دليلُ المسافر – الحلقة ٤٨ – المحطّة العاشرة: العاقبة ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 3 ذو القعدة 1440هـ الموافق 7 / 7 / 2019م

  • لازال الحديثُ في المَحطّة العاشرة، إنّه المَحطّةُ الأخيرة، مَحطّةُ العاقبة.. مَحطّةُ العاقبة يُفتَح منها بابان: بابٌ إلى النار وتمَّ الحديثُ تحتَ هذا العُنوان، وبابٌ إلى الجنّةِ، ولازال حديثي يتواصلُ في أجواءِ الجنان. وهذا هو الجُزءُ الرابع مِن أجزاء حديثي عن المَحطّةِ العاشرة، إنّها مَحطّةُ المَصير، مَحطّةُ العاقبة.

  • في هذهِ الحلقةِ سأُجيبُ على سُؤالٍ أو ربّما يُمكنُني أن أُعنونهُ بـ(توضيحٍ) سيكونُ جواباً على مَجموعةٍ مِن الأسئلةِ التي يطرحُها الكثيرون.. الكلامُ يَرتبطُ بالجنّةِ وما يَجري فيها.

  • حينما نَعودُ إلى النُصوص ربّما يبدو مِن النُصوص القُرآنيّةِ ومِن النُصوص الحديثيّة أنَّ إغراقاً واضحاً في الحديثِ عن الرجالِ في الجنان دُون النساء.
  • وهُناك إغراقٌ في الجانب الحسّي أكثر مِمّا يَرتبطُ بالجانب المعنوي.
  • هذهِ القضيّةُ لَيستْ حقيقيّة.. هذهِ القضيّةُ نِتاجُ إسْقاطاتٍ.. منها ما كانَ مُرتبطاً بالمُخاطَبين الذين يُخاطِبهم الكتابُ الكريم ويُخاطِبُهم مُحمَّدٌ وآلُ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم” ومنها ما يَرتبطُ بمَنهج الفَهْم لتلكَ النُصوص.
  • أكثرُ الناس تنشدُّ إلى الجانب الحسّي، وحينما يسألون عن هذا الجانب، فتأتي الإجاباتُ وِفقاً لِسؤالِ السائل أو يأتي الحديثُ وِفقاً لِما يُؤثّرُ في المُخاطَب.
  • الذين يُخاطبون في الأعمّ الأغلب خُصوصاً في أحاديثِ المعصومين هُم مِن الرجال، ويُضافُ إلى كُلِّ ذلك مُشكلةٌ كبيرةٌ وهي أنَّ مَنهجَ الفَهْم هُو مَنهجٌ بَدَويٌّ سقيفيٌّ.. لا شأنَ لي بُمُخالفي أهْل البيت.. إنّني أتحدّثُ عن واقعنا الشيعي، لأنَّ عُلماءنا ومَراجعنا مُنذ بداياتِ عصْرِ الغَيبة الكبرى اتّبعوا المنهجَ الشافعي وهُو مَنهجٌ بدويٌّ سقيفيٌّ في فَهْم النُصوص، ولِذا فرَّ الصُوفيّون مِن المُخالفين لأهْل البيت فرّوا مِن هذا المنهج وأوجدوا لهم مَنهجاً خاصّاً بهم، ولا شأنِ لي بكُلّ تلكَ التفاصيل.
  • ● مُشكلتنا في ساحةِ الثقافةِ العقائديّةِ الدينيّة الشيعيّة هي أنّنا تَبَعٌ للمناهج الناصبيّة.
  • إسقاطاتٌ كثيرةٌ أُسقطتْ على واقعنا الثقافي العقائدي الشيعي بسبب جُنوح مَراجع الطائفةِ إلى المنهجِ الناصبي، مِثلما قال لهم إمامُ زماننا في رسالتهِ التي بعَثَ بها إلى الشيخ المُفيد.. إذْ يقولُ فيها:
  • (مُذْ جنحَ كثيرٌ مِنكم إلى ما كانَ السَلَفُ الصالحُ عنهُ شاسعاً، ونبذوا العَهْد المأخوذ مِنهم وراءَ ظُهورهم كأنّهم لا يَعلمون).
  • العهْد الذي نبذوهُ هُو عهْد الغدير في أن يتمسّكوا بمنهجِ عليٍّ وآلِ عليّ في الفَهْم وفي الاستنباط، ولكنّهم تركوا ذلكَ وراحوا يركضونَ وراءَ الشوافعِ ووراء الأشاعرةِ والمُعتزلة وجاءُونا بهذا المَنهج الأخرق وسلّطوهُ علينا مُنذُ بداياتِ عَصْر الغَيبةِ الكُبرى، فلِذا أعرضَ الإمامُ الحُجّةُ عن الشيعةِ وتَركَ الشيعةَ لأنفسهم.. وما هذا التيهُ وهذهِ السفاهةُ وهذا الفسادُ وهذا الضلالُ الذي نَحنُ فيه إلّا مِن النتائج المُباشرة لِهذا المنهج الأعوج الذي لازالتْ المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة تتمسّكُ به ولازال مراجعُ الشيعةِ إلى هذهِ الّلحظة ويعتبرونَ أنَّ دِينَ مُحمّدٍ وآلِ مُحمَّدٍ هُو هذا.. وواللهِ ما هو بدينِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • مثلما قُلتُ قبل قليل هُناك إسقاطاتٌ ولا أُريدُ أن أخوضَ فيها، ولكنّني سأوجّهُ أنظاركم إلى كثير مِن الحقائق لا يُلتفَتُ إليها بسببِ الثقافةِ الناصبيّة التي سيطرتْ على واقعنا الشيعي بفضل علمائنا ومراجعنا.

  • ما أُشيرَ إليهِ مِن إغراقٍ في ذِكْر الرجال دُون النساء أمرٌ ليس بصحيح.. فحقائقُ القُرآن وحقائقُ أحاديث العترة تُشيرُ إلى غير ذلك.. على سبيل المثال:
  • ● في سُورة آل عمران في الآية 195 بعد البسملة:
  • {فاستجابَ لهُم ربُهُم أنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عاملٍ منكُم مِن ذَكَرٍ أو أُنثى بعضُكُم مِن بعضٍ فالّذين هاجروا وأُخرجوا مِن ديارهم وأُوذُوا في سبيلي وقاتلوا وقُتلوا لأُكفّرنَّ عنهُم سيّئاتهم ولأُدخلنّهُم جنّاتٍ تَجري مِن تحتها الأنهار ثواباً مِن عند اللّه واللهُ عندهُ حسنُ الثواب}.
  • الذكورُ والإناثُ على حدٍّ سواء {مِن ذَكَرٍ أو أُنثى بعضُكُم مِن بعضٍ}.
  • ● وفي سُورة النساء في الآية 124 بعد البسملة:
  • {ومَن يعملْ مِن الصالحاتِ مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهُو مُؤمنٌ فأُولٰئكَ يدخلونَ الجنّة ولا يُظلمُون نقيرًا}.
  • — قوله: {ولا يُظلمُون نقيرًا} النقيرُ هو مِثالٌ يُضرَبُ لأقلّ شيء.. النقيرُ هو حُفْرةٌ صغيرة في ظهْر نواةِ التمر، لا قيمةَ لها.. يُضرَبُ بها المَثَل في أهونِ شيء، في أقلّ شيء، في الشيء الذي لا قيمةَ له.
  • — قوله: {ومَن يعملْ مِن الصالحاتِ مِن ذَكَرٍ أو أُنثى} الجزاءُ واحد ومِثلما يتنعَّمُ الرجال تتنعَّمُ النساء، ومِثلما للرجالِ في الجنان كذلكَ للنساء في الجنان.
  • ● وفي سُورة النحل في الآية 97 بعد البسملة:
  • {مَن عَمِل صالحاً مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهُو مُؤمنٌ فلنُحيينَّهُ حياةً طيّبةً ولَنجزينَّهُم أجرهُم بأحسنِ ما كانُوا يعملون}.
  • الجزاءُ هُو الجزاء، الحياةُ هي الحياة.. هذا هُو مَنطقُ الكتاب والعترة. الإسقاطاتُ الموجودةُ في ساحتنا الثقافيّةِ العقائديّةِ الشيعيّةِ جاءتنا مِن الفِكْر الناصبي.. صحيحٌ هناكَ وفْرةٌ في النُصوص التي تحدّثتْ عن الرجال وأحوالهم في الجنان، لكنَّ هذهِ النُصوص جاءتْ مُتكرّرةً بنفس المعنى، هُناك كثيرٌ مِن النُصوص تحدّثتْ عن الحقائق وعن القوانين وهي الأهمّ، هي الأصْل هي الأساس.
  • هُناك نُصوص تكرّرتْ بنفس المضامين، لأنَّ الذين سألوا.. سألوا نفس الأسئلة، القضيّة هنا: لابُدَّ أن ننظرَ إلى قيمةِ المضمونِ في ذلك النص، وأين يقعُ مضمون ذلك النصّ؟! هل هُو في أصْل المَتن أم هو في حاشيةِ الموضوع؟!
  • ● وفي سُورةِ غافر.. في الآية 40 بعد البسملة:
  • {مَن عَمِلَ سيّئةً فلا يُجزى إلّا مِثلها ومَن عَمِل صالحاً مِن ذَكَرٍ أو أُنثى وهُو مُؤمنٌ فأُولٰئكَ يَدخلونَ الجنّة يُرزقُونَ فيها بغَير حساب}.
  • القوانين هي هي.. المنطقُ الذي يجري على الرجال يجري على النساء.
  • ● وفي سُورة الحُجرات في الآية 13 بعد البسملة:
  • {يا أيُّها الناسُ إنّا خلقناكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثى وجعلناكُم شعُوباً وقبائلَ لِتعارفوا إنَّ أكرمَكُم عند اللهِ أتقاكُم إنَّ اللهِ عليمٌ خبيرٌ}.
  • قانون التمييز هُو هذا {إنّ أكرمَكُم عند اللهِ أتقاكُم} قد تكونُ النساء هي الأكرم، وقد يكونُ الرجال هُم الأكرم.. القضيّةُ لا علاقةَ لها بالذُكورةِ والأنوثة.
  • آياتُ الكتاب الكريم كُلّها تتحدّثُ بهذا الّلسان، كلماتُ المعصومين، أدعيتهم، زياراتهم، كُلّها تتحدّثُ بهذا المنطق.. أمَّا الإسقاطاتُ في التمييز بين الرجالِ والنساءِ فيما يَرتبطُ بأحكامِ الجنانِ هذه إسقاطاتٌ لا علاقةَ لها بحقائقِ القرآن وحقائقِ ثقافةِ العترة الطاهرة.. إنّها إسقاطاتٌ جاءتنا من الثقافةِ البدويّةِ الناصبيِة.. مُؤسّستنا الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة ورّطتنا في هذهِ القذارة، فماذا نصنع؟ هذا هو واقعنا السيّئ.

  • مِن مصاديق هذهِ القاعدة القرآنيّة: {إنّ أكرمَكُم عند اللهِ أتقاكُم} ما جاءَ في هذهِ الرواية التي قرأتُها عليكم في الحلقاتِ المُتقدّمة.

  • ● وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “صلواتُ الله عليه” صفحة 105 – الحديث منقولٌ عن تفسير العيّاشي.
  • (سأل سائلٌ الإمامَ الصادق “صلواتُ الله عليه” وقال له: جُعلتُ فداك، أخبرني عن المُؤمن تكونُ لَهُ امرأةٌ مُؤمنة يدخلان الجنّة يتزوّج أحدُهُما الآخر؟ – هل ستبقى زوجةً لهُ في الجنان مِثلما كانتْ في الدُنيا – فقال الإمام “عليه السلام” للسائل: يا أبا مُحمَّد إنَّ الله حَكَمٌ عَدْل، إنْ كانَ هُو أفضلَ منها خُيّر هُو، فإنْ اختارها كانتْ مِن أزواجه، وإنْ كانتْ هي خيراً منه – أي خيراً مِن زوجها الذي كان في الدُنيا – خيّرها – إمامُها – فإنْ اختارتهُ كان زوجاً لها..).
  • مِصداقٌ واضحٌ يتساوى فيه الرِجالُ والنساء {إنّ أكرمَكُم عند اللهِ أتقاكُم}.. إذا كانَ الرجل هُو الأكرم وهُو الأفضل فلَهُ الخَيار، وإذا كانتْ المرأة هي الأكرم وهي الأفضل فلها الخيار.. القضيّةُ واضحةٌ جدّاً. وأبوابُ العلاقاتِ مفتوحةٌ في الجنانِ في التزويج وفي سائر في ما هُو موجود في جنان ربّ العالمين.
  • — رواية أخرى في نفْس المَصدر أيضاً قرأتُها عليكم فيما تقدّم مِن حلقات.. الرواية تطبيقٌ واضح لِحُرّية المرأةِ الكاملة هناك.
  • ● وقفة عند حديث إمامنا الكاظم “صلواتُ الله عليه” في صفحة 119 الحديث (7):
  • (عن أبي الحسن مُوسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه: قال: قالتْ أُم سَلَمَة رضي اللهُ عنها لرسولِ اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله”: بأبي أنتَ وأُمي المرأة يكون لها زوجان فيموتون ويدخلون الجنّة لأيّهما تكون؟ فقال “صلَّى اللهُ عليه وآله”: يا أُمّ سَلَمة تَخيّر – أي تتخيّر – أحسنَهُما خُلُقا وخيرهُما لأهْله، يا أُمّ سَلَمة إنَّ حُسْنَ الخُلْق ذَهَبَ بخَيرِ الدُنيا والآخرة).
  • المرأةُ لها الحُريّةُ ولها الخيار، وهُنا في هذهِ الرواية لها حُريّةٌ بينما أزواجها ليس لهم مِن حُريّةٍ في اختيارها، فهي التي تختارُ.
  • أعتقدُ أنَّ هذهِ الأحاديث وهذهِ الروايات تُحدّثنا عن صُورةٍ لكرامةِ المرأة في ثقافة الكتاب والعترة ولِعلوّ شأنها وحُرّيتها بِحَسَب هذهِ النُصوص لا باقتراحٍ مِن عندي.. وهذا المنطقُ يُخالفُ الاسقاطاتِ التي تتردّدُ على ألسنةِ خُطباءِ المنابرِ الذين لا يملكونَ شيئاً مِن ثقافةِ العترةِ الطاهرة.. واقعُ المُؤسسةِ الدينيّة الشيعيّة الرسميّة واقعٌ مُزري في هذهِ الجهة، في عدم تواصلها وعدم اطّلاعها، هناك جهْلٌ مُقرفٌ عند أصحاب العمائمِ الشيعيّة بثقافةِ الكتاب والعترة..
  • ولذا فإنّهم يشحنونَ كُتُبَهم بهذهِ الموضوعات، ويشحنونَ أحاديثهم بالمناماتِ والمُكاشفاتِ وبأحاديثِ العجائز بعيداً عن هذا المنطق الواضح والصريح الذي يأتي مُنسجماً مع العقل السليم ومع الوجدانِ النظيف ومع الفِطْرة المُشرقة.. إنّها ثقافةُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • — وفيما يَرتبطُ في مسألةِ الإغراقِ الحِسّي (طَعاماً، شرابً، جنْساً..) وكُلُّ ذلكَ يُربَطُ بالرجال.. هذا الموضوعُ لهُ أسبابُهُ الموضوعيّةُ والمنطقيّةُ باعتبار أنَّ الحديثَ في كثيرِ من هذهِ المطالبِ كان يدورُ في مَجالسِ الرجال، وأنَّ الأسئلةَ كانتْ تُوجّهُ مِن قَبَلهم إلى الأئمةِ بهذا الخُصوص.
  • الأدبُ القرآنيُّ والأدبُ المعصوميُّ في الأعمّ الأغلب حينما يكونُ الحديثُ عن النساء وأجواءِ النساء فإنَّ الحديثَ يتلبَّسُ بلباس العفاف.. هذهِ ثقافةٌ، هذا أدبٌ، وليس ظُلْماً لِحقّ النساءِ في هذهِ الحاجاتِ الطبيعيّة إنْ كان ذلك في الدُنيا أو كان ذلك في الآخرة.
  • (الحاجةُ للطعام، للشراب، للنومِ، للراحةِ، للجنس، للمُتعةِ..) هذهِ حاجاتٌ طبيعيّةٌ لا هي بيد الرجل ولا هي بيد المرأة.. سُبحانه وتعالى خَلَق الخلائقَ وخَلَقَ الرجال هكذا وخَلَق النساء هكذا.
  • — هُناكَ إسقاطاتٌ في بعْض الأحيان تكونُ تلكَ الإسقاطات مناسبةً ومنطلقةً مِن الحكمة، لا لأنّها مطلوبةٌ بنفسها وإنّما الواقعُ يفرضُ ذلك، طبيعةُ المجتمعِ هي التي تفرضُ ذلك، لكنّنا إذا أردنا أن نعودَ لنبحثَ عن الحقائق فإنَّ الحقائق شيءٌ آخر في منطق ثقافةِ الكتاب والعترة. العلائقُ التي تَرتبطُ بالحاجةِ الجنسيّة القُرآنُ أشارَ إليها، تحدَّثَ عن جانبٍ منها.. إذْ هناك مَن يقول أنَّ القُرآن تحدّث عن الحُور العين وهذا شيءٌ يرتبطُ بالرجال، فماذا عن النساء؟
  • وأقول: في القُرآن هُناك مِن المطالب ما جاءتْ بلسان الإشارة، كما يقولُ الإمامُ الصادق “صلواتُ الله عليه”:
  • (أنَّ القرآن نزلَ على أربعةِ أشياء، على العبارةِ والإشارة، والّلطائفِ، والحقائق).
  • هُناك إشارةٌ في مُستوى العبارة.. إنّني أتحدّثُ فيما يَرتبطُ بأدبِ الّلغةِ العربيّة، ببلاغتها.
  • حين يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”: (نزلَ القرآنُ على العبارةِ والإشارة..) الإشارةُ هُنا ليستْ هي الإشارةُ التي يُتحدّثُ عنها في أجواءِ البلاغةِ والأدب.. الإشارةُ هُنا مُستوىً مِن مُستوياتِ الإدراكِ المعرفي.. أمَّا الإشارةُ التي أتحدّثُ عنها فترتبطُ بأدبِ الّلغة، إنّها مِن شُؤونِ البليغة، فأنا لا أتحدّثُ عن المُستوى الثاني مِن مُستوياتِ الفَهْم القُرآني الذي هُو فَهْم الخواص.. حديثي في أجواءِ العبارة، في العبارةِ البليغةِ التي تتّسِمُ بالجمالِ الأدبي.

  • في الآية 56 بعد البسملة مِن سُورة الرحمن في سياق الآياتِ التي تَحدّثتْ عن الجنّتين ذواتي الأفنان:

  • {ولِمَن خافَ مقامِ ربّه جنّتان* فبأيّ آلاءِ ربكُما تُكذّبان* ذواتا أفنان} وتستمرُّ الآياتِ في الحديثِ عن هاتينِ الجنّتينِ الّلتينِ هُما لِمَن خافَ مقامَ ربّه.. فتقول الآيات: {فيهنّ قاصراتُ الطرْف لم يَطمثهُنَّ – أي لم يُقاربهُنَّ – إنْسٌ قبلهُم ولا جان}.
  • إذا لم تكنْ هُناك إمكانيّةٌ للعلائقِ الجنسيّةِ فيما بين قاصراتِ الطرْف وبين الجآن، فهل أنَّ القُرآن يتحدّثُ عن الجآنّ هُنا..؟!
  • هُناك منظومةٌ مِن العلائقِ أشار إليها القُرآنُ إشارات.. وهذهِ الصُورةُ هُنا تُحدّثنا عن أنَّ العلائقَ بين الإنس والحُور وبين الجنّ والحُور وكذلكَ ستكونُ بين الجنّ والإنس.. وهُناك إشاراتٌ في القُرآنِ تُخبرنا عن ذلك.
  • هذا المضمون: {فيهنّ قاصراتُ الطرْف لم يَطمثهُنَّ إنْسٌ قبلهُم ولا جان} تكرّرَ في سُورةِ الرحمن مرّتين، وهذا يُخبرنا أنَّ الأمْرَ حقيقةٌ مُؤكّدةٌ وواضحة.
  • قَطْعاً لو جاءَ الأمْرُ في آيةٍ واحدةٍ هُو حقيقةٌ مُؤكّدة، ولكنّني أقولُ هذا الكلام وِفْقاً للمَنظور الأدبي لا وِفقاً للمنظور العقائدي. أمَّا وِفقاً للمنظورِ العقائدي فلو جاءَ هذا الكلامُ في رُبْعِ آيةٍ وليس في آيةٍ كاملة فهو حقيقةٌ قَطعيّةٌ أكيدة.. ولكنّني أتحدّثُ هُنا في الجانب الأدبي، في الجانب البلاغي.

  • الكلامُ أيضاً في الآية 74 بعد البسملة مِن سُورة الرحمن في سياقِ الحديثِ عن الجنّتين المُدهامّتين: {ومِن دُونهما جنّتان* فبأيّ آلاءِ ربّكما تُكذّبان* مُدهامّتان} وتَستمرُّ الآياتُ إلى الآيةِ 74 بعد البسملة والحديثُ هُنا عن حُورٍ مقصوراتٍ في الخيام في الآية 72 بعد البسملة مِن سُورةِ الرحمن:

  • {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام* فبأي آلاء ربكُما تُكذّبان* لم يطمثهُنّ إنسٌ قبلهُم ولا جانٌّ}.

  • إبليسُ تتشخّصُ لنا جنسيّتهُ وقوميّتهُ في الآية 50 بعد البسملةِ مِن سُورةِ الكهْف:

  • {وإذ قُلنا للملائكة اسْجدُوا لآدم فسجدُوا إلّا إبليس كانَ مِن الجنّ ففَسَقَ عن أمْر ربّه أفتتّخذُونَهُ وذُرّيتَهُ أولياء مِن دُوني وهُم لكُم عدُوٌّ بئس للظّالمين بدلا}. فإبليسُ وذراري إبليس إنّهم مِن الجنّ.

  • الآية 65 بعد البسملة مِن سُورة الإسراء، القُران يُخاطبُ إبليس فيقول:

  • {واستفزز مَن استطعتَ مِنهُم بصوتكَ وأجلبْ عليهم بخَيلكَ ورَجِلِكَ وشاركْهُم في الأموالِ والأولاد وعِدْهُم وما يَعدُهُمُ الشيطانُ إلّا غُرورا}.
  • مُشاركةُ إبليس في الأموالِ واضحةٌ.. وهُناك مُشاركةٌ في الأولادِ أيضاً بنصّ الآية الشريفة، وبِحَسَب ما جاءَ في الأحاديثِ هُناك مُشاركةٌ فعليّةٌ في الأولاد ولا أُريدُ أن أدخلَ في هذهِ التفصيل. فإمكانيّةُ العلاقةِ بين الجنّ والإنس مَوجودةٌ.. العلاقةُ على جميع المُستويات (مِن الصداقاتِ.. إلى هذا الّلون مِن العلاقةِ {وشاركهم في الأموالِ والأولاد}).

  • الآية 6 بعد البسملة مِن سُورة الجنّ: {وأنّهُ كانَ رجالٌ مِن الإنس يَعُوذُون برجالٍ مِن الجنّ فزادُوهُم رَهَقا – أي زادوهم سفاهةً وجهْلاً وسُخْفاً -}. هُناكَ علائقُ فيما بينهم، هُناك صُحبةٌ، هُناك صداقة.

  • هُناك أصنافٌ مِن العلائقِ فيما بينَ الإنسانِ وبين المخلوقاتِ الأُخرى (مِن الجنّ، مِن الحُور، ومِن مَخلوقاتٍ أُخرى ستُخلَقُ بعد ذلك في الجنان.. ليستُ كُلُّ المُعطياتِ بأيدينا، ولكن هذهِ إشاراتٌ.. فحين تقولُ الآيةُ الكريمة: {لم يطمثهُنّ إنسٌ قبلهُم ولا جانٌّ} الحديثُ عن الحُورِ العين، والعلائقُ فيما بين الإنس والحور العين هي هي فيما بين الإنس أنفُسهم.. فإنَّ المُؤمنينَ سيتزوّجونَ نساءً مِن نساءِ الدُنيا وسيتزوّجونَ نساءً مِن الحُور العين.. آياتُ القرآن وأحاديثُ العترة واضحةٌ في هذهِ المضامين ولكنَّ أدبَ القُرآن وأدب الحديثِ المعصوميّ حينما يكونُ الحديثُ عن النساءِ وشُؤونِ النساء (إنْ كان ذلكَ في الدُنيا أو في الآخرة) فإنَّ الحديثَ يتلبّسُ بلباسِ العفافِ والستْر في الأعمّ الأغلب، إلّا إذا كان لابُدَّ مِن بيانِ الحقائق وتوضيحها.

  • وقفة عند حديثِ سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ عليه” في كتاب [بحار الأنوار: ج8] في صفحة 148 والحديث عن كتاب جامع الأخبار.

  • (قال أميرُ المُؤمنين “صلواتُ الله عليه”: قال النبيُّ “صلَّى اللهُ عليه وآله”: إنَّ في الجنّةِ سُوقاً ما فيها شِرىً ولا بيع – لا يوجد شراء، لا يوجد بيع، لا يُوجد أموال – إلّا الصُوَر مِن الرجال والنساء، مَن اشتهى صُورةً دخلَ فيها، وإنَّ فيها مَجمْع حور العين يرفعْنَ أصواتهُنَّ بصوتٍ لم يسمعْ الخلائقُ بمِثله : نحنُ الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحنُ الطاعمات فلا نجوع أبدا، ونحنُ الكاسيات فلا نَعرى أبداً، ونحنُ الخالدات فلا نموتُ أبدا، ونحنُ الراضيات فلا نسخطُ أبداً، ونحنُ المُقيماتُ فلا نظعنُ أبداً، فطُوبى لِمَن كُنّا له وكانَ لنا، نَحنُ خيرات حسان، أزواجنا أقوام كرام).
  • ● قوله: (إنَّ في الجنّةِ سُوقاً ما فيها شِرىً ولا بيع) المُراد: هُناكَ مكانٌ مُزدحمٌ بزُوّاره يتجمّعُ فيهِ الناس لشؤونٍ مُختلفة، في الدُنيا يكون التجمّعُ للبيع والشراء وعَرْض البضائع المُتنوّعة.. فالسُوقُ هُو المكانُ الذي يزدحمُ بزوّاره.. أناسٌ داخلون، أناسٌ خارجون، أناسٌ لهم شأنٌ في هذا السُوق، لهم حاجةٌ، أناسٌ يتجوّلون للفُرْجةِ فقط.. وهكذا، هذا هو السوق.
  • السُوقُ ألوانهُ كثيرةٌ، بضائعهُ مُتنوّعة، السُوقُ فيه ما تَميلُ إليهِ النفوس.. كُلٌّ بِحَسَب حاجته. النبيُّ يُحدّثنا عن سُوقٍ في الجنّة ولكنّهُ سُوقٌ ليس للشراء والبيع.. وقَطْعاً الخِطاباتُ بلسانِ التقريب وبلسانِ المُداراة، مِثلما قالوا “صلواتِ اللهِ وسلامهُ عليهم”: (واللهِ ما كلّمنا الناس قطّ على قدْر عُقولنا، إنّما نُكلّمهم على قدْر عقولهم) خِطاباتٌ نتلقّاها بهذا المِنظار وبهذهِ الخُصوصيّة (بخُصوصيّةِ المُقاربةِ وخُصوصيّةِ المُداراة).
  • ● قوله: (إلّا الصُوَر مِن الرجال والنساء، مَن اشتهى صُورةً دخلَ فيها) مُيولُ الرجال إلى مُواصفاتٍ مُعيّنةٍ في النساء تَختلفُ، ومُيولُ النساءِ أيضاً إلى مُواصفاتٍ مُعيّنةٍ في الرجال تَختلف.. هذا الأمرُ يختلفُ مِن رجلٍ إلى رجل ومِن امرأةٍ إلى امرأة، وهَذهِ أُمورٌ طَبيعيّةٌ في أصْل الخِلْقة.
  • أنا لا أُريدُ أن أخوضَ كثيراً في هذا المَطلب، إلّا أنّني آتيكم بأمثلةٍ أُريدُ أنَّ أثبتَ لكم أنَّ ثقافةَ الكتابِ والعترةِ تَختلفُ عن ثقافةِ المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّةِ الرسميّة، تَختلفُ عن ثقافةِ مراجعِ الشيعةِ الغاطِسةِ في الثقافةِ البدويّة السطحيّةِ السخيفةِ السقيفية.
  • ● أهْلُ الجنانِ يمتلكونَ ولايةً تكوينيّةً.. ما إنْ يُريدوا شيئاً حتّى يتحقّق.. هذا الحديث يتحدّثُ عن هذهِ الجهة.

  • هُناك حديثٌ نَقَلهُ الشيخ المجلسي عن ابن فهد الحلّي، الحديثُ مشهورٌ معروفٌ:

  • (كُلُّ شيءٍ مِن الدُنيا سُماعُهُ أعظمُ مِن عيانه – المُعاينةُ عن قُرْب والمُمازجة والمُخالطة – وكُلُّ شيءٍ مِن الآخرة عيانهُ أعظمُ مِن سماعِه).
  • وهذهِ حقيقةٌ يُمكنُنا أن نتلمَّسها في حياتنا الدنيّوية.. إنّنا نَرى الأشياء مِن بعيدٍ فيتولّد عندنا انطباعٌ مُعيّن، ولكنّنا حين نُمازجها وحين نَختلطُ بها وحين نُقاربها فإنّنا سنجدُ شيئاً دُونَ الذي تَصوّرناه.. أضربُ لكم مِثالاً:
  • حينما يمرُّ الإنسانُ على مَحلّاتِ بيع الحلويات ويرى مِن خلالِ زُجاجِ العَرْض ألوانَ الحلوياتِ وأصنافَ الكيك ونَراهُ مُلوّناً ومُزيّناُ فنَتصوَّر لَهُ مَذاقاً مُعيّناً.. ولكن حينما نَستطعِمُها ونأكُلها لا نَجدُ ذلكَ الطَعْم الذي تَصوّرناه مِن خلالِ رُؤيتنا البصريّةِ فقط، وكذا الأمْرُ حينما نُحدَّثُ عن شيءٍ، فحينما نَقتربُ مِن ذلكَ الشيء فإنّنا نَجدُ حقيقتَهُ دُونَ الصُورةِ التي رسمناها مِن خلالِ ما سمعنا.. هذا هُو حالُ الدُنيا في الأعمّ الأغلب.
  • ولِذا فإنَّ هذا المضمون الذي جاءَ فيما نَقَلَهُ الشيخ المجلسي مِن حديثٍ لِرسول الله يَقعُ مِصداقاً لِمضمون هذا الحديث الذي قرأتهُ عليكم: (إنَّ في الجنّةِ سُوقاً ما فيها شِرىً ولا بيع، إلّا الصُوَر مِن الرجال والنساء، مَن اشتهى صُورةً دخلَ فيها…)
  • وفي الحديث القُدسي: (أعددتُ لعبادي ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سمعتْ ولا خَطَر على قلْب بشر) هذا المضمون هناك ما هو أعمقُ وأعمقُ منه، ولكنّني أُبيّن لكم المطالب بالتدريج أوّلاً وبِحَسَب ما يسنحُ بهِ المقام.

  • وقفة عند ما جاء عن العترة الطاهرة “صلواتُ الله عليهم” في [تفسير القمّي] في صفحة 663 بشأن الآية 30 بعد البسملة مِن سورة ق: {يومَ نقولُ لِجهنّم هل امتلأتِ فتقولُ هل مِن مزيد} جاء في تفسير القُمّي:

  • (وقوله: {يوم نقول لجهنّم هل امتلأتِ وتقول هل مِن مزيد} قال: هو استفهام، لأنَّ اللهَ وعد النار أن يملأها فتمتلىء النارُ، فيقول لها: هل امتلأتِ؟ وتقولُ – مُستفهمةً – هل مِن مزيد؟ على حدّ الاستفهام، أي ليس فيَّ مَزيد – إنّني قد امتلأت – قال: فتقول الجنّة يا ربّ، وعدتَ النار أن تملأها ووعدتني أن تملأني فلِمَ لمْ تملأني وقد ملأتَ النار، قال: فيخلُقُ اللهُ خَلْقاً يَومئذٍ يَملأُ بهم الجنّة، قال أبوعبد الله “صلواتُ الله عليه”: طُوبى لَهم أنّهم لم يروا غُموم الدُنيا وهُمومها).
  • ● قوله: (فيخلُقُ اللهُ خَلْقاً يَومئذٍ يَملأُ بهم الجنّة) إنّهم خَلْقٌ على شكْلِ الآدميّين، ورُبّما خَلْقٌ مِن جنسٍ آخر.. ولكن الذي يبدو من الروايةِ مِن كلامِ إمامنا الصادق إنّهم خَلْقٌ على النَسَق الآدمي.. لأنَّ الجآن أيضاً سيكونونَ على النَسَق البشري، مِثلما كانوا يأتون لزيارةِ الأئمة، فإنَّ الجان كانوا يأتونَ لِزيارةِ الأئمةِ وكانوا يختلطونَ بالشيعةِ، فيأتون بصُوَرٍ بشريّةٍ، يأتونَ بكياناتٍ ظاهرةٍ بشريّة كي يتمكّنوا مِن التواصل مع الإنسِ، مع الأئمةِ، مع أشياعهم، مع هذا الواقع الذي يتعاملون معه.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في صفحة 146 مِن كتاب [بحار الأنوار: ج8] والحديثُ منقولٌ عن كتاب [فلاح السائل]:

  • (عن صفوان الجمال قال: قال أبوعبد الله “عليه السلام”: إذا كانَ يومُ القيامةِ نَظَرَ رضوان خازن الجنّة إلى قومٍ لم يمرّوا به فيقول: مَن أنتم؟ ومِن أين دخلتم؟ قال: يقولون: إيّاك عنّا، فإنّا قومٌ عبدنا الله سرّاً فأدخلنا اللهُ سرّا).
  • ● قوله: (نَظَرَ رضوان خازن الجنّة إلى قومٍ لم يمرّوا به فيقول: مَن أنتم؟ ومِن أين دخلتم؟) “رضوان” هذا هُو المسؤولُ الملائكيّ الأوّل تَحتَ إمْرةِ عليٍّ.. وقوله: (إلى قومٍ لم يمرّوا به) هؤلاءِ مِن أهْل الجنان ولكنّ ملفّاتهم ما مرّتْ على رضوان خازن الجنّة، ولا خبرَ لهُ بهم.
  • ● قوله: (فإنّا قومٌ عبدنا الله سرّاً فأدخلنا اللهُ سرّا) عليٌّ قسيمُ الجنّةِ والنار، وهَو الذي يُدخِلُ أهْلَ الجنان إلى جنانهم، ويُدخِلُ أهْل النيرانِ إلى نيرانهم ويُغلِقُ الأبوابَ عليهم ويُنادي: يا أهْل الجنان خُلودٌ خلود.. ويا أهْل النيران خُلودٌ خلود.
  • هُناك أسرارٌ في الجنان، هُناك وهُناك وهُناك من الحقائق الكثيرة التي تحدّث عنها القرآن وتحدّثتْ عنها العترة الطاهرة.. ولكنَّ الثقافةَ الناصبيةَ السخيفةَ السطحيّة الساذجة البدويّة ركّزتْ الأمور في بعض المسائل التي ترتبطُ بكثرةِ الطعامِ وكثرةِ الشرابِ وكثرةِ الجنسِ وكثرةِ الحُوريّاتِ التي تجتمعُ حول الداخل إلى الجنّة.. هذا موجودٌ في الروايات ولكنّه لا يُشكّلُ الجانبَ الأهمّ.. هناك الكثيرُ والكثير من الحقائق التي تحدّث القرآنُ عنها وتحدّثتْ ثقافةُ العترة الطاهرة.. المُشكلةُ ليستْ في قُرآننا، والمُشكلةُ ليستْ في ثقافةِ العترة، والمُشكلةُ ليستْ في ثقافةِ النواصب، فالنواصب أحرار والناس أحرار فيما يعتقدون.. المُشكلةُ في مراجعنا الذين ركضوا وراء النواصب.. وما هي بمُشكلةٍ كبيرةٍ إذا كانوا يعترفون أنّهم قد أعرضوا عن منهج العترة الطاهرة.. المُشكلةُ هي أنّهم رتعوا في الفِكْر الناصبيّ وكذبوا علينا وقالوا لنا هذا فِكْرُ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد..!

  • الآية 25 بعد البسملة مِن سُورة الغاشية: {إنَّ إلينا إيابهم* ثُمَّ إنّ علينا حسابهُم}.

  • على قولِ مرحلة التنزيل أنّ الضمير (نا) يعودُ على اللهِ وهو للتفخيمِ والتجليل.. ولكنّنا نقرأُ في الزيارةِ الجامعة الكبيرة ونَحنُ نُخاطِبُ مُحمّداً وآلَ مُحمّد: (وإيابُ الخَلْقِ إليكم، وحِسابهم عليكم). حديثُهم يُفسّرُ قُرآنهم وذلكَ هُو مَضمونُ حديثِ الثقلين.
  • فما جاءَ هُنا بلسانِ القُرآن: {إنَّ إلينا إيابهم* ثُمَّ إنّ علينا حسابهُم} يعني أنَّ أولياء الله مُحمّداً وآلَ مُحمّد هُم الذينَ سيقومونَ بهذا الدور {إنَّ إلينا إيابهم* ثُمَّ إنّ علينا حسابهُم}.
  • أمَّا بِحَسَب مَرحلةِ التأويل فإنَّ ضمائر الجَمْع المُتكلّم في الكتابِ الكريم تَعودُ عليهم.. هكذا وَرَد في رواياتهم الشريفة بِحَسَب قواعد التأويل الذي هُو التفسيرُ الحقيقيّ للقُرآن.

  • في سورة السجدة في الآية 17 بعد البسملة: {فلا تَعلمُ نفسٌ ما أُخفي لهُم – في عاقبتهم، في جنانهم – مِن قُرّة أعيُنٍ جزاءً بما كانُوا يعملون}.

  • ● وقفة عند مقطع مِن حديثِ إمامنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في [تفسير القمّي] في معنى الآية 17 مِن سُورةِ السجدة صفح 526.
  • (قال قلتُ: جعلتُ فداك زدني، فقال: إنَّ الله خلَقَ الجنّة بيدهِ ولم تَرَها عينٌ ولم يطّلع عليها مَخلوق، يفتحُها الربُّ كُلَّ صباح – بِحساب عوالم الغيب – فيقول: ازدادي ريحاً ازدادي طِيباً وهُو قول الله تعالى: {فلا تعلمُ نفْسٌ ما أُخْفي لَهم مِن قُرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون}).
  • هذا المضمونُ واضحٌ وصريحٌ في أنَّ كثيراً مِن الأُمورِ خفيّةٌ عنّا.
  • هذهِ الرواية ذَكَرها الشيخُ المجلسي مع إضافةٍ في [بحار الأنوار: ج8] صفحة 199 – الحديث (198) والحديث منقول عن كتاب الحُسين بن سعيد الأهوازي.. الروايةُ جاءتْ هكذا:
  • (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنَّ اللهَ خَلَقَ جنّةً لم تَرْها عين ولم يطّلع عليها مخلوق، يفتحها الربّ تبارك وتعالى كلّ صباح فيقول: ازدادي طيباً ازدادي ريحاً، فتقول: قد أفلح المؤمنون، وهُو قولُ اللهِ تعالى: {فلا تعلمُ نفْسٌ ما أُخْفي لهم مِن قرّةِ أعين جزاءً بما كان يعملون}).
  • هذهِ الآيةُ في أولياءِ عليٍّ المُسّلمون.. فبِحَسَب تَفسيرهم “صلواتُ اللهِ عليهم” لِقولهِ عزَّ وجلَّ: {قد أفلح المؤمنون} أي: قد أفلحَ المُسلّمون، والمُسلّمون هُم المُسلّمون لِعليٍّ وآلِ عليّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. فهذهِ الآيةُ في خواصّ أولياءِ عليٍّ وآلِ عليّ.
  • ● الجنانُ على أصناف، وهُناك جنّةٌ لها خُصوصيّةٌ خاصّة تحدَّث القُرآنُ عنها في سُورة الفجْر، إنّها الجنّةُ الخاصّةُ بِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” في قولهِ عزَّ وجلَّ: {يا أيَّتُها النفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مَرضية* فادخلي في عبادي* وادخلي جنّتي}.
  • الجنانُ لا حدَّ لها ولا حصْر.. أمَّا هذهِ الصُوَر التي صارتْ صُوَراً تقليديّةً عن الجنانِ نشأتْ مِن الثقافةِ السقيفيّة البدويّةِ الناصبيّةِ الساذجةِ السخيفة.
  • ● قوله: (ازدادي طيباً ازدادي ريحاً) إنّها في حالةِ ازدياد وفي حالةِ تطوّر.. هذهِ الجنّةِ يُطوّرها الله.. تزدادُ فضْلاً وسُؤدداً.. ونَحنُ بإمكاننا أيضاً ونَحنُ في الدُنيا أن نُطوّر جناننا، إنّهُ قانونُ الجنّةِ المُزدهرة.. وبإمكاننا أن نَجعلَ جِناننا أكثرَ ازدهاراً، أكثرَ رُقيّاً، أكثرَ رخاءً، أكثر وأكثر وأكثر.. كما جاء في حديثِ إمامنا الصادق “صلواتُ الله عليه” في [تفسير الإمام العسكري] صفحة 315 – الحديث (234) وقد قرأتُ هذا الحديثَ عليكم في الحلقةِ الماضية.
  • (قال جعفر بن مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: مَن كان همّهُ في كسْر النواصب عن المساكين المُوالين لنا أهْل البيت يكسرهُم عنهم ويكشفُ عن مخازيهم ويُبيّن أعوارهم – أي يُبيّن عوراتهم العقائدّية والفكريّة – ويُفخّمُ أمْر مُحمّدٍ وآله، جعلَ اللهُ هِمّةَ أملاكِ الجنان في بناءِ قُصورهِ ودُوره، يُستعمَلُ بكلّ حَرْفٍ مِن حُروفِ حُجَجِهِ على أعداءِ الله أكثرُ مِن عددِ أهل الدُنيا أملاكاً، قُوّةُ كلُّ واحدٍ تَفْضُلُ – أي تزيد – مِن حَمْل السماواتِ والأرضين، فكم مِن بنّاءٍ وكم مِن نِعْمةٍ وكم مِن قُصورٍ لا يعرفُ قدْرها إلّا ربُّ العالمين..).

  • وقفة عند حديثِ رسولِ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” في [تفسير الامام العسكري] صفحة 328 – الحديث (256).

  • (قال رسولُ الله “صلّى الله عليه وآله: إنَّ العبد إذا أصبحَ، أو الأمة إذا أصبحتْ، أقبلَ اللهُ تعالى عليهِ وملائكته ليستقبلَ ربّهُ عزَّ وجلَّ بصلاتهِ، فيُوجّهَ إليهِ رحمته ويَفيض عليه كرامته، فإنْ وفى بما أُخِذ عليه، فأدَّى الصلاة على ما فُرضت – أي أدّاها بالشهادةِ الثالثة في التشهّد الوسطي والأخير – قال اللهُ تعالى للملائكة خُزّان جنانهِ وحَمَلةِ عرْشه: قد وفى عبدي هذا، ففُوا لهُ. وإنْ لم يفِ، قال الله تعالى: لَم يفِ عبدي هذا وأنا الحليم الكريم، فإنْ تابَ تُبتُ عليه، وإنْ أقبلَ على طاعتي أقبلتُ عليه برضواني ورحمتي..).

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٠ والأخيرة – مضمون رسالة إمام زماننا من خلال التربة الّتي تحوّلت إلى دمٍ عبيطٍ سنة ١٤٣٤ﻫ

يازهراء …