دليلُ المسافر – الحلقة ٤١ – المحطّة التاسعة: القيامة الكبرى ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 26 شوّال 1440هـ الموافق 30 / 6 / 2019م

  • وصلَ الكلامُ بنا إلى المَحطّةِ التاسعة، إنّها أكبرُ وأعظمُ مَحطّةٍ في مَحطّاتِ طَريقنا الطويل هذا قبل الوصول إلى نهاية الطريق.

  • المَحطّةُ التاسعةُ هي مَحطّةُ القيامة الكبرى وهذا هُو الجُزء الثالث مِن أجزاء حديثي عن المحطّةِ التاسعة.
  • ● في الحلقةِ الماضيةِ بعد أن بيّنتُ لكم سِعَةَ موضوعِ وكثْرةِ مُعطياتِ ما يَرتبطُ بهذهِ المَحطّة (مَحطّةُ القيامةِ الكُبرى) قُلتُ أنّني سأعرضُ بين أيديكم إثني عشر مَوقفاً مِن مواقف هذهِ المحطّة الكبيرة.
  • تقدَّمَ الحديثُ في المَوقف الأوّل: إنّهُ الموقفُ الذي يُنادى فيه على الناس مِن غيرِ أشياعِ عليٍّ وآلِ عليّ بأسماءِ أُمّهاتهم، ويُنادى على أشياع عليٍّ وآلِ عليٍّ بأسماءِ آبائهم. وبيّنتُ أنَّ القضيّةَ ليستْ إجتماعيّةً وليستْ عرفيّةً.. هذا الكلامُ يُشيرُ إلى فَلترةٍ لِجُموع الواقفين، لِجُموع المَحشورين، لجُموع الذين هُم في تلكَ المَحطّةِ الكُبرى.. عمليّةُ فلترةٍ
  • وتصنيفٍ وتَمييزٍ وتَبويب ووَضْع كُلّ إنسانٍ في موضِعهِ بِحَسَب قانون الأصلاب المُتفرّع عن قانون الطينة، وتِلكَ قضيّةٌ يَتمازجُ فيها التكوينُ والتشريعُ، يَتمازجُ فيها عالمُ الغَيب مع عالم الشهادة، تتمازجُ فيها مُكوّناتُ الرُوح مع مُكوّناتِ الجَسَد، وقد مَرَّ الكلامُ في الأثناءِ عن العباداتِ المعنويّة وعن العباداتِ الماليّة.. كُلُّ هذا تقدَّم في الحلقةِ الماضية.. إنّهُ الموقفُ الأوّل مِن المواقفِ التي أُريدُ أن أعرضها بين أيديكم.. حيثُ يُنادى على غير أشياعِ عليٍّ وآلِ عليٍّ بأسمائهم فيُنسبون إلى أُمّهاتهم، وحينما يُنادى على أشياعِ عليٍّ وآلِ علي يُنادى بأسمائهم ويُنسبون إلى آبائهم، وكُلُّ ذلك يَرتبطُ بتطبيقِ قانونِ الأصلاب وقانون الطينة.
  • أمَّا قانونُ الطينةِ فهُو قانونٌ يَرتبطُ بأصْل التكوين، ويَتضمَّنُ معنى المُمازجةِ العميقةِ بين ما هُو في عالمِ الغَيبِ وما هُو في عالمِ الشهادة.
  • قانونُ الأصلاب هُو تَصويرٌ يُناسبُ عالمَ الطبيعةِ وِفقاً لِمُجرياتِ قانونِ الطينة.. عِلْماً أنَّ البرنامجَ ليسَ مُعدّاً لِمثْل هذهِ الموضوعات، ولكنّني أُضطررتُ لِذكرها لأنّها تَرتبطُ بهذا الموقفِ مِن مواقف يوم القيامة.

  • الموقف الثاني مِن مواقف يوم القيامةِ الكُبرى: حين يُصنّفُ الناسُ على أساسِ أئمتهم، فكُلٌّ لاحِقٌ بإمامهِ.

  • فهُناكَ أئمةُ الجنان وهُناك أئمةُ النيران، وهُناك أئمةٌ كبار وهُناك أئمةٌ صغار.. هُناك أئمةٌ مِن الحجارة وهُناك أئمةٌ مِن الحيوانات.
  • مجموعةٌ مِمّن بايعوا أمير المُؤمنين أيّامَ خلافتهِ في الكوفة، ومِمّن ساروا معهُ في الحُروب والوقائع.. مَجموعةٌ خرجوا مِنهم إلى الصحراء كانوا بمعزلٍ عن الناس، وجلسوا يتجاذبون أطرافَ الحديث ووصلَ الحديثُ إلى سيّد الأوصياء.
  • كانَ قريباً منهم “ضبّ” هذا الحيوانُ الصحراويُّ الزاحف.. وكبيرُ هؤلاءِ القوم كان عمرو بن حُريث وهو شخصيّةٌ مِن قُريش الذي صار رئيساً للشُرطةِ أيّام عبيد الله بن زياد.. وهُو مِمّن بايعَ أميرَ المُؤمنين أيّام خلافتهِ في الكوفة ومِمّن سارَ في رِكابهِ أيضاً، ولكنَّ قَلبَهُ يَذهبُ بَعيداً عن سيّد الأوصياء.. إنّها الطينةُ، إنّها الأصلاب.
  • عمرو بن حريث يقولُ لأصحابه هؤلاء: جيئونا بهذا الضبّ، فيأتونَهُ بهذا الضبّ فيقول: إنَّ بيعتي لِهذا الضبّ أحبُّ إلى نفسي مِن بيعتي لِعليّ بن أبي طالب.. ثُمَّ يُمسكونَ لهُ بالضبّ ويُبايع الضبّ، يَصفِقُ على يد الضبّ “على أرجلهِ” وهكذا يفعلُ الآخرون فإنّهم يُبايعون الضبّ في تلكَ الصحراء بهذه النيّة: أنَّ بيعتهم لِهذا الحيوان الزاحف هي أفضلُ عندهم لِبيعتهم لسيّد الأوصياء..!
  • هذهِ القضيّةُ كانتْ سِرّيةً فيما بينهم، ورجعوا إلى الكوفة.. أميرُ المُؤمنين بعد رجوعهم إلى الكوفةِ وفي أحدِ خُطَبهِ تحدّثَ عن هذا الموضوع وتحدَّث عن أنَّ جَمْعاً مِن هذهِ الأُمّةِ سيُحشرون يَومَ القيامةِ وإمامُهم الضبّ.. إنّهم هؤلاء، وهذا مِثالٌ.. الحكايةُ تَجري على نفْس هذا النَسَق، فهُناكَ مِن إمامُهُ حَجَرٌ وهُناكَ مَن إمامُهُ حيوانٌ وهُناكَ مَن إمامُهُ حِمارٌ مِن الحيوانات وهُناك مَن إمامُهُ حِمارٌ مِن البشر، هُناك مَن إمامهُ ثورٌ مِن ثيران البقر، وهُناك مَن إمامُهُ ثورٌ من ثيران البشر.. الأئمةُ أصنافٌ وأنواع مِن مُختلفِ الحجوم كاختلافِ حجوم الأحذية.. الأئمةُ مُتكاثرون في الأزمنة الماضية وفي زماننا هذا.
  • ● وقفة عند الآية 71 بعد البسملةِ والتي بعدها من سُوره الإسراء:
  • {يوم ندعُو كُلّ أُناسٍ بإمامهم فمَن أُوتي كتابَهُ بيمينهِ فأُولئك يَقرؤُون كتابهُم ولا يُظلمُون فتيلًا* ومَن كانَ في هذهِ أعمى فهُو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلا}. مرَّ الحديثُ عن هذهِ الآياتِ الكريمة لأجل التذكرةِ كي أُعرّجَ بعد ذلكَ باتّجاهِ الموقفِ الثالثِ مِن مواقفِ يومِ لقيامةِ الكُبرى.
  • ● في الآية 60 بعد البسملة مِن سُورة الزُمر: {ويوم القيامة ترى الّذين كذبُوا على اللّه وُجوهُهُم مُسودّةٌ أليس في جَهنّم مثوًى لّلمُتكبرين}.
  • إنّها تتحدّثُ عن الذين يدَّعون الإمامةَ مِن كُلّ كاذبٍ فاجرٍ أشِر.. قطْعاً هُم وُجوههم مُسوّدة وأتباعُهم وُجوهُهم مُسودّةٌ أيضاً.. وبعكس هؤلاء: {ويُنجّي اللّهُ الّذين اتّقوا بمفازتهم لا يمسُهُمُ السُوءُ ولا هُم يحزنُون} الذين هُم مع إمامِ المُتّقين، وإمامُ المُتّقين عليٌّ “عليه السلام”، هو الحُجّةُ بن الحسن “عليه السلام”. الآياتُ واضحةٌ جليّةٌ صريحةٌ.. ومرَّ الكلامُ فيما يرتبطُ بهذا الموقف.

  • الموقف الثالث مِن مواقف يوم القيامةِ الكُبرى: مُساءَلَةُ الرُسُل

  • مع ملاحظةِ أنَّ الترتيبَ الذي أعرضِهُ بين أيديكم ليس تَرتيباً ذُكِرَ في الروايات.. الآياتُ والرواياتُ تحدّثتْ عن مواقفِ يومِ القيامةِ مِن دُونِ أن تذكرَ لنا قائمةً تتسلسلُ فيها الأحداث.. لأنَّ ساحةَ القيامةِ الكُبرى ساحةٌ كبيرةٌ جدّاً جدّاً، ولربّما تجري المواقفُ المُختلفةُ في آنٍ واحد.. القضيّةُ مُعقّدةٌ ليستْ بهذهِ السذاجة. حينما أعرضُ بين أيديكم هذهِ المواقف إنّما أعرضُها عَرْضاً منطقيّاً، ربّما بعضُ المواقفِ جاء تسلسُلها في الروايات، لكنّني لا أتحدّثُ عن بعض المواقف، وحتّى هذهِ المواقفُ مِن مواقفِ يوم القيامة التي جاءَ تسلسُلُها في الروايات فإنَّ هذا التسلسلَ يختلفُ مِن روايةٍ إلى أُخرى لأنَّ الأحداثَ تجري بطريقةٍ لا تخضعُ لِقوانينِ الزمنِ الذي نعرضهُ في أرضنا.
  • هُناك مِن القوانين والسُننِ تَكويناً التي تَحكم هذهِ المرحلة وتحكمُ هذهِ المحطّة ما لا نَستطيعُ أن نتصوَّرَ الأحداثَ معها كما تجري على الواقع.. لكنّني أُحاولُ تقريبَ المعاني بقدْرِ ما أتمكّن، وحينما أُرتّبُ المواقفَ فإنّني أُرتّبُها ترتيباً مَنطقيّاً، فأسيرُ معها سيراً تراتُبيّاً بِحَسَب ما يظهرُ مِن مُجمَلِ الآياتِ والأحاديث.. وإلّا فإنّنا لا نَملكُ قائمةً تُحدّدُ لنا المواقِفَ أوّلاً، ثانياً، ثالثاً، رابعاً…
  • القيامةُ تستمرُّ خمسينَ ألف سنة وليس مِن سِنّي الدُنيا. إذا كانت مِن سنّي الدُنيا فهي في غايةِ الطُول.. فما بالكم وهي ليستْ مِن سِنّي الدُنيا.. خمسونَ مَوقف كُلُّ موقفٍ يَستمرُّ إلى ألفِ سنة.. القضيّةُ هائلةٌ جدّاً..! إنّنا نتحدّثُ في حاشيةِ الموضوع، الموضوعُ كبيرٌ جدّاً.
  • حتّى لو أنّني توسّعتُ في حلقاتِ هذا البرنامج حولَ موضوعِ القيامةِ الكُبرى وعَرضتُ كُلَّ المُعطياتِ المُتوفّرة فإنّنا سنبقى على حاشيةِ الموضوع.. نحنُ وما نستطيعُ أن نتحدّثَ عنه في حلقاتِ هذا البرنامج بِحَسَب المُمكن.
  • ● أعودُ للموقفِ الثالث من مواقف القيامةِ الكُبرى وهو: مُساءلة الرُسُل والأنبياء، لأنَّ الرُسُل هُم أعلى مراتب الأنبياء.
  • قطْعاً الحاكمونَ الفاعلون القائلون الناطقون الذين بيدهم الأمرُ والنهي هُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ “عليهم السلام” الأئمةُ الأربعةُ عشر، وبعد ذلكَ يأتي مَن يأتي في فِنائهم على اختلافِ المراتب والمقاماتِ والدرجات.
  • ● القرآن أشار إلى موضوع “مُساءلَةُ الرُسُل” في الآيةِ 109 مِن سُورةِ المائدة:
  • {يومَ يَجمعُ اللهُ الرُسُل فيقُولُ ماذا أُجِبتُم قالوا لا عِلْمَ لنا إنّكَ أنتَ علّامُ الغيُوب}.
  • — قوله: {فيقُول ماذا أُجبتُم} أي بعد خُروجكم مِن الدُنيا مِثلما حدّثنا آلُ مُحمّد “عليهم السلام”.. فإنَّ مَضمونَ المُساءلةِ أنَّ السُؤالَ يُوجّهُ للرُسُل وهُو مِن أهمّ الأسئلة: ماذا كان جوابُ أُمَمِكم مِن بعدكم مع أوصيائكم؟ هكذا جاءَ في رواياتهم الشريفة “عليهم السلام”.
  • — قوله: {قالوا لا عِلْمَ لنا} التفاصيلُ الكاملةُ عندكَ يا علّامَ الغُيوب.. إنّهم لا يَنفونَ مُطلَقَ العِلْم، وإنّما ينفونَ العِلْم الكامِلَ لهم بما جرى مِن بعدهم.
  • وتستمرُّ الآياتُ في شأنِ عيسى بن مريم.. المقامُ لا يُعطي فُسحةً أن أُفصّلَ القولَ في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة، ولكنّني مِن هذهِ الآية أنتقلُ بكم إلى آيةٍ أُخرى إلى موقعٍ آخر في الكتاب الكريم.
  • ● الآية 6 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة الأعراف إنّهما يتحدّثانِ عن الموقف الثالث مِن مواقفِ يوم القيامة وهو: مُساءلةُ الرُسُل:
  • {فلنسألنَّ الّذين أُرسِل إليهم ولنسألنَّ المُرسلين* فلنقُصّنّ عليهم بعلمٍ وما كُنّا غائبين}.
  • قطعاً مُساءلةُ أُمَمِهم تأتي مُتفرّعةً على مُساءَلةِ الرُسُل، وإنّما يُساءَلُ الرُسُل كي يكونَ بوّابةً وحُجّةً على أُمَمِهم.. فليسَ الشكُّ في الرُسُل وليس المُحاكمةُ للرُسُل، المُحاكمةُ لأُمَم الرُسُل ولكن المُساءَلةَ تبدأ مِن الرُسُل.
  • — قوله: {فلنقُصّنّ عليهم بعلمٍ وما كُنّا غائبين} الحقائقُ ستُقصّ.. الحقائقُ ستكونُ حاضرةً مِثلما جرتْ.. بأيّ شكلٍ بأيّ نحوٍ هذا لا نَستطيعُ أن نتصوَّره.
  • هُناكَ حَديثٌ عن تجسّمِ الأعمال، هُناكَ حديثٌ عن كتابٍ تَكوينيٍّ تُخْزَنُ فيهِ الأعمال، هُناك وهُناك وهُناك.. لَستُ بصَددِ التفسير ولَستُ بصَددِ الشرْح والبيان، ولَستُ بصَددِ فَلسفةِ الموضوع. لذا سأكتفي بما يُفهَم ولَو بنحوٍ إجماليٍّ مِن هذهِ الآياتِ الكريمة.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” [الكافي الشريف: ج8] صفحة 213 رقم الحديث (392) عُنوان الحديث: حديثُ نوحٍ يومَ القيامة.
  • (بسنده عن يُوسف بن أبي سعيد قال: كنتُ عند أبي عبد الله “عليه السلام” ذاتَ يوم فقال لي: إذا كانَ يومُ القيامةِ وجمَعَ اللهُ تباركَ وتعالى الخلائق كان نوحٌ أوَّلَ مَن يدعى به، فيُقالُ لهُ: هل بلَّغتَ؟ فيقولُ: نعم، فيُقال لهُ: مَن يشهدُ لك؟ فيقول: مُحمّد بن عبد الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”، قال: فيخرجُ نوحٌ فيتخطّى الناسَ حتَّى يجئ إلى مُحمّدٍ “صلى اللهُ عليه وآله” وهُو على كثيبِ المِسْك ومعه عليٌّ “صلواتُ الله عليه” وهُو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فلمَّا رأوهُ زُلفةً سِيئتْ وُجوهُ الذين كفروا} فيقول نوحٌ لِمُحمَّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله”: يا مُحمَّد.. إنَّ الله تبارك وتعالى سألني هل بلغت؟ فقلتُ: نعم فقال: مَن يشهدُ لك؟ فقلتُ: مُحمَّد “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”، فيقول: يا جعفر يا حمزة اذهبا واشهدا لهُ أنّهُ قد بلَّغ. فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: فجعفرُ وحمْزةُ هُما الشاهدان للأنبياء بما بلّغوا، فقُلتُ: جُعلتُ فِداك فعليٌّ أين هُو؟ فقال: هُو أعظم منزلةً مِن ذلك).
  • — قوله: (كان نوحٌ أوَّلَ مَن يدعى به، فيُقالُ لهُ: هل بلَّغتَ؟) إنّها مُساءَلةُ الرُسُل.. يُسألونَ عن رسالتهم عن دِينهم عن مَوقفِ أُمَمِهم معهم، وبعد ذلكَ ينتقلُ السُؤال إلى مَوقف الأُمّةِ مِن بعْدهم مع أوصيائهم.. تلكَ هي مُساءلةُ الرُسُل.
  • — قوله: (فيُقال لهُ: مَن يشهَدُ لك؟) قد يَقولُ قائل: هل أنَّ الله يُكذّبُ نبيّه نوح؟!
  • وأقول: إنّها قوانينُ القيامةِ، إنّهُ العَدلُ فتُطلَبُ الشهادةُ مِن الأنبياءِ كما تُطلَبُ الشهادةُ مِن بقيّة الخَلْق.
  • هُناك مِن الروايات ومِن التفاصيل تُبيّنُ لنا أنَّ أُمَمَ الأنبياءِ سيُكذّبونَ أنبياءَهم في يومِ القيامة، ولِذا فإنَّ الأنبياءَ بحاجةٍ إلى شُهودٍ.. إنّها مَحكمةُ العَدْل، وهُناك مِن الروايات تُخبرنا أنَّ اللهَ وهُو يُحاكمُ الناسَ يكذبون على الله ويحلفون كذباً بين يدي الله أثناء المُحاكمات.. يومُ القيامةِ يومٌ عجيب، إنّهُ يومُ العدالةِ المُطلقةِ التي لا حدود لها.
  • — قوله: (مَن يشهدُ لك؟ فيقول: مُحمّد بن عبد الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”) قَطْعاً الأُمورُ لا تَجري بهذا الترتيب الذي يُعرَضُ بأسلوبِ الحكايةِ الساذج.. هذا هُو أُسلوبُ المُقاربةِ وأُسلوبُ المُداراة.
  • وقَطْعاً مُراد نُوح لا يَقصدُ بأنَّ مُحمَّداً “صلَّى اللهُ عليه وآله” بنفسهِ يشهدُ له، فما قدْرُ نوحٌ حتّى يشهدُ لهُ مُحمّدٌ “صلَّى اللهُ عليه وآله”، وإنّما مُحمّدٌ هُو الحاكمُ هو السيّدُ هو الأوّلُ الآخر هُو الظاهرُ الباطنُ مِن خَلْقِ اللهِ في يومِ القيامة.. فهو قاصدٌ إلى تلكَ الجهةِ العُليا وهي التي ستُقرّرُ ما تُقرّر.
  • — قوله: (حتَّى يجئ إلى مُحمّدٍ وهُو على كثيبِ المِسْك ومعه عليٌّ) كثيبُ المِسْكِ هذهِ منطقةٌ خاصّةٌ بمُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله” وعليٍّ وفاطمة وأولادِ عليٍّ وفاطمة ومَن معهم.. الرواياتُ تُخبرنا عن هذا الموقع المُتميّز في ساحةِ القيامةِ الكُبرى التي لا نستطيعُ أن نتصوَّر سِعتها.. هذا الموقعُ يُعرَفُ في أحاديثِ الأئمةِ بكُثبان المِسْك.. الكثيبُ هو المكانُ المُرتفعُ والمِسْكُ هُو هذا العِطْر الذي يُستخرَجُ مِن نافجةِ المِسْك مِن الغزال مِن الظبي، مِن غزلانِ المِسْك.. الرائحةُ الطيّبةُ المعروفة.
  • كُثبانُ المِسْك مَنطقةٌ خاصّةٌ بمُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد “عليهم السلام”.. إنّها منطقةٌ واسعةٌ جدّاً، وهذهِ الكُثبانُ تَختلفُ دَرجاتُ ارتفاعها، المراتبُ كثيرٌ جدّاً.. وأعلى المراتبِ إنّهُ الكثيبُ المُحمَّديُّ العَلَوي.. كثيبُ مُحمَّدٍ وعليٍّ “صلّى الله عليهما وآلهما”.. الإمامُ يُشيرُ إلى هذا الكثيب، هو أشرفُ تِلكَ الكُثبان.
  • ● وقفة عند الآية 27 بعد البسملةِ مِن سُورةِ المُلك: {فلمَّا رأوهُ زُلفةً – الزُلفة هي المنزلةُ القريبة – سِيئتْ وُجوهُ الّذين كفروا – الذين كفروا بعليٍّ وآل عليّ – وقيل هذا الّذي كُنتُم به تدّعُون}.
  • هذا الخِطابُ بِحَسَب أحاديثِ العترة يُوجّهُ إلى الأوّل إلى الثاني حين ينظرونَ إلى مَنزلةِ مُحمّدٍ وعليٍّ على كثيب المِسْك وكيف أنَّ الأنبياء تتحرّكُ باتّجاههم مِثلما في هذهِ الواقعة وهي واقعةٌ مُختصرةٌ جدّاً.. فالذي يَجري هُناك أعظمُ وأعظمُ مِن كُلّ هذا.
  • — قوله: {وقيل هذا الّذي كُنتُم به تدّعُون} أي أنّكم أنتم كُنتم تدَّعون كَذباً وزُورا أنّكم أُمراء المُؤمنين.. وتَستمرُّ الآيات إلى أن تأتي الآيةُ 30 والخِطابُ لنا.. قولهِ عزَّ وجلَّ: {قُل أرأيتُم إنْ أصبحَ ماؤُكُم غَورًا فمَن يأتيكُم بماءٍ معينٍ}
  • بِحَسَب تفسيرهم “عليهم السلام” أي: إنْ غابَ إمامُكم، فمَن يأتيكم بعِلْمٍ صَافٍ مِن العيون الصافية.. إنّهُ حديثهم والتوفيقُ منهم.. فمِن دُون التوفيقِ منهم فإنّنا سنركضُ مِثلما فَعَل مراجعنا وعُلماؤنا وكما فعلتْ حوزاتنا ومُؤسّستنا الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة حين ركضوا باتّجاهِ العيون القَذرةِ الكَدِرة النَجِسة.. هُناك أخذونا.
  • — قوله: (فجعفرُ وحمْزةُ هُما الشاهدان للأنبياء بما بلّغوا) ولا تنسوا فإنَّ جعفرَ وحمزةَ “صلواتُ اللهِ عليهما” يَغبطانِ أبا الفضْل العبّاس لأنَّ منزلةَ العبّاسِ كما يقولُ إمامُنا السجّاد يَغبطهُ عليها جميعُ الشُهداء يوم القيامة.. إنّهم شُهداءُ يومِ القيامة وليسَ الذين نَحنُ نقولُ عنهم شُهداء لأنّهم أُعدموا في زنزاناتِ صدّام مثلاً، أو قُتِلوا في معركةٍ ضِدّ داعش.. ربّما يكونون شُهداء ورُبّما لا، هذا تقييمٌ مِن قِبَل مراجع الدين.. وما قيمةُ تقييمهم؟! فتقييمةُ مراجع الدين بين الخطأ والصواب.. الشُهداء الحقيقيّون هُم الذين يُقرّرُ شهادتهم فقط الحُجّة بن الحسن العسكري “عليه السلام”.
  • — مِن خلالِ الروايةِ التي قرأتُها عليكم مِن [الكافي: ج8] فيما يَرتبطُ بحديثِ نوحٍ النبيّ وشهادةِ جعفر والحمزة، مِن خلالِ هذهِ الصورةِ الإجماليّةِ يُمكنُنا أن نعرفَ وأن نُقدّرَ ماذا يجري هُناك.. ليسَ مُهمّاً أن نُحيطَ عِلْماً بكُلّ التفاصيلِ الصغيرةِ والصغيرةِ جدّاً، وإنَّما المهمُّ أن نعرفَ شأنَ مُحمّدٍ وآلَ مُحمّد فإنَّ أمرنا مُرتبطٌ بهم.. فإنّنا إذا عرفنا شأنَ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ في هذا الموقف وفي بقيّةِ المواقف سنعرفُ شأننا ونعرفُ موقفَنا وهذا هُو الذي يكونُ الأولى والأهم بالنسبة لنا أن نعرفَه.

  • الموقف الرابع: موقف الحساب

  • ● في الآية 38 بعد البسملةِ مِن سورة الانعام:
  • {وما مِن دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيه إلّا أُممٌ أمثالكُم ما فرّطنا في الكتاب مِن شيءٍ ثُمَّ إلى ربّهم يُحشرون}.
  • — قوله: {ما فرّطنا في الكتاب مِن شيءٍ} أي ما فرَّطنا في الكتاب التكويني الجامعِ والحافظِ لأصْلِ الفيض، ومرَّ الكلامُ فيما يَرتبطُ بمعنى الفناء والعدم والبقاء وأنَّ أُصولَ الفيضِ محفوظةٌ في الكتاب التكويني الجامع، في خَزائن الغَيب في أفنيةِ الحقيقةِ المُحمّديّةِ العُظمى.
  • كُلُّ ذواتِ الأرواح ستُمازجُها أرواحها، وكُلُّ أجزاء أجسامها وأبدانها التي تشتّتتْ في الهواءِ وفي التُرابِ وفي كُلّ التكوينيّاتِ الأُخرى إنّنا سنجمعُ أجزاءَها من جديد كما في سُورةِ التكوير: {وإذا الوحوشُ حُشِرتْ}. جميعُ الحيواناتُ سيُحشرون للحساب.. هناك حسابٌ على الحيوانات، صحيحٌ أنّها بعد الحسابِ ستعودُ تُراباً، إنّما جئتُ بهذا كي أرسِمَ لكم صُورة.. إذا كانتْ الحيواناتُ تُحاسبُ، فما بالكم بالآدميين؟! فكُلُّ الحيواناتُ ستُحشَر.
  • الرواياتُ تُحدّثنا لو أنَّ نعجةً نَطحتْ نَعجةً أُخرى فإنَّ النعجةَ المنطوحة ستأخذُ بحقّها مِن النعجةِ الناطحة.
  • ● الآية 18 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة الرعد.. الآياتُ تتحدّثُ عن سُوء الحساب:
  • {للّذين استجابُوا لربّهمُ الحُسنى والّذين لم يستجيبُوا لَهُ لو أنّ لهُم ما في الأرض جميعاً ومثلَهُ معهُ لافتدوا به أُولئكَ لهُم سُوءُ الحساب ومأواهُم جهنَّمُ وبئس المهادُ}.
  • — قوله: {للّذين استجابُوا لربّهمُ الحُسنى} هؤلاء يُنعَّمونَ بالحُسنى، والحُسنى مُصطلحٌ في ثقافةِ العترة الطاهرة وفي الثقافةِ القرآنيّة وهي ولايةُ عليٍّ فقط، ولايةُ عليٍّ بحقيقتها وولايةُ عليٍ بعاقبتها.
  • مَن كانَ على ولايةِ عليٍّ فجزاؤهُ يومَ القيامة ولايةُ عليّ، ومَن يُجازى يومَ القيامةِ بولايةِ عليٍّ ويُحشَرُ في دائرةِ ولايةِ عليٍّ سيكونُ على كُثبانِ المِسْك والناسُ في الحساب، سيكونُ هُناك عند مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد حيثُ النعيمُ بعينهِ والشَرَفُ كُلُّ الشرف والعزّةُ كُلُّ العزّة بجوار مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام” إنّها الحُسنى: ولايةُ عليّ.
  • — قوله: {أُولئكَ لهُم سُوءُ الحساب} هل هُناك مِن حسابٍ سيّئ مع اللهِ سُبحانه وتعالى؟! هل حسابُ اللهِ حسابٌ سيّئ؟!
  • سُوء الحساب هذا مُصطلحٌ قُرآنيٌّ، مُصطلحٌ مُحمَّديٌّ عَلَويّ.. في ثقافةِ جعفر بن مُحمّد فإنَّ هذا المُصطلح يعني المُداقّةَ في الحساب، يعني العدالةَ الكاملة.. فإنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى يعدُّ العدالةَ الحقيقيّةَ الدقيقةَ الكاملةَ يعدّها سُبحانهُ وتعالى سُوءاً في الحساب. رحمتُهُ سُبحانُهُ وتعالى سبقتْ غَضَبهُ، لُطفهُ العميم في كُلّ جُزءٍ مِن أجزاء هذا الوجود نَحنُ الذين نحبسُ أنفُسنا عن لُطفه، ونحنُ الذينَ نمنعُ رحمتَهُ أن تصِلَ إلينا.
  • فقوله: {أُولئكَ لهُم سُوءُ الحساب} يُحاسبونَ حساباً دقيقاً، يُحاسبونَ بعدالةٍ حقيقيّةٍ إلهيّةٍ مُطلقة.. هُم الذين يَستحقّون ذلك، فإنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى فتحَ أبوابَ رحمتهِ ولكنّهم هُم الذين يُغلِقونَ على أنفُسهم هذهِ الأبواب.
  • الرواياتُ تُحدّثنا أنّهم سيكذبونَ على اللهِ يومَ القيامة وسيحلفون كذباً، ولِذلكَ سيختِمُ على أفواهِهم، وحينئذٍ سيسألُ أرجُلَهم وأيديهم.. هذا هُو السببُ الذي يَجعلُ اللهُ سُبحانهُ وتعالى مِن أرجلِهم شُهُوداً عليهم، لأنّهُ سيأتي بالملائكةِ شُهوداً وسيُكذّبونَ الملائكة ويُكذّبون أنبياءَهم ويَحلفونَ كذباً.. حينئذٍ يختِمُ اللهُ على أفواههم وتنطِقُ جوارحهم.
  • يومُ القيامةِ يومٌ عجيب عجيب. إنّنا نَخافُ مِن عَدالةِ الله سُبحانهُ وتعالى لا نَخافُ من الظُلْم، فليسَ مِن ظُلْمٍ عند الله.. ولِذا نجأرُ إليهِ بأدعيتنا: أن عاملنا بلُطفكَ ولا تُعاملنا بعدلكَ بحقِّ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ عليك.
  • ● الآيتان 20، 21 بعد البسملةِ مِن سُورة الرعد:
  • {الّذين يُوفونَ بعَهد الله ولا ينقُضُون المِيثاق* والّذين يَصِلُون ما أمرَ اللهُ به أن يُوصَل ويخشونَ ربّهُم ويخافونَ سُوء الحساب}.
  • — قوله: {الّذين يُوفونَ بعَهد الله} عهدُ اللهِ هو الغدير.. عهْدُ اللهِ عقْدُ الإمامةِ مع الحُجّةِ بن الحسن “عليه السلام”.. نحنُ لا نعرفُ الله حتَّى نُعاهدهُ، عهدنا مع عليٍّ في الغدير هو هذا عهدنا مع الله، وعهدنا مع الحُجّةِ بن الحسن هُو هذا نَفْسهُ هُو عهدُ الغَدير وهُو عهدٌ مع الله، فهذا هُو وجهُ الله.
  • حينما تُعاهدونَ أحداً ألا تَنظرونَ إلى وجههِ وأنتم تُعاهدونه؟! أم أنّكم تَنظرون إلى قفاه.. فحينما تُعاهدون أحداً مِن الناس، مِن الخَلْقِ إنّكم تنظرونَ إلى وجههِ وتُعاهدونه.. فحينما نعاهدُ اللهَ إنّنا ننظرُ إلى وجههِ {أين وجهُ اللهِ الذي إليهِ يتوجّهُ الأولياء؟} كما في دعاء النُدبةِ الشريف.
  • — قوله: {ولا ينقُضُون المِيثاق} الذين نَقضوا المِيثاق هُم أكثرُ مراجع الشيعةِ مُنذُ بداياتِ عصْرِ الغَيبةِ الكُبرى مِثلما جاءَ في رسالةِ إمامِ زماننا إلى الشيخ المُفيد والتي يقولُ فيها مُخاطباً مَراجع الشيعة:
  • (مذْ جَنَحَ كثيرٌ مِنْكم إلى ما كانَ السَلَفُ الصالحُ عنه شاسعاً، ونبذوا العَهد المأخوذَ منهم وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون).
  • أولئكَ أكثرُ مراجع الشيعة والقضيّةُ ازدادتْ سُوءاً إلى يومكَ هذا..
  • ● وقفة عند الآية 7 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة الإنشقاق:
  • {فأمَّا مَن أُوتي كتابَهُ بيمينهِ* فسوفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسيرا* ويَنقلبُ إلى أهلهِ مَسرورا* وأمَّا مَن أُوتيَ كتابهُ وراءَ ظَهْره* فسوفَ يدعُو ثُبُورا* ويصلى سعيرا}. الذين يَفونَ بعَهْد اللهِ ومِيثاقهِ ويَصلونَ ما أمرَ اللهُ بهِ أن يُوصَل.. إنّهم يَخافونَ سُوء الحِساب، سيُحاسبونَ حساباً يسيرا.. أُولئكَ الذين يُعطَون كُتُبهم بأيمانهم، إنّهم أصحابُ اليمين، أصحابُ عليٍّ، أصحابُ ولايةِ عليٍّ.
  • — قوله: {ويَنقلبُ إلى أهلهِ مَسرورا} إلى أهلهِ الذين كانوا في الدُنيا معه.. فإنَّ لهُ مِن الشفاعةِ حيثُ يُشفّعُ في أهْلهِ إلّا مَن كانَ خَارجاً بِحَسَب قانونِ الأصلابِ وقانونِ الطينةِ فذلكَ أمرٌ آخر.. هذهِ المضامينُ ليستْ اقتراحاً مِن عندي، هذا ما جاءَ في رواياتهم الشريفة “عليهم السلام”
  • ● في الآية 39 بعد البسملةِ مِن سُورةِ الرحمن:
  • {فيومئذٍ لا يُسأل عن ذَنبه إنسٌ ولا جانٌّ} هذهِ الآيةُ غريبةٌ.. يومُ القيامةِ يومُ السُؤال، فكيف لا يُسألُ عن ذَنبه إنسٌ ولا جانٌّ..؟!
  • آيةٌ غريبةٌ.. إنّهُ عَبَثُ القومِ بالكتاب الكريم.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الرضا “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج7] صفحة 393 الحديث (2) وهو منقولٌ عن كتاب بشاراتُ الشيعة للصدوق:
  • (بسنده عن مَيسرة، قال: سَمعتُ أبا الحسن الرضا “عليه السلامُ” يقُول: لا يُرى مِنكُم في النار اثنان، لا واللّه ولا واحدٌ. قال: قُلتُ: فأينَ ذا مِن كتاب اللّه؟ فأمسكَ عنّي سنةً، قال: فإنّي معهُ ذاتُ يومٍ في الطواف، إذ قال: يا ميسرةُ، أُذِنَ لي في جوابكَ عن مسألتكَ كذا. قال: قُلتُ: فأينَ هُو مِن القُران؟ قال: في سُورةِ الرحمن وهُو قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: {فيومئذٍ لا يُسأل عن ذنبهِ منكُم إنسٌ ولا جانٌّ} فقُلتُ لهُ: ليسَ فيها منكُم؟ قال: إنَّ أوّل مَن غيرها ابنُ أروى – هو عثمان بن عفّان، ففي زمانهِ كُتبتْ هذهِ المصاحف – وذلك أنّها حجّةٌ عليه وعلى أصحابه، ولو لم يكُن فيها منكُم لَسَقَطَ عِقابُ اللهِ عزَّ وجلَّ عن خَلْقه، إذا لم يُسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانٌّ، فلِمَن يُعاقبُ اللهُ إذن يوم القيامة؟).
  • — قوله: (لا يُرى مِنكُم في النار اثنان، لا واللّه ولا واحدٌ) أي ليس مِن أحدٍ مِنكم مِن أولياء مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد الذين يُحشرونَ مع مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد وليس الجميع.. فهُناك في الدُنيا كثيرونَ يقولون إنّنا مِن أولياءِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد “صلواتُ الله عليهم” إلّا أنّهُ إيمانٌ مُستودع يُسلَبُ منهم في مَرحلةٍ مِن المراحل.. قد يُسلَبُ منهم في الدُنيا قبل موتهم، أو قد يُسلَب عند الموت، أو يُسلَب في أيّ مَحطّةٍ مِن المَحطّات أو في أيّ موقفٍ مِن مواقف يومِ القيامة.. وهذا المعنى وَرَدَ في كلماتهم الشريفة “عليهم السلام” كما جاءَ في دُعاء أبي حمْزةَ الثمالي، حين يقول الدُعاء:
  • (اللّهُم إنّي أسألكَ إيماناً لا أجلَ لهُ دُونَ لقائكَ، أحيني إذا أحييتني عليهِ، وتوفّني إذا توفّيتني عليه، وابعثني إذا بعثتني عليه)
  • الّلقاءُ مع اللهِ يكونُ بعد الدخولِ في الجنّة.. والإيمانُ يُمكن أن يبقى مع الشيعي إلى باب الجنّة، ولكن يُمكن أن يُسلَب الإنسانُ الإيمانَ حتّى على أبواب الجنّة وستأتينا الروايات..
  • فالرواياتُ تقول أنَّهُ عند باب الجنّةِ يُحاسبونَ على عدم ذِكْرهم للشهادةِ الثالثةِ في صَلواتهم ويُطردون مِن ساحةِ الإيمان..! الرواياتُ تقولُ هكذا وسأقرؤها عليكم في الحلقاتِ القادمة حينما أُحدّثُكم عن أهميّةِ الشهادةِ الثالثةِ وعن ذِكْرها بلسانِ الوجوبِ في الصلواتِ كي تَكونَ سَبَباً مِن أسبابِ النجاةِ يوم القيامة.
  • — قولهِ: (يا ميسرةُ، أُذِنَ لي في جوابكَ عن مسألتكَ كذا) هذا التعبيرُ مِن الإمام: “أُذِن لي في جوابك” هذا تقريب.. لأنّهُ (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) ولكنَّ الأئمةَ يُربّون أشياعهم بطريقة المُداراة.
  • نَحنُ في زمانِ الغَيبةِ مأمورونَ أن نقرأ القُرآنَ كما يقرؤهُ الناس حتّى يُقبِلَ الحُجّةُ بن الحسن، وحينئذٍ سنقرأُ القُرآن مِثلما يُريدُ إمامُ زماننا “عليه السلام”.
  • ● في سُورة التكاثر مِن الآية 5 بعد البسملةِ وما بعدها:
  • {كلّا لو تَعلمُون عِلْم اليقين* لَتروُنّ الجَحيم* ثُمَّ لتروُنّها عين اليقين* ثُمَّ لتُسألنَّ يومئذٍ عن النعيم}.
  • النعيمُ مُصطَلَحٌ لِولايةِ عليٍّ في حقيقتها وفي عاقبتها.
  • ورَدَ في معنى النعيم: الماء والرُطَب، وهذا موجودٌ في رواياتنا أيضاً وفي كُتُب القوم، وتلكَ رمزيّةٌ فإنَّ الماءَ والرُطَب رُموزٌ وشِفْرة تُشيرُ إلى ولايةِ عليٍّ وآل عليّ.. ولا أريد أن أتحدّثَ عن الرُموز هُنا، ولكنّ النواصبَ في تفاسيرهم فسّروا النعيم بالماء والرُطب وتوقّفوا.. أمَّا أئمتُنا فقالوا: إنَّ الله عزَّ وجلَّ أجلُّ مِن أن يُحاسبَ عبيدهُ على نعمةٍ أنعمها عليهم، الماءُ والرُطب مِن نِعَم اللهِ على العباد.. أمَّا النعيمُ فهو عُنوانٌ قُرآنيٌّ، عنوانٌ مُحمَّديٌّ عَلَويٌّ يُشير إلى ولاية عليّ وعاقبتها.
  • — فقوله: {ثُمَّ لتُسألنَّ يومئذٍ عن النعيم} أي لتُسألُنَّ عن حقيقةِ ولاية عليٍّ التي تقودنا إلى عاقبة تلكَ الولاية الذي هُو النعيم.
  • — الموقف الرابع مِن مواقف يوم القيامة بِحَسَب ما أعرضهُ بين أيديكم في هذا البرنامج هو: موقفُ الحساب.. موقفُ المُساءلةِ عن العقائد وعن العباداتِ وعن المُعاملاتِ وعن الأخلاقِ وعن حُقوقِ الخَلْق وبقيّة ما يُسألَ عنهُ المرء.

  • أعرض بين أيديكم باقةً من أحاديث العترة الطاهرة القصيرة.

  • ● وقفة عند حديثِ رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 258 الحديث (1):
  • (عن رقيّة بنت إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيها، عن آبائه: قال: قال رسول الله “صلَّى الله عليه وآله”: لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة – حينما يكونُ في موقف الحساب – حتّى يُسأل عن أربع: عن عُمْرهِ فيما أفناه؟ وشبابهُ فيما أبلاه؟ وعن مالهِ مِن أين كسبه وفيما أنفقه؟ وعن حُبّنا أهل البيت).
  • — قوله: (وعن حُبّنا أهل البيت) إنّهُ هُو النعيم الذي نُسألُ عنه.. قَطْعاً هذا هُو السُؤالُ الكبير، لأنَّ ولايةَ عليٍّ هي الأصْل وبعد ذلك نَدخلُ في التفاريع.. ولكنَّ هذا الحديث هُو في عصْر التنزيل، ويُشابههُ مِن الأحاديث في عَصْر التأويل، هذا هُو الذي ينسجِمُ مع مُستوى المُتلقّي.
  • ● وقفة عند حديثٍ آخر لرسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” ينقلهُ إلينا إمامنا باقر العلوم “عليه السلام” [بحار الأنوار: ج7] في صفحة 23 الحديث (17):
  • (عن أبي الجارود، عن أبي جعفر “عليه السلام” قال: قال رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”: كُلُّ مُحاسبٍ مُعذّب، فقال لهُ قائل: يا رسول الله فأينَ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {فسوف يحاسبُ حساباً يسيرا}؟ قال: ذاكَ العَرض يعني التصفّح).
  • — قوله: (كُلُّ مُحاسبٍ مُعذّب) النبيُّ يعدُّ الحسابُ عذاباً.. والحِسابُ فعْلاً عذاب، حينما يُحاسبُ الإنسانُ عن كُلّ صغيرةٍ وكبيرة وحينما يُحاسبُ أمامَ الخلائق ويُفضَحُ على رُؤوسِ الأشهاد ويطول الحساب.
  • سيّد الشُهداء في ذلكَ الموقف العَصيب في يوم الطفوف في كُلّ مقطعٍ كان يتمكّنُ فيه مِن الدُعاء كان يدعو لِشيعتهِ بأن لا يَطولَ موقفُهم يومَ القيامة.. إنّهُ موقفُ الحسابُ، موقفٌ طويلٌ طويل، يُحاسَبُ فيه الإنسان على كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.. ولكن هُناك مِمّن لا يُحاسبون، إنّهم أولياءُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ الذين دفعوا فاتورةَ الحسابِ في هذهِ الحياة.. بإمكاننا أن ندفعَ فاتورةَ الحسابِ في هذه الحياة وقَطْعاً بتوفيقٍ مِن إمامِ زماننا.
  • — قوله: (ذاكَ العَرض يعني التصفّح) هُناكَ مِن أولياء عليٍّ وآل عليّ مَن يُحاسبون لكنّهم يُحاسبون حساباً يسيراً، والنبيّ “صلّى الله عليه وآله” يقولُ بأنَّ الحساب اليسير هُو العَرض.. يعني يتصفّحونَ كُتُبهم ودواوينهم تصفُّحاً دُون أن يقفوا عليها ويُسائلونهم، ثُمَّ يُغلقون الملف.. هذا هُو الحسابُ اليسير.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 266 الحديث (28) وهو منقول عن تفسير العيّاشي.
  • (عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله “عليه السلام” أنّهُ قال لرجلٍ: يا فلان مالكَ ولأخيك؟ – هُناك مُشكلةٌ حدثتْ بينهما – قال: جعلتُ فداك، كان لي عليه حقٌّ فاستقصيتُ منهُ حقّي – يعني أنّي أخذتُ حقّي منهُ بالتمام والكمال، دقّقتُ معهُ تدقيقا – قال أبو عبد الله: أخبرني عن قول الله: {ويَخافون سُوءَ الحِساب} أتراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم؟ لا والله خافوا الاستقصاء والمداقّة – إنّها العدالة الكاملة -).
  • ● وقفة عند حديث آخر لإمامنا الصادق “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] الحديث (29):
  • (أنَّ أبا عبد الله “عليهِ السلام” قال لرجلٍ شكاهُ بعضُ إخوانه: ما لأخيكَ فلان يَشكوك؟ فقال: أيشكوني أن استقصيتُ حَقّي؟! قال: فجلسَ مُغضباً، ثمَّ قال: كأنَّك إذا استقصيتَ لم تُسئ؟! أرأيتَ ما حَكى الله تبارك وتعالى: {ويخافون سُوء الحساب} أخافوا اللهَ أن يَجورَ عليهم؟ لا والله ما خافوا إلّا الاستقصاء، فسمّاهُ اللهُ سُوء الحساب، فمَن استقصى فقد أساء).
  • ● وقفة عند حديث آخر لإمامنا الصادق “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 267:
  • (عن الحسن بن هارون عن أبي عبد الله “عليه السلام” في قول الله: {إنَّ السَمْع والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أُولئكَ كانَ عنه مَسئولا} قال: يُسألُ السَمع عمّا يَسمع، والبصرُ عمّا يُطرِف – أي عمّا يرى – والفؤادُ عمّا عُقِدَ عليه – أي ما هو مُعتقدٌ به -)
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] الحديث (32):
  • (عن أبي جعفر “عليه السلام” قال: إنّما يُداقُّ اللهُ العباد في الحسابِ يوم القيامةِ على قَدْر ما آتاهم مِن العُقول في الدنيا).
  • هذا هُو القانونُ الأعظمُ، القانونُ الأعدلُ، القانونُ الأكثرُ حقّاً والأكثرُ حِكمةً وهذا هُو القانونُ الأكثرُ رحمةً أيضاً.. هذهِ قوانينُ العدالةِ وقوانينُ الحِكمة وقوانينُ الحقّ والرحمة.. إنّها قوانينُ الله سُبحانهُ وتعالى.
  • ● وقفة عند حديث آخر لإمامنا الصادق “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 267 الحديث (34) والحديث منقولٌ عن [الكافي]:
  • (عن يونس بن عمار قال: قال أبو عبد الله “عليه السلام”: إنَّ الدواوين يومَ القيامة: ديوانٌ فيه النِعَم – المُراد مِن الديوان هُنا السِجّل – وديوانٌ فيهِ الحَسَنات، وديوانٌ فيه السيّئات، فيُقابَل بينَ ديوان النِعَم وديوان الحسنات فتستغرقُ النِعَمُ ديوانَ الحَسَنات، ويبقى ديوانُ السيّئات فيُدعى ابنُ آدم المُؤمن للحساب – المؤمن هُو الموالي لعليٍّ وآل عليّ – فيتقدّم القُرآن أمامَهُ في أحسن صُورة، فيقول: يا ربّ أنا القُرآن، وهذا عبدكَ المُؤمن قد كانَ يُتعبُ نفْسَهُ بتلاوتي ويُطيل ليلَهُ بترتيلي وتَفيضُ عيناهُ إذا تهجّد، فأرضهُ كما أرضاني، قال: فيقولُ العزيز الجبّار: أبسط يمينكَ فيملؤها مِن رضوان الله العزيز الجبّار، ويملأُ شمالهِ من رحمة الله، ثمَّ يقال: هذهِ الجنّة مُباحةً لكَ فاقرأ واصعد، فإذا قرأ آيةً صعد درجة).
  • — قوله: (فيتقدّم القُرآن أمامَهُ في أحسن صُورة) المُراد مِن هذا القُرآن هُو القُرآن الذي بايعنا عليه في بيعةِ الغَدير بتفسير عليٍّ وآل عليٍّ “عليهم السلام”.. فإنْ كُنتم مِن حَمَلةِ هذا القرآن فهذا القرآنُ يأتي هُنا ويكونُ نافعاً.
  • ● وقفة عند حديث سيّد الأوصياء “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 271 الحديث (37) وهو حديث منقولٌ عن نهج البلاغةَ.
  • (سُئِلَ عليه السلام: كيف يحاسِبُ اللهُ الخَلْق على كثرتهم؟ فقال: كما يَرزقهم على كثرتهم، قِيل: فكيف يُحاسبهم ولا يَرونه؟ قال: كما يرزقهم ولا يرونه).
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج7] صفحة 274 الحديث (48) وهو منقول عن تفسير فرات الكوفي.
  • (عن قبيصة، عن أبي عبد الله “عليه السلام” في قولهِ عزَّ وجلَّ: {إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} قال: فينا، قُلتُ: إنّما أسألكَ عن التفسير، قال: نعم يا قبيصة إذا كان يومُ القيامة جعلَ اللهُ حسابَ شيعتنا إلينا، فما كان بينهم وبينَ الله استوهبَهُ مُحمَّدٌ “صلَّى اللهُ عليه وآله” مِن الله، وما كانَ فيما بينهم وبين الناس مِن المظالم أدّاهُ مُحمَّدٌ “صلَّى الله عليه وآله” عنهم، وما كان فيما بيننا وبينهم وهبناهُ لهم حتّى يدخلوا الجنّة بغير حساب).

تحقَق أيضاً

ياأبي

يازهراء …