دليلُ المسافر – الحلقة ٣٣ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 17 شوّال 1440هـ الموافق 21 / 6 / 2019م

  • لازال الحديثُ في المحطّةِ (7): نفْخ الصُور، وهذا هُو الجُزءُ (4) مِن أجزاءِ حديثي عن مَحطّةِ النفختين.. تقدَّم الكلامُ في الحلقاتِ الماضية مِن هذا البرنامج في مَحطّةِ الاحتضار، مَحطّةِ زُهوق الرُوح، مَحطّةِ هَول المُطّلَع، مَحطّةِ القبر بعناوينها (وحْشةُ القبر، ضغْطة القبر، مُسائلةُ القبر، البرزخُ بكلّ تفاصيلهِ) وبعد الحديث عن محطّةِ القبر انتقلتُ إلى المحطّةِ (5) وهي مَحطّةُ الرجعة العظيمة، رجعةُ مُحمَّدٍ وآل محمَّد، تكونُ مَحطّةً للراجعين بحَسَب قوانين تلكَ المرحلة. والمحطّةُ (6) هي محطّةُ أشراطِ الساعة، أي علائمها.. وبعدها المَحطّةُ (7) : محطّةُ نفْخ الصُور.. محطّةُ النفختين (النفخةُ الأولى: نفخةُ الإماتة، والنفخة الثانية: نفخةُ الإحياء).

  • ● بعد النفخةِ الأولى تكونُ الإماتةُ لكلّ ذِي رُوحٍ في العوالم السُفليّة وفي العوالم العُلويّة.. وبعد الإماتةِ يأتي الفناء..
  • وقد تقدَّم الكلامُ في الحلقةِ الماضية فيما يرتبطُ بمعنى هذا العنوان: “الفناء” في ثقافةِ الكتاب والعترة وأنَّ الفناءَ ليس هُو العدم، لكنَّ الكائنَ الذي يفنى هُو الكائن الذي تندثرُ عندهُ حالة الفِعل ويبقى مُنفعلاً.
  • حينما تكونُ النفخةُ الأولى وبعد الموت يأتي الفناء فإنَّ الكائنات تكونُ في حالةٍ هي في أشدّ ما تكونُ مِن الانفعال وفي حالةِ انعدامٍ للفاعليّة مُطلقاً، وهذا هو فناءُ الكائنات.. إنّها في حالةٍ مُطلَقةٍ مِن الانفعال، وفي حالةٍ مُطلَقةٍ أيضاً مِن عدمِ الفِعْل، ذلكَ هُو الفناء وليس مِن دِلالةٍ للفناءِ على العدم في ثقافةِ الكتابِ والعترة.
  • ● لازال الحديثُ في أجواءِ المَحطّةِ السابعةِ.. إنّها مَحطّةُ نَفْخِ الصُور، وَلازالَ الحديثُ في آثارِ النفخةِ الأُولى إماتةٌ وفناء.
  • لم أستطع أن أُكِمل حديثي في الحلقة الماضية، وسأُكمِل مِن حيث انتهى الكلام.
  • في آخر الحلقةِ المُتقدّمة وصل بنا المطافُ إلى الآيةِ 88 بعد البسملةِ مِن سُورة القصص: {ولا تَدعُ مع اللهِ إلٰهاً آخر لا إلٰه إلّا هُو كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجههُ لهُ الحكمُ وإليه تُرجعُون}.
  • لن أعيد ما تقدّم من كلامٍ بخُصوص هذه الآية، لكنّني أُذكّركم أنَّ الحديثَ كانَ مُركّزاً على هذا الجُزء مِن الآية الشريفة: {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجههُ} ووجهُ اللهِ مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد.
  • وجهُ اللهِ بعبارةٍ واضحةٍ صريحةٍ هو الحقيقةُ المُحمّديّة والتي كان الله ولم تكنْ ثُمَّ خَلَقها، وبعد أن خَلَقها كانتْ ولم يكنْ هُناك شيء.. ثُمَّ فاضَ فيضها فكانتْ الأشياء.
  • ● الفناءُ مِثلما تقدّم الحديثُ هُو انعدامٌ للآثار وليس انعدامٌ للفيض.. الفناءُ انتقالٌ من حالةٍ إلى حالة.. وبعبارةٍ وجيزةٍ مُختصرة: الفناءُ هُو حالةُ طيٍّ للكائنات.. هُناكَ حالةُ نشْرٍ وانتشار وهُناك حالةُ طيٍّ واندثار.. والمُرادُ مِن الاندثارِ هنا هو أنّها تختفي عن الحالةِ السابقة.. تدثّر واندثر إنّما هو انتقل من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى. الفناءُ طيٌّ والبقاءُ نشْرٌ.. الفناءُ انتقالٌ مِن حالةٍ إلى حالة.. الانتقالُ مِن حالةِ الفِعْل في أشدِّ فاعليّتهِ إلى الانفعالِ في أشدّ انفعاليّته هذا هو الفناءُ الواضحُ الصريح.
  • الكائناتُ ليستْ في مُستوىً واحدٍ من الفاعليّة.. الكائناتُ عُموماً تَخضعُ لقانونِ الفِعل والانفعال فهي تُؤثّرُ وتتأثّر، تفعلُ وتنفعل.. في مُستوى البقاء فإنّها فاعلةٌ بدرجةٍ من الدرجات وقد تكونُ مُنفعلةً أيضاً وقد يكون انفعالها أكثر من فعلها.. لكنّها في حالِ الفناء يندثرُ عندها فعلها ويبقى انفعالها على أشدّ ما يُمكن أن يكون وذلك هو الفناء، فحينئذٍ تنعدمُ الآثار، وتنعدمُ الإضافات، وتنعدمُ العلائق والمُتعلّقات.
  • أصْل الفيض يبقى موجوداً.. وأصْلُ الفيضِ هُو في أشدّ حالةٍ مِن الانفعال، فأصْلُ الفيضِ في أعمقِ معاني العبوديّة.
  • أعمقُ معاني العبوديّة في هذا الكون في أصْلِ الفيض.. فالفيضُ في أصْلهِ مُستعدٌ لِتحقّق الإرادةِ الإلهيّة وإرادةُ الله فِعلهُ، ولِذا فَإنَّ الإرادةَ مِن الصفاتِ الحادثة.. هذهِ عقيدةُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.. ولا شأنَ لي بعقيدةِ مراجع الشيعة مِن الأموات والأحياء الذين يعتقدونَ أنَّ الإرادةَ صِفةٌ قديمةٌ، وأئمتُنا صريحاً قالوا أنَّ الذي يعتقدُ أنَّ الإرادةَ صِفةٌ قديمة هو مُشرك، وهذهِ عقيدةُ مراجع الشيعةِ مِن الأمواتِ والأحياء أخذوها مِن المُعتزلة.
  • ● أعودُ إلى الآية 88 بعد البسملة مِن سُورة القصص وهي الآيةُ الأخيرة، وأقِفُ عند هذا المقطع مِن الآية الكريمة: {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} وجههُ أصْلُ الفيض، ومنابع الفيض هي الأسماء الحُسنى التي أشرقتْ مِن أنوارِ الحقيقةِ المُحمّديّة.. فكُلُّ المعاني وكُلُّ المظاهر وكُلُّ النِعَم وكُلُّ الآياتِ في الآفاقِ وفي الأنفسِ مردّها إلى منابع الفيض الصادر مِن الأسماء الحُسنى، والأسماءُ الحُسنى هي إشراقٌ مِن إشراقاتِ الحقيقةِ المُحمّديّة التي أودعَ اللهُ فيها عِلْمهُ وحِكمتهُ وإبداعهُ وقُدرتهُ.. أودعَ فيها كُلَّ أسراره، فكانتْ الحقيقةُ المُحمّديّةُ مُترجماً لِما يُريدهُ سُبحانهُ وتعالى كي يتحقّق في هذا الوجود، ومِن هُنا كانتْ إرادتهُ صِفةً حادثة.. لأنَّ مَجلى إرادتهِ الأكمل هُو الحقيقةُ المُحمّديّة.. الحقيقةُ المُحمّديّة حقيقةٌ حادثة، وإرادةُ اللهِ هي هذه، إرادةُ اللهِ فِعْلهُ.. فحين أرادَ لِهذا الوجودِ أن يتحقّق كانتْ الحقيقةُ المُحمّديّةُ مَجْمعَ الحقائقِ ومَصدر الأنوار ومَنبع الخير في هذا الوجود الذي لا نَعرفُ عنهُ وعن عظمتهِ إلّا شَبَحاً، إلّا خيالاً، إلّا طيفاً مِن المعرفةِ التي نمتلكها.
  • ● ومِن سُورةِ القصص حيثُ ترسمُ لنا هذه الحقيقة {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} كُلُّ شيءٍ مِمّا صَدَرَ مِن فيضه، ووجهُهُ صادرٌ مِن فيضهِ أصلاً، وجههُ أصْلُ الفيض، وجههُ الحقيقةُ المُحمّديّة ما هي بهالكة.. فإنّهُ حين خَلَقَ الإسْم الأعظم الأعظم الأعظم الأعزَّ الأجلَّ الأكرم خَلَقهُ فاستقرَّ في ظِلّهِ فلا يَخرجُ منهُ إلى غيره، فكيفَ يتطرّقُ العَدَم إليه حينئذٍ؟!
  • خزائنُ الفيض إنّها خزائنُ الحقيقةِ المُحمّديّة، فكيفَ يتطرّقُ العدَمُ لِخزائنها؟! وإنّما يَتطرّقُ العَدَم لآثارِ ما ظهَرَ مِن نتاج تراكيبِ الوسائط، وتلكَ الآثارُ هي التي ستُعدم، أمّا أصْلُ الفيض فهو ثابتٌ.. فأصْلُ الفيض هو أصْلُ النعمةِ وأصْلُ الجودِ ولا يُناسبُ أن يُعدَم جُوده، وأن تُعدَمَ نعمتُهُ، ولكنّها تنتقلُ مِن حالٍ إلى حال بِحَسَب ما تقتضيهِ الحكمةُ الإلهيّةُ العاليةُ المُتعالية.

  • في الآية 26 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورةِ الرحمن: {كُلُّ مَن عليها فان* ويَبقى وَجْهُ ربّك ذُو الجلالِ والإكرام}.

  • أي كُلُّ مَن هُو على صفحةِ وُجود الفيض.. هُناكَ صفحةٌ لِوجودِ الفيض، فكُلُّ مَن هُو على هذهِ الصفحةِ هُو ذاهبٌ إلى الفناءِ حيثُ تنعدِمُ الآثار وتَغيبُ قُوّةُ الفِعْل ويَنتقلُ الكائنُ إلى أشدّ درجاتِ الانفعال وكأنَّ القطْرةَ عادتْ إلى بحْرها، معَ أنّها هي قَطْرةٌ متعيّنةٌ وإنْ اندمجتْ وامتزجتْ واختلطتْ بماءِ بحرها الذي خَرجتْ منهُ وتشخصّتْ في مرحلةٍ مِن مراحلِ تحقّقِ وجودها على صفحةِ وجود الفيضِ، وكُلُّ شيءٍ يَعودُ إلى أصْلهِ مع حِفظ المقامات.
  • ● {كُلُّ مَن عليها فان* ويَبقى وَجْهُ ربّك ذُو الجلالِ والإكرام} المضمونُ هو هو {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه}.
  • قوله: {وَجْهُ ربّك ذُو الجلالِ والإكرام} هُنا الصفةُ للوجه وليستْ لِربّك.. الوجهُ هُنا ذُو الجلال والإكرام.. هذا في الآية 27 مِن سُورة الرحمن.
  • وفي آخر آية مِن سُورة الرحمن وهي الآية 78 بعد البسملة: {تباركَ اسْمُ ربّك ذي الجلالِ والإكرام} هُنا الصِفةُ جاءتْ لربّكَ وليستْ لإسْم ربّك.. لأنَّ “ربّك” مَجرور لأنّهُ مُضاف إليه، والصِفةُ تتبعُ الموصوف في الإعراب فهي مجرورة بالياء (ذي الجلالِ والإكرام).
  • والإسْمُ هُو الوجه.. الوجهُ علامةٌ، جهةٌ.. والإسْمُ أيضاً علامةٌ جهةٌ.
  • في الآية 78 جاء الوصفُ بالإجلال والإكرام لِـ(ربّك) يعني للمُسمّى {تباركَ اسْمُ ربّك ذي الجلالِ والإكرام} فهذهِ الآياتُ تُريدُ أن تقول: أنَّ الوجه هُو مَجلىً حقيقي لِصاحب الوجه.. وهُو ما أشرتُ إليهِ قبل قليل مِن أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى كان ولم يكنْ معهُ شيء، ثُمَّ خَلَق الحقيقةَ المُحمّديّة فتجلّى فيها بكُلّ قُدرته، بكُلّ عِلْمهِ، بكُلّ لُطفه، بكُلّ فضله.. لابُدّ أن يكون جُوده هكذا.
  • فجُودُ الله الحقيقي ليس فينا وإنّما في الحقيقةِ المُحمّديّة.. أمَّا الذي فينا فهو جُودُ الحقيقةِ المُحمّديّة عِبْر الوسائط، يَعودُ نقْصهُ واختلافُ مَراتبه إلى الوسائط وليس إلى الحقيقةِ المُحمّديّة.. فجُودُ الله لا يُمكن أن يكونَ ناقصاً وإن كان ذلكَ بمُقتضى الحكمة.
  • جُودهُ المُطلَق الكامل تَجلّى في الحقيقةِ المُحمّديّة ولِذا فإنّهُ حين خَلَقَ “المشيئة” التي هي الحقيقة المُحمّديّة خَلَقها بنفسها بنحوٍ مُباشر ثُمَّ خَلَق الأشياء بالمشيئة.. فجُوده المُباشر ظهَرَ في الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • أمَّا الجُودُ الذي ظَهَر فينا بِحَسَب مَراتبنا في كُلّ الكائناتِ هذا هُو جُودُ الحقيقةِ المُحمّديّة عِبْر الوسائط.. وما كانَ مِن اختلافٍ في مراتب الجُودِ وإنْ كانَ بمُقتضى الحِكمة ولكنّه بسبب الوسائط.. لأنَّ الوسائط تختلفُ في درجةِ فاعليّتها وانفعالها.
  • ● الكونُ كُلّهُ بُني على قانون الفِعْل والانفعال.. فكُلُّ موجودٍ يَمتلكُ درجةً مِن الفِعْل وفيه انفعالٌ بِحَسَبه، وسلاسلُ قُطّانِ هذا الوجود لا عدَّ لها ولا حصْر لها {وإنْ تعُدُّوا نعمةَ اللّهِ لا تُحصوها} تلكَ هي سلاسلُ مراتب الكائنات الموجودات، تلكَ هي سلاسلُ مراتب قُطّان صفحةِ الوجود الذي فاضَ مِن الحقيقةِ المُحمّديّة التي هي وجْه الله.. إنّهُ الوجْه الأعلى الذي تتوجّهُ إليه الكائناتُ طُرّاً رغماً عنها.. ليستْ القضيّةُ اختياريّةً، فمَنبعُ الفيض، ومنبعُ التحقّق، ومنبعُ الخير، ومنبعُ الوجود مِن هُناك.. مِن تلكَ البوّابةِ التي تجلّتْ في طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ هذا الوجود في أُفُق التشريع وحتّى في أُفُق التكوين بحُدود معايشنا ومَصالحنا ومُقامنا على هذا التراب في الباب الذي فُتِحَ لنا فيما تجلّى لنا مِن الحقيقةِ المُحمّديّة العُظمى في المظاهر البشريّة لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. والحديثُ في وقتنا هذا عن إمامِ زماننا، فنُخاطبهُ في دُعاءِ الندبة الشريف (أين بابُ الله الذي منهُ يُؤتى؟ أين وجهُ اللهِ الذي إليه يتوجّهُ الأولياء؟)
  • هذهِ صُورةٌ مُنعكسةٌ بما يتناسبُ مع عالمنا التُرابي وبما يَرتبطُ مع شُؤوننا الضيّقة المحدودة.. إنّها صُورةٌ عن الصُورةِ العظيمةِ الوسيعة الكبيرة مِن توجّه كُلّ الوجود إلى وجه الله، إلى الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • وهذهِ المعاني واضحةٌ جدّاً لِمَن أرادَ أن يتدبّرَ في أُصولِ العقيدة وفي أُصولِ الفِكْرِ في ثقافة الكتاب والعترة.
  • ● الآية 27 بعد البسملة مِن سُورة الرحمن {ويبقى وجْهُ ربّك ذُو الجلالِ والإكرام} كُلُّ هذا الجلالِ وكُلُّ هذا الإكرامِ الذي يَرتبطُ بوجههِ سُبحانهُ وتعالى يرتبطُ بهِ في الآية 78 مِن نفس السُورة {تباركَ اسْمُ ربّك ذي الجلالِ والإكرام}.
  • (لا فرق بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادكُ وخلقُك..) هُنا تتعانق معاني كلماتهم، هُنا تتسّقُ المضامينُ ما بين أدعيتهم وزياراتهم ورواياتهم.. على سبيل المثال:
  • دُعاءُ شهْر رجب الوارد عن إمام زماننا “صلواتُ الله عليه” جاءتْ فيه هذهِ العبارة: (لا فرقَ بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادكُ وخلقُك..)
  • هذهِ الآياتُ واضحةٌ: {ويبقى وجْهُ ربّك ذُو الجلالِ والإكرام}، {تباركَ اسْمُ ربّك ذي الجلالِ والإكرام} لا فرقَ بين الوجْه وبين صاحب الوجه إلّا أنّهُ وجْهٌ مخلوق، لا فرق بين الإسْم والمُسمّى إلّا أنّه اسْمٌ مخلوق.
  • هذا مِثالٌ مِن دُعاءٍ مِن أدعيةِ صاحبِ الأمر مِن الأدعية الضعيفةِ السند بِحَسَب قذاراتِ عِلْم الرجال.
  • ● وفي زياراتِ سيّد الشُهداء، إذا ذهبنا إلى دُعاءِ علقمة وهُو الدُعاء الذي يُقرأ بعد زيارة عاشوراء.. نقرأ فيه هذهِ العبارة: (ليس لي وراء الله ووراءكم يا سادتي مُنتهى) لا فرقَ بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادكُ وخلقُك.
  • والأمرُ هُو هُو حين نذهب إلى زيارةِ آل يس.. إذْ جاءَ في المُقدّمة: (إذا أردتم التوجّه بنا إلى اللهِ تعالى وإلينا..) التوجّهُ إلى الله عِبْرهم أو أن نتوجّه إليهم، فإنّنا إذا توجّهنا إليهم توجّهنا إلى الله.. والمعنى هُو هُو في دُعاء النُدبة الشريف حين يقول: (أين وجهُ اللهِ الذي إليهِ يتوجّه الأولياء؟ أين السبب المُتّصلُ بين الأرض والسماء).
  • هذا هو وجه الله.. والمعنى هُو هُو الذي جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: (مَن أرادَ الله بدأ بكم، ومَن وحّده قَبِل عنكم، ومَن قصده توجّه إليكم) بِحَسَب النُسخةِ الصحيحة لا بِحَسَب النُسخةِ المُزوّرةِ المُحرّفة التي هي موجودةٌ الآن في مفاتيح الجنانِ الذي في بيوتكم.
  • ● في أدعية الأيّام، وبالتحديد في دُعاء يوم الجُمعة وهُو مِن الأدعية المرويّة عن سجّاد العترة الطاهرة.. نقرأ فيهِ هذهِ العبارات:
  • (الحمدُ للهِ الأوّل قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الّذي لا ينسى مَن ذَكَرهُ ولا ينقُصُ مَن شَكَرهُ ولا يَخيبُ مَن دعاهُ ولا يَقطعُ رجاءَ مَن رجاهُ). هُناك إنشاءٌ وهناك إحياء وهذا الإنشاءُ سابقٌ للإحياء، والإنشاء هو أصْلُ الفيض.
  • قد أُقرّب الفِكْرة بمِثالٍ مِن زيارة الصدّيقة الكُبرى، وإنْ كانتْ الزيارةُ تتّجهُ اتّجاهاً آخر.. ولكنَّ جهةً مِمّا جاء في الزيارة الزهرائيّة تلتقي مع هذه المضامين:
  • (يا مُمتحنةُ امتحنكِ اللهِ الذي خلقكِ قبل أن يخلُقَكِ فوجدكِ لِما امتحنكِ صابرة..) وتستمرُّ الزيارةُ الشريفة.
  • فهُناك امتحانٌ للصدّيقةِ الزهراء تتحدّثُ عنهُ الزيارة الشريفة قبل أن تُخلَق.
  • هُناك إنشاءٌ، هُناك بَرءٌ قَبل الخَلْق.. وأنا لا أُريدُ أن أتحدّثَ عن شُؤونِ الصدّيقة الكُبرى الكُبرى، وإنّما اقتطفْتُ هذهِ العبارةَ كي أُقرّبَ لكم الفِكْرة وكي أُبيّنَ لكم أنَّ هذهِ الثقافةَ موجودةٌ على طولِ الخطّ في نصوصِ الكتاب المُفسّرِ بتفسيرهم “صلواتُ اللهِ عليهم” لا بتفسيرِ النواصب، ولا بتفسيرِ مراجع الشيعةِ الأخرق.. فهذهِ الثقافةُ مُنتشرةٌ في آياتِ الكتاب الكريم وفي أدعيتهم وزياراتهم.
  • ● قوله: (فوجدكِ لِما امتحنكِ صابرة) كيف وَجَدها إنْ لم تكنْ موجودةً؟! وكيف تكونُ مَوصوفةً بالصَبر إنْ لم تكنْ قائمةً، كائنةً، مُتشيّئةً، مُتحقّقةً، موجودةً؟!
  • وهذهِ القضيّةُ تنطبقُ علينا أيضاً ولكن لكُلّ كائنٍ بحَسَبه، فلا مُقايسةَ فيما بينا وبين القوانين التي تجري علينا وبين الصدّيقة الكبرى وبين القوانين التي تَرتبطُ بها.. هذهِ أُمُّ الفيض، إنّها أُمُّ أبيها.. وأبوها هُو مَظهرٌ تَجلّى في هذا العالمِ في أكملِ نشآتِ مظاهرِ الحقيقةِ المُحمّديّة، وفاطمةُ أُمّ أبيها، إنّها رُوحُهُ التي بينَ جنبيهِ.. وأنا لا أتحدّثُ عن فاطمة هُنا، إنّما أردتُ أن أُلفتَ أنظاركم إلى أنَّ هذهِ المضامين مَوجودةٌ مبثوثةٌ في ثقافةِ الكتاب والعترة.
  • ● قوله: (الحمدُ للهِ الأوّل قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الّذي لا ينسى مَن ذَكَرهُ ولا ينقُصُ مَن شَكَرهُ) لو أنَّ الخَلْقَ إلى عَدَم، فهل يُناسب أن يأتيَ الدُعاء بهذهِ الصياغة مِن قِبَل إمامنا السجّاد..؟! هل هذا المنطقُ يكونُ مناسباً للعدم والانعدام؟
  • إذا كان الفناءُ عَدَماً هل يأتي هذا المعنى مُتّسقاً بنحوٍ جميلٍ مع المضمونِ الذي تقدّم في بداية الدُعاء؟! أيُّ قاريءٍ إذا أرادَ أن يقرأ هذهِ العبائر فإنَّ العبائر تُشيرُ إلى دَوامِ الفيضِ وإلى استمراره.. وإنّما الفناءُ حالةٌ مِن الحالاتِ التي تمرُّ بها الكائنات.
  • مِثلما الموت، والموتُ في الحقيقةِ حياةٌ ولكنّهُ حياةٌ في أُفُقٍ آخر.. في أُفُق التراب الموتُ خُروجٌ مِن هذا العالم، ولِذا هُو مُصيبةٌ حتّى بتعبير القُرآن الموتُ مُصيبةٌ بلحاظٍ، بحيثيّةٍ مُعيّنة.
  • في أُفُقٍ إذا أردنا أن نَنظرَ إلى آثارهِ التي تَرتبطُ بعالمنا الدُنيوي والترابي.. الموتُ مُصيبةٌ لكنّهُ بلحاظٍ آخر نُقْلى مِن دَارٍ إلى دار، وبِلحاظٍ آخر هُو حياة.
  • الذين يُقتلونَ في سبيلِ الله – أي في سبيل عليٍّ وآل عليّ – إنّهم أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون.. والقتلُ صُورةٌ مِن الصُوَر التي تنوبُ عن الموت، لأنَّ القتلَ قتلٌ والموتَ موت.. ولِذا في قوانينِ الرجعةِ الذين سيرجعونَ في تلكَ المرحلة مَن كان قد قُتِلَ قبل الرجعة فإنّهُ سيموت، ومَن ماتَ قبل الرجعةِ فإنّهُ سيُقتلُ في تلك المرحلة.
  • ● قوله: (والآخر بعد فناء الأشياء) الفناءُ مرحلةُ سكون لا فاعليّة.. والبقاءُ مرحلةُ حركةٍ، إنّها مرحلةُ الفاعليّة.. وهذا المُصطلح “السكون” و “الحركة” لهما مِن الدلائلِ ما هو غيرُ هذا الذي أُشير إليه.
  • فإنَّ السُكون قد يُشيرُ استعمالٍ آخر، في لِحاظٍ آخر إلى عُلوّ المرتبة.. حينَ نتحدَّثُ عن نبيّنا “صلّى الله عليه وآله” أنّهُ (صاحبُ الوقار والسكينة) الوقارُ هو الاستقرار، والسيكنة هي الثبات.. الكلامُ يختلفُ هُنا، فلا يحدثُ خَلْطٌ بين المعاني، نَحنُ نتحدّثُ عن معانٍ غيبيّة والمُصطلحات في المعاني الغيبيّة قد تلتقي في البُنيّة الّلفظية، قد تكونُ في حدّ الاشتراك الّلفظي، ولكنّها تختلفُ اختلافاً شاسعاً وهائلاً في المضامين والدلالات.
  • إنّني حين أستعملُ مُصطلحاً بدلالةٍ معيّنة أستعملهُ في السياق الذي أتحدّثُ بخُصوصهِ، وحينما أنتقلُ إلى سِياقٍ آخر فإنّني سأستعملهُ بدلالةٍ أُخرى في ذلك السياق الذي يختلفُ عن السياق الذي أتحدّثُ عنهُ الآن.
  • الفناءُ سكونٌ، انعدامٌ للفاعليّة، وتأكّدٌ وتشدّدٌ في حالةِ الانفعال.
  • الفناءُ سكونٌ وبعد النفخةِ الثانية يأتي البقاء، يأتي الإبقاء.
  • الموتُ الذي حَدَث بعد النفخةِ الأولى سينتقلُ طورهُ إلى طَور حياة، والفناءُ الذي تَحقّقَ طَورهُ ما بعد النفخةِ الأولى سيتحوّل طَوره إلى طَور البقاء بعد النفخةِ الثانية.. ومَردُّ كُلُّ ذلك إلى القُدرة الإلهيّة المُستطيلة على كُلّ شيء المُودَعةِ في الوجه الذي لا يهلك {كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه} الوجهُ الذي هو ذُو الجلالِ والإكرام، الذي يبقى بعد فناء كُلّ شيء.
  • فما مِن سُكونٍ إلّا هُو مِن قهّارية ذلكَ الوجْه، وما مِن حركةٍ إلّا هي مِن إبداع ذلك الوجه.. كما نقرأ في الزيارة الجواديّة الشريفة في [بحار الأنوار: ج99] في صفحة 54: (السلامُ على مَن لم يَقطعْ اللهُ عنهم صَلواتهِ في آناءِ الساعات، وبهم سَكنتْ السواكن وتَحرّكتْ المُتحرّكات).
  • فكُلُّ هذه المُجريات تجري تحتَ قهّاريةِ وغَلَبةِ وجبروتِ وغَلَبةِ الحقيقةِ المُحمّديّة التي هي قهّاريّهُ وجبروتهُ سُبحانه وتعالى.. نَحنُ نتحدّثُ عن الوجْه ذِي الجلالِ والإكرام، وعن الربّ ذي الجلالِ والإكرام.
  • هذهِ التعابير تُنبينا عن تواصل وجودهم بوجوده سُبحانه وتعالى، ولذلك هُم الوجهُ الذي لا يهلك، وهُم الوجه الباقي، وجودهم مُتصلٌ بوجوده.. خَلَقهم فاستقرّوا في ظِلّه فلا يخرجونَ منه إلى غيره.. هذهِ المضامينُ واضحةٌ في أدعيتهم، في زياراتهم، في تفسير قُرآنهم.. غايةُ الأمر أنَّ الصياغاتِ التعبيريّة تختلُف مِن نصٍّ إلى آخر بِحَسَب نوع النصّ، فنصُّ الزيارةِ غيرُ نصّ الدُعاء، ونصُّ التفسير غير نصّ الخُطبة، ونصُّ الجواب على سُؤال غير نصّ التوضيح ابتداراً وابتداءً من الإمام.
  • ● وعلى نفس هذا الاتّساق وعلى نفْس هذا النَسَق ما جاءَ في الخُطبة المعروفة للصدّيقة الكُبرى “صلواتُ الله وسلامه عليها”:
  • (وأشهدُ أنَّ أبي مُحمَّداً عبدهُ ورسوله، اختارهُ وانتجبهُ قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتَبَاهُ، واصطفاه قبل أن ابتَعَثَهُ، إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة، وبنهاية العدم مقرونة..).
  • حين تقول: (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة، وبنهاية العدم مقرونة) هُو نفس المضمون الوارد في كلماتهم الشريفة: كان اللهُ ولم يكنْ معهُ شيء، وبعد ذلك خَلَق الحقيقةَ المُحمّديّة فكان اللهُ وكانتْ ولم يكنْ معهما شيء، وبعد ذلك تجلّى ما تجلّى مِن الحقيقةِ المُحمّديّة وظهرَ الوجود منها.. والصدّيقةُ الكُبرى تتحدّثُ في هذا الأُفُق.
  • ● حين تقول: (وأشهدُ أنَّ أبي مُحمَّداً عبدهُ ورسوله، اختارهُ وانتجبهُ قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتَبَاهُ، واصطفاه قبل أن ابتَعَثَهُ…) إنّها تأخذُ مِن مُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله” الذي هُو أبوها في عالم الأرض عُنواناً واسْماً تُشيرُ إلى الحقيقةِ المُحمّديّةِ التي هي أصْلُ حقيقةِ مُحمّدٍ المُصطفى “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • ● قولها: (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة) الغَيبُ خُزانةُ الفيض، الغَيبُ هُنا هو الحقيقةُ المُحمّديّة.. لأنَّ مُحمّداً “صلَّى اللهُ عليه وآله” الذي تجلّى في الأرض هو أوّلُ مظهرٍ مِن مظاهر الحقيقةِ المُحمّديّة التي عَبّر عنها هنا بالغيب في حديث الزهراء (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة) هذا المُصطَلحُ ينطبقُ عليهم، هذا المُصطلحُ لا ينطبقُ على شيءٍ هُلاميٍّ مِثلما تتصوّرون.
  • الغَيبُ هُو الحقيقةُ المُحمّديّةُ، والقُرآن بنفسهِ استعملَ هذا المعنى في سُورة البقرة بعد البسملة: {ألم* ذلكَ الكتابُ لا ريب فيه هُدىً لّلمُتّقين* الّذين يُؤمنُون بالغَيب ويُقيمون الصلاة…}.
  • الغيبُ هُنا بَحَسَب تفسير عليٍّ وآل عليٍّ للقُرآن هو الحُجّة بن الحسن “صلواتُ الله عليه”.. فمُصطلَحُ الغيب لا يتحدّث عن شيءٍ ليس لهُ من حقيقةٍ ملموسةٍ على أرض الواقع.. وهذا يُمكنكم أن تُراجعوه في كُتُب حديث العترة الطاهرة.
  • الآية تقول: {الّذين يُؤمنُون بالغَيب ويُقيمون الصلاة} ذكرتْ الغَيب أوّلاً لأنَّ الأصْل في الدين هُو إمامنا، فنحنُ نعتقدُ به وبعد ذلك نُؤدّي أفعالنا.. العقيدةُ أوّلاً ثُمَّ تأتي العباداتُ والأعمالُ والطقوس.
  • قوله: {ذلكَ الكتابُ} الكتاب هُنا (عليٌّ) بحَسَب أحاديث العترة الطاهرة.
  • أضف أنَّ الكتاب لا يُمكن أن يتحدّث عن نفسهِ بإسْم الإشارةِ البعيد فيقول عن نفسه: {ذلكَ الكتابُ}.. لو كان القرآن يتحدّث عن نفسهِ لقال: “هذا الكتابُ لا ريب فيه”، ولكن لأنّهُ يتحدّث عن جهةٍ أُخرى قال: {ذلكَ الكتابُ} هذا منطقُ العترة الطاهرة، فهُم قالوا “عليهم السلام” في مَعنى هذهِ الآية: {ذلكَ الكتابُ لا ريب فيه} ذلك (عليٌّ) لا ريبَ فيه.. عليٌّ هُو الحقيقةُ الجامعة، وهذا هُو معنى الكتاب في الّلغة.. الكتابُ هُو الحقيقةُ الجامعة.
  • (وقفة توضيح لهذه العبارة).
  • فقولهِ: {ذلكَ الكتابُ لا ريب فيه} إنّهُ عليٌّ جامعُ الحقائق، هُو عُنوانٌ للحقيقةِ العَلَويّة التي هي مَجلىً مِن مَجالي الحقيقةِ المُحمّديّة، مَردّنا إلى الحقيقةِ المُحمّدية.. فعليٌّ عُنوانُ يُشيرُ إلى الحقيقةِ المُحمّديّة، والحقيقةُ العَلَويّةٌ عُنوانٌ يُشيرُ إلى الحقيقةِ المُحمّدية.. وكُلُّ شيءٍ مَردّهُ إلى مُحمّدٍ.. إنّهُ جامعُ المحامدِ والمدائح، إنّهُ جامعُ الجمالِ والجلال، إنّهُ مُحمَّدٌ الفاتِحُ الخاتِمُ والخاتَم، فهو خاتِمُ الحقائق وهو زينتها وجمالها.
  • ● فقوله: {الّذين يُؤمنُون بالغَيب} بحَسَب أحاديثهم الشريفة الغَيب هُو إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • الغَيبُ حقيقةٌ.. والحديثُ عن خُزّان الغيب ليس الكلامُ عن أسرارٍ تُلفَظُ بالكلمات أو عن صُوَرٍ شبحيّةٍ لا حقيقةَ لها على أرض الواقع.
  • حين تقول الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ اللهِ عليها”: (وأشهدُ أنَّ أبي مُحمَّداً عبدهُ ورسوله، اختارهُ وانتجبهُ قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتَبَاهُ، واصطفاه قبل أن ابتَعَثَهُ…).. فمُحمّدٌ المظهرُ الأتمّ الأكملُ الأوّل الذي تجلّى مِن الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • قولها: (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة، وبنهاية العدم مقرونة) هي لا تُعدَم ولن تكونَ معدومةً، ولكنَّ حُكْم العدم يُقارنها.. فكُلُّ الكائنات هي تحت سُلطةِ وجبروتِ قهّاريّتهِ سُبحانهُ وتعالى التي تتجلّى في قهّاريّة الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • الحقيقةُ المُحمّديّة يمينُ الله، يدهُ الباسطة، فقهّاريته لا تتجلّى لخَلْقهِ بنحوٍ مُباشر وإنّما تتجلَّى عِبْر يمينه عبر يدهِ الباسطة عِبْر وجههِ ذِي الجلال والإكرام.. وحتّى وجههُ فإنّهُ يتجلّى عِبْر مجامع الأسماء الحُسنى، وحتّى الأسماء الحُسنى فإنّها تتجلّى عبر الوسائط الكثيرة، وهذا هُو كوننا وهذا هُو وجودنا.. وأبى اللهُ سُبحانهُ وتعالى إلّا أن تجري الأُمور بأسبابها وتلكَ هي الأسبابُ.. فتلكَ حكمتهُ وتلك قوانينهُ وتلك سُنَنُه، وهكذا أرادت حكمته واقتضتْ مشيئته.
  • ● قولها: (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة) ربّما صارَ هذا المعنى واضحاً إلى حدٍّ ما.. فإنَّ الغَيب هُو الحقيقةُ المُحمّديّة..
  • وقولها: (وبستر الأهاويل مَصونة) الأهاويلُ قد تكون جَمْعاً لهول، ومرَّ علينا في مَحطّاتِ السابقة مَحطّة “هَول المُطّلَع”.. هَول إذا ما جُمعتْ فإنّها تُجمَع: أهوال وأهاويل، وقد يجمعُها البعض تهاويل.. فالأهاويلُ جمعٌ لِهول، والهولُ هُو ما يهولُ الإنسان، أي ما يُثيرهُ إلى أبعدِ حدٍّ مِن حُدود الإثارة، ربّما يُخيفه، فما يُخيفُ خوفاً شديداً إنّه هولٌ مِن الأهوال، وما يبعثُ على الإستغراب الشديد جدّاً إنّهُ هولٌ مِن الأهوال، وما يُثير العجب بنحوٍ شديد إنّهُ هولٌ شديد، وما يُثير الفرح إلى حدٍّ يتجاوزُ المعقول إنّهُ هَولٌ مِن الأهوال.. ولِذا يُقالُ للمرأة الفاتنةُ الجميلةُ جدّاً: الهُولة.. لأنَّ جمالها يهول الرجال والنساء.
  • الهولُ هُو شيءٌ يُثير الإنسان إلى أبعد حُدود الإثارة بكُلّ الأشكال التي يُمكنُ أن تُثير نوازع النفس البشريّة. (وقفة عند أمثلة أُخرى تُوضّح المعنى).
  • ● (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة) بعد هذا البيان الّلغوي لكلمة الأهاويل.. ما المُراد مِن حديثِ الخُطبةِ الشريفة حين تقول: (وبستر الأهاويل مَصونة)؟
  • أُقرّب لكم المعنى بمثالٍ قرآني:
  • ● في سُورة القلم الآية الأولى بعد البسملة: {ن والقلم وما يسطرون}
  • (نون) في لُغة العرب هي المِحبرة، هي الدواة.. وأمّا القلم هُو القلم.. وقوله: “ما يسطرون” أي ما يكتبونَ مِن حروفٍ يجمعونها إلى بعضها فتتكوّن الكلمات، ثُمَّ يجمعون الكلماتِ مع بعضها وفقاً لِنظامٍ حكيم كيف تتكوّن الجُمَل كي تُعطي المعاني الصحيحة، ثُمَّ تُجمَع الجُمَل كي تتكوّن السُطور، ثُمَّ تُجمَع السُطور كي تتكوّن الصحائف كاملةً.
  • قَطْعاً الآية في مقام القَسَم، يعني قَسَماً بنون والقلم وما يسطرون.
  • القلمُ هُو الذي تصدرُ الكلماتُ عنه في مقام الكتابة، ولكنَّ القلمَ يأتي بالمِدادِ من المحبرة.. فهُنا تصدرُ الكلماتُ وتصدرُ الكتابةُ مِن خلالِ الحبر الذي يأتي مِن الدواة عِبْر القلم الذي يرسم تلك الكلمات على الأوراق.
  • هذهِ الكلماتُ قبل أن يخطّها لا القَلَم وقبل أن يكونَ الحِبرُ قد وصَلَ إلى القَلَم، كان الحِبْر في المِحبرة.. فإنَّ الكلماتِ هُنا مكنونةٌ في هذهِ المِحبرة، وفي أحاديثهم الشريفة فإنَّ نون مِن أسماء مُحمّدٍ والقلم مِن أسماء عليٍّ “صلّى اللهُ عليهما وآلهما”.. ومُحمّدٌ عنوانٌ للحقيقةِ المُحمّدية، وعليٌّ عنوانٌ للحقيقةِ العَلَويّة. الإسْمُ الأعظمُ للهِ سُبحانهُ وتعالى هُو الحقيقةُ المُحمّديّة.. الإسْم الأعظم للحقيقةِ المُحمّديّة في أرضنا هو مُحمّدٌ، هو عليٌّ هو الحُجّةُ بن الحسن “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • ● الكلماتُ التي يخطّها القَلَم قبل أن تكونَ على السُطور، على صفحةِ وُجودها في المُصحف، في الكتاب في أيّ مكان.. كانتْ موجودةً داخل القَلَم في الحِبْر الذي هُو مُختزنٌ في هذا القَلَم، وهذا الحِبْر قبل أن يصِل إلى القَلم كانَ مخزوناً في المِحبرة.. فكانتْ الخلائقُ مخزونةً في المِحبرة (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة) الأهاويلُ هُو ما يكونُ فيما بين انتقالِ الحِبْر وانفصالهِ عن الدواة فهذا هَولُ الفراق، وحينما يكونُ في موضعٍ جديد فهذهِ دهْشةُ الجديد، والدهشةُ هَولٌ مِن الأهوال.. إنّي أُقرّبُ لكم المعاني.
  • وحينما يبدأُ القَلَمُ يتقاطرُ حِبرهُ حُروفاً وكلمات إنّها هَول التحقّق والاستحداث، إنّها هَولُ الحروف حينما تترّكبُ مع بعضها، وهولُ الكلماتِ من بعضها البعض حينما يلتصِقُ بعضها بالبعض الآخر.
  • الأهاويل إنّها الأحوالُ المختلفةُ المتباينةُ التي تمرُّ بها الكائنات عِبر الوسائط ولكلِّ واسطةٍ من هذهِ الوسائطِ خُصوصيّاتها.. فإنَّ الوسائط هي مظاهر جمالٍ أو جلال وكُلُّ جمالٍ مِن مظاهر هذهِ الوسائط يستبطنُ جلالاً، وكُلُّ جلالٍ من مظاهر هذهِ الوسائط يستبطنُ جمالاً..
  • وما بين الجمال والجلال تختلفُ مراتبُ التكوينيّات.. تلكَ هي الأهاويل، هذا هُو التنوّع في الألوان كما تقولُ العربُ للبساتين التي تكثرُ أزاهيرها بألوانها المُختلفة.. الأهاويلُ هو هذا التلوّن.. إنّها التراكيبُ التي ستجرُّ معها آثاراً وآثاراً فتُثيرُ قَلقاً ورِيبة.. وأنا أقولُ لكم هذا على سبيل المِثال لتقريب الفكرة، وليس على سبيل الحقيقة.
  • ● قولها: (وبنهاية العدم مقرونة) نَحنُ محكومون بالعَدَم لأنّنا لسنا الذين أوجدنا أنفسنا بأنفسنا ولأنّنا مَسبوقون بالعدم، لم نكن موجودين مُنذ الأزل.. أمّا هو سُبحانهُ وتعالى فموجودٌ مُنذ الأزل، لا أوّل له ولا آخر له.
  • نَحنُ لا نستطيعُ أن نُحافِظَ على وُجودنا إلّا بوجودهِ سُبحانه وتعالى.. ومِن هُنا فإنَّ العدم في الحقيقةِ مُقارنٌ لنا.
  • ● وقفة تقريب لمعنى الفناء بمثال (أجهزة العرض الّليزري).

  • في الآية 59 بعد البسملة من سُورة الأنعام: {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو ويَعلمُ ما في البرّ والبحر وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ}.

  • الغيبُ حقائق.. مِثلما أطلقتْ سُورةُ البقرة في أوّلها هذا المُصطَلح “الغَيب” على الحُجّة بن الحسن، فإنَّ القرآن هنا يُطلِقُ الغَيب على خزائن الغَيب، وخزائنُ الغَيب جُماعها في الحقيقةِ المُحمّديّة {وعندهُ مفاتح الغيب لا يعلمُها إلّا هُو…} وهذا التعبير “وعنده” هُو نفس التعبير الوارد في الآية 19 بعد البسملةِ مِن سُورة الأنبياء: {ولَهُ مَن في السماواتِ والأرض ومَن عندهُ لا يستكبرونَ عن عبادتهِ ولا يستحسرون}.
  • مفاتِحُ الغَيب إنّها الحقيقةُ المُحمّديّة.. فإنّهُ حِين خَلَق الإسْم الأعظم الأعظم الأعظم خَلَقهُ فاستقرّ في ظِلّهِ فلا يخرجُ مِنهُ إلى غيره.. فهو عنده.
  • (يا علي لا يعرفُ الله إلا أنا وأنت، ولا يعرفني إلّا الله وأنت، ولا يعرفُك يا علي إلّا الله وأنا).
  • أوردتُ هذه الآية لغايتين:
  • الغاية (1): الآية تتحدّث عن حِفظهِ سُبحانهُ وتعالى لأصْل الفيض فليس هُناك من عدمٍ ولا من إعدام.. الآيةُ واضحةٌ تتحدّثُ عن بقاء الفيض ولكنّهُ يتصوّرُ بِصُوَرٍ ويظهرُ بمظاهر.
  • الغاية (2): أردتُ أن أقول لكم أنّنا إذا أردنا أن نعرفَ عقائدنا الصحيحةَ فعلينا أن نعودَ إلى كتابهم وإلى تفسيرهم وأن نعرفَ مُصطلحاتهم.
  • — وقفة عند ما جاء عن العترة الطاهرة في معنى 59 من سُورة الأنعام في [تفسير القُمّي]:
  • (قولهِ: {وعندهُ مفاتحُ الغَيب} يعني عالمَ الغَيب {لا يعلمُها إلّا هُو ويعلمُ ما في البرّ والبحر وما تسقطُ مِن ورقةٍ إلّا يعلمُها ولا حبّةٍ في ظلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مبين} قال: الورقةُ: السِقْط – أي الجنين الميّت – والحبّةُ الولد، وظلماتُ الأرض: الأرحام، والرطب: ما يبقى ويحيى – إنّها رطوبة الحياة بعيداً عن جفافِ الموتِ ويُبوسته – واليابسُ: ما تغيضُ الأرحام، كلُّ ذلك في كتابٍ مُبين..).
  • — قوله: (ما تغيضُ الأرحام) أي ما يكونُ نقْصاً في الأرحام إمّا بسبب عُقمها أو بسبب أمراضها أو ما يخرجُ منها ناقصاً.. فقد يكونُ الرحم عقيماً قد يكون الرحم مريضاً فلا يكون محلاً للإنجاب، وقد يُنجبُ الرحم ولكنّهُ يُنجبُ إنجاباً ناقصاً، إنجاباً معيباً.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …