دليلُ المسافر – الحلقة ٣٥ – المحطّة الثامنة: المحشر ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 19 شوّال 1440هـ الموافق 23 / 6 / 2019م

  • تمَّ الكلامُ في الحلقةِ الماضيةِ – ولو بنحوٍ إجماليٍّ – فيما يَرتبطُ بالمَحطّةِ (7) وهي مَحطّةُ نفْخ الصُور.. ومِن المَحطّةِ (7) سأنتقلُ بالحديثِ إلى المحطّة (8) مِن مَحطّاتِ طَريقنا الطويل هذا وهي مَحطّة : المَحشر.

  • هذهِ المَحطّةُ تكونُ مُلاصقةً للمحطّةِ التي تسبقُها وللمَحطّةِ التي تأتي بعدها.. المحطّةُ التي تسبقُها: مَحطّة النفختين.. في النفخةِ الثانيةِ التي تُشكّلُ نهايةَ المحطّةِ السابعة سيكونُ هُناك إحياءٌ بعد الإماتةِ وإبقاءٌ بعد الإفناء.
  • فبعد النفخةِ الأولى موتٌ وفناء، وبعد النفخةِ الثانية حياةٌ وبقاء.. فحينما يُنفَخ في الصُور النفخةَ الثانية فإنَّ المحطّةَ السابعة تَكادُ أن تنتهيَ بالكامل، إذْ بعد صُدورِ الأمْر بالإحياءِ والإبقاء بعد أن صدرتْ تلكم الأوامر مِن خلالِ إشاراتِ ورُموز ما دلّتْ عليه النفخةُ الثانية فإنَّ المحطّةَ (8) قد بدأتْ.. ستكونُ مُلاصقةً بشكلٍ مُباشرٍ جدّاً للمحطّةِ (7) مِن طَرَفٍ وستلاصقُ المَحطّة التي تأتي بعدها وهي المحطّةُ (9): محطّةُ القيامةِ الكُبرى.
  • فما بينَ نفْخ الصُور وهي المحطّةُ (7) والقيامةِ الكُبرى وهي المحطّةُ (9) هُناك المحطّةُ (8) وهي: المَحشر والتي تكونُ رابطاً وتكونُ واصلاً بين المحطّة (7) وبين المحطّة (9).
  • ولِذا فإنَّ أهمَّ مُجرياتِ مَحطّةِ المَحشر التغييرُ الكونيُّ الكبير والذي بدأتْ ارتجاجاتُهُ واهتزازاتُهُ مُنذُ محطّةِ أشراطِ الساعةِ وهي المحطّةُ (6) .. فحينما حدّثتكم عن أشراطِ الساعةِ أشرتُ إلى ما يحدثُ في تلكَ المرحلة مِن مُقدّماتٍ للتغيير الكوني الكبير.. وحينما تأتي محطّةُ نفخ الصُور فإنَّ تلكَ التغييرات ستستمر وتتوسّع وهُناك موتٌ وفناء وبعد ذلكَ حياةٌ وبقاء.. ثمَّ تأتي مرحلةُ المَحشر والتي تكونُ مُجرياتُها الواضحة – مِن خلال ما بأيدينا مِن مُعطيات – تكونُ مُجرياتُها تغييرٌ كونيٌّ كبير بداياتهُ منذُ مرحلةِ أشراط الساعة وتستمر إلى تفاصيل يوم القيامةِ الكُبرى.. ففي هذهِ المحطّة تغييرٌ كونيٌّ كبير وبعْثُ للأمواتِ مِن قُبورهم ومُزواجةٌ للأرواح مع أجسادها، ها هم الموتى قادمون إلى ساحةِ القيامةِ الكُبرى.. وذلك يكونُ عِبْر مَحطّةِ المحشر.
  • فهناك تغييرٌ كونيٌّ كبير، وهُناك بعثٌ للأمواتِ مِن كُلّ مكان أينما كان الأموات، وهُناك حشْرٌ وجمْعٌ باتّجاهِ المحطّةِ (9).
  • معنى الحشْرُ: هُو الجمْعُ الكثيفُ المُتكاثف.. هُناك التصاقٌ للأشياء التي تُجمْع، فيقالُ لها: تُحشَر.. وإنّما يُحشرُ الناس لكثرةِ أعدادهم.. فما بينَ الخَوفِ وما بين الرُعب وما بين الدهشةِ.. هذا المعنى سيكونُ لأكثرِ المحشورين.
  • هناك مجموعاتٌ تكونُ آمنةً وتكون مُطمئنّة، لكنّ أكثرَ المحشورين سيمرّونَ بهذهِ الظُروف القاسيةِ جدّاً، وسيأتي الحديثُ عنها.

  • أشرتُ قبل قليل إلى أنَّ المحطّةَ (8) التي هي “محطّةُ المَحشر” أهمُّ المُجرياتِ في هذهِ المحطّة هي: التغييرُ الكونيُّ الكبير، بعْثُ الأموات وهي عودةُ الأمواتِ إلى الحياة، وبعد ذلكَ حشْرُ الجميع باتّجاهِ عرصاتِ يوم القيامة.

  • هذهِ العناوين إذا أردتُ أن أتحدّثَ عنها فإنّني سأحتاجُ إلى حلقاتٍ كثيرةٍ جدّاً.. ولِذا سأضطّرُ إلى الاختصار، سأقومُ بأخْذِ لقطاتٍ سريعةٍ مِن هُنا ومِن هُناك.. أُحاولُ أن أقرّبَ لكم المضامين مِن خلال هذهِ الّلقطات.. هذا هُو السبب الذي دعاني أن أُعنونَ هذا البرنامج بعُنوان [دليل المُسافر].. لأنَّ دليل المُسافر لابُدَّ أن يكونَ مُختصراً مُوجزاً.. لأنّني إذا أردتُ أن أُسهِبَ في تفاصيل ما عندنا مِن حَديثهم الذي يُفسّرُ قُرآنهم، ومِن حديثهم الذي ذَكَر التفاصيل (إنْ كانَ في خُطَبٍ، أدعيةٍ، زياراتٍ، إجاباتٍ على أسئلةٍ وُجّهتْ إليهم “صلواتُ اللهِ عليهم”) فإنَّ الأمرَ سيطول ويطول.. ولِذا فإنّي سأنحو منحى الإيجاز والاختصار إلى أبعد حدٍّ مِن هذهِ الّلحظةِ إلى آخرِ البرنامج.
  • ● حديثُنا في المَحطّةِ (8) مِن مَحطّاتِ هذا الطريق وهي: مَحطّةُ المَحشر.. وقُلتُ قبل قليل أنَّ المُجريات في هذه المحطّة: تغييرٌ كونيٌّ هائلٌ عظيمٌ كبير، بعثُ الأموات وعودتهم إلى الحياة، مُزاوجةُ الأرواحِ مع الأجساد وحشْرٌ للجميع باتّجاهِ المحطّةِ (9).. هذا هو الحشْر.
  • هُناك نشْرٌ وهُناكَ حشْر.. أمَّا النشْرُ فهو البعْث، وأمَّا الحشْرُ فهو الجمعُ باتّجاهِ ساحةِ القيامةِ الكُبرى.

  • أخذُ أنموذجاً مِمّا جاءَ في الكتابِ الكريم بخُصوص “التغييرُ الكونيُّ الكبير” يَرسمُ لنا جانباً مِن التغييرِ الهائل الذي سيكون.

  • اخترتُ لكم سُورَ التكوير.. ما جاء في سُورةِ التكوير لقطاتٌ مِن هُنا ومِن هُناك.. لا يُمكنُنا أن نتصوَّر عظمةَ هذا التغيير إلّا إذا جمعنا بين كُلّ النصوص، مع ملاحظةِ أنَّ الخطابَ القُرآنيَّ والخطابَ المعصوميَّ هُو في أُفُقِ المُداراة، هُو في حُدود مَداركنا، لأنّهُ ما مِن رسولٍ أُرسلَ إلّا أُرسِلَ بلسانِ قومه.. والمُراد مِن أنّهُ أُرسِلَ بلسانِ قومهِ ليس الحديثُ عن الّلسانِ هُنا عن الّلغة.. الّلغةُ جُزءٌ مِن الّلسان.
  • لسانُ القومِ لُغةٌ بألفاظها، وأساليبُ في التعبير وأمثلةٌ للتقريب، وطُرُقٌ للمحاورة والتفهيم.. منظومةٌ تتناسبُ مع المُستوى العقلي، مع المُستوى الفِكري والثقافي لتلك الأُمّةِ أو لهذه الأُمّة.. فما من رسولٍ أُرسل إلى أُمّةٍ إلّا وخاطبها بلسانها، والخطابُ بلسانِ الأُمّةِ ليس مَحصوراً بألفاظِ الّلغة، فألفاظُ الّلغة هي جُزءٌ مِن لسان الأمّة.
  • القُرآنُ أيضاً جاءَ بلسانِ أُمّةِ العرب، الّلغةُ العربيّةُ هي جُزءٌ مِن لسانهم لأنَّ الّلسانَ مجموعةُ مُعطياتٍ أشرتُ إليها قبل قليل. لِذا فإنَّ ما جاءَ في سُورةِ التكوير يُمثّلُ صُوَراً مِن هُنا ومِن هُناك، وإنّما جئتُ بها مثالاً لأنّني أُحدّثكم عن المَحطّة (8) التي هي المحشر، فلابُدَّ أن أُحدّثكم عن أهمَّ مُجرياتها، والتي منها التغييرُ الكوني الكبير. ولأنّي لا أملكُ أن أجمعَ لكم كُلَّ الآياتِ في الكتابِ الكريم لذا أخذتُ أُنموذجاً مِن هذه الآيات وهي آياتُ سُورة التكوير.
  • ● بعد البسملةِ مِن الآيةِ الأولى وما بعدها:
  • {إذا الشمسُ كُوّرت* وإذا النُجومُ انكدرتْ* وإذا الجبال سُيّرتْ* وإذا العِشارُ عُطّلتْ* وإذا الوُحوش حُشرت* وإذا البحار سُجّرتْ* وإذا النُفوسُ زُوّجت* وإذا الموءُودةُ سُئلتْ* بأي ذنبٍ قُتلت* وإذا الصُحُف نُشرت* وإذا السماءُ كُشِطتْ* وإذا الجحيمُ سُعّرت* وإذا الجنّةُ أُزلفتْ* علمتْ نفسٌ ما أحضرت* فلا أُقسمُ بالخُنّس*الجوار الكُنّس* واللّيل إذا عسعس* والصُبح إذا تنفّس* إنّهُ لقول رسُولٍ كريمٍ* ذي قُوّةٍ عند ذي العرش مكينٍ* مُطاعٍ ثم أمينٍ* وما صاحبُكُم بمجنُونٍ* ولقد راهُ بالأُفق المُبين* وما هُو على الغيب بضنينٍ* وما هُو بقول شيطانٍ رجيمٍ* فأين تذهبُون* إن هُو إلّا ذكرٌ لّلعالمين* لمن شاء منكُم أن يستقيم* وما تشاءُون إلّا أن يشاء اللّهُ ربُ العالمين}.
  • ● {إذا الشمسُ كُوّرت} إذا ذهبتْ وأظلمتْ وفقدتْ نُورها.. لقد تبدّلتْ، تغيّرتْ، تحوّلتْ، اندثرتْ.. إنّها صُورٌ مِن صُور الفناء.. الفناء وليس العدم.
  • ● {وإذا النُجومُ انكدرتْ} لا أثرَ لها، ذَهَبَ ضوءُها.. ليس مِن شيءٍ يُرى، فلا هُناك مِن شمْسٍ ولا هُناك مِن قمر، ولا هُناك مِن نُجوم.. تبدَّلتْ السماء، مِثلما مرَّ علينا في سُورة الأنبياء في الآية 104: {يومَ نطوي السماءَ كطيّ السِجّل للكُتُب كما بدأنا أوّلَ خَلْقٍ نُعيده..}.
  • هذا المُستوى مِن التغيّر الكوني سُورةُ التكوير تنقلُ لنا بداياته.. هذهِ الّلقطاتُ هي التي إذا ما جمعناها فإنّها تُقرّبُ لنا الفِكْرةَ عن التغيير الكوني الهائل.
  • ● {وإذا الجبال سُيّرتْ} أي اقتُلعتْ مِن مواطنها، فيراها الناسُ تتحرّكُ تسيرُ.. صارتْ قُطناً مَنفوشاً يتحرّكُ هُنا وهُناك مِن حولنا.. مِثلما جاء وصْفُ ذلك في سُورةِ القارعة: {وتكُونُ الجبالُ كالعِهنُ المنفوش} العِهنُ هو القُطن.
  • هذهِ السلاسلُ الجبليّةُ الصخريّةُ الهائلةُ العظيمةُ تتحوّلُ إلى حالةٍ تكونُ فيها كالعِهْن المنفوش، كالقُطنْ المنفوش الذي يكونُ مُهلهلاً.
  • ● {وإذا العِشارُ عُطّلتْ} هذا تعبيرٌ يُناسبُ الّلسانَ العربي، فالعشارُ هي النياق، والنياقُ عزيزةٌ عند العرب.. الآيةُ هُنا تقول: {وإذا العِشارُ عُطّلتْ} أي أُهملتْ النياقُ وتُركتْ، فلا مِن أحدٍ يهتمُّ بشؤونها ولا بشؤونِ أولادها. وهذا الأمرُ لا يكونُ إلّا إذا كانَ الإنسانُ مُنشغلاً بأمرٍ كبيرٍ جدّاً.. إنّني أتحدّثُ عن الثقافةِ العربيّةِ البدويّةِ الصحراوية.. هذا جُزءٌ مِن الّلسانِ العربي الذي تحدّثتُ عنهُ قبل قليل.
  • فقوله: {وإذا العِشارُ عُطّلتْ} أي أنَّ كُلَّ الاهتماماتِ تبدّدت، فهناكَ مَن يمتلكُ ما يمتلكُ مِن ناطحاتٍ للسحاب ومِن شركاتٍ كبيرةٍ هائلة.. كُلُّ ذلك سيكون مُهمَلاً من قِبَل أصحابهِ لأنَّ أمْراً جَلَلاً عظيماً قد شغلَ الناس..! كما تُشيرُ إلى ذلك سُورةُ الحجّ بعد البسملة:
  • {يا أيُّها الناسُ اتّقُوا ربكُم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شيءٌ عظيمٌ* يوم ترونها تذهل كُلُّ مُرضعةٍ عمّا أرضعتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلها وترى الناس سُكارى وما هُم بسُكارى ولٰكنّ عذاب اللّه شديدٌ}.
  • هل هُناك مِن صُورةٍ تُقرّبُ لنا كيف أنَّ الناسَ سيتركونَ أهمَّ الأمورِ لهذا الحَدَث الجَلَل الذي ألمَّ بهم؟! أهمّ ما يُفكّرُ فيهِ الإنسان سوف يتركهُ جانباً.
  • ● {الوُحوش حُشرت} الحيواناتُ كُلها تُحشر.. ما بعدَ النفخةِ الثانية فإنَّ كُلَّ رُوحٍ ستعودُ إلى جسدها.. الحيواناتُ طُرّاً ستُحشر.
  • الحيواناتُ مُنذُ بدايةِ خَلْقها إلى تلكَ الّلحظةِ تُحشَرُ على اختلافِ أصنافها.. تُحافظ وتجري عليها الأحكام بحَسَبها، وبعد ذلك تتحوّل إلى تُراب، ولِذا في سُورة النبأ يقول الكافر: {يا ليتني كُنتُ تُراباً} الكافرُ بعليٍّ وآلِ عليّ.
  • للآيةِ دلالاتٌ.. أحدُ دِلالاتِ قوله: {يا ليتني كُنتُ تُراباً} أي: يا ليتني كُنتُ في جُمْلةِ هذهِ الحيوانات، في جُملةِ هذهِ الوحوش التي حُوسبتْ وحُوّلتْ إلى تُراب.. هُناك عدد قليل جدّاً مِن الحيواناتِ سيبقى حيّاً يدخلُ الجنّةَ، هكذا أخبرتنا الرواياتُ الشريفة.
  • ● {البحار سُجّرتْ} أي أنَّ بحارَ الدُنيا سُجّرتْ ناراً.. هكذا أخبرتنا الروايات.
  • ● {وإذا الموءُودةُ سُئلتْ} بِحَسَب قراءةِ العترة الطاهرة: “وإذا المودَّةُ سُئلتْ” إنّها مودَّةُ مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ “عليهم السلام”.. وحتَّى بِحَسَب قراءةِ المُصحف {وإذا الموءُودةُ سُئلتْ} فإنَّ الموءُدةُ هُنا الحُسين “عليه السلام” كما أخبرتنا أحاديثهم الشريفة.. فإنَّ الجريمةَ الكُبرى ليستْ بدفنِ العَرب لبناتهم.. دفْنُ العربِ لبناتهم تلكَ جريمةٌ ووحشيّةٌ كُبرى، ولكنّها ليستْ هي الجريمةُ الأكبر.. الجريمةُ الأكبر: هي قتْلُ الحُسين، وِلذا هذا السُؤال يُوّجهُ للجميع.
  • سُؤال يُوجّه للجميع: لِماذا قُتِل رسولُ الله؟ لِماذا قُتِلَ أميرُ المؤمنين؟ لِماذا قُتِلتْ فاطمة، لماذا قُتِل مُحسنها؟ لماذا قتلوا الحسن؟ لماذا قتلوا الحُسين؟ وفي رواياتهم الشريفة فإنَّ السُؤال يستمرُّ: لِماذا قتلوا شِيعتنا؟
  • ● {وإذا الصُحُف نُشرت} إنّها صُحُف أعمالنا التي أُشيرُ إليها في مُقدّمةِ كُلّ حلقةٍ حين أذكرُ أمير المُؤمنين فأقول:
  • “عليٌّ.. الذي حُبّهُ عُنوانٌ في رأسِ صحائفِ أعمالنا” هذهِ هي الصُحُف التي تُنشر.
  • ● {وإذا السماءُ كُشِطتْ} أي أُزيلتْ.. وقوله: {وإذا الجنّةُ أُزلفتْ} أي قُرّبت. تغييرٌ كونيٌّ هائل.

  • كما قُلتُ لكم قبل قليلٍ في بدايةِ الحلقةِ أنَّ المحطّةَ الثامنةَ التي هي محطّةُ المَحشْر مُجرياتُها المُهمّةُ تغييرٌ كونيٌّ هائل تحدّثَ الكتابُ الكريم كثيراً عنه.. وقد أخذتُ أنموذجاً مِن الآياتِ التي عَرَضتْ لنا بعض لقطاتِ ذلكَ التغيير العظيم الهائل.. ومِن مُجرياتِ هذهِ المحطّة بعْثُ الأموات جميعاً (من الأناسي، مِن الجانّ، ومِن الحيوانات) بعثُ الأمواتِ جميعاً.. إنّنا نتحدّثُ عن النفخةِ الأولى حيثُ ماتَ الجميع في العوالم العُلْويّة والسُفليّة، وبعد ذلك جاءتْ النفخةُ الثانية حيثُ بُعثتْ الحياةُ في الجميع أيضاً.

  • ● القُرآن تحدّث كثيراً عن البَعْث، عن النشْر.. وبعد النشْر يأتي الحشْر، تحدّث القرآن كثيراً عن البعثِ وعن النشر وأنا لا أُريدُ أن أُسلّط الضوء على كُلّ ما تحدّث القرآن عنه بهذا الخصوص، وإنّما سأخذ أيضاً أنموذجاً مِن آياتِ الكتاب الكريم أعرضُ فيها جانباً مِمّا يرتبطُ بهذا الحَدَث الهائل: “بعث الأموات”..

  • وقفة عند الآية 5 بعد البسملة وما بعدها من سُورة الحجّ:

  • {يا أيُّها الناسُ إن كُنتُم في ريبٍ مِن البعث فإنّا خلقناكُم من تُرابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفةٍ ثُمَّ مِن عَلَقةٍ ثُمَّ مِن مُضغةٍ مُخلّقةٍ وغير مُخلّقةٍ لِنُبيّن لكُم ونُقرُّ في الأرحام ما نشاءُ إلى أجلٍ مُسمًى ثُمَّ نُخرجكُم طفلاً ثُمَّ لتبلغوا أشدُّكُم ومنكُم مَن يُتوفّى ومنكُم مَن يُردُّ إلى أرذل العُمُر لكيلا يعلم مِن بعد عْلْمٍ شيئاً وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزتْ وربتْ وأنبتتْ مِن كُلّ زَوجٍ بهيجٍ* ذٰلك بأنّ اللهَ هُو الحقُّ وأنّهُ يُحيي الموتى وأنّهُ على كُلّ شيءٍ قديرٌ* وأنّ الساعة آتيةٌ لّا ريبَ فيها وأنّ اللهَ يبعثُ من في القُبُور}.
  • ● قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفةٍ} النُطفةُ في المعنى الأوّل والظاهر مِن هذهِ الآية هي الماءُ الذي يتكوّنُ منه المولود.. ومرَّ الحديثُ في حلقةِ يوم أمس عن معنى النُطفةِ لا أُريدُ أن أُكرّر ما تقدّم.. المعاني يرتبطُ بعضُها بالبعض الآخر.
  • وقوله: {ثُمَّ مِن عَلَقةٍ} المُراد مِن العَلَقة هي قِطْعةُ الدم المُتجمّد.
  • ● قوله: {ثُمَّ مِن مُضغةٍ مُخلّقةٍ وغير مُخلّقةٍ} المُضغةُ هي قِطْعةُ الّلحم الذي لا يكونُ مُتماسِكاً إلى حدٍّ بعيد.. قطعةٌ مِن الّلحم الذي يكونُ رخواً.. هذهِ هي المُضغة، ولِذلك يُقالُ للطعام حين تُقطّعهُ الأضراسُ وتُمازجهُ طَعامٌ ممضوغ.
  • قوله: {وغير مُخلّقة} إنّها السِقْط، الأجنّةُ الساقطة، الناقصة.. لأنَّ المُضغةَ المُخلَّقة ستكتملُ شيئاً فشيئاً، وأمَّا المُضغةُ غيرُ المُخلّقة فإنّها ستكونُ سِقْطاً.
  • ● قوله: {ونُقرُّ في الأرحام ما نشاءُ} مِمّن تتكاملُ خِلْقتهُ وبعد ذلكَ يُولد حيّاً.
  • ● قوله: {ومنكُم مَن يُردُّ إلى أرذل العُمُر} إنّه الخَرَف.. هذا هو حالنا نحنُ الأناسيُّ، وهذا الحالُ هُو حال الحيوانات أيضاً، ولكنَّ القُرآن يأتينا بمثالٍ آخر فيقول: {وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزتْ وربتْ وأنبتتْ مِن كُلّ زوجٍ بهيجٍ* ذلك بأنَّ اللهَ هُو الحقُّ وأنّهُ يُحيي الموتى وأنّهُ على كُلّ شيءٍ قديرٌ* وأنّ الساعة آتيةٌ لّا ريبَ فيها وأنَّ الله يبعثُ من في القُبُور}.
  • فهذا أنموذجٌ ممّا جاءَ في آيات الكتاب الكريم وهو يتحدّثُ عن بعْثِ الأمواتِ مِن أهمّ مُجرياتِ المحطّةِ الثامنة: محطّة المحشر.

  • وقفة عند حديثٍ جميلٍ لإمامنا باقر العلوم “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 42 الحديث (13):

  • (بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر “الباقر صلواتُ الله عليه” قال: كان فيما وعَظَ بهِ لُقمان ابنه أن قال:
  • يا بني إنْ تكُ في شكٍّ مِن الموت فارفعْ عن نفسكَ النوم ولن تستطيعَ ذلك، وإنْ كُنتَ في شكٍّ مِن البعث فارفعْ عن نفسكَ الانتباهِ ولن تستطيعَ ذلك، فإنّكَ إذا فكّرتَ في هذا علمتَ أنَّ نفسكَ بيد غيرك، وإنّما النومُ بمنزلةِ الموت، وإنّما اليقظةُ بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت). أمثلةٌ تقريبيّةٌ.
  • الذي حداني أن أقرأ هذا الحديثَ عليكم هُو لأجل أن أبيّنَ لكم أنَّ لسانَ المعصومين، ولسان الحُكماء والعلماء الحقيقيّين إنّهم يستعملونَ الأمثلةَ لتقريبِ صُورةِ الحقيقةِ مِن أذهاننا.
  • صحيحٌ أنّهُ في ثقافة الكتاب الكريم والعترة الطاهرة النومُ مرتبةٌ مِن مراتبِ الموت ولكنّهُ ليس هُو الموت.. فهذهِ أمثلةٌ تقريبيّة، وهذا هو منهج الحديث في هذا البرنامج وفي سائرِ البرامج الأُخرى.. إنّهُ منهجُ الأمثلةِ ومنهج التقريب، هذا هو الذي نستطيعهُ، وهذا هو الذي نُدركهُ، وهذا هو الذي نتمكّن منه.. فماذا نصنعُ لِمحدوديّةِ عُقُولنا ولِقلّةِ معلوماتنا ولِعدم دقّةِ فَهْمنا للمُعطياتِ التي بين أيدينا؟! هذا هو واقعنا.

  • في نفس المصدر كتاب [بحار الأنوار: ج7] في الصفحة 47 الحديث 31 عن رسول الله “صلّى الله عليه وآله” يُخاطِبُ بني عمومته فيقول:

  • (يا بني عبد المطلب إنَّ الرائد لا يكذب أهله، والذي بعثني بالحقّ لتموتُنَّ كما تنامون، ولتبعثُنَّ كما تستيقظون، وما بعد الموتِ دار إلّا جنّةٌ أو نار، وخَلْقُ جميعِ الخَلْق وبعْثهُم على الله عزَّ وجلَّ كخلق نفس واحدة وبعثها، قال الله تعالى: {وما خَلْقُكم ولا بعثكم إلّا كنفسٍ واحدة}).
  • ● قوله: {إنَّ الرائد لا يكذب أهله} الرائدُ هُو الذي تَبعثهُ القبائلُ إذا ما أرادتْ أن تنتقلَ إلى مَحلٍّ يكثرُ فيهِ الماءُ والعُشْب، فيبعثونَ أحداً يكتشفُ لهم الطريق.. وإنّما يبعثونَ مِن خِيرةِ قومهم، فحينما يجدُ مكاناً آمناً كثير الماء وكثير العُشْب يعودُ إلى قومهِ فيُخبرهم بذلك.
  • فرسولُ اللهِ يقول لهم: إنّني رائدكم، إنّني الذي أمتلكُ العِلْمَ فلقد سَبَق عِلْمي علمَكم وأنا عالمٌ بما مضى وما هو الآن وما سيأتي.
  • ● مِن المُجرياتِ الواضحةِ جدّاً في هذهِ المحطّة وهي المحطّة الثامنة (المَحْشر) فإنَّ الأحياء الذين كانوا أمواتاً وبُعثوا الآن سيُحشرونَ حشْراً باتّجاهِ ساحةِ القيامةِ الكُبرى.. أيّةُ ساحةٍ، وأيُّ أحداثٍ ستجري؟!
  • وضعتُ بين أيديكم صُورةً، لقطاتٍ سريعةً خاطفةً مِن المشهدِ الهائل مِن التغيير الكوني الكبير.. وهذهِ إشاراتٌ مرّتْ في سُورةِ الحجّ، في وصيّةِ لقمان لولده، وفي حديثَ رسول الله مع بني عمومتهِ.. إنّها بياناتٌ مُوجزةٌ عن البعْث الذي هُو مِن أهمّ مُجرياتِ هذه المحطّة.
  • فهُناك التغييرُ الكونيُّ، وهناك بعْثُ الأموات، وهُناك حشْرُ الأحياءِ بعد أن يُبعثوا مِن قُبورهم.

  • [بحار الأنوار: ج7] في صفحة 99 مِن خُطبةٍ طَويلةٍ لِسيّد الأوصياء والكلامُ فيها مُوجّهٌ لي ولكم:

  • (اسمعْ يا ذا الغفلةِ والتصريف مِن ذِي الوعظِ والتعريف، جُعِلَ يوم الحشْر يومَ العَرضِ والسُؤالِ والحَباءِ – أي العطاء – والنكال، يومَ تُقلّبُ إليهِ أعمالَ الأنام ، وتُحصى فيه جميعُ الآثام ، يوم تذوبُ مِن النفوس أحداقُ عُيونها – الأحداق جمْعُ حدْقة وهي سواد العين – وتضعُ الحواملُ ما في بطونها ، وتُفرّق مِن كلّ نفسٍ وجيبُها، ويحار في تلك الأهوال عقلُ لبيبها، إذْ نكرتْ الأرض بعد حُسْن عمارتها، وتبدّلتْ بالخَلَق – التمزّق – بعد أنيق زهرتها، أخرجتْ مِن معادن الغيب أثقالها، ونفضت إلى الله أحمالها، يوم لا ينفعُ الحَذَر إذْ عاينوا الهَولَ الشديد فاستكانوا – إنّهم داخرون أذلّاء – وعُرف المُجرمون بسيماهم فاستبانوا – ليس هناك من أسرار الحقائق مكشوفة والفضائحُ على رؤوس الملأ – فانشقتْ القُبور بعد طُول انطباقها، واستسلمتْ النُفوس إلى اللهِ بأسبابها، كُشِفَ عن الآخرة غِطاؤُها، فظَهرَ للخلق أنباؤُها، فدُكّتْ الأرضُ دكّاً دكا، ومُدّتْ لأمرٍ يُراد بها مدّاً مدّاً، واشتدَّ المُبادرون إلى الله شدّاً شدّاً، وتزاحفتْ الخلائقُ إلى المَحشر زحْفاً زحْفا، ورُدَّ المجرمون على الأعقاب ردّاً ردّاً، وجدَّ الأمر- صار الأمرُ جدّياً – ويحكَ يا إنسان جدّاً جدّاً، وقُرّبوا للحساب فرداً فرداً، وجاء ربّكَ والملك صَفّاً صفّاً، يسألهم عمّا عملوا حَرْفاً حَرْفاً، وجِيئ بهم عُراةُ الأبدان، خُشّعاً أبصارهم، أمامهُم الحساب، ومِن ورائهم جهنّم يسمعون زفيرها ويرون سعيرها، فلم يجدوا ناصراً ولا وليّاً يُجيرهم مِن الذُلّ، فهُم يَعدون سِراعاً إلى مواقف الحشر يُساقون سوقا، فالسماوات مطويّاتٌ بيمينه كطيّ السِجّل للكُتُب، والعباد على الصراط وجلت قُلوبهم يظنّون أنّهم لا يسلمون، ولا يُؤذَن لهم فيتكلّمون – الذين يُؤذنُ لهم بالكلام أولياء عليٍّ وآل عليّ – ولا يُقبَل منهم فيعتذورن، قد خُتِمَ على أفواهم، واستُنطِقتْ أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعملون، يا لَها مِن ساعةٍ ما أَشجى مواقعها مِن القلوب حين مُيّز بين الفريقين: فريقٌ في الجنّةِ وفريقٌ في السعير، مِن مِثل هذا فليهرب الهاربون، إذا كانتْ الدارُ الآخرة لها فليعملْ العاملون).
  • في بداية حديثي في هذهِ الحلقة بيّنتُ لكم أنَّ المحطّةَ الثامنةَ تلتصِقُ التصاقاً مُباشراً بالمحطّةِ السابعةِ مِن جهةِ وبالمحطّةِ التاسعةِ مِن جهةٍ أُخرى.. هناك التصاقٌ شديدٌ وتمازجٌ بين المُجرياتِ في هذهِ المحطّاتِ.
  • ● قوله: (وتُفرّق مِن كلّ نفسٍ وجيبُها) في المصادرِ الأصليّة جاءتْ هذه الصياغة: (ويُفرّقُ بين كُلُّ نفسٍ وحبيبها) وهذا هو الأصْل.
  • ● قوله: (إذْ نكرتْ الأرض بعد حُسْن عمارتها) تبدّلتْ.. كانَ الإنسانُ يعيشُ بحالٍ وانتقلَ إلى حالٍ وحالٍ وحال.. تَغيّرتْ الأمور.. قوله: (نكرتْ الأرض) أي صارتْ شيئاً مُنكراً تتنفّر مِنهُ النفوس بعد الذي كان وكان.. مرَّتْ الأحداثُ علينا في أشراطِ الساعةِ وماذا سيفعلُ أشرارُ الأرضِ مِن فَسادٍ وإفساد وماذا سيصنعُ بعد ذلك القادمون مِن الفضاء، إنّهم أقوامُ يأجوج ومأجوج.
  • ● قوله: (أخرجتْ مِن معادن الغيب أثقالها) خُروج الأمواتِ مِن قُبورهم ومِن غَيبِ التُراب، فقد غابتْ أجزاءهم في خُزانةِ غيبِ التُراب.
  • ● قوله: (فظهرَ للخلق أنباؤُها) الأنباءُ تتواصلُ عن يومِ القيامةِ في هذهِ المَحطّةِ حينما يبدأ التغيير الكونيُّ الهائل بالظُهور الواضح، وحينما يُبعَثُ الأمواتُ مِن قُبورهم وحينما يُحشرون إلى الساحةِ العظيمة.. إنّها ساحةُ يومِ القيامة.
  • ● قوله: (ومُدّتْ لأمرٍ يُراد بها مدّاً مدّاً) ستكونُ واسعةً وتتّسعُ لكثرةِ الخلائق.. فهي تُمَدُّ مدّاً حتّى تَسع الخلائق مِن الملائكة ومِن الجان.. الملائكة أعدادها هائلة، والجانُّ أعدادهم هائلة، الحيواناتُ والوحوشُ أعدادها هائلة والبشرُ كذلك وسائرُ المخلوقات الأُخرى.
  • ● قوله: (واشتدَّ المُبادرونَ إلى اللهِ شدّاً شدّاً) إمّا أن المُراد الذين يُبادرونَ مِن عند أنفُسهم وهم الصالحون أو أنّهم يُبادرون لأنّ النار تدفعهم.. فالرواياتُ تُحدّثنا أنَّ الذي يدفعُ الناس إلى ساحةِ المحشر نارٌ هائلة يفرّون أمامها، وسيأتي الحديثُ عن هذا.
  • ● قوله: (ورُدَّ المجرمون على الأعقاب ردّاً ردّاً) إنّهم يبحثون عن النجاة، وسُبُل النجاة مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد، ولكنَّ المُجرمينَ أعداء عليٍّ وآل عليّ سيُردّونَ ردّاً ردّاً.
  • ● قوله: (ومِن ورائهم جهنّم يسمعون زفيرها ويرون سعيرها) الزفيرُ صوتُ جهنّم، إنّها وراءَهم لا يَرونها بأعينهم وإنّما يسمعون زفيرها ويَرونَ سعيرها، والسعيرُ هو آثارُ حرارتها في الجوّ.
  • ● قوله: (فلم يجدوا ناصراً ولا وليّاً يُجيرهم مِن الذُلّ) إنّهم أعداءُ عليٍّ وآل عليّ.. إنّهم الذين يَنطبقُ عليهم دُعاءُ رسول الله “صلّى الله عليه وآله” في بيعةِ الغدير: “الّلهُمَّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه وانصرْ مَن نصره واخذلْ مَن خَذَله”.. فمَن يُوالي عليّاً ليس في هذهِ الجُموع.
  • بقَدْر ولائنا لِعليٍّ وبقَدْر نُصرتنا لِعليّ فإنّنا نبتعدُ عن هذهِ الأجواء.. كُلّما والينا عليّاً بنحوٍ أشدّ ونصرنا عليّاً بنحوٍ أشدّ ابتعدنا كثيراً عن هذه المواقع.
  • ● قوله: (فهُم يَعدون سِراعاً إلى مواقف الحشر يُساقون سوقا) الحديثُ عن أعداء عليٍّ وآل عليّ.. مِنهم مَن تسوقُهُ الملائكة ومِنهم مَن تسوقُهُ النار.. تلكَ النارُ المُرعبة التي تسوقُ الذين خرجوا مِن قُبورهم إلى ساحةِ القيامة.. فليس الحديثُ عن الآمنين المُطمئنّين مِن أولياءِ عليٍّ وآل عليّ، وإنّما الحديثُ عن هذه الجموع الغادرة العاثرةُ الحظّ.
  • وتلكَ الجموع النائمةُ في مقابر النوم لا تدري ماذا تصنع.. إنّها حائرة، فلا هي بالّتي تستطيعُ أن تتواصل مع أُولئكَ الآمنين المُطمئنّين في ساحاتِ الشفاعةِ والنجاةِ والفوزِ والفلاح.. ولا هُم مع المُجرمين.. هُم في حيرةٍ، هُم خَوفٍ واضطراب، فنارٌ تسوقُ الجميعَ إلى ساحةِ المَحْشر، وملائكةٌ غِلاظٌ شدادٌ يسوقونَ الذي يُريد أن يتخلّف، فهُم يَعْدونَ سِراعاً يركضون إلى مواقع الحشْر.. يُساقونَ سوقاً.
  • ● قوله: (والعباد على الصراط وجلت قُلوبهم يظنّون أنّهم لا يسلمون) الصراطُ مَرحلةٌ خطيرةٌ جدّاً.. سيتساقطُ كثيرون في هذهِ المرحلة..!
  • (وقفة أُلخّصُ فيها بنحوٍ وجيزٍ ما تقدّم مِن تعريفٍ وتوضيحٍ وشرْحٍ لِما يَجري في المَحطّةِ الثامنة وهي مَحطّةُ المحشر).
  • ● جاء في كلامِ أمير المؤمنين فيما قرأتهُ مِن جانبٍ مِن خُطبةٍ طَويلةٍ وَرَد بعضٌ منها في الكتاب الذي بين يديّ فإنّهُ تحدَّثَ عن المُجرمين فقال: (ورُدَّ المجرمون على الأعقاب ردّاً ردّاً ، وجدَّ الأمر) إلى أن يقول “صلواتُ الله عليه”: (وجِيئ بهم عُراةُ الأبدان).
  • هذهِ الصُورةُ الموجودة في الأذهانِ مِن أنَّ الناس جميعاً يُحشرون عُراة أُخذتْ مِن الثقافةِ الناصبيّة.. وأَخذَ الخُطباءُ يُردّدونها وأقنعونا بهذهِ الفِكْرة.. وحينما نَقرأُ الأدعيةَ وتَرِدُ هذهِ المضامين كُنّا نَفْهمُ الأدعيةَ بِحَسَب ما ربّانا مَراجعُنا في كُتُبهم، وما تعلّمناهُ مِن خُطبائنا وما وجدناهُ في دُروس الحوزةِ العلميّةِ الدينيّة وما هُو موجودٌ في ساحةِ الثقافة الشيعيّة، وما يُبَثَّ عِبْر فضائيّاتنا الدينيّة.. ولكنّنا حين نَعودُ إلى قُرآنهم المُفسّرِ بتفسيرهم وإلى أحاديثهم وحين نَعودُ إلى ثقافتهم الأصيلة فهذا أمرٌ لا وُجودَ له.. إنّه أمرٌ يتعلّقُ بأعداءِ عليٍّ وآل عليّ فقط.

  • وقفة عند مقطع مِن دُعاء أبي حمزة الثمالي في كتاب [مفاتيح الجنان]:

  • ممّا جاء فيه وهُو يتحدَّث عن الطبيعةِ السيّئةِ في النفس البشريّة التي تَقودُ الإنسانَ بعيداً عن مُحمّدٍ وآل مُحمّد:
  • (إلهي لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبكَ – أي فضلكَ وجودك – مِن بين الأشهاد، ودللتَ على فضائحي عُيُونَ العباد، وأمرتَ بي إلى النار، وحُلْتَ بيني وبين الأبرار ما قطعتُ رجائي منكَ..).
  • ● قوله: (وحُلْتَ بيني وبين الأبرار) عُنوان “الأبرار” في دلالتهِ الحقيقيّة الكاملةِ المُطلقة مُحمّدٌ وآل مُحمّد “عليهم السلام” ولكنّهُ يُطلَقُ على أوليائهم مِن المراتب العالية جدّاً وحتّى على المراتب الواطئةِ جدّاً مِن مراتب الأبرار.
  • قوله: (وحُلْتَ بيني وبين الأبرار) هُو نفسُ مضمون كلامِ سيّد الأوصياء حين يقول: (ورُدَّ المجرمون على الأعقاب ردّاً ردّاً، وجدَّ الأمر) هؤلاء هُم الذين يُحالُ فيما بينهم وبين الأبرار وهؤلاء هُم الذين يُؤمَرُ بهم إلى النار، وهؤلاء هُم الذين يُجاءُ بهم عُراةُ الأبدان.. أمَّا الذين لا يُحالُ بينهم وبينهم الأبرار فهؤلاء لا يأتون عُراةً يوم القيامة.
  • إنّما أتناولُ هذا المطلب لا لأنّهُ هُو أهمُّ المطالب في هذهِ المحطّة، ولكنّني أُريدُ أن أُبيّن لكم أنَّ ثقافتنا بعيدةٌ عن ثقافةِ الكتاب والعترة، وأنَّ عُلماءَنا وخُطباءَنا يتحرّكون في وادٍ بعيدٍ عن وادي الكتاب والعترة.
  • ● إلى أن يقول الدُعاء الشريف:
  • (وانقلني إلى درجة التوبة إليك، وأعنّي بالبُكاء على نفسي فقد أفنيتُ بالتسويفِ والآمالِ عُمْري، وقد نَزْلتُ منزلةَ الآيسين مِن خيري، فمن يكُونُ أسواء حالاً منّي إن أنا نُقلتُ على مِثل حالي إلى قبرٍ لم اُمهّدهُ لرقدتي ولم أفرشهُ بالعمل الصالح لضجعتي، ومالي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكُونُ مصيري وأرى نفسي تُخادعُني وأيامي تُخاتلني، وقد خفقتْ عند رأسي أجنحةُ الموت – إشارةٌ مِن بعيدٍ إلى محطّة الاحتضار – فما لي لا أبكي؟! أبكي لِخُروج نفسي أبكي لِظُلمة قبري أبكي لِضيق لَحدي أبكي لسُؤال مُنكرٍ ونكيرٍ إياي، أبكي لِخُروجي من قبري عُرياناً ذَليلاً حاملاً ثقلي على ظَهري، أنظُر مرَّةً عن يميني وأُخرى عن شمالي، إذْ الخلائقُ في شأنٍ غير شأني لكُلّ امرئٍ منهُم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه، وجوه يومئذٍ مُسفرةٌ ضاحكةٌ مُستبشرةٌ ووُجوه يومئذٍ عليها غبرةٌ ترهقُها قترةٌ وذلّةٌ..).
  • ● قوله: (أبكي لِخُروجي من قبري عُرياناً ذَليلاً حاملاً ثقلي على ظَهري) هذهِ الصُورةُ هي صُورةٌ لأسوأ حالةٍ يكونُ عليها الإنسان، والإنسانُ في مقامِ الدُعاء لابُدَّ أن يكونَ مُتملّقاً ومُتزلّفاً بين يدي الله سُبحانه وتعالى.. فهذا مِن أدبِ الدُعاء.
  • علينا أن نتوقّع في أنفسنا هذهِ المعاني، علينا أن نعيشَ حالةِ التقصير دائماً.. إمامُنا الصادق كان يدعو لأحبّ أصحابهِ إليهِ بهذا الدُعاء:
  • (لا أخرجكَ اللهُ مِن حدّ التقصير).
  • إذا خرجنا مِن حدّ التقصير ذَهْبنا في مَتاهةٍ لها أوّل وليسَ لها آخر، لأنّنا إذا خَرجنا مِن حدّ التقصير فقد وثقنا بأنفُسنا وإذا وثقنا بأنفُسنا فإنّنا قد ابتعدنا عن إمامِ زماننا.. نحنُ لا نَملكُ شيئاً نَحنُ عبيد.. مِثلما نُخاطبُ الحسين في زيارةِ وارث: (عبدكَ وابنُ عبدكَ وابنُ أمتكَ المُقرّ بالرق) نحنُ عبيدهم والعبدُ ما في يدهِ لمولاه.. علينا أن نتصوَّرَ أحوالنا بهذهِ الصُورة.. هذا نَحوٌ مِن أنحاءِ التملّق ونَحوٌ من أنحاءِ أدب الدعاء.. ولذا دائماً أقول هذه الأدعيةُ لنا ولا علاقةَ لها بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد بما هُم هُم.
  • هذهِ الأدعيةُ لنا وليستْ لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، إلّا إذا افترضنا أنَّ هذهِ الألفاظ لها دلالاتٌ نَحنُ لا نَعرفها، لَيستْ في لُغةِ العَرب وإنّما هُناك دِلالاتٌ تتجاوزُ ما نَعرفهُ، وهذا أمرٌ مُستبعد جدّاً، لا دليل يدلُّ على ذلك.

  • نصيحتي إلى مَن أُحبّ، ونصيحتي إلى كُلّ مُحبٍّ لعليٍّ وآل عليّ، أقول:

  • لا تثقوا بأنفسكم، ولا تثقوا بعقولكم، ولا تثقوا بقلوبكم، ولا تثقوا بأعمالكم.. نعم نَحترمُ عُقولنا لأنّهم هُم أرادوا مِنّا أن نَحترمَ عُقولنا.. نُحاول أن، نُطّهرَ قُلوبنا بقَدْر ما نستطيع، نُحاول أن نعملَ بقدْر ما نتمكّن وإنْ كانتْ أعمالُنا مَعيبةً وناقصة، ولكنّنا لا نَثقُ بكُلّ ذلك.. علينا أن نجعلَ ثِقتنا فقط بإمامِ زماننا، علينا أن نعيشَ حالةَ التقصير مع أنفُسنا دائماً.. ولكن لا بألفاظ المُجاملاتِ التي يُكرّرها أصحابُ العمائمِ ورجال الدين أو يُظهرونَ تواضعهم في مُقدّماتِ كُتُبهم.. ولكن حينما لا تُذكرُ لهم سِلسلةُ الألقاب الطويلة تقومُ الدُنيا ولا تقعدُ حينئذٍ..!

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …