دليلُ المسافر – الحلقة ٣٤ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج٥

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 18 شوّال 1440هـ الموافق 22 / 6 / 2019م

  • هذا هُو الجُزءُ (5) مِن حديثي في أجواءِ المَحطّةِ (7): مَحطّةُ نفْخِ الصُور.. إنّها محطّةُ النفختين: النفخةُ الأولى هي نفخةُ الإماتة، والنفخةُ الثانيةُ هي نفخةُ الإحياء.. في الحقيقةِ ما بعدَ النفْخةِ الأولى سيكونُ هُناك موتٌ وبعد الموتِ فناء، وبعد النفْخةِ الثانية ستكونُ هُناكَ حياةٌ وبعد الحياة بقاء.

  • مرَّ هذا الكلامُ في الحلقاتِ المُتقدّمةِ التي تَحدّثتُ فيها عن المَحطّة السابعة.. وفي نيّتي أن يكونَ هذا الجُزءُ هو الجُزء الأخير.
  • ● في الحلقةِ الماضية وصلتُ إلى الآية 59 بعد البسملة مِن سُورة الأنعام: {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو ويَعلمُ ما في البرّ والبحر وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ}.
  • لا أُريدُ أن أُعيد ما تقدّمَ مِن كلامٍ، لكنّني بدأتُ بهذه الآية حديثي كي أُرابطَ فيما تمَّ ذِكْرهُ في الحلقةِ الماضية وما سيأتي ذِكْرهُ في هذه الحلقة.
  • بيّنتُ لكم أنَّ المُرادَ مِن هذا المصطلح ليس هو الصُورةُ الهلاميّةُ الشبحيّةُ العائمة لمعنى الغَيب في أذهاننا.. خَزائنُ الغَيب عُنوانٌ للحقيقةِ المُحمّديّة بوجهٍ مِن الوجوه.. فخزائنُ الغَيب خزائنها.. الغَيبُ عُنوانٌ ينصرفُ بشكلٍ كامل إلى الحقيقةِ المُحمّديّة التي هي خُزانةُ غيب اللهِ سُبحانهُ وتعالى.. مرَّ هذا المضمون ولا أُريدُ أن أُكّررَ ما تقدّم مِن كلامٍ بخُصوصهِ في الحلقةِ الماضية.
  • ● قوله: {وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض} بِحَسَب أحاديثهم الشريفة الورقةُ هُنا عُنوان للأجنّةِ الساقطة (للسِقط).. أمَّا الحبّةُ فهي الولدُ الكامل (والمُراد مِن الولد الكامل أي الذي يكونُ كاملاً بالقِياسِ إلى السِقط) وأمّا ظُلماتُ الأرض فهي ظُلماتُ الأرحام.
  • كُلُّ هذهِ العناوين مَحفوظةٌ في كتابٍ مبين.. وبَيّنتُ لكم أنَّ الكتابَ ليس مجموعة صحائف وليس مجموعةَ أوراق يُكتبُ عليها بالأقلام وتُلوّن الكلماتُ والجُمَلُ بألوانِ المحابر.. الكتابُ المُبين هُو الوعاءُ التكوينيُّ الذي تُحفَظُ فيهِ أُصولُ الفيض، حَقائقُ الفيض.
  • ● يُمكنني أن أُقرّب الفكرة بمثال، مع أنَّ الأمثلةَ تُقرّبُ مِن وجْهٍ وتُبعّدُ مِن وُجوهٍ كثيرة في مِثْل هذه المطالب التي أتحدّثُ عنها.. فأقول:
  • نواةُ النخلة هذهِ البذرةُ الصغيرةُ، هذه النواةُ تشتملُ في داخلها على النخلةِ الباسقةِ المتعاليةِ العظيمةِ في حجمها الكبيرةِ في جِسمها.. بكُلّ ما فيها مِن سَعْفٍ كثير وخُوصٍ مُتكاثر ورُطَبٍ.. النخلةُ بكُلّها موجودةٌ بكُلّ تفاصيلها في هذه البذرةِ الصغيرةِ التي هي النواة.
  • النواةُ هي رقاقةٌ إلكترونيّة مِن السيلكون تشتملُ على كُلِّ تفاصيل برنامج تكوينِ النخلةِ على أرض الواقع.
  • النواةُ هذهِ هي خزانةٌ تُخزَنُ فيها تفاصيلُ النخلة.
  • ● الفناءُ ليسَ عَدَماً، وإذا كان هُناك مِن عدمٍ في مَرحلةِ “نفخ الصور” إنّهُ عدمٌ للتراكيب، عدمٌ للمُتعلّقاتِ.. أمّا الفناءُ فهو انتقالٌ مِن طَورٍ إلى طَور.. تبدّلٌ من حالٍ إلى حال.. بهذا المِثال أُقرّب الفكرة، فأقول:
  • هذهِ النواة تُمثّلُ خُزانةَ الغَيب.. مِثلما قالتْ الصدّيقةُ الكُبرى “صلواتُ اللهِ عليها”: (إذْ الخلائقُ بالغَيب مكنونة، وبستر الأهاويل مَصونة) النخلةُ مكنونةٌ في عالمِ غَيب هذه النواة.. وهذا مِثالٌ، فأنا لا أتحدّثُ بمنطقِ الحقيقةِ وإنّما أتحدّثُ بمنطقِ الأمثلة، والأمثلةُ تُقرّبُ مِن وجْهٍ وتُبعّد مِن وجوه، وإنّني ناظرٌ إلى الجهةِ التي تُقرّبُ المعنى في هذا المِثال.
  • النواة تشتملُ على صُورةٍ كاملةٍ لهذهِ النخلةِ العظيمة، فالنخلةُ مكنونةٌ في باطن هذهِ النواة، في غَيب هذهِ النواة، في خُزانةِ هذهِ النواة.. بل هي النواة خُزانةٌ للنخلة.
  • النخلةُ لو أنّها خرجتْ مِن باطن النواةِ إلى أرض الواقع بعد أن زُرعتْ تلكَ النواةُ وظهرتْ مِن خلالِ تعدّد الوسائط، فهُناكَ وسائط في البين أخرجتْ لنا النخلةَ على أرضِ الواقع.. حينما تتعرّضُ إلى فناءٍ فإنَّ أجزاءَ النخلةِ ستتلاشى، تتحوّلُ إلى ترابٍ، تتحوّلُ إلى أجزاءٍ غير مرئيّةٍ لِعيوننا، تنتشرُ أجزاها فتختلطُ في أشياءَ أُخرى تُمازجها.. تتلاشى هذهِ النخلةُ حينما تتلاشى المادّةُ التي تكوّنتْ مِنها النخلة فإنَّ تصميمَ النخلةِ سيُعدَم، تصميمُها، مظهرها، تراكيبها، طريقةُ التركيبِ بين أجزائها ستكونُ معدومةً.. مظهره الخارجي سيكون معدوماً.. هذهِ المتعلّقاتُ هي التي تُعدَم أمَّا مادّةُ النخلةِ فإنّها ستتحوّلُ إلى شيءٍ آخر.
  • فرضيّة لِتقريب المِثال:
  • وإذا افترضنا أنَّ النخلةَ بإمكانها أن تَجمعَ نفسها وتعودَ إلى النواة، فإنّها قد عادتْ إلى خُزانتها الأصليّة، وأصْلُ فيضِ النخلةِ هو في جذرها الموجودِ في خُزانةِ هذه النواة.. هذهِ هي عمليّةُ الفناءِ بهذا المثال التقريبي، فليس هُناك مِن عدم، إنّما العدَمُ للتصميمِ الذي ظَهرتْ بهِ النخلةُ حينما كانتْ مادّتها المحسوسةُ مُتراكبةً مُتشكّلةً.. التصقَ بعضُها بالبعض الآخر فشكّلتْ لنا تَصميماً.. هيئةُ ارتباطِ تلكَ التراكيب وعلاقةُ تلكَ الأجزاء فيما بينها حينما تتفكّكُ مادّةُ النخلةِ إنّها تُعدَم.. العلائق فيما بين الأجزاء تعدَم، التصاميم تُعدَم، مظاهر التراكيب تُعدَم.. العدَمُ يكونُ هُنا، أمَّا أصْلُ المادّة فإنّها لا تُعدَم وإنّما تتحوّلُ مِن حالٍ إلى حال وتبقى محفوظةً في أُصولها في جذر فيضها في خُزانةِ الفيضِ التي عُبّر عنها في هذهِ الآية من سُورة الأنعام عُبّر عنها بـ(كتابٍ مُبين).
  • ● {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو..} الغَيبُ ليس معلوماتٍ تُكتَبُ على الأوراق، الغَيبُ حقيقةُ وجود.. إنّها خُزانةُ الفيضِ لكُلّ الأشياء، فإنَّ الأشياءَ في عالمِ الشهادةِ ظاهرةٌ بِصُوَرها، حقائقُها.. هي في جُذورها في خزائن الغيب، وخزائنُ الغَيب لا حُدودَ لها ولكنّها تنتهي إلى خُزانةٍ واحدة إلى خُزانةِ غيب الله، وخُزانةُ غيبِ الله هي الحقيقةُ المُحمّديّة.
  • هُناكَ خُزانةٌ واحدةٌ هي خُزانةُ غَيب الله، وهذهِ الخُزانةُ تتفرّعُ منها، تحتَ ولايتها في ساحةِ فَيضها.
  • هُناك خزائنُ للغَيبِ لا حُدودَ لها ولا حصْرَ لها، ولكن منبعها منبعٌ واحد، إنّها خُزانةُ غَيب الله.
  • القرآنُ تحدّثَ عن الغَيب والغيوب وعن مفاتح الغَيب وعن أنباء الغَيب وعن كُلّ التفاصيل، لكنّه عندما تحدّثَ عن غيبِ اللهِ تحدّث مرّةً واحدة.. وحينما تحدّثَ عن غيبِ الله جعلهُ مُرتبطاً بجهةٍ واحدة.. إنّهُ مُحمّدٌ “صلّى الله عليه وآله” في وجْهٍ، وإنّهُ عليٌّ في وجْهٍ آخر.

  • في الآية 26 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة الجنّ:

  • {عالمُ الغَيبِ فلا يُظْهِرُ على غَيبهِ أحدا* إلّا مَن ارتضى مِن رسول فإنّهُ يسلكُ مِن بين يديهِ ومِن خلفهِ رصدًا} إنّهُ غيبُ اللهِ الذي لهُ خُزانةٌ واحدة.. تلكَ هي الحقيقةُ المُحمّديّة.
  • ● قوله: {إلّا مَن ارتضى مِن رسول} الرسولُ المُرتضى هُنا هُو المُصطفى، هذا وجْهٌ أوّلٌ للآيةٍ، ووجْهٌ ثانٍ مِثلما قال سيّد الأوصياء (وأنا المُرتضى مِن رسول الله). أنا عليٌّ وعليٌّ أنا قال مُحمّد.. أنا مُحمّدٌ ومُحمّدٌ أنا قال عليٌّ “صلّى اللهُ عليهما وآلهما”.
  • هذهِ الآيةُ الوحيدةُ في القُرآن التي تحدّثتْ عن غَيب اللهِ ونَسبتْ الغَيبَ إلى اللهِ.. هي الآيةُ التي تتحدّثُ عن الخُزانةِ الوحيدةِ لِغَيبِ الله.
  • الآيةُ في وجهها الأوّل إنّهُ المُصطفى وفي وجهها الثاني إنّهُ عليٌّ مِثلما قال “عليه السلام”: (وأنا المُرتضى مِن رسول الله).
  • ● {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو ويَعلمُ ما في البرّ والبحر وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ}.
  • الكلامُ هُنا عن حقائق وليس عن صُوَرٍ مَعنويّة يُمكنُنا أن نَتخيّلها.. الحديثُ عن حقائق على أرض الواقع.
  • ما في البرّ والبحْر هذهِ حقائق، وما تَسقطُ مِن ورقةٍ إنّها الأجنّةُ الساقطةُ الناقصة.. هذهِ حقائق.. وقوله: {ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض} الأجنّةُ الكاملةُ في أرحامِ أُمّهاتها.. إنّهُ الولدُ الكاملُ المولود.. وحين أقول الولد لا يُقصَدُ مِنهُ المُذكّر.. الولدُ يُطلَقُ على المُذكّر وعلى المُؤنّث (واحفظني في وُلْدي).
  • ● {ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ} إنّها إشارةٌ إلى رُطوبة الحياة، وقوله: {ولا يابسٍ} إنّها إشارةٌ إلى يبوسةِ الموت.. ومرَّ الحديثُ بِحَسَب ما جاء في رواياتهم الشريفة.. قرأتُ عليكم ما قرأتهُ مِن تفسير القُمّي في الحلقةِ الماضية، ولا أجدُ وقتاً لإعادةِ ما تقدّم مِن كلام.
  • فكُلُّ هذهِ الأعيان وكُلُّ هذهِ المُكوَّناتُ الفيزيائيّة على أرضِ الواقع تُحفَظ في أُصولِ فيضها وفي أصْل وُجودها وفي أصْل تكوينها تُحفَظُ في وعاءٍ.. هذا الوعاءُ خُزانةٌ لأصْلِ الفيضِ عُبّر عنها بهذا التعبير: {إلّا في كتابٍ مُبينٍ}.
  • {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو ويَعلمُ ما في البرّ والبحر وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ}
  • ولذا فإنَّ الأحاديثَ عن رسولِ الله “صلّى اللهُ عليه وآله” تُخبرُنا أنَّ السِقْطَ مِن الأُمّةِ المُؤمنة يقِفُ على باب الجنّةِ محبنطئاً – أي مُغضِباً – يَطلبُ الشفاعةَ في أبوابه. الآيةُ هُنا حين تحدَّثتْ عن السِقْط باعتبارِ أنّهُ مَخلوقٌ ناقصٌ بسببِ الإضافاتِ، بسببِ العلائقِ، بسببِ التزاحمِ، وبسببِ التضادِّ بينَ الأشياءِ.. يكونُ هُناك نقْصٌ في بعضِ الأجنّة ممّا يُؤدّي إلى إسقاطها لأسبابٍ مُختلفة.. الأسبابُ كثيرةٌ والبرنامجُ ليس للحديثِ عن هذا الموضوع، ولكن ما جاءَ في الأحاديث عن رسول اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله” مِن أنَّ السِقْطَ يقفُ مُحبنطئاً على بابِ الجنّة يُريدُ الشفاعةَ في أبويهِ، إشارةٌ واضحةٌ لِما تَحدّثتُ عنهُ مِن أنَّ الأشياء تكونُ مَحفوظةً في خَزائنُ الغَيب وحينما يحينُ الوقتُ المُناسبُ فإنّها ستخرجُ كاملةً بعيدةً عن النواقص التي تَعرّضتْ لها بسببِ عوارضِ وإضافاتِ وعلائقِ عالمِ الدُنيا.. فأصْلُ الفيضُ كاملٌ محفوظ ولِذا يأتي السِقْطُ محبنطئاً واقفاً عند باب الجنّة.

  • وقفة عند حديث رسول اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله” في كتاب [بحار الأنوار: ج79] صفحة 117:

  • (وعن سهل بن حنيف، قال: قال رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”: تزوَّجوا فإنّي مُكاثرٌ بكم الأُمم، حتّى أنَّ السِقْط ليظلُّ محبنطئاً – أي يقِفُ وقفةَ المُغضِب، وقفة الآمِر- على باب الجنّة، يُقالُ لهُ: ادخل، يقول: حتّى يدخلَ أبواي).
  • ● قوله: (تزوَّجوا فإنّي مُكاثرٌ بكم الأُمم) يعني يوم القيامة.. وقَطْعاً يُكاثرُ بنا الأُمم إذا كُنّا على صلاحٍ ولا نكونُ على صلاحٍ إلّا إذا سلكنا في وادي عليٍّ وآل عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • هذا الخِطابُ “تزوّجوا” لا يُخيّلُ إليكم أنّهُ مُوجّهٌ للرجال فقط، هذا الخِطابُ مُوجّهٌ للرجالِ وللنساء على حدٍّ سواء، لأنَّ الثقافةَ البدويّةَ تجعلُنا نَفهمُ النُصوص بهذا النحو، وكأنَّ هذا الخِطابُ يُوجّه للرجال فقط.
  • الزواجُ على حدٍّ سواء مُناصفةٌ بين الرجلُ والمرأة، فالخِطابُ يُوجّهُ على حدٍّ سواء للرجلُ وللمرأة.. وهكذا هي الخِطاباتُ لابدَّ أن تُفهَم.. وأنا هُنا لستُ بصَددِ الحديثِ للدفاع عن حقوقِ المرأة.. البرنامجُ ليس مُخصّصاً لِمثْل هذهِ الموضوعات، إنّني أتحدَّثُ عن الطَريقةِ التي تُفهَمُ بها النُصوص، فنَحنُ مُعبّأون بالطَريقةِ البدويّةِ لفَهْم النُصوص، وهي طريقةُ السقيفة، هي طريقةُ الشافعي، هي طريقةُ البخاري، وهي طريقةُ المُخالفين لأهْل البيت في فَهْم النصوص.. مَراجعنا وعُلماؤنا تبعوا هذهِ الطريقة ولم يذهبوا وراءَ منهج معاريض قولِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”.. فساروا وِفقاً لِمَنهجيّة الظُهور العُرفي والتزموا بها وِفقاً للذوقِ البدوي التي تتبنّاه سقيفةُ بني ساعدة.
  • ● قوله: (حتّى أنَّ السِقْط ليظلُّ محبنطئاً على باب الجنّة) هذا السِقْط الذي كانَ ناقصاً ولكنّهُ حُفِظَ أصْلُ فَيضهِ في الكتاب المُبين، ومِن هُنا فلا معنى للعدم أصلاً في البين وفي السياق الذي نحنُ نتحدّثُ عنه. هذا السِقْط سيأتي بكامل خِلْقتهِ يوم القيامة وبكاملِ قُوّتهِ وبكامل عُنفوانه ولِذا يقِفُ مُغضباً مُتحفّزاً وكأنّهُ يُصْدرُ الأوامر ويُعلنُ رفضهُ أنّهُ لنَ يدخلَ الجنّةَ حتّى يدخُلَ أبواه.
  • ● قوله: {ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ} إنّهُ خُزانةُ الغَيب، أوعيةُ الغَيب، كُتُب الغَيب التي هي حقائقُ وليستْ بِصُحُفٍ وأوراق.. التي هي مراكزُ تجميعِ كُلّ التفاصيلِ التي إذا ما تجلّتْ على أرضِ الواقع كانتْ هذهِ التكوينيّات.. لكنَّ جُذورها الأصليّة هُناك.

  • وقفة عند الآيات 53 وما بعدها مِن سُورة طه:

  • {الّذي جعل لكُمُ الأرض مَهدًا وسَلَك لكُم فيها سُبُلًا وأنزلَ مِن السماء ماءً فأخرجنا بهِ أزواجاً مِن نباتٍ شتّى* كُلُوا وارعوا أنعامكُم إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لأُولي النُهى* منها خَلقناكُم وفيها نُعيدُكُم ومنها نُخرجكُم تارةً أُخرى}.
  • ● قوله: {الّذي جعل لكُمُ الأرض مَهدًا وسَلَك لكُم فيها سُبُلًا..} هذهِ مَجموعةُ الإضافاتِ والارتباطاتِ والعلائقِ فيما بيننا وبينَ الأرض وفيما بين الأرضِ وبين أسلافنا، فنحنُ جئنا عِبْر أسلافنا، وأسلافنا جاءُوا عِبْر أسلافهم أيضاً عِبْر منظومةٍ من العلاقاتِ والارتباطاتِ فيما بينهم وبين الأرض وما حولهم.. علاقاتٌ مع ماءِ المطر، علاقاتٌ مع تُراب الأرض، عَلاقاتٌ مع الأنعامِ والحيوانات، علاقاتٌ مع النباتات.
  • ● قوله: {منها خَلقناكُم وفيها نُعيدُكُم ومنها نُخرجكُم تارةً أُخرى} فأين العدم؟!
  • إنّما هُو التبدّلُ، الانتقالُ.. الدنيا دارُ فناءٍ بحُدودها.. الموتُ فناءٌ بحُدود هذهِ المرحلة، وما بعد النفخةِ الأولى إماتةٌ والإماتةُ هذهِ فناءٌ بحُدودها ولكن بعد الإماتةِ فناء.. هذا هُو الفناءُ في أوضحِ صُوَرهِ حينما يكونُ المخلوقُ في حالةِ عدَمِ فِعْلٍ مُطلَق وفي حالةِ انفعالٍ مُطلَق.

  • وقفة عند مقطع مِن حديث الإمامِ الصادق “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج3] صفحة 161 الباب: 103 الحديثُ (1) أقرأ عليكم مِن صفحة 162، موطنُ الحاجةِ مِن الحديث الشريف:

  • (إنَّ الله تعالى خَلَق خلّاقين – صيغة مُبالغة مِن خالق – فإذا أرادَ أن يخلقَ خَلْقاً أمرهُم فأخذوا مِن التربةِ التي قالَ في كتابه: {مِنها خَلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أُخرى} فعَجَنَ النُطفةَ بتلكَ التربة التي يُخلقُ منها بعد أن أسْكنها الرَحِم أربعينَ ليلة، فإذا تمَّتْ لها أربعةُ أشهر قالوا: يا ربّ نَخلقُ ماذا؟ فيأمرُهُم بما يُريد مِن ذَكَرٍ أو أنثى، أبيضٍ أو أسود، فإذا خرجتْ الرُوح مِن البدن خرجتْ هذهِ النُطفةُ بعينها منهُ كائناً ما كان صغيراً أو كبيراً، ذَكَراً أو أنثى – لأنَّ النُطفةَ هُنا هي الأصْلُ التكوينيُّ – فلذلك يُغسَلُ الميّت غُسْل الجنابة..).. الحديثُ هُنا عن الملائكة الخلّاقة.
  • قَطْعاً هذهِ المُحاوراتُ تأتينا وكأنّها مُحاوراتٌ بشريّة، وكأنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى يُحاورُ ملائكتَهُ مِثلما يُحاورُ ويُخاطِبُ ويأمرُ الملكُ حاشيتَهُ ورعيّتَهُ.. هكذا يكونُ الكلامُ لأجْل أن يسهُل فَهْمهُ، وإلّا فالقضيّةُ لَيستْ بهذهِ الصِياغةِ وبهذا الطرزِ مِن التفعيلِ على أرض الواقع.
  • ● قوله: (فإذا أرادَ أن يخلقَ خَلْقاً أمرهُم) إرادتهُ سُبحانهُ وتعالى فِعْلهُ، ولا تُوجد هذهِ المراحل، ولكنَّ الكلام لابُدَّ أن يُبيّن لنا بهذا الأسلوب لأجل أن نتصوَّرهُ ولو بنحوٍ قريبٍ مِن حقيقته.
  • ● قوله: (فأخذوا مِن التربةِ التي قالَ في كتابه: {مِنها خَلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أُخرى}..) الإمامُ لا يتحدَّثُ عن تُربةٍ بما هي تُربة عن هذا الترابِ الذي نَدوسهُ بأقدامنا.. صَحيحٌ أنَّ جذورنا تُرابيّةٌ ولكنّها لَيستْ مِن سِنخيّةِ هذا التُراب.. التُرابُ قد يَكونُ خُزانةً وسيطةً في سِلسلةِ الوسائطِ التي جئنا عِبْرها في طريقنا الطويل: “مِن أين؟” رَحِمَ اللهُ امرءاً عرِفَ مِن أين وإلى أين؟.. وطريقنا “مِن أين؟” هُو أطولُ مِن طريقنا “إلى أين؟” ومرَّتُ الإشارةُ إلى ذلك في أحاديثهم الشريفة “صلواتُ الله عليهم” ولا أُريدُ أن أقِفَ عند كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.
  • ● قوله: (فعَجَنَ النُطفةَ بتلكَ التربة التي يُخلقُ منها بعد أن أسْكنها الرَحِم أربعينَ ليلة) هذهِ العمليّةُ تتحقّقُ مع كُلِّ مولود بعد أن يكون الجنينُ قد تكوّن في الرَحِم.. فهل هُناك مِن ترابٍ في البين؟! الحديثُ عن تُرابٍ هُنا ليس عن هذا التُراب الذي نَعرفهُ.. قد يكونُ هذا الترابُ الذي نَعرفهُ واسطةً مِن الوسائط الكثيرةِ، فالنباتُ يأخذُ مِن هذا التُراب، والحيواناتُ تأخذُ مِن النبات وقد تأخذُ مِن التراب أيضاً، ونَحنُ نأخذُ مِن النباتاتِ ومِن الحيوانات، والملائكةُ التي هي خلّاقةٌ تأخذُ مِن الترابِ شيئاً غيرَ الذي تأخذهُ النباتات وغيرَ الذي تأخذهُ الحيوانات.. والملائكةُ أيضاً تُدخِلُ في أجسامِ النباتاتِ وفي أجسامِ الحيواناتِ مِن الترابِ شيئاً غيرَ الذي نَعرفُهُ وعِبْر الوسائطِ تتكوّنُ الجذورُ الأولى لنا في هذهِ المرحلة (في مرحلةِ عالم النبات، وفي مَرحلةِ عالم الحيوان)
  • ولِذا مِن طَبَقاتِ نُفوسنا هُناك الطبقةُ النباتيّة التي تُسمّى بالنفس النباتيّة ومِن طَبَقاتِ نُفوسنا هُناك الطبقةُ الحيوانيّة والتي تُسمّى بالنفس الحيوانيّة، وأنا لا أُريدُ أن أدخُل في كُلّ هذهِ التفاريع، فهذا سيُبعدني عن أصْل الموضوع.
  • ● قوله: (فإذا تمَّتْ لها أربعةُ أشهر قالوا: يا ربّ نَخلقُ ماذا؟ فيأمرُهُم بما يُريد مِن ذَكَرٍ أو أنثى، أبيضٍ أو أسود).
  • قد يقولُ قائلٌ: أنَّ الأجهزةَ الحديثةَ تَستطيعُ أن تُشخّصَ المولودَ مِن ذَكَرٍ وأُنثى قبل هذا التأريخ.
  • وأقول: هذا الكلامُ يكونُ على سبيل الاحتمال، فإذا ما سألنا المُختصّينَ في هذهِ العُلوم وإذا ما سألنا المُختصّين في الإشرافِ على الأجهزةِ التي تُشخّصُ المولودَ في رَحِمِ أُمّهِ فإنّهم يقولون: كُلّما تأخّرَ التشخيصُ ما بعد أربعةِ أشهُر يكونُ التشخيصُ دقيقً، وكُلّما كانَ قبل ذلكَ فإنَّ التشخيصَ يكونُ تشخيصاً احتمالياً.. لأنَّ عمليّةَ التشخيص إنّما تتمُّ وِفقاً لِما تُظهِرهُ تلكَ الأجهزة مِن جُذور تكوين الأعضاء التناسليّة للجنين في الرحم، وجذورُ الأعضاءِ التناسلية تكونُ واضحةً وتكونُ مُشخّصةً في هذهِ الأجهزةِ وعند المُختصّين بشكلٍ واضح ما بعد الأشهر الأربعة.. أمَّا قبلَ الأشهُرِ الأربعة فيُمكن أن يُقال أنَّ الجنين أُنثى أو ذكر ولكنَّ الكلامَ لن يكون دقيقاً مِثلما يكونُ التشخيص ما بعد أربعةِ أشهر، ما بعد خمسةِ أشهر.
  • ● قوله: (فعَجَنَ النُطفةَ بتلكَ التربة) هذهِ النُطفةُ تُعجنُ بتلكَ التُربة بعد أن تكونَ النُطفةُ في الرحِم.
  • ● قوله: (فلذلك يُغسَلُ الميّت غُسْل الجنابة) مِن الجهةِ الفقهيّة في تفاصيل ما وراءَ الأحكام بِحَسَب أحاديثِ العترة الطاهرة فإنَّ غُسْل الميّت غُسْلُ جنابة.. والحديثُ عن جنابةٍ هُنا ليس حديثاً عن جنابةٍ جنسيّة أبداً.. لأنَّ غُسْل الجنابةِ للعمل الجنسي ليس أصْلاً للعمل الجنسي إذا ما أردنا أن نتحدَّثَ فيما وراء الأحكام، وإنّما هي قضيّةٌ بدنيّةٌ تكوينيّة مِثلما حدّثتْ الروايات، مِن أنَّ الجنابةَ سيكونُ لها تأثيرٌ عند كُلّ شعْرةٍ في بدن الإنسان.
  • الكلامُ فيهِ تفصيلٌ، وأنا لا أُريدُ أن أخوضَ في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.. أصْلُ البحثِ إنّني أُورِدُ هذهِ المطالب لأجل أن أُبيّنَ لكم أنَّ أُصولَ الأشياء لن تُعدَم.
  • فغُسْلُ الجنابةِ ليس للعَملِ الجنسي، وإنّما لأنَّ النشاطَ الجنسي يتركُ أثراً، فالقضيّةُ لَيستْ مُرتبطةً بالعمل الجنسي بما هو هو، وإنّما بالآثار التي تترتّبُ عليه.. ولِذا فإنَّ الجنابةَ كما في الروايات ستكونُ مُحيطةً بكُلّ البدن.. فما علاقةُ ذلك بالنشاط الجنسي بما هو هو.. ولِذا فإنَّ غُسْلَ الميّت هو غُسْلُ جنابةٍ للرجلِ وللمرأة، هو غُسْلُ جنابةٍ للبالغِ ولِغير البالغ.. فأين العملُ الجنسيُّ مِن غير البالغ؟! هو غُسْل جنابةٍ للجنين الذي وُلِدَ الآن وقد وُلِد ميّتاً.. فإذا ما غُسّل فهو غُسْلُ جنابةٍ، فأين الجنابةُ هنا؟! الجنابةُ هنا عُنوان، الجنابةُ هُنا مُصطلح.

  • وقفة عند حديث الإمامِ السجّاد “صلواتُ الله عليه” في كتاب [علل الشرائع: ج1] باب 238 الحديثُ (1):

  • (عن عليّ بن الحُسين “عليه السلام” قال: إنَّ المخلوقَ لا يمُوتُ حتّى تخرجَ منهُ النُطفةُ الّتي خَلَقهُ اللّهُ تعالى منها مِن فيه أو مِن غَيره).
  • القضيّةُ لا علاقةَ لها في البُعْد الجنسي وفي الأعضاء التناسليّة.. هُناك جَذرٌ لابُدَّ أن يخرجَ مِن هذا المخلوق إذا ما مات.
  • هذهِ قضيّةٌ بِحاجةٍ إلى دراسةٍ دقيقةٍ جدّاً.

  • وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في [الكافي الشريف: ج3] صفحة 238 باب 166 الحديث (7):

  • (عن عمَّار بن مُوسى، عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: سُئِلَ عن الميّت: يَبلى جسدُهُ؟ قال: نعم، حتّى لا يبقى لَهُ لَحْمٌ ولا عَظْمٌ إلاّ طِينتُهُ الّتي خُلِقَ مِنها؛ فإنّها لا تُبلى، تَبقى في القَبر مُستديرةً حتّى يُخلَقَ منها كما خُلِق أوّلَ مرَّة).
  • كُلُّ الأحاديث وإنْ اختلفتْ صِيغها التعابيريّة لكنّها تُشيرُ إلى حِفظ الأصْل.
  • ● مِن غاياتي في عَرض هذه المطالب:
  • أوّلاً: لِشرح وبيان ما يَرتبطُ بموضوع البرنامج.
  • ثانياً: أُريدُ أن أضعَ بين أيديكم أمثلةً مِن أنَّ كتابنا الكريم وأنَّ أحاديثنا عَرضتْ لنا كُلَّ الحقائق، وأُريدُ أن أُنبّهكم إلى طامّتِنا الكُبرى في الساحةِ الثقافيّة العقائديّةِ الشيعيّة وكيف أنّنا في الفضائيّاتِ الشيعيّة وعلى المنابر الحُسينيّة وفي كُتُب وتفاسير كبار مَراجع الشيعة مِن الأمواتِ والأحياء وفي أجوبتهم على أسئلةِ الشيعة يذهبون بعيداً في الاتّجاه الناصبي.. وحقائقُ القُرآن وتفسيرُ القُرآن الذي بايعنا على الالتزامِ بهِ في بيعةِ الغَدير مَتروكٌ مَهجور.. ومَن قاربهُ مِن أمثالي فإنّهُ سيكونُ عميلاً ماسونيّاً بنظر المراجع الذين لا يفقهون شيئاً مِن تفسير هذا القرآنِ وفقاً لِمنهج بيعةِ الغدير..!
  • ● هذهِ هي الآيةُ التي تحدَّثتْ كُلُّ الرواياتِ السابقة ورواياتٌ كثيرةٌ أُخرى تحدّثتْ في أجوائها وفي تفسيرها وفي بيانِ جانبٍ مِن مَضمونها.. هذهِ الآيةُ فيها وفيها مِن المضامين. ما تمّتْ الإشارةُ إليه كانت الإشارةُ إلى جانبٍ يسيرٍ مِن مضمون هذه الآية.. وهي الآية 55 بعد البسملةِ مِن سُورة طه: {منها خلقناكُم وفيها نُعيدُكُم ومنها نُخرجكُم تارةً أُخرى}.
  • (وقفة تقريب للفكرة بمثال مُعاصر وهُو “عمليّةُ الاستنساخ”).

  • وقفة عند حوار بين أحد الزنادقة (الملاحدة) وبين إمامنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في كتاب [الاحتجاج]
  • يقول هذا الزنديق للإمام الصادق “صلواتُ الله عليه”:
  • (أفتتلاشى الرُوحُ بعد خُروجهِ عن قالبهِ – أي عن جسد ذِي الرُوح – أم هُو باقٍ؟ – أي أم أنَّ الرُوح باقية؟ – قال “عليه السلام”: بل هُو باقٍ إلى وقتِ يُنفَخُ في الصُور، فعند ذلكَ تبطلُ الأشياء وتفنى فلا حِسٌّ ولا محسوس، ثمَّ أُعيدتْ الأشياء كما بدأها مُدبّرُها – بعد النفخةِ الثانية التي يأتي بعدها الحياةُ والبقاء – وذلكَ أربعُمائةِ سنةٍ يسبتُ فيها الخَلْق، وذلكَ بينَ النفختين..).
  • ● قوله: (بل هُو باقٍ إلى وقتِ يُنفَخُ في الصُور) لأنّهُ عند النفخةِ الأولى الذين ماتوا سيُنبّهون، مِثلما مَرَّ في دُعاءِ الصحيفةِ السجّاديّة فإنَّ إسرافيل في نفختهِ الأولى يُنبّهُ صرعى رهائن القبور، والأحياء يموتون، فكُلُّ ذِي رُوحٍ يموت، ولكن بعد الموتِ وبعد تنبيهِ الموتى هُناك الفناء.
  • ● ثُمَّ يقولُ هذا الزنديقُ للإمامِ الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”:
  • (وأنّى لَهُ بالبَعث والبدنُ قد بُلي والأعضاءُ قد تَفرّقت؟ فعُضوٌ ببلدةٍ يأكلهُا سباعها، وعضوٌ بأُخرى تمزّقهُ هوامّها – الحشراتُ والحيوانات الصغيرة – وعضوٌ صارَ تُراباً بُني بهِ مع الطين حائط، قال الصادقُ “صلواتُ الله عليه”: إنَّ الذي أنشأهُ مِن غيرِ شيءٍ وصوَّرهُ على غيرِ مثالٍ كانَ سبَقَ إليه قادرٌ أن يُعيدهُ كما بدأهُ، قال: أوضحْ لي ذلك، قال: إنَّ الرُوحَ مُقيمةٌ في مكانها – في عالم البرزخ – رُوحُ المُحسن في ضياءٍ وفُسْحة ورُوحُ المُسيءُ في ضِيقٍ وظُلْمة، والبَدَنُ يَصيرُ تُراباً كما منهُ خُلِق، وما تقذفُ به السباع والهوامُّ من أجوافها مِمّا أكلتهُ ومزّقتهُ كُلُّ ذلكَ في التراب مَحفوظٌ عندَ مَن لا يَعزبُ عنهُ مثقالُ ذَرّةٍ في ظُلماتِ الأرض ويَعلمُ عدَدَ الأشياءِ ووزنها – إنّه الكتاب المُبين – وإنَّ ترابَ الروحانيّين – أي الأجسامُ التي كانتْ فيها أرواح مِن الآدميّين ومِن الحيوانات ومِن غير ذلك – بمنزلةِ الذهب في التراب، فإذا كانَ حين البعثِ مُطرتْ الأرضُ فتربو الأرض – أي تزدادُ فيها عناصرُ القوّة والنماء – ثمَّ تمخَضُ مَخْضَ السِقاء فيصيرُ ترابُ البشر كمصيرِ الذهب مِن التراب إذا غُسِلَ بالماء، والزُبدُ مِن الّلبن إذا مُخِض، فيجتمعُ تُرابُ كُلُّ قالبٍ إلى قالبهِ، فينتقِلُ بإذن الله تعالى إلى حيثُ الرُوح، فتعودُ الصُوَرُ بإذنِ المُصوّر كهيئتها وتلِجُ الرُوح فيها فإذا قد استوى لا يُنكرُ مِن نفسهِ شيئاً).
  • ● قوله: (فعُضوٌ ببلدةٍ يأكلهُا سباعها) باعتبار أنَّ التُراب انتقلَ إلى نباتٍ والنباتُ أكلَهُ حيوان، وجاءتْ السِباعُ فأكلتْ ذلك الحيوان مِن الحيواناتِ التي تأكلُ الأعلاف والأشجار.
  • ● قوله: (وإنَّ ترابَ الروحانيّين بمنزلةِ الذهب في التراب) الروحانيّين هي الأجسامُ التي كانتْ فيها أرواحُ مِن الآدميّين ومِن الحيوانات ومِن غير ذلك.. والمُراد مِن قوله: (بمنزلةِ الذهب في التراب) يعني لهُ خُصوصيّتهُ.. الحديثُ عن التُربة الأصْل، عن النُطفةِ الأصل في جانبٍ مِن جوانب التكوين.. هذهِ هي الأُصول، أُصولُ التكوين المادّي للإنسان وهُناك أُصول التكوين المعنوي وأُصول التكوين النُوري.. تلكَ هي أُصولُ الفيض تكونُ مُجتمعةً في خزائن الغيب.
  • ● قوله: (فإذا كانَ حين البعثِ مُطرتْ الأرضُ فتربو الأرض) هذا مَطَرٌ خاصّ.. حدّثتنا الرواياتُ عنهُ أيضاً.. هذا كمطر الرجعة، هُناك مَطرٌ خاصٌّ يكونُ في أحداثِ عصْر الظُهور في الارهاصاتِ وفي العلاماتِ القريبةِ جدّاً وفي أجواء عصْرِ الظُهور هُناك مَطرُ الرجعة.. المطرُ الذي تحدّثتْ الرواياتُ عنه مِن أنّهُ يُنبتُ لحوم الموتى، يُنبتُ أجسامهم وأجسادهم.. وهذا أيضاً مطرُ النشور.

  • وقفة عند الآيتان 3، 4 بعد البسملةِ مِن سورة ق:

  • {.. فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيبٌ* أ إذا مِتنا وكُنّا تُرابًا ذلك رجْعٌ بعيد* قد علمنا ما تنقُص الأرضُ منهُم وعندنا كتابٌ حفيظ}.
  • ● قوله: (أ إذا مِتنا وكُنّا تُرابًا ذلك رجْعٌ بعيد) هذه نظرةٌ بدويّةٌ ساذجة.
  • ● قوله: (قد علمنا ما تنقُص الأرضُ منهُم) حينما يُدفنون فيجري ما يجري على أبدانهم، فإنَّ الأرض ستُنقِصُ ما تُنقِصُ منهم.. الآية لم تقلْ أنَّ الأمر سيؤولُ إلى انعدامهم، وإنّما سيمرّون بطَورٍ جديد، سينتقلون إلى وَضْعٍ جديد يَختلفُ عن الوضْع السابق قبل أن يُدفَن في الأرض، فَإنَّ الأرض ستُنقِصُ منهم، ستُفكّكُ أبدانهم.
  • ● قوله: (وعندنا كتابٌ حفيظ) الكتابُ الحفيظُ هو نفسهُ الذي تقدّم ذِكْرهُ في الآياتِ السابقة.. هذا الكتاب الحفيظُ الذي هُو خُزانةُ الغَيب الذي تُحفَظُ فيه الحقائق هُو نفسهُ الذي تحدّثتْ عنهُ سُورةُ يس في الآية 12: {إنّا نحنُ نُحيي الموتى ونكتبُ ما قدّموا وآثارهم وكُلُّ شيءٍ أحصيناهُ في كتابٍ مُبين}.
  • وهذا الكتابُ المُبين هُو نفسه الكتابُ المُبين الذي تحدَّثتْ عنه الآية 59 مِن سُورة الأنعام: {وعندهُ مفاتحُ الغَيب لا يعلمُها إلّا هُو ويَعلمُ ما في البرّ والبحر وما تَسقُطُ مِن ورقةٍ إلّا يَعلمُها ولا حَبةٍ في ظُلماتِ الأرض ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبينٍ}.
  • المضامينُ هي هي تتعانقُ مع نفسِ المضمون في سُورة الجنّ في الآية 26، 27 بعد البسملة: {عالمُ الغَيبِ فلا يُظْهِرُ على غَيبهِ أحدا* إلّا مَن ارتضى مِن رسول…} إنّهُ المُصطفى مُحمّدٌ.. إنّهُ المرتضى عليٌّ المُرتضى مِن الرسول كما يقول “صلواتُ الله عليه”.
  • ● قوله: {وكُلُّ شيءٍ أحصيناهُ في كتابٍ مُبين} الرواياتُ صريحةٌ في أنَّ الإمامَ المُبين عليٌّ “عليه السلام”.
  • ● أحدُ صحابة النبيّ وهُو أبو بُرْدة سألَ النبيَّ “صلّى الله عليه وآله” عن العلامةِ التي يُعرَفُ فيها المُؤمنُ بحُبّهِ لأهْل البيت، وأنّهُ على الهُدى، وأنّهُ على الاستقامة.. فربتَ بيدهِ على منكب عليٍّ.
  • هذا الكتابُ كتابٌ تكوينيٌّ.. ليسَ كتاباً في ورقٍ أو في صحائف.. كما جاءَ في سُورة النمل في الآيات 37 وما بعدها:
  • {قال يا أيُها الملأُ أيُكُم يأتيني بعرشها قبل أن يأتُوني مُسلمين* قال عفريتٌ مِن الجنّ أنا آتيكَ به قبل أن تقُومَ مِن مقامكَ وإنّي عليهِ لَقويٌ أمينٌ* قال الّذي عندهُ عِلْمٌ مِن الكتاب أنا آتيكَ بهِ قبل أن يَرتدَّ إليكَ طرفُك فلمَّا رآهُ مُستقرّاً عندهُ قال هذا مِن فَضْل ربّي…}.
  • هذهِ نافذةٌ صغيرة فُتحتْ مِن الجهةِ العَلَويّة لوصيّ سُليمان.
  • وهذا الكتابُ كتابُ التكوين، وهذهِ خزانة الغيب، وخزائنُ الغَيب هذهِ مفاتحُها عندهُ سُبحانه وتعالى، ومفاتحُ الغيب هذهِ إنّها في فناء الحقيقةِ المُحمّديّة.

  • وقفة عند حديث الإمام السجّاد “صلواتُ اللهِ عليه” في [تفسير القُمّي] صفحة 594، هذا الحديثُ قرأتهُ عليكم فيما سَلَف، ولكنّني عُدتُ فقرأتُ شطْراً منهُ وبقي شطرٌ تركتُ قراءتهُ إلى هذه الّلحظة. الحديثُ عن إمامنا السجّاد حينما سألهُ سائلٌ عن النفختين كم بينهما؟ فقال “عليه السلام”:

  • (ما شاء الله، فقِيل لهُ: فأخبرني يا بن رسول الله كيف يُنفخُ فيه؟..)
  • ● إلى أن يقول إمامُنا السجّاد بعد أن تتحقّق النفخةُ الأولى ويتحقّق الفناء، يقول:
  • (فعند ذلك يُنادي الجبّار جلَّ جلالهُ بصوتٍ مِن قِبَلهِ جَهْوريٍّ يُسْمِعُ أقطارَ السماوات والأرضين: “لمن الملك اليوم؟” فلا يُجيبهُ مُجيب – لأنّهم مغلوبون تحتّ قهّاريته سُبحانه وتعالى – فعند ذلكَ يقولُ الجبّار مُجيباً لنفسهِ: “للهِ الواحدِ القهار، وأنا قهرتُ الخلائق كلّهم وأمتّهم إنّي أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ولا وزير لي وأنا خلقتُ خلقي بيدي وأنا أمتّهم بمشيئتي وأنا أُحييهم بقُدرتي” قال: فينفخُ الجبّار نفخةً في الصُور فيخرجُ الصوتُ مِن أحد الطرفين الذي يلي السماوات فلا يبقى في السماوات أحدٌ إلّا حيى وقامَ كما كان، ويعودُ حَمَلَة العرش، وتحضر الجنّة والنار، وتُحشَر الخلائق للحساب، قال: فرأيتُ علي بن الحسين “صلواتُ الله عليهما” يبكي عند ذلك بكاءاً شديدا..).
  • المحطّةُ الثامنةُ: المحشر (وتُحشَر الخلائق للحساب)

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …