دليلُ المسافر – الحلقة ٤٤ – المحطّة التاسعة: القيامة الكبرى ج٦

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 29 شوّال 1440هـ الموافق 3 / 7 / 2019م

  • لازالَ الحديثُ عند المَحطّةِ التاسعةِ مِن محطّاتِ طَريقنا الطَويل هذا، إنّها مَحطّةُ القيامة الكبرى، وهذا هُو الجُزءُ السادسُ مِن أجزاءِ حديثي في أجواءِ هذهِ المَحطّةِ ومواقفها. وعدتُكم أن أعرضَ بين أيديكم اثني عشرَ موقفاً مِن مواقفِ هذهِ المحطّةِ الكبيرةِ العظيمة، وصلتُ في الحلقةِ الماضيةِ في آخرها إلى الموقفِ التاسع: موقفُ الشفاعة.. قرأتُ بعضاً مِن الأحاديث ووعدتكم أن أكمِلَ قراءةَ أحاديثٍ أخرى تتحدثُّ في أجواءِ هذا الموقف، في الشفاعة ومضمونها، وقوانينها، وسُننها.. قَطْعاً بنحوٍ مُختصرٍ ومُوجز.

  • ● آخرُ حديثٍ تلوتهُ على مسامعكم في الحلقة الماضية هو الحديث (24) مِن كتاب [بحار الأنوار: ج8] في صفحة 40 وهو هذا الحديث:
  • (عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المُؤمنين “صلواتُ اللهِ عليه” قال: قال رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله”: إذا كانَ يومُ القيامةِ وُلّينا حسابَ شيعتنا، فمَن كانتْ مَظلمَتُهُ فيما بينهُ وبين اللهِ عزَّ وجلَّ حَكمْنا فيها – بالعفو عنهم – فأجابنا، ومَن كانتْ مَظلمتهُ بينهُ وفيما بين الناس استوهبناها فوُهبتْ لنا، ومَن كانتْ مَظلمتُهُ فيما بينهُ وبيننا كُنّا أحقَّ مَن عفا وصفح). مرّتْ هذهِ الروايةُ الشريفةُ وهي واضحةٌ ولا تحتاجُ إلى تعليقٍ أو إلى بيانٍ طويل.

  • وقفة عند حديث إمامنا الرضا “صلواتُ الله عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج8] الحديث (25) صفحة 40:

  • (عن إمامنا الرضا، عن آبائهِ عن عليٍّ “صلواتُ الله عليهم أجمعين” قال: مَن كذَّب بشفاعةِ رسول اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” لم تَنلهُ).
  • أي مَن لم يكنْ مُعتقداً بشفاعةِ رسولِ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” لم تنله.. وهذا المضمونُ مرَّ علينا في أحاديث النبيّ “صلَّى اللهُ عليه وآله” مِن أنَّ الذي لا يعتقدُ بحوضهِ لن يرد على الحوض وأنَّ الذي لا يعتقدُ بشفاعته لن يتمتّع بتلك النعمةِ التي هي في مُستوىً مِن النِعَمِ لا أقولُ لا نستطيعُ أن نشكرها، إنّها فوقَ الشُكْر، وفوق فوق الشُكْر.
  • كثيرونَ يعتقدون أنَّ الشفاعةَ خاصّةٌ بيوم القيامة.. الشفاعةُ موجودةٌ هُنا، الشفاعةُ موجودةٌ في دُنيانا، الشفاعةُ موجودةٌ عند موتنا، الشفاعةُ موجودةٌ في عالم البرزخ، الشفاعةُ موجودةٌ مع كُلّ محطّةٍ من محطّاتِ هذا الطريق.. إلّا أنَّ المقامَ الأعظم والمقامَ الأوسع لِهذه الشفاعة يتجلّى في هذا الموقف الذي أتحدّثُ عنهُ مِن مواقفِ يوم القيامة وإلّا فإنَّ الشفاعةَ تُصاحبُنا على طُول الطريق، بإمكاننا أن ننالها وبإمكاننا أن نحجبَها عن أنفسنا.. هذا أمرٌ راجعٌ إلينا، ولِذا فإنَّ سيّد الأوصياء يقول: مَن لم يعتقد بالشفاعةِ فإنّهِ لن ينالها في يوم القيامة.
  • وكذاكَ هُو الحالُ مَن لم يعتقدْ بالشفاعةِ في الدُنيا فإنّهُ لن ينالها، وهكذا في كُلّ مَحطّةٍ مِن مَحطّاتِ طريقنا الطويل هذا.
  • ● (مَن كذَّب بشفاعةِ رسول اللهِ لم تَنلهُ) هذا قانونٌ واضحٌ.. البرنامجُ من البداية يصرُّ على أنَّ سببَ النجاةِ هو العقيدةُ السليمة، وجُزءٌ مِن أجزاءِ العقيدةِ السليمة أن نعتقدَ بشفاعةِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم” وأن نعتقدَ أنّنا لا ننجو إلّا بشفاعتهم، وأن نعتقدَ مِن أنّه ليس مِن أحدٍ في يومِ القيامة مِن آدم فما دُون إلّا وهُو مُحتاجٌ إلى شفاعةِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في صفحة 41:

  • (عن مُيسّر، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنَّ المُؤمن مِنكم – أي المُؤمن بعليٍّ وآلِ عليّ – يومَ القيامة لَيمرُّ بهِ الرجلُ لهُ المعرفةُ بهِ في الدُنيا وقد أُمِرَ بهِ إلى النار والمَلَكُ يَنطلقُ به – أي ينطلِقُ بذلك الرجل إلى النار – قال: فيقولُ له: يا فلان، أغثني، فقد كُنتُ أصنعَ إليكَ المعروفَ في الدُنيا وأُسْعِفُكَ في الحاجةِ تَطلبُها منّي، فهل عندكَ اليوم مكافأة؟ فيقول المُؤمنُ للمَلَكِ المُوكّل به: خَلِّ سَبيلهُ، قال: فيسمعُ اللهُ قولَ المُؤمن فيأمرُ المَلَك أن يُجيز قول المُؤمن – أي أن يُنفّذه – فيُخلّي سبيله).
  • أيُّ منزلةٍ لأشياعِ عليٍ وآل عليّ. هذا الرجلُ الذي يُقادُ إلى جهنّم ليس مِن أشياع عليٍّ وآلِ عليّ.. لو كانَ مِن أشياعهم لَما كان حالُهُ هكذا، لكنّهُ في الوقتِ نفسهُ ليسَ مِن النواصب، لأنَّ الذي يكونُ ناصبيّاً في هذا الموقفِ لن تصِلَ إليهِ الشفاعة.. قد يكونُ يهوديّاً، وقد يكونُ نصرانيّاً وقد يكونُ مِن أيّةِ مِلّةٍ.. القضيّةُ ليستْ قضيّةَ وساطةٍ إجتماعيّة، هذهِ قوانينُ تَرتبطُ بالتكوين.. الطينةُ الناصبيّةُ لا تَستطيعُ أن تتمازجَ مع واقع الجنان.. الطينةُ الناصبيّة تَعودُ إلى أصْلها الجهنّمي. لا أُريدُ أن أخوضَ في حديثِ الطينةِ وكيف أنَّ طِينةَ الناصبي طِينةٌ جهنّميّة، وكيفَ أنَّ طينةَ المُؤمنِ بعليٍّ وآلِ عليّ طينةٌ جنانيّة.. هذا موضوعٌ خارجٌ عن بحثنا.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الباقر “صلواتُ اللهِ عليه” في صفحة 42 – الحديث (36) وهُو منقول عن كتاب [المحاسن] للبرقي:

  • (عن جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر “الباقر صلواتُ الله عليه”: يا جابر لا تستعنْ بعدوّنا في حاجةٍ ولا تستعطهِ – وفي نُسْخةٍ لا تستطْعِمهُ، أي لا تطلب منهُ طعاماً – ولا تَسألهُ شُرْبة ماء، إنّهُ لَيمرُّ بهِ المُؤمنُ في النار فيقول: يا مُؤمنُ ألستُ فَعلْتُ بكَ كذا وكذا؟ فيستحيي منه، فيستنقذهُ مِن النار، فإنّما سُمّي المُؤمنُ مُؤمناً لأنّهُ يُؤمِنُ على الله – أي يُعطي أماناً لِغَيرهِ بإسْم الله – فيُؤمِنُ أمانَه – أي يُجيزُ أمانه -).
  • ● قد يقول قائل: الروايةَ تتحدّثُ عن أعدائهم، وأعداؤُهم نُصّابٌ، وقبل قليل قُلتُ أنَّ طِينةَ النَصْب لا تَتمازجُ مع الجنان.
  • وأقول: عالمُ القيامةِ عالمٌ فسيحٌ واسع.
  • ● الجنانُ على مَراتب:
  • — في الروايات هُناك جنانٌ هي “جنانُ الله” وهي جنانٌ لم يُطْلِعْ عليها أحداً مِن خَلْقه، وحين أقول:
  • لم يُطْلِع عليها أحداً مِن خَلْقهِ إنّنا نتحدّثُ عن الخَلْقِ الذي صَدَرَ عن الحقيقةِ المُحمّديّة.
  • نَحنُ حين نتحدّثُ بهذا الّلسانِ وهُو لسانُ أحاديثهم فإنَّ مُحمّداً وآلَ مُحمّدٍ هُم العالون، هُم الخالدون.. هم “صلواتُ اللهِ عليهم” خارجونَ عن مِثل هذهِ المعاني، فإنَّ الحديثَ عن الخَلْق أي ما صَدَرَ مِن خَلْقٍ عن الحقيقةِ المُحمّديّة. فهُناك جنانٌ خَلَقها اللهُ سُبحانهُ وتعالى ولم يُطْلِع عليها أحداً مِن خَلْقه.
  • — وهُناك جنانٌ مِن السِعةِ بعد أن يدخلَ أهْلُ النارِ إلى النار وأهْلُ الجنّةِ يدخلونَ جنَّتهم فإنَّ الجنانَ الواسعةَ تقولُ: يا ربّ.. إنّكَ ملأتَ جهنّم وما ملأتني..! جنانٌ واسعة لا حُدود لها.. فإنَّ اللهَ يَخلقُ خَلْقاً لأجلِ أن يملأ تلكَ الجنان.
  • — هناكَ جنانٌ هي دُونِ الجنانِ التي هي جنانُ الخلود.. هُناك “جنانُ الحظائر” وهي جنانٌ بين الجنّةِ والنار وهي جنانٌ لفَسَقةِ الجنّ والإنس مِن الشيعة.. هُناك وهُناك..
  • وهُناك مَن هو في النارِ لا يُعذّبُ بعذابِ أهْل النار، ويَقطنُ في بيتٍ وهُو في النار ليسَ بيتاً جهنّميّاً..! ويأكلُ طَعاماً ويشربُ شراباً ليس طعاماً جهنّميّاً ولا شراباً جهنّميّاً..! وهُناك وهُناك وهُناك.. التفاصيل كثيرة جدّاً.
  • الشفاعةُ مَراتبُها لا حُدودَ لها ولا حَصْر، وهذهِ الرواياتُ تتحدّثُ بالإجمالِ عن صُوَرٍ مَجزوءةٍ، لأنّني أساساً اخترتُ الأحاديثَ القصيرة.. لا أستطيعُ أن أقرأ الأحاديثَ الطويلةَ فوقتُ البرنامج لا يتّسعُ لِذلك.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “صلواتُ الله عليه” وهُو الحديث (38) في صفحة 43 مِن نفس المصدر كتاب [بحار الأنوار: ج8]:

  • (قال إمامُنا الصادق “صلواتُ الله عليه”: واللهِ لنشفعنَّ لِشيعتنا، والله لنشفعنَّ لِشيعتنا، واللهِ لنشفعنَّ لِشيعتنا حتَّى يقولَ الناس: فما لنا مِن شافعين ولا صديقٍ حميم).
  • هذا قَسَمٌ مِن المَعصوم، وقَسَمُ المَعصوم ليس كقَسَمي وقَسَمكم.. وقد جاء قَسَمُ المعصوم بأقوى صِيَغ القَسَم (بحرف الواو، وبلفظ الجلالة).
  • فهنا قَسَمٌ (واللهِ) وهُنا لامُ التوكيد في بداية الفِعل (لنشفعنَّ) وهُنا نُونُ الوكيد المُثقّلة التي هي أكثرُ تأكيداً وتشديداً مِن نُون التوكيد المُخفّفة.. وهُنا تكرارٌ لنفس الجُملة ثلاثاً: (والله لنشفعنَّ لِشيعتنا).. فأيُّ تأكيدٍ هذا..؟!
  • الشافعون هُم آلُ مُحمّد، والصديقُ الحميمُ هُو هذا الشيعيُّ المُخلِصُ لِمُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد والذي ستُقبَلُ شفاعتُهُ، مِثلما مرَّ علينا في الروايةِ المُتقدّمةِ قبل قليل: (إنَّ المُؤمن مِنكم يومَ القيامة لَيمرُّ بهِ الرجلُ لهُ المعرفةُ بهِ في الدُنيا…).

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “صلواتُ الله عليه” في صفحة 56 – الحديث (66):

  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إذا كانَ يومُ القيامةِ بعَثَ اللهُ العالِمَ والعابد – مِن شيعتهم – فإذا وقفا بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ قِيل للعابد: انطلقْ إلى الجنّة، وقِيل للعالم: قِفْ تَشفَّع للناس بحُسن تأديبكَ لهم).
  • الرواياتُ بيّنتْ لنا الحكمةَ في ذلك.. فإنَّ العابدَ كانتْ هِمّتهُ في نفسهِ، يُريدُ نجاةَ نفسهِ حينما كانَ في الدُنيا.. أمَّا العالمُ فكانتْ هِمّتُهُ في نَجاةِ نفْسهِ وفي نجاةِ غيرهِ، فلِذا تكونُ لهُ الشفاعة.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “صلواتُ الله عليه” في صفحة 56 – الحديث (67) وهُو مَنقولٌ عن كتاب الاختصاص للشيخ المُفيد.

  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: قال رسولُ اللهِ “صلَّى الله عليه وآله”: ما مِن أهْل بيتٍ يدخلُ واحدٌ مِنهم الجنّة إلّا دخلوا أجمعينَ الجنّة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يشفعُ فيهم، فيُشفّعُ، حتّى يبقى الخادم فيقول: يا ربّ خويدمتي قد كانتْ تقيني الحرَّ والقرّ فيشفع فيها).
  • ● قوله: (يشفعُ فيهم، فيُشفّعُ) قَطْعاً باستثناء النواصب.. القُرآنُ صريحٌ في ذلك، فزَوجةُ نُوحٍ النبيّ وزوجةُ لُوطٍ النبيّ خارجتانِ عن هذا القانون.. والأمْرُ هو هو يَجري في أُسَرِ الأنبياء، وهذا الأمْرُ يَجري بنفسهِ في أُسْرةِ نبيّنا “صلَّى اللهُ عليه وآله” فيما يَرتبطُ بنسائهِ وأزواجه.. الأمْرُ هو هو.
  • الرواياتُ وفيرةٌ في بابِ الشفاعة وفيما يَرتبطُ بهذا الموقف المُهمّ مِن مواقف يوم القيامة.. لا أستطيعُ أن أُورِد لكم كُلّ الروايات، ولا أَستطيعُ كذلكَ أن أقرأ عليكم الأحاديثَ الطويلةَ في هذا الموضوع.. لِذا فإنّني اقتطفتُ مِن هُنا ومِن هُناك مِن كلماتهم ومِن أحاديثهم الشريفة التي تُقرّب الفِكْرة إليكم.

  • وقفة عند حديثِ إمامنا السجّاد “صلواتُ الله عليه” في [تفسير الإمام العسكري] صفحة 521 – رقم الحديث (354)، إمامُنا الحَسَنُ العسكريُّ يُحدّثنا عن إمامنا السجّاد حديثاً طَويلاً أقتطِفُ منهُ هذهِ العبائر.. سجّادُ العترةِ “صلواتُ اللهِ عليه” يُحدّثنا عن نداءِ الجنان ونداءِ النيران فيقول:

  • (والتي تُنادي الجنان فيها: إلينا إلينا أولياءَ مُحمّدٍ وعليٍّ وشيعتهما، وعنّا عنّا – بعيداً – أعداءَ مُحمّدٍ وعليٍّ وأهل مُخالفتهما. وتُنادي النيران: عنّا عنّا أولياءَ مُحمّدٍ وعليٍّ وشِيعتهما، وإلينا إلينا أعداءَ مُحمّدٍ وعليٍّ وأهل مُخالفتهما…). ويستمِرُّ إمامُنا السّجاد فيقول:
  • (يوم تقولُ الجنان: يا مُحمَّدُ ويا عليُّ: إنَّ اللهَ تعالى أمرنا بطاعتكما، وأن تأذنا في الدُخول إلينا مَن تُدخِلانهِ، فاملآنا بشيعتكما، مَرحباً بهم وأهلْاً وسهلاً.
  • وتقولُ النيرانُ: يا مُحمَّد ويا عليُّ إنَّ الله تعالى أمرنا بطاعتكما، وأن يُحرقَ بنا مَن تأمراننا بحَرْقه، فاملآنا بأعدائكما..).
  • قطْعاً هذهِ الحواراتُ ليس بالضرورةِ أن تكونَ بهذه الصياغات الّلفظيّة.. هذهِ الصياغاتُ الّلفظيّة وهذهِ المُحاوراتُ التي تُشبهُ المحاورات العُرفيّة بين الناس لن تكونَ بهذه الصُورةِ الساذجة.. هذهِ صُوَرٌ صِيغتْ لَنا بلسانِ المُقاربةِ وبِحَسَب قواعدِ المُداراةِ في التخاطبِ فيما بينهم وبيننا.. فهُم قالوا “صلواتُ اللهِ عليهم”: واللهِ ما كلّمنا الناس قطّ على قدْر عقولنا.
  • نَحنُ نتحدّث عن القيامةِ الكُبرى، عن مَرحلةٍ مِن مراحلِ هذا الوجود لا نَستطيعُ أن نتخيّلها ولا في صُورةٍ قريبةٍ حتّى مِن مسافةٍ بعيدةٍ عن حقيقةِ ما يَجري هُناك.
  • كُلُّ هذهِ المطالب هي بلسان المُقاربة، بلسان التمثيل والتصوير المُداراتي.. القضيّةُ أعمقُ مِن ذلكَ وأكبرُ وأكبرُ وأكبر، وهذهِ الحقيقةُ واضحةٌ جليّةٌ في الكتابِ الكريم وكذلكَ في كلماتهم الشريفة وفي أدعيتهم وزياراتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • الموقف (10) مِن مَواقف القيامة الكُبرى: هو في أجواء موقف الشفاعة.. هُو تَجلٍّ مِن تجلّياتِ شُؤونِ شفاعتهم أيضاً.. إنّه: “موقفُ الأعراف”.

  • الأعرافُ مُصطلحٌ لَهُ أكثرُ مِن دِلالةٍ سأُشيرُ إليها، ولكنّني أتحدّثُ هُنا عن مَوقفِ الأعراف الذي هُو تَجلٍّ مِن تَجلّياتِ شفاعتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” لكنّهُ مَوقفٌ لهُ خُصوصيّته، لهُ مِيزته. الأعرافُ مَوقفٌ مِن المواقفِ الواضحةِ والمُهمّة مِن مواقفِ يوم القيامة، وقد تحدَّثَ القُرآنُ عن هذا الموقف.. سُورةٌ كاملةٌ مِن طِوالِ السُوَر في الكتاب الكريم عُنوانها: الأعراف.

  • وقفة عند الآيات مِن (40 – إلى 51) بعد البسملةِ مِن سُورة الأعراف.. إنّها في مُقدّماتِ وفي مُحيط هذا الموقف.. قَولهِ عزَّ وجلَّ:

  • {إنّ الّذين كذّبُوا بآياتنا – آياتُ اللهِ بمعناها الحقيقي هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد – واستكبروا عنها لا تُفتّحُ لهُم أبوابُ السماء ولا يدخلون الجنّةَ حتّى يلِجَ الجملُ في سمِّ الخياط وكذلك نجزي المُجرمين* لهُم مِن جهنّم مِهادٌ ومِن فوقهم غواشٍ وكذلك نَجزي الظالمين* والّذين آمنُوا وعملوا الصالحات لا نُكلّفُ نفْساً إلّا وُسْعها أُولٰئكَ أصحابُ الجنّة هُم فيها خالدُون* ونزعنا ما في صُدُورهم مِن غِلٍّ تَجري مِن تحتهمُ الأنهار وقالوا الحَمْدُ للهِ الّذي هدانا لِهذا – هدانا لولايةِ عليٍّ وآل عليّ – وما كُنّا لنهتديَ لَولا أن هدانا اللهُ، لقد جاءتْ رُسُل ربّنا بالحقّ ونُودُوا أن تلكُمُ الجنّةُ أُورثتُمُوها بما كُنتُم تعملون* ونادى أصحابُ الجنّةِ أصحابَ النار – اطّلعوا عليهم – أن قد وجدنا ما وَعَدنا ربُّنا حقّاً فهل وجدتُم ما وعدَ ربُّكُم حقّاً قالوا نعم فأذّن مُؤذّنٌ بينهُم أن لعنةُ اللهِ على الظالمين* الّذين يصدُّون عن سبيل اللهِ – سبيلُ الله عليٌّ – ويبغونُها عِوجاً وهُم بالآخرة كافرون* وبينهُما – أي بين الجنان والنيران – حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يَعرفون كُلًّا بسيماهُم ونادوا أصحابَ الجنّةِ أن سَلامٌ عليكُم لم يدخلوها وهُم يطمعُون* وإذا صُرفتْ أبصارهُم تلقاءَ أصحابِ النار قالوا ربّنا لا تَجعلنا مع القومِ الظالمين* ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً يَعرفونهُم بسيماهُم قالوا ما أغنى عنكُم جَمْعُكُم وما كُنتُم تَستكبرون* أهؤُلاء الّذين أقسمْتُم لا يَنالهُمُ اللهُ برحمةٍ ادخلوا الجنّةَ لا خَوفٌ عليكُم ولا أنتُم تَحزنُون* ونادى أصحابُ النارِ أصحاب الجنّة أن أفيضُوا علينا مِن الماء أو مِمّا رزقكُمُ اللّهُ قالوا إنَّ اللهَ حَرّمهُما على الكافرين* الّذين اتّخذُوا دينهُم لهوً ولعباً وغرّتهُمُ الحياةُ الدُنيا فاليوم ننساهُم كما نسُوا لقاءَ يومهم هذا وما كانُوا بآياتنا يَجحدُون}.
  • ● {ولا يدخلون الجنّةَ حتّى يلِجَ الجملُ في سَمِّ الخياط} سَمُّ الخِياط هُو الثقبُ الذي يَدخلُ منهُ الخَيطُ بالنسبةِ لإبرةِ الخياطة، إنّه ثقْبُ الإبرة.. وأمَّا الجَمَل فهو جَمَلُ أهْل الجَمَل، إنّهُ الشيطانُ “عسكر”.. هذا جَمَلُ عائشة والزُبير وطلحة بِحَسَب أحاديثِ العترةِ الطاهرة.
  • قوله: {إنّ الّذين كذّبُوا بآياتنا} الِمصداقُ الأوّل والأوّضحُ لهذهِ الآية هُم (أهْل الجَمَل)، فهُم الذين كذّبوا بالآيةِ العُظمى، بعليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. هؤلاءِ الذين كانوا في البصرةِ آنذاكِ في تلكَ الواقعةِ المعروفةِ بواقعةِ الجَمَل.. هؤلاء لن يدخلوا الجنّة حتّى يدخلَ الجَمَلُ في سَمّ الخياط.. وقولهِ: {وكذلك نَجزي الظالمين} هذهِ صِفةٌ لهم، إنّهم مُجرمون، هُم كذّابون ومُستكبرون.
  • ● قوله: {لهُم مِن جهنّم مِهادٌ ومِن فوقهم غواشٍ} المِهاد ما ينامُ عليهِ الإنسان، فراشٌ جهنّمي.. والمُرادُ مِن الغواش: هي الأغطية، هي الألحفة.
  • هذهِ المجموعاتُ المُجرمة قادها الزُعماء الدينيّون (عائشة زوجة النبيّ، الزُبير ابنُ عمّةِ النبيّ وهو مِن الصحابِة أيضاً، وطلحةُ مِن الصحابة المعروفين) هذهِ المجموعة بِحَسَب الآياتِ وبِحَسَب تفسير العترة الطاهرة كذّابون، مُستكبرون، مُجرمون، ظالمون.. لهُم مِن جهنّم مِهادٌ ومِن فَوقهم غَواشٍ.
  • وفي قِبالِ هذهِ المجموعة هُناكَ مجموعةُ الذين آمنوا بعليٍّ وآل عليّ وعملوا الصالحاتِ وِفقاً لفِقْه عليٍّ وآل عليّ ووِفقاً لتفسير عليٍّ للقُرآن، ووِفقاً للعقيدةِ السليمةِ المأخوذةِ من عليٍّ وآل عليّ.. لا مِن هذه المناهج الضالّة التي جاءَ بها عُلماؤنا ومراجعنا مِن دُونِ قصْدٍ سيئ جاءُوا بها من الساحةِ الناصبيّة وتركوا منهج عليٍّ وآل عليّ.
  • ● قوله: {ونزعنا ما في صُدُورهم مِن غِلٍّ} إنّهُ الحقدُ والبُغض والكراهيّةُ والحسد.. الغِلُّ هُو الحقد، هُو الحسد.. ومُشكلةُ الحَسَد مُشكلةٌ كبيرة، وتلكَ هي مُشكلةُ الناس مع مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، إنّها مُشكلةُ الشيعةِ أيضاً مع مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”..!
  • أكبرُ مشاكل الفُقهاء والمراجع والعلماء في الوسط الشيعي أنّهم يحسدونَ مُحمّداً وآل مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”.. مُشكلةٌ كبيرة..!
  • قطعاً هُناك حَسَدُ الأعداء، وهُناك حَسَدُ الأولياء وهُم الذين يقولون أنّنا أولياءُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد ويَحسدونَ مُحمّداً وآل مُحمّد..! هُناك حَسَدُ العدوّ وهُناك حَسَدُ الصديق، ولا أُريدُ أن أخوضَ في هذهِ القضيّة.
  • ● قوله: {فأذّن مُؤذّنٌ بينهُم أن لعنةُ اللهِ على الظالمين} المُؤذّنُ هُو سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، وهذا الأذانُ بمثابةِ ختْمٍ رسميٍّ مِثلما جاءَ في الروايات مِن أنَّ سيّد الأوصياء يُدخِلُ أهْل الجنانِ في جنانهم ويُنادي: “خُلودٌ خلودٌ” بعد أن يُغلق أبوابَ الجنان، وأنّهُ يُدخِلُ أهْل النيرانِ نيرانهم ثُمَّ يُنادي: “خلودٌ خلود” بعد أن يُغلقَ الأبواب عليهم.
  • ● قوله: {وعلى الأعرافِ رجالٌ يَعرفونَ كُلًّا بسيماهُم} الأعرافُ مَوقعٌ مِن مواقعِ القيامة.. قبل قليلٍ قُلتُ لكم أنَّ هذا المُصطلح “الأعراف” لهُ أكثر مِن دلالة وسآتي عليها، ولكنّني أُحدّثكم في هذا الموقف مِن مواقف يوم القيامة، فإنَّ الأعراف موقعٌ مِن مواقعِ القيامة.. مِثلما مرَّتْ الرواياتُ تتحدّثُ عن كُثبان المِسْك.. هذا موقعٌ مِن مواقع يوم القيامة.
  • الأعراف: لُغةً هي الأماكنُ العاليةُ المُرتفعة، ومِن هُنا يُقالُ لأعلى رأس الديك يُقال له: “عُرْف الديك”.. فأحدُ معاني الأعرافُ هو موقعٌ مِن مواقع القيامةِ خاصٌّ بِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”.
  • وقد يسأل سائلٌ هُنا: فهل أنَّ مُحمّداً وآلَ مُحمّداً على الأعراف؟ أم على كُثبان المِسْك؟ أم هُم عند الوسيلة؟ أم عند العرش؟
  • وأقول: هُم في كُلّ هذهِ الموقع.. وسأُقرّب لكم الفكْرةَ بمثالٍ بعد أن أُكمِلَ حديثي فيما يَرتبطُ بمواقفِ يوم القيامة.
  • أمَّا الرجالُ الذين هُم على الأعراف فهُم الأئمةُ الأربعة عشر.
  • وقد يقولُ قائل: الآية تقول {وعلى الأعرافِ رجالٌ} فكيف يأتي ذِكْرُ فاطمة؟
  • وأقول: إنّهُ التغليبُ، وهذا التعبيرُ شائعٌ في لُغةِ العرب وفي سائر الّلغاتِ الأخرى، هذا هُو التغليبُ في الإطلاق، فإنَّ الأغلب رجالٌ، فحينما نُطلِقُ الألفاظَ حينئذٍ فإنّنا نُطلقها بلسانِ التغليب.
  • ● قوله: {يَعرفونَ كُلًّا بسيماهُم} يَعرفونَ حقائقَ أهْل الجنّة وماذا كانوا، وماذا فَعلوا، وماذا قالوا.. وكذلكَ الأمرُ بالنسبة لأهْل النيران، فهذا الموقعُ يُشْرفُ على العالَمينِ: على عالم الجنان وعلى عالم النيران.
  • هذهِ الآياتُ لن يتّضحَ معناها إذا رجعنا إليها لوحدها مِن دُون أن نعودَ إلى أحاديثِ العترةِ الطاهرة في تفسيرها.. لن يستطيعَ أحدٌ أن يُفسّرها بأُسلوبٍ سليمٍ وبسليقةٍ عربيّةٍ واضحة تتناغمُ مع تراكيب الجُمَل والألفاظ مِن دُون أن نَعودَ إلى أحاديثهم.. أنتم جرّبوا ذلكَ بأنفُسكم، ولستُ في مقامِ تشخيصِ هذهِ المسألةِ في هذا البرنامج.
  • ولكن نحن قرأنا في الآياتِ أنَّ أهل الجنانِ دخلوا في جنانهم ونُزِعَ الغِلُّ مِن صُدورهم، وأنّهم نُودوا بالنداءِ الطيّب الذي قرأتهُ عليكم، وأنَّ أصحابَ الجنّةِ خاطبوا أصحابَ النار، وانتقلَ الحديثُ إلى الأعرافِ إلى ذلكَ الموقعِ العالي الذي يُشرفُ على عالمِ الجنانِ وعلى عالمِ النيران.
  • وإنّني حين أتحدّثُ عن الموقع العالي لا أتحدّث عن الموقع العالي بنحوٍ حسّي، قد يكونُ حِسيّاً.. إنّني أتحدّثُ عن الموقعِ العالي وِفقاً لهذا المنظور: (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) فهُم أصحابُ المقاماتِ العالية وأصحابُ المقاماتِ العزيزة التي تتجلّى فيها قُدْرتُهُ سُبحانه وتعالى وعظمتُهُ وقُوّتُهُ وغَلَبتهُ وإرادتهُ تعالى شأنه وتقدّس.
  • إنّني لا أتحدّثُ عن جهةٍ حِسيّةٍ يُصعَد عليها كي يُشرَف على الأماكن التي دُونها عُلوّاً مِن الجهةِ الحِسيّة.. قد يكونَ هذا موجوداً.. ولكن أنا لستُ بصددِ الحديثِ في كُلّ أمرٍ صغيرٍ أو كبير، إنّما أتحدّثُ عن السُلطةِ المبسوطةِ لهم (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم).
  • ● قوله: {ونادوا أصحابَ الجنّةِ أن سَلامٌ عليكُم لم يدخلوها وهُم يطمعُون* وإذا صُرفتْ أبصارهُم تلقاءَ أصحابِ النار قالوا ربّنا لا تَجعلنا مع القومِ الظالمين}.. الحديثُ هُنا عن مجموعةٍ لا هي في الجنّة ولا هي في النار، فإنَّ أهْل الجنّةِ قد تَمَّ الحديثُ عنهم، وإنَّ أهْل النارِ قد تَمَّ الحديثُ عنهم.. هذهِ مجموعةٌ لازالتْ في ساحةِ القيامةِ الكُبرى لم تذهبُ إلى الجنّة ولم تذهبْ إلى النار.
  • هؤلاء هُم أهْل الأعراف مِن الناس، مِن الواقفين في ساحةِ القيامة الكُبرى، في عالم القيامة الكُبرى.
  • الأعرافُ مُصطَلحٌ لهُ أكثر مِن دلالة.. سآتي على بيانها:
  • ● الأعراف موقعٌ (وعلى الأعراف رجال).
  • ● أهْلُ الأعراف هُم هؤلاء الذين لا ذهبوا إلى الجنّةِ ولا ذهبوا إلى النار.. إنّهم أشياعُ عليٍّ وآل عليٍّ مِن أصحاب الذُنوب.. مِن الذين لابُدَّ أن يُحاسبوا ومِن الذين لابُدَّ أن يُسألوا.. وهؤلاء مِثلما قالتْ الآية 46 بعد البسملة مِن سُورة الأعراف: {لم يدخلوها وهُم يطمعُون} أي هُم يطمعون في شفاعةِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ الله عليهم”، وسيدخلون الجنّة.. ولِذا فإنَّ الرجال الذين هُم على الأعراف يُخاطبون أهْل النار: {ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً يَعرفونهُم بسيماهُم قالوا ما أغنى عنكُم جَمْعُكُم وما كُنتُم تَستكبرون* أهؤُلاء – مِن شيعتنا – الّذين أقسمْتُم لا يَنالهُمُ اللهُ برحمةٍ ادخلوا الجنّةَ لا خَوفٌ عليكُم ولا أنتُم تَحزنُون}.
  • وهُنا الآياتُ تنقلُ لنا صُورةً مِن داخل النار، فتقول: {ونادى أصحابُ النارِ أصحاب الجنّة أن أفيضُوا علينا مِن الماء…} وذلك حينما ينظرونَ إلى قراباتهم.. فهُناكَ مِن الوسائل التي يتواصلُ مِن خلالها أهْلُ الجنانِ مع أهل النيران، فيرى أهْل النيرانِ ماذا يجري في الجنان، ويرى أهْل الجنانِ ماذا يجري في النيران.
  • في الروايات أنّ الذين يدخلون إلى الجنان يُكشَفُ لهم.. لو أنّهم لم يكونوا على عقيدةٍ سليمة، ولم يكونوا مِن أشياعِ عليٍّ وآل عليّ لكانتْ أماكنهم في النيران هي هذه..! فيطّلعون على الأماكن التي كانَ مِن المُقرّر أن تكونَ لهم لو لم يكونوا على عقيدةٍ سليمة في اتّباعهم لِعليٍّ وآل عليّ.. وكذا أهْلُ النيران يطّلعونَ على الأماكن التي مِن المُفترضِ أن تكونَ لهم في الجنان لو كانوا على عقيدةٍ سليمةٍ وكانوا مِن أشياع عليٍّ وآل عليّ.. هذهِ التفاصيلُ تحدّثتْ عنها الرواياتُ والأحاديثُ والكلماتُ الشريفةِ التي وردتنا عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ● قوله: {أن أفيضُوا علينا مِن الماء أو مِمّا رزقكُمُ اللّهُ قالوا إنَّ اللهَ حَرّمهُما على الكافرين} هذا ليسَ بتحريمٍ فتوائي ولا بتحريمٌ شرعي، وإنّما سِنخيّةُ الجنان وطينةُ الجنان لا يُمكنُ أن تتمازجَ مع طينةِ النيران.. هذا عالمٌ وهذا عالم.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “صلواتُ الله عليه” في [تفسير القمّي] في جوّ الآياتِ التي تلوتها عليكم قبل قليل مِن سُورة الأعراف.

  • (عن أبي عبدالله “عليه السلام” قال: الأعراف كثبان بين الجنّة والنار – وهي غير كثيب المِسْك – والرجال الأئمة “صلوات الله عليهم” يقفونَ على الأعراف مع شيعتهم وقد سِيقَ المُؤمنونَ إلى الجنّةِ بلا حساب، فيقولُ الأئمةُ لِشيعتهم مِن أصحاب الذُنوب – الذين لازالوا في ساحةِ القيامةِ الكُبرى – انظروا إلى إخوانكم في الجنّة قد سِيقوا إليها بلا حساب، وهُو قولهُ تبارك وتعالى: {سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهُم يطمعون} ثمَّ يُقالُ لهم: انظروا إلى أعدائكم في النار وهُو قوله: {وإذا صُرفتْ أبصارُهم تلقاءَ أصحابَ النارِ قالوا ربّنا لا تَجعلنا معَ القومِ الظالمين* ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم} في النار فـ {قالوا ما أغنى عنكم جَمْعكم} في الدُنيا {وما كنتم تَستكبرون} ثمَّ يقولون لِمَن في النار مِن أعدائهم: أهؤلاءِ شيعتنا وإخواننا الذين كنتم أنتم تحلفونَ في الدُنيا أن لا يَنالهُم اللهُ برحمة؟! ثمَّ يقولُ الأئمة لشيعتهم: {ادخلوا الجنَّةَ لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تَحزنون}…).
  • ● قوله: (والرجال الأئمة يقفونَ على الأعراف مع شيعتهم) المُرادِ مِن قَولهِ: “مع شيعتهم” أمثال العبّاس “صلواتُ الله عليه” وأمثال الحمزة وجعفر الطيّار، ومِن أمثالِ زيدٍ الشهيد، ومِن أمثال العقيلةِ زينب والسيّدة المعصومة “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم أجمعين”.. هؤلاءِ هُم سادةُ الأعرافِ مِن الرجالِ والنساء مِن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ وأشياعهم.
  • ● قوله: (وقد سِيقَ المُؤمنونَ إلى الجنّةِ بلا حساب) المُراد مِن “المُؤمنون” هُم الذين في مَرتبةٍ عاليةٍ أصحابُ العقيدةِ السليمة الواضحة.. هؤلاء المُؤمنين الذين سِيقوا إلى الجنّةِ بلا حساب لا يمرّونَ بتلكَ المواقف الخَطِرةِ والمُخيفةِ مِن مواقفِ يوم القيامة.
  • ● قوله: {سلامٌ عليكم لم يدخلوها وهُم يطمعون} هذا سلامٌ مِن الأئمة على الواقفين مِن أشياعهم في ساحةِ القيامةِ الكُبرى مِن أصحابِ الذنوب الذين لم يدخلوا الجنّة إلى الآن وهُم يطمعونَ في دُخولها.. وإلّا فإنَّ المراتب العاليةَ المُتقدّمة مِن أشياعِ عليٍّ وآلِ عليّ قد سِيقوا زُمَراً إلى الجنّة ودَخَلوا بلا حِساب.
  • هذا هُو موقفُ الأعرافِ مِن خلالِ ما جاءَ في آياتِ سُورةِ الأعراف وما جاءَ مِن حديثٍ عن إمامنا الصادق “صلواتُ الله عليه” في [تفسير القُمّي].

  • وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في [الكافي الشريف: ج1] في صفحة 206 – الحديث (9) وهُو أهمُّ حديثٍ بين أيدينا مِن حديثِ العترةِ الطاهرة في بيان معنى الأعراف.

  • (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: جاءَ ابنُ الكوّاء إلى أمير المؤمنين “عليه السلام”، فقال يا أمير المؤمنين {وعلى الأعرافِ رجالٌ يعرفونَ كلّاً بسيماهم}؟ فقال: نحنُ على الأعراف، نَعرفُ أنصارنا بسيماهم، ونحنُ الأعراف الذي لا يُعرَفُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلّا بسبيلِ مَعرفتنا، ونَحنُ الأعراف يَعرفنا اللهُ عزَّ وجلَّ يوم القيامة على الصِراط، فلا يدخلُ الجنّة إلّا مَن عرفنا وعرفناه، ولا يدخلُ النار إلّا مَن أنكرنا وأنكرناه.
  • إنَّ اللهَ تبارك وتعالى لو شاءَ لعرَّف العبادَ نفْسهُ ولكن جَعَلنا أبوابَهُ وصِراطَهُ وسبيلَهُ والوجْه الذي يُؤتى مِنه، فمَن عدلَ عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصِراط لناكبون، فلا سواء – أي ليس هُناك من وجْهِ مُساواة – مَن اعتصمَ الناس بهِ ولا سواء حيثُ ذهَبَ الناسُ إلى عيونٍ كَدِرةٍ يفرغُ بعضُها في بعض، وذهبَ مَن ذهب إلينا إلى عُيونٍ صافية تجري بأمْر ربها، لا نفاد لها ولا انقطاع).
  • ابنُ الكوّاء مِن الذين يُعارضون أمير المؤمنين ودائماً يُحاولُ أن يُثيرَ الإشكالاتِ بين يدي سيّد الأوصياء، وأسئلتُهُ ووقائعهُ موجودةٌ في كُتُبنا، ولا أُريدُ الحديثَ عن ابن الكوّاء هُنا. ابن الكوّاء يختارُ الآياتِ التي يُمكنهُ أن يُثيرَ بسببِ مضمونها أو بسببِ عدم وُضوحها يُريدُ أن يُثيرَ إشكالاً لَعلّهُ يُحْرجُ الأميرَ في الإجابةِ على تلكَ الإشكالات، أو أنّهُ يُريدُ أن يُثير فتنةً ثقافيّةً فِكْريّةً في الوسط الاجتماعي الذين يعيش فيما بينهم.

  • معاني الأعراف في كلماتِ سيّد الأوصياء:

  • المعنى (1): هو أنَّ الأعراف منزلةٌ مِن منازل مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” كما يقولُ سيّد الأوصياء “صلواتُ الله عليه”: (نَحنُ على الأعراف، نَعرفُ أنصارنا بسيماهم).
  • المعنى (2) الأعرافُ هُم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” كما يقول سيّد الأوصياء: (ونحنُ الأعراف الذي لا يُعرَفُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلّا بسبيلِ مَعرفتنا) وهُو نفس المضمون الذي جاءَ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة: (مَن أرادَ الله بدأ بكم، ومَن وحّدهُ قَبِلَ عنكم، ومَن قصده توجّه إليكم) تلكَ هي الأعراف.
  • المعنى (3): الأعراف هُم وسائطُ معرفةِ الداخلين إلى الجنان ومعرفةِ الداخلين إلى النيران، كما يقول سيّد الأوصياء “صلواتُ الله عليه”: (ونَحنُ الأعراف يَعرفنا اللهُ عزَّ وجلَّ يوم القيامة على الصِراط، فلا يدخلُ الجنّة إلّا مَن عرفنا وعرفناه، ولا يدخلُ النار إلّا مَن أنكرنا وأنكرناه) وبعبارةٍ أدق: الأعرافُ منزلةٌ مِن منازل عليٍّ حيثُ يُشرِفُ على الجنانِ والنيران.
  • وقد مرَّ علينا في الأحاديث المُتقدّمةِ مِن أنَّ النبيّ يُخبرُ أميرَ المؤمنين أنَّ رسول اللهِ وعليّاً وجبرئيل سيقعدونَ عند الصراط، عند بوّابةِ الصراط.
  • هذهِ معاني الأعراف في كلماتِ العترة الطاهرة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • — قوله: (فمَن عدلَ عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا، فإنّهم عن الصِراط لناكبون) ناكبون عن الصراط في الدُنيا، هُم بعيدون عنّا في الدُنيا.. فالصراطُ الحقيقيُّ هُو الإمامُ المعصوم هُنا في الدُنيا والصراطُ الأخروي هُو انعكاسٌ للصراط الحقيقي في الدُنيا.. فمَن كان مع الصراطِ الحقيقي في الدُنيا يمرُّ ذلكَ الصراط كالبرقِ الخاطف، وأمّا مَن لَم يكنْ مع الصراطِ الحقيقي في الدُنيا فإنّهُ سيهوي على أُمّ رأسه.
  • — قوله: (حيثُ ذهَبَ الناسُ إلى عيونٍ كَدِرةٍ يفرغُ بعضُها في بعض) إنّها عُيونُ القذارات الناصبيّةِ التي غطّسنا فيها عُلماؤنا ومراجعنا مُنذُ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى، وقد نبّه إمامُ زماننا إلى ذلك وخاطبَ المراجعَ في رسالته إلى الشيخ المُفيد ولكنّهم لم يرتدعوا وإنّما استمرّوا في نفس هذا الطريق الأعوج..! إذْ يقولُ إمامُ زماننا في رسالتهِ إلى الشيخ المُفيد وهُو يتحدّثُ خيانةِ أكثر مراجع الشيعة لمحمّدٍ وآلِ مُحمّد ويتحدّث عن نَقْضهم لِبيعةِ الغدير وعن ارتكاسهم في نجاساتِ وقذاراتِ الفِكْر الناصبي في هذهِ العيون الكدرة القذرة، يقول:
  • (مُذْ جَنَح كثيرٌ مِنكم إلى ما كانَ السَلَفُ الصالحُ عنهُ شاسعاً ونبذوا العهد المأخوذَ منهم كأنّهم لا يعلمون)!

  • وقفة عند روايةٍ جميلةٍ جدّاً أقرؤُها عليكم مِن تفسير إمامنا الحسن العسكري “عليه السلام”. في صفحة 224 الحديث (119) الإمامُ العسكريُّ ينقُل لَنا هذهِ الرواية عن إمامنا صادق العترة “عليه السلام”:

  • (يقولُ إمامنا الصادق “صلوات الله عليه”: لَنكوننَّ على الأعرافِ بين الجنّةِ والنار مُحمّدٌ وعليٌّ وفاطمةُ والحَسَنُ والحُسينُ والطيّبونَ مِن آلهم، فنرى بعْض شِيعتنا في تلكَ العَرَصات – أي الساحات – مِمّن كانَ مِنهم مضطرّاً في بعض شدائدها – وفي نُسخةٍ مُقصّراً – فنبعثُ عليهم خيارَ شيعتنا كسلمان والمِقداد وأبي ذرّ وعمّار ونظائرهم في العصْر الذي يَليهم، ثمَّ في كلّ عصْرٍ إلى يوم القيامة فينقضُّون عليهم كالبزاة والصُقور – البازي نوعٌ من الطيور الجارحة – ويتناولونهم كما تتناولُ البزاة والصُقور صيدها، فيزفُّونهم إلى الجنّة زفّاً.
  • وإنّا لَنبعثُ على آخرين مِن مُحبّينا مِن خِيار شيعتنا كالحمامِ فيلتقطونهم مِن العرصات كما يلتقطُ الطيرُ الحبُّ، وينقلونَهم إلى الجنان بحضرتنا..).
  • هذهِ خَدَماتُ مُؤسّسةِ الأعراف.. هذهِ الخدماتُ تُقدَّم للذينَ يشتركون في شركةِ التأمينِ التابعةِ لِمُؤسّسةِ الأعراف إنّها مُؤسّسةُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”. مَن ليس عُضْواً في هذهِ الشركة ولا يَحملُ كارتْ مِن هذهِ الشركة فإنّهُ لن يَتمتَّعَ بهذهِ الخدمات.
  • كارتُ هذهِ الشركة يَصدُرُ مِن مُؤسّسةٍ عُنوانها: “الزيارةُ الجامعةُ الكبيرة” عقيدةُ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ الصافية.
  • إلى هُنا ينتهي الحديثُ في الموقفِ العاشر مِن مواقفِ المحطّةِ التاسعةِ وهي محطّةُ القيامةِ الكُبرى.. الموقفُ العاشرُ هُو: موقِفُ الأعراف.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …