ الدُنيا رَنِقٌ مشربها، رَدِغٌ مَشرعها..)
  • إلى أن يقول سيّد الأوصياء وهُو يتحدّث عن الموت: (وأعلقتْ المرءَ أوهاقَ المنيّة، قائدةً لَهُ إلى ضنْكِ المضجع ووحشةِ المرجع، ومُعاينةِ المَحلّ، وثوابِ العمل، وكذلكَ الخَلَفُ بعَقْب السَلَف، لا تُقلِعُ المنيّةُ اختراما – إنّها تقضي على حياتنا التُرابيّة هذهِ – ولا يرعوي – أي لا يتّعظ – الباقون اجتراما، يَحتذونَ مثالاً، ويَمضون أَرسالاً – مجموعاتٍ مجموعات – إلى غايةِ الانتهاء، وصَيّورِ الفناء..).
  • ● قوله: (ويَمضون أَرسالاً إلى غايةِ الانتهاء، وصَيّورِ الفناء) أي إلى موقعٍ يكونُ فيه فناؤنا.. فلو كان الفناءُ عَدَماً لن يستمرَّ الأميرُ بكلامهِ، فيقول:
  • (حتّى إذا تصرَّمتْ الأُمور، وتقضّتْ الدُهور، وأَزِفَ النشور، أخرجَهم مِن ضرائحِ القُبور وأوكارِ الطيور، وأوجرةِ السباع، ومطارحِ المهالك سراعاً إلى أمْره، مُهطعين إلى معادهِ، رعيلاً صُموتاً، قياماً صُفوفاً، ينفُذُهم البَصَر – أي يُحيطُ بهم مِن جميع الجهات – ويُسْمِعُهم الداعي، عليهم لَبوسُ الاستكانة، وضَرَعُ الاستسلام والذلّة، قد ضلّتْ الحِيَل، وانقطعَ الأمل..).
  • ● قوله: (أخرجَهم مِن ضرائحِ القُبور…) الأمير لم يقلْ أوجدهم، وإنّما قال “أخرجهم”.. إنّهُ إخراجٌ بعد الفناءِ مِن مكنونِ الغَيب، مِن خزائنِ العِلْم، فما العِلْم الذي يُشارُ إليه في خزائنِ العِلْم إلّا حقائقُ الفيضِ وأصله {ن والقلم وما يسطرون} فكُلُّ الحقائقِ موجودةٌ في النون وهي المِحبرة.. فكما أوجدَ القَلَمُ هذهِ الكلمات التي سَطَرها على صفحةِ الكتاب والأوراق، فإنّهُ إنْ كانَ يمتلكُ قُدرةً فائقةً سيُفني ما كَتَب.. لا يعدمُ ما كَتَب وإنّما يُفنيه، سيُعيدُ هذهِ الكلمات إلى خزائنها، إلى موطنها، إلى الرحم الأصلي، إلى الدواة وهي النون، هي المِحبرة.
  • علماً أنَّه وَرَد في أحاديثهم الشريفة أنَّ (نون) مِن أسماءِ مُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله”، والقَلَمُ مِن أسماءِ عليٍّ أمير المُؤمنين “عليه السلام”.
  • قوله: (أخرجَهم مِن ضرائحِ القُبور…) ضرائحُ القُبور هي المنافذُ التي سيظهرُ فيها ما يظهرُ مِن تجلّياتِ خزائن الغيب.. فخزائنُ الغيب إنّما تُبدِعُ ما تُبدعُ عِبْر الوسائط، وتلكَ هي الوسائط.. فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى أبدعنا عِبْر الوسائط.. أعظمُ إبداعٍ مِن إبداعه أنّهُ أجملُ الجمال (الّلهمَّ إنّي أسألكَ مِن جمالكَ بأجملهِ، وكُلُّ جمالكَ جميل).
  • الحقيقةُ المُحمّديّةُ أبدعَ اللهُ في إيجادها، أبدعَ اللهُ حين تجلّى فيها، فكانتْ الحقيقةُ المُحمّديّةُ القادسةُ العُليا كانتْ وجْههُ وكانتْ مصْدرَ أسمائهِ الحُسنى.. إنّها أصْلُ الأُصولِ في كُلّ هذا الوجود. الحقيقةُ المُحمّديّة عِبْر الوسائط الكثيرة، لأنّنا لا نستطيعُ أن نَعُدَّ نِعَم اللهِ ولا نَستطيعُ أن نُحصيها، ونِعَمُ اللهِ هي الوسائطُ فيما بيننا وبين الحقيقةِ المُحمّديّة، فتتجلّى الحقيقةُ المُحمّديّةُ عِبْر الوسائط.
  • ● قوله: (حتّى إذا تصرَّمتْ الأُمور، وتقضّتْ الدُهور، وأَزِفَ النشور، أخرجَهم مِن ضرائحِ القُبور…) هُنا الأمير يتحدّثُ عن آخر سلسلةٍ من سلاسل الوسائط.. الإعدامُ يكونُ لِسلاسل الوسائط هذهِ، للآثارِ، للتراكيبِ، للتصاميمِ، للصورِ الزائلةِ.. أمَّا أصْلُ الفيض فهو في خزائن العِلْم، وخزائنُ العِلْم خُزّانها هُم.. فما العِلْمُ بصُورٍ معلومةٍ، إنّهُ الفيضُ نفسه، إنّها الحقائقُ بما هي هي.
  • المعنى واضح في كلماتِ سيّد الأوصياء، فإنَّ الفناء ليس هُو الإنعدام وليس هُو العدم، الفناءُ تحوّلٌ، الفناءٌ إنتقالٌ، الفناءُ جمعٌ بعد تفريق، أو قد يكون تفريقاً بعد جمْع.. فللفناءِ صُوَرٌ وللفناءِ حالات.. قد يكونُ جمْعاً بعد تفريق ومراتبُ ذلك كثيرةٌ جدّاً وقد يكونُ تفريقاً بعد جمْع، وكذلكَ هذا الحالُ مراتبهُ كثيرةٌ جدّاً. فهُنا تحدَّثَ عن الفناء بهذا المعنى، هُو نفسهُ الذي تحدّثَ عنهُ في الخُطبة المُتقدّمة الذِكْر.

  • وقفة عند الخطبة (99) مِن [نهج البلاغة الشريف] وحديثُ سيّد الأوصياء فيها في التزهيد من الدُنيا:

  • (وكُلُّ مُدّةٍ فيها – أي الدُنيا – إلى انتهاء، وكُلُّ حيٍّ فيها إلى فناء).
  • ● قوله: (كُلُّ مُدّةٍ فيها) مُدّة لذّةِ الإنسان، مُدّةُ ألم الإنسان، مُدّةُ صِحّة الإنسان، مُدّةُ مَرَضهِ، مُدّةُ عُمْره، مُدّةُ سُلطانٍ مِن السلاطين، مُدّةُ دولةٍ مِن الدول، مُدّةُ حضارةٍ مِن الحضارات، مُدّةُ ليلٍ، مُدّةُ نهار.. كُلُّ المُددِ فيها إلى انتهاء.. وقوله: (وكُلُّ حيٍّ فيها إلى فناء) أي إلى تحوّل.. فإنَّ الأحياءَ سيبقونَ أحياء لكنّهم يتحوّلون عِبْر المحطّات.. فمِن حالةٍ طبيعيّةٍ هادئةٍ سيتحوّلُ إلى حالةِ الاحتضار.. وهي حالةٌ مُختلفةٌ عن حالة الحياةِ الطبيعيّةِ التُرابيّة، ومِن الاحتضار إلى زهوق الرُوح، وحينئذٍ يرى الناسُ أحبَّ الناسِ إليهم قد فارقتْ الأرواحُ أجسادهم.. يُسرعون في دفنها وفي دسّها في التُراب.
  • هولُ المُطّلع، القبرُ بكُلّ تفاصيلهِ، البرزخُ الواسعُ، الرجعةُ العظيمة، أشراطُ الساعة، حتّى وصلنا إلى النفختين.. النفخةُ الأولى إماتةٌ وبعد الإماتةِ فناء، وفي النفخةِ الثانية هناك حياةٌ وبقاء.. فأين العدم؟! لا مَحلَّ للعدم الفلسفي.. والمُراد مِن العدم الفلسفي هو ما يُقابلُ الوجود، فهناك وجودٌ وهناك عدم.
  • ● العدمُ كانَ سابقاً للمخلوقاتِ قبل أن تُخلَق، ولكنّها بعد أن تُخلَق وبعد أن تُوجَد لن تُعدَم وإنّما تمرُّ بحالاتٍ مُختلفةٍ مِن التحوّلاتِ والانتقالات ما بينَ مقولةِ الفِعْل والانفعال.. فهي في حالةٍ فاعلةٌ وفي حالةٍ مُنفعلة.
  • الفناء ما هُو بالعدم – كما أشرت – وعلى طُولِ نهْج البلاغة فإنَّ هذا المُصطلَح “الفناء” لم يُستعمَل في معنى العدم، وفي الكتاب الكريم وفي أدعيتهم، وكلماتهم.. هذا المُصطلحُ لا دِلالةَ له على العدم وإنّما هو الكونُ في حالةٍ يفقدُ فيها المخلوقُ الموجودُ الكائنُ الشيءُ.. يفقدُ كُلّ ما يُمكن أن يُوصَف بقُدْرةٍ وهي أساساً قُدرةٌ موهوبة.. لأنَّ الكائناتِ ستكونُ مقهورةً تحتَ القهْر الإلهي، ستكونُ مَغلوبةً تحتَ سُلطةِ الكلمةِ الغالبة البالغة.. إنّهُ جلالُ الله.

  • وقفة عند الخطبة 157 مِن خُطَب نهْج البلاغة الشريف وهي خُطبةٌ يحثُّ فيها سيّدُ الأوصياء الناسَ على التقوى:

  • (فتزوّدُوا في أيّامِ الفناء لأيّام البقاء، قد دُللتُم على الزاد – إنّهُ زادٌ في مُستوى الفناء – وأُمرتُم بالظعن – أي المسير والانتقال – وحُثثتُم على المَسير، فإنّما أنتُم كركْبٍ وُقُوف، لا يَدرونَ متى يُؤمرونَ بالسير، ألا فما يَصنعُ بالدُنيا مَن خُلِقَ للآخرة؟ وما يَصنعُ بالمالِ مَن عمّا قليل يُسلبُهُ، وتبقى عليه تَبِعَتُهُ وحسابُهُ.. عبادَ الله: إنّهُ ليسَ لما وَعَدَ اللهُ مِن الخير متركٌ، ولا فيما نهى عنهُ مِن الشرّ مَرغب. عباد الله: احذروا يوماً تُفحَصُ فيه الأعمال، ويَكثُر فيه الزلزال، وتَشيبُ فيه الأطفال..).
  • ● قوله: (فتزوّدُوا في أيّامِ الفناء لأيّام البقاء) الفناءُ مُقدّمةٌ للبقاء.. إذا كانَ الفناءُ عَدَماً فكيف يتمُّ التزوّدُ ونَحنُ في حالِ العَدَم؟! ألا يقولُ الحُكماء والفلاسفةُ في تعريف العدم (ولا تعريف له)؟ لأنّهُ عدمٌ ولكن هُناك شرحٌ لِمعناه، هُناك تعريفٌ مُقارب.. يقولون: أنَّ العدم: هُو الذي لا يُخبَر عنه.
  • أمّا الفناءُ فإنّها حالةٌ مِن الحالات.. الدُنيا بما هي هي.. إّنها في مُستوىً مِن مُستوياتِ الفناءِ بالقياسِ إلى الآخرةِ التي هي عالمُ البقاء.. مِن هُنا يتحدّث سيّد الأوصياء بهذا الّلحاظ.
  • ● قوله: (ألا فما يَصنعُ بالدُنيا مَن خُلِقَ للآخرة؟) الدُنيا هُنا فناءٌ بالقياسِ إلى الآخرة، وكذاكَ ما سيكونُ بعد النفخةِ الأولى في مرحلةِ نفْخ الصُور من موتٍ يتبعهُ فناء، هذا الفناءُ فناءٌ بالقياس إلى البقاءِ الذي سيكونُ ما بعدَ النفخةِ الثانية.. فبعدَ النفخةِ الأولى مَوتٌ ثُمَّ فناء وبعد النفخةِ الثانية حياةٌ ثُمَّ بقاء.. فالفناءُ هُنا بالقياسِ إلى البقاءِ هُناك.. الفناءُ بعد النفخةِ الأولى فناءٌ بالقياسِ إلى البقاء بعد النفخةِ الثانية.
  • ● قوله: (وتَشيبُ فيه الأطفال) وقد مَرَّ علينا في الحلقة (30) مِن البرنامج في الآيةِ 17 بعد البسملة مِن سُورةِ المُزمّل: {فكيف تتّقُون إنْ كفرتُم يوماً يَجعلُ الولدان شيبا}. وذكرتُ لكم ما جاء في أحاديثهم ورواياتهم الشريفة أنَّ هذا اليوم هُو يومُ النفخةِ الثانية.
  • مضامينهم واحدة، كلامهم في قُرآنهم، في أدعيتهم، في زياراتهم، في خُطَبهم، في كُلّ ما قالوا.. هُناك نَسَقٌ واحد، هُناك نظامٌ واحد، هُناك اتّساقٌ جليٌّ بيّن لِمَن أرادَ أن يتواصلَ مع نُوريّةِ حديثهم بقلبٍ مُخلصٍ صافٍ.

  • وقفة عند الخُطبة 165 مِن خُطَب نهج البلاغة الشريف.. في صفحة 171 جمل قصيرة سأُشير إليها:

  • (وسُبحان من أدمج قوائم الذرّة والهمجة إلى ما فوقهُما مِن خَلْقِ الحيتان والفِيلة، ووأى على نفْسه – أي أعطى وعداً – ألاّ يضطربَ شَبَحٌ – كائنٌ من الكائنات – مِمّا أَولجَ فيه الرُوح، إلّا وجعلَ الحِمام موعدهُ – أي الموت موعده – والفناء غايتهُ..).
  • قوله: (من أدمج قوائم الذرّة) إنّه يتحدّثُ عن النملةِ الصغيرة فإنَّ العرب تُسمّي النملة الصغيرة الذرّة، والقوائم هي الأرجل.. وأمَّا قوله: (والهمجة) فهي نوعٌ مِن أنواع الذُباب الصغير الحجم يكثرُ قريباً مِن الحيوانات، يكثرُ في مواطن عيشها ويتواجد على أجساد الحيوانات.
  • الإمامُ يتحدّث عن صغائر المخلوقاتِ وعن عظيمها من المخلوقاتِ الحيوانيّة الأرضيّة.
  • ● قوله: (إلّا وجعلَ الحِمام موعدهُ والفناء غايتهُ..) هُناك حِمامٌ وهُو الموت وهُناك فناء وهي حالةٌ تأتي ما بعد الموتِ بعد النفخةِ الأولى.
  • الفناء ليس هُو العدم لحقيقةٍ واضحةٍ مِن أنَّ الأجسام ستعود ومِن أنَّ الأرواح ستعودُ إلى أجسامها، وهذه المطالبُ واضحةٌ بديهيّةٌ لا حاجةَ لإطالةِ القولِ عندها وفيها.

  • وقفة عند مقطع مِن الخُطبة 182 مِن خُطَب نهج البلاغة الشريف، يقول سيّد الأوصياء وهُو يتحدّثُ عن اللهِ سُبحانهُ وتعالى:

  • (فإنّما يُدرَكُ بالصِفاتِ ذوُو الهيئاتِ والأدوات، ومَن ينقضي إذا بلغَ أمَدَ حدّهِ بالفناء، فلا إله إلّا هُو، أضاء بنُوره كُلّ ظلام وأظلمَ بظُلمتهِ كُلَّ نُور…).
  • ● قوله: (ذوُو الهيئاتِ والأدوات) يعني أصحاب التراكيب والتصاميم وهُم نحنُ الناسُ، وبنو الجنّ، الملائكة، الحيوانات، البهائم، المخلوقاتُ التي نستطيعُ أن نصِفها بأوصافها، نستطيعُ أن نُدركها.. والمُراد مِن الأدوات هي الوسائل، التوابع، الّلواحق، الإضافات.
  • هذهِ التصاميم والتراكيب هي التي ستُعدم وأصْلُ الفيض سيبقى وسنكونُ في حالةِ فناءٍ.. نكونُ مقهورين تحتَ غَلَبةِ القهْر الإلهي.
  • ● ثُمَّ يستمرُّ سيّد الأوصياء يُخاطبنا فيقول:
  • (أُوصيكُم عباد الله بتقوى الله الّذي ألبسكُمُ الرياش، وأسبغَ عليكُمُ المعاش، فلو أنَّ أحَدَاً يَجدُ إلى البقاء سُلّماً، أو لِدفْع المَوتِ سبيلاً، لكانَ ذلك سُليمانُ بنُ داوُد الّذي سُخّر لهُ مُلكُ الجنّ والإنس، مع النُبُوّةِ وعظيم الزُلفة، فلمّا استوفى طُعْمَتَهُ، واستكملَ مُدَّتهُ، رَمتْهُ قِسيُّ الفناءِ – جمع قوس – بنبالِ الموت، وأصبحتْ الديار مِنهُ خاليةً، والمساكنُ مُعطّلةً، وَورِثها قومٌ آخرون، وإنَّ لكُم في القُرون السالفة لعبرةً.. أين العمالقةُ وأبناءُ العمالقة؟! أين الفراعنةُ وأبناءُ الفراعنة؟! أين أصحابُ مدائن الرسّ الّذين قتلوا النبيّين، وأطفأُوا سُننَ المُرسلين، وأحيوا سُننَ الجبارين؟! أين الّذين ساروا بالجُيوش، وهزمُوا بالأُلوف، وعسكروا العساكر، ومدّنُوا المدائن؟!..)
  • ● قوله: (وأصبحتْ الديار مِنهُ خاليةً، والمساكنُ مُعطّلةً، وَورِثها قومٌ آخرون) إنّه الانتقالُ مِن حالٍ إلى حال.. إنّهُ التبدّل مِن وضعٍ إلى وضْعٍ آخر.
  • الخُطبةُ طويلة، وكُلُّ هذا يُحدّثنا عن أنَّ هذا المُصطلح “الفناء” لا يُشير إلى العدم وإنّما هُو انتقالٌ مِن حالٍ إلى حال، تبدّلُ وضْعٍ إلى وضْعٍ آخر.. الفناءُ فناءٌ بالقياسِ إلى البقاء.

  • وقفة عند مقطع مِن الخُطبة 185 مِن خُطَب نهج البلاغةِ الشريف – في صفحة 195 مِمّا جاء فيها، يقولُ سيّد الأوصياء “عليه السلام” في أوّلها:

  • (الحمدُ لله الّذي لا تُدركُهُ الشّواهدُ، ولا تَحويه المشاهدُ، ولا تَراهُ النواظر، ولا تَحجُبُهُ السواتر، الدالُّ على قِدَمِهِ بحُدُوث خَلْقهِ، وبحُدُوثِ خَلْقِهِ على وُجوده…) .. لَمّا كانتْ المخلوقاتُ مُحدثةً، لابُدَّ مِن قديمٍ أوجدها.
  • ● إلى أن يقول: (مُستشهدٌ بحدُوثِ الأشياءِ على أَزليّته، وبما وَسَمَها بهِ مِن العَجْز على قُدْرته، وبما اضطرّها إليه مِن الفناء على دَوامه – الدوام هو الثبات والفناء هو عدم الثبات – واحدٌ لا بعدد، ودائمٌ لا بأمد، وقائمٌ لا بعمد..).
  • مثلما العجزُ في مواجهة القُدرة، والأزليّةُ في مُواجهة الحدوث، كذلك هُو الفناء في مُواجهة الدوام.. الدوام هو الثبات وليس الوجود.
  • ● قوله: (ودائمٌ لا بأمد) أي ثابتٌ، مِن الدوام.. أمَّا نحنُ وبقيّة المخلوقات فهي تنتقلُ مِن حالٍ إلى حالٍ وذلك هُو الفناء.. نَحنُ موصوفون في الفناء ونحنُ على قيد الحياة.. لأنّنا في حالِ انتقال.. مِن أرحامِ أُمّهاتنا، إلى الطفولةِ، إلى الصبا، إلى الكهولة، إلى الشيخوخةِ، ورُبّما نُرَدُّ إلى أرذلِ العُمْر.. ورُبّما وربّما، ثُمّ الاحتضارُ، وثُمّ وثُمّ.. نَحنُ محكومون بالفناء ونَحنُ على قيدِ الحياة، وفي عُنفوانِ الشباب نَحنُ محكومونَ بالفناءِ ومَوصوفونَ بالفناء.. إنّهُ التحوّلُ مِن حالٍ إلى حال، إنّهُ التبدّلُ مِن وضْعٍ إلى وضْع.. أمّا هو سُبحانهُ وتعالى فهو دائم بلا أمد. هذهِ الديمومةُ وهذا الدوام يُقابلهُ الفناء.

  • في الخُطبة 186 مِن خُطَب نهج البلاغةِ الشريف وهي الخُطبة التي قرأتُ عليكم منها مَقْطعاً مُفصّلاً في الحلقةِ الماضية وأشرتُ إلى شيءٍ منها في أوّل هذه الحلقة.. في نفس هذهِ الخُطبة التي تحدَّث فيها سيّد الأوصياء عن فناءِ الدُنيا فقال:

  • (وإنَّ اللهَ سُبحانهُ يعُودُ بعد فناءِ الدُنيا وحْدهُ لا شيءَ معهُ، كما كان قبل ابتدائها، كذلكَ يكُونُ بعد فنائها…).
  • فمِثلما تحدَّث سيّدُ الأوصياء عن فناءِ الدُنيا ولم يُشِرْ إلى إنعدامها وإنّما أشارَ إلى انعدامِ الآثار (عُدمتْ عند ذلك الآجالُ والأوقاتُ وزالتْ السُنُون والساعاتُ..) حين فناء الدُنيا، عُدمتْ الآثار فقط أمّا أصْل الفيض فلم يُعدم.
  • ● ويستمرُّ سيّد الأوصياء في الحديثِ عن فناء الدُنيا:
  • (ثُمَّ هو يُفنيها بعد تكوينها) إلى أن يقول: (ثمَّ يُعيدها بعد الفناءِ مِن غيرِ حاجةٍ منهُ إليها..).
  • لم يتطرّق إلى ذِكْر العَدَم فيما يرتبطُ في أصْل الفيض الذي تكوّنت منه الدُنيا (أي هذا العالم الذي هو دُون السماء الدُنيا).
  • لم يتحدّث أميرُ المؤمنين عن إعدامها.. وإنّما تحدّثَ في هذهِ الخُطبةِ عن إعدامٍ للآثار حين قال: (عُدمتْ عند ذلك الآجالُ والأوقاتُ وزالتْ السُنُون والساعاتُ..) بسبب انعدام التراكيب والتصاميم والصُوَر الظاهرة، فهذهِ مُتعلّقاتٌ تتعلّقُ بهذهِ الجهاتِ التي أشرتُ إليها.. فحينما تنطمسُ التراكيبُ تنطمس آثارها، وحينما تزول التراكيبُ فإنَّ الآثار التي تتقوّم بها ستكونُ معدومةً حينئذٍ.
  • ● في نفس الخُطبة في بدايتها وهو يتحدّثُ في مقام التوحيد، يقول “صلواتُ الله عليه”:
  • (ما وحّدهُ من كيفهُ، ولا حقيقتهُ أصاب من مثّلهُ) إلى أن يقول سيّد الأوصياء: (سبَقَ الأوقات كونُهُ – أي وجوده – والعدم وُجودُهُ، والابتداءَ أزلُهُ..)
  • المُراد مِن “سَبَق وجودهُ العدم” يعني لا عَدَم في البين.. مِثلما سَبَق الأوقات كونه، لا أوقاتَ في البين.. فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى لا يُقاسُ وُجودهُ وكونهُ وحياته وقُدرته وعِلْمه بزمنٍ من الأزمنة أو بأيّ مقياسٍ من المقاييس. وجوده وكونه سُبحانه وتعالى سابقٌ للأوقات.. أي لا أوقاتَ في البين، وكذلك وُجودهُ كان سابقاً للعدم، فلا عَدَم في البين، وأزلهُ كان سابقاً للابتداء فلا ابتداءَ في البين.
  • نحنُ نتحدّث هُنا عن اللهِ سُبحانهُ وتعالى، وهذهِ التعابيرُ تأتي بلسانِ المُقاربة فكُلُّ الكلام حينما يتحدّث فيه أمير المؤمنين عن التوحيد هو بلسان التقريب.
  • ● المضمون هو هو الذي جاء في المقطع (80) مِن دُعاءِ الجوشن الكبير، حيثُ نقرأ فيهِ هذهِ العبارات:
  • (يا ذا الجودِ والنِعَم، يا ذا الفضل والكرم…) إلى أن يقول في نهاية المقطع: (يا مَن خَلَق الأشياءَ مِن العَدَم).
  • نحنُ مسبوقون بالعدم الذي هو مُقابلٌ للوجود.. فقبل وُجودنا ما كُنّا.. وإنّما كان هُناك عدم.. كانَ اللهُ ولم يكنْ معهُ شيء، ثُمَّ كانتْ الكلمة وهي الإسم الأعظم، وكان الإسْمُ الأعظم ولم يكنْ معهُ شيء.. وبعد أن تجلَّى اللهُ في الإسْم الأعظم وتجلّى الإسْمُ الأعظمُ فيما تجلّى كان وُجودنا.
  • ● قوله: (يا مَن خَلَق الأشياءَ مِن العَدَم) العَدَم ليس شيئاً تُخلَقُ مِنه الأشياء، وإنّما التعبيرُ هُنا كأنَّ العدمَ بدايةٌ لنا، وهُو ليس بداية.. فنَحنُ موجودون الآن ولكن وُجودنا في أصْله كان مسبوقاً بالعدم.
  • والعدمُ مُقارنٌ لنا مِثلما قالتْ الصدّيقةُ الطاهرةُ الكُبرى في خُطبتها حين قالتْ: (إذْ الخلائقُ بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة) المُراد من عبارة “بنهاية العدم مقرونة” يعني أنَّ العدم يُقارنُ وُجودنا، فإنَّ الذي أوجدنا قادرٌ على إعدامنا.. أمّا نحنُ فلا نمتلكُ وُجودنا، لسنا قادرين على أن نُبقي وُجودنا ولسنا قادرين على أن ندفع إرادته لو أراد إعدامنا.. ولِذا فإنّنا موجودون ولكنّنا نُقارنُ العدم، لأنّهُ سُبحانه وتعالى هُو الذي أوجدنا ونَحنُ موجودون بإيجاده، بلُطفه، بفيضه عِبْر الوسائط.. نَحنُ موجودون بلُطف الحقيقةِ المُحمّديّة، مَوجودون بإيجادها لنا، بلُطفها الذي تُسبغهُ علينا.. الحقيقةُ المُحمّديّة وجْه الله، ولُطفها لُطف الله، ونِعمها نعم الله، هي يد اللهِ الباسطة، ويمينهُ العُليا، إنّها الحقيقةُ المُحمّديّة القادسة المُقدّسة.
  • فنحنُ لم نكنْ موجودين مِن الأزل، وإنّما كان اللهُ ولم يكنْ معهُ شيء، فخَلَقنا مِن العدم.. يعني ما كُنّا موجودين، وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ العدم كااستن سابقاً لوجودنا. حينما يكون الحديث عن الله سُبحانه وتعالى فإنّهُ (سبَقَ الأوقات كونُهُ والعدم وُجودُهُ..) فوجودهُ سابقٌ للعدم، لا عَدَم قبل وُجوده.. بينما الأشياء كانتْ مسبوقةً بالعدم (يا مَن خَلَق الأشياءَ مِن العَدَم).
  • أعتقد أنَّ الكلامَ صارَ واضحاً في الفارق بين مُصطلح الفناء ومُصطلح العدم.

  • وقفة عند هذا الدُعاء مِن أدعية شهر رمضان في [مفاتيح الجنان] وهو دعاءٌ مرويٌّ عن إمامنا الجواد “صلواتُ اللهِ عليه”.

  • يُستحبُّ أن نُكثِرَ مِن هذا الدُعاء في شهْر رمضان في ليلهِ ونهارهِ من أوّل الشهر إلى آخره، وهو هذا الدُعاء:
  • (يا ذا الذي كان قبل كُلّ شيء، ثُمَّ خَلَق كُلّ شيء، ثُمّ يبقى ويفنى كُلُّ شيء..)
  • ● قوله: (ثُمّ يبقى ويفنى كُلُّ شيء) لو كان الفناء هُنا عَدَماً لَما استمرَّ الدُعاء بهذا الّلحن يقول: (يا ذا الّذي ليس كمثلهِ شيٌ، وياذا الّذي ليسَ في السماواتِ العُلى ولا في الأرضينَ السُفلى ولا فوقهُنَّ ولا تحتهُنّ ولا بينهُنَّ إلهٌ يُعبَدُ غيرهُ، لكَ الحَمْدُ حَمْداً لا يقوى على إحصائهِ إلاّ أنت، فصلّ على مُحمّدٍ وال مُحمّدٍ صلاةً لا يقوى على إحصائها إلاّ أنت..).
  • لو كان الحديثُ عن أنَّ الفناءَ عَدَمٌ فهل يكونُ مُناسباً أن تكونَ صِياغةُ الدعاءِ بهذهِ التعابير التي تتحدّث عن عظيم الوجود وعن كُلّ هذهِ التفاصيل.. مع أنَّ الدُعاء موجزٌ ومُختصر.
  • ● وقفة عند [تفسير القمي] عن سجّاد العترة الطاهرة.. وقد قرأتُ عليكم هذه الرواية بكاملها في الحلقة 30.. يقول الإمام السجّاد “صلواتُ الله عليه”:
  • (فعند ذلك يُنادي الجبّار جلَّ جلالهُ بصوتٍ مِن قِبَلهِ جَهْوريٍّ يُسْمِعُ أقطارَ السماواتِ والأرضين: {لِمَن الملك اليوم؟} فلا يُجيبهُ مُجيب، فعند ذلكَ يقولُ الجبّار مُجيباً لنفسهِ: {لله الواحد القهار}).
  • إذا كان الفناءُ عَدَماً فكيف يُسمعُ أقطار السماواتِ والأرضين؟ وإذا كان الوجود فقط لأصل كيان السماواتِ والأرضين فلِمَن يُسْمِعُ هذا النداء؟ هل هو بحاجةٍ إلى أن يُسْمِعَ ذاته نداءه؟ أم أنَّ وُجوداً فيه ما فيهِ مِن الوجوداتِ والكائناتِ ولكنّها في مُستوى الفناء؟
  • إنّهُ يُسْمعُ تلكَ الوجودات التي هي في مُستوى الفناءِ تحت قهّاريّتهِ وتحت غَلَبةِ قوّته وتحت سطوةِ جبروته، إنّها فانيةٌ فانيةٌ فانية.. ولكنّها تسمع.

  • وقفة عند مقطع مِن وصيّةِ سيّد الأوصياء لإمامنا الحسن المُجتبى “صلواتُ اللهِ عليه” وهي وصيّةٌ لنا:

  • (واعلم أنّك إنّما خلقتَ للآخرةِ لا للدُنيا، وللفناءِ لا للبقاء، وللموتِ لا للحياة، وأنّكَ في منزلِ قُلْعة، ودارِ بُلْغة، وطريقٍ إلى الآخرة، وأنّكَ طريدُ الموتِ الّذي لا ينجو منهُ هاربُهُ، ولا بُدّ أنّهُ مُدركُهُ…).
  • ● قوله: (وللفناءِ لا للبقاء) إنّه يتحدّثُ عن فناءِ الدنيا، وعن أحوالِ الفناء التي نتنقّلُ فيما بينها مِن الولادةِ إلى الخُروج من هذهِ الدُنيا حتّى نَصِلَ إلى أشدّ حالاتِ الفناءِ بعد النفخةِ الأولى في المحطّةِ السابعة في محطّةِ النفختين.
  • تلاحظونَ أمير المؤمنين في كُلّ كلامهِ هُناك مُقابلةٌ بين الفناءِ والبقاء، لا تُوجد مقابلةٌ بين الفناءِ والوجود.. حين تحدَّث عن الوجود فإنّهُ قابلَهُ بالعدم، وحين تحدَّث عن العدم فإنّه قابله بالوجود.. لكنّهُ حين يتحدّثُ عن الفناء فإنّهُ يُقابلهُ بالبقاء وهذا على طُول نهج البلاغة الشريف.
  • البقاء هُو كون الكائن على أكمل ما يُمكن أن يكون.. أمّا حينما تنهدِمُ خصائصهُ وتزولُ تراكيبهُ وتنعدمُ آثارهُ فإنّه قد انتقل من حالِ البقاء إلى الفناء.

  • وقفة عند الآية 88 بعد البسملة مِن سُورة القصص: {ولا تَدعُ مع اللهِ إلهاً آخر لا إله إلّا هُو كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجههُ لهُ الحكمُ وإليه تُرجعُون}.

  • ● قوله: {ولا تَدعُ مع اللهِ إلهاً آخر} إنّه التوحيد العملي.. وقوله: {لا إله إلّا هُو} توحيدٌ نظريٌّ عقائديٌّ واضح
  • ● قوله: {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجههُ لهُ الحكمُ وإليه تُرجعُون} هذا الحُكْم نتلقّاه من وجهه، وإنّنا نرجعُ إلى وجهه سُبحانه وتعالى.

  • وقفة عند مقطع مِن حديثٍ طويل مُفصّل جدّاً لأمير المؤمنين يُجيبُ فيها على أسئلةٍ بخصوصِ مجموعةٍ من الآياتِ المُتشابهةِ في الكتاب الكريم.

  • إلى أن يقول سيّد الأوصياء “صلواتُ الله عليه” في صفحة 253:
  • (وأمَّا قولهُ: {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} فإنّما أُنزلتْ كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا دينه – ودينُ اللهِ مُحمّدٌ وآل مُحمّد – لأنَّ مِن المُحال أن يهلكَ مِنه كُلّ شيء ويبقى الوجْه، هُو أجلُّ وأكرمُ وأعظمُ مِن ذلك، إنّما يهلكُ مَن ليس منهُ، ألا ترى أنّه قال: {كُلُّ مَن عليها فان* ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلالِ والإكرام} ففصلَ بين خلقهِ ووجْهه).
  • ● وفي صفحة 252 يقول سيّد الأوصياء “عليه السلام” وهو يتحدّث عن مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”:
  • (وهُم وجهُ الله الذي قال: {فأينما تُولّوا فثمَّ وجهُ الله} هُم بقيّةُ اللهِ يعني المَهدي يأتي عند انقضاءِ هذهِ النَظِرَة – أي المُهلة، الغيبة – فيملأُ الأرضَ قِسْطاً وعدلاً كما مُلئتْ ظُلماً وجورا).

  • وقفة عند حديث الإمام الرضا “صلواتُ الله عليه” في [تفسير البرهان: ج7] في صفحة 390 الحديث (2) في ذيل الآيتين: {كُلُّ مَن عليها فان* ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلالِ والإكرام}:

  • (بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قُلتُ لعليّ بن مُوسى الرضا “صلواتُ الله عليه”: يا بن رسُول اللّه، فما معنى الخبر الّذي رووهُ أنَّ ثواب “لا إله إلاّ اللّهُ” النظر إلى وجْه اللّه تعالى؟ – أي في يوم القيامة – فقال “عليه السلامُ”: يا أبا الصلت، مَن وصَفَ الله تعالى بوجهٍ كالوُجوه فقد كفر، ولكنَّ وجه الله تعالى أنبياؤُهُ ورسُلهُ وحججهُ، هُمُ الّذين بهم يُتوجّهُ إلى اللّه عزَّ وجلَّ وإلى دينه ومعرفته، وقد قال اللّهُ تعالى: {كُلُّ من عليها فانٍ* ويبقى وجهُ ربك ذُو الجلال و الإكرام} وقال عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شيءٍ هٰالكٌ إلاّٰ وجههُ}…).
  • هم الوجه الذي يُؤتى الله منه، وهُم البابُ الذي يُؤتى اللهُ منه.. إنّه الوجه الباقي، إنّه الوجه الفاعل، وبقيّة الكائنات مُنفعلةٌ تحت سُلطةِ هذا الوجه الكريم.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …