دليلُ المسافر – الحلقة ٤٩ – المحطّة العاشرة: العاقبة ج٥

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الإثنين 4 ذو القعدة 1440هـ الموافق 8 / 7 / 2019م

  • لازال الكلامُ في المَحطّةِ العاشرة مِن مَحطّاتِ طَريقنا الطويل هذا، إنّها المَحطّةُ الأخيرة مَحطّةُ العاقبة مَحطّة المصير.. حيثُ يُفتَح بابان: بابٌ إلى النار وقد تمَّ الحديثُ تحت هذا العنوان، وبابٌ إلى الجنّة ولازال حديثي يتدافعُ تحتَ هذا العُنوان.

  • وهذا هُو الجُزءُ الخامس مِن أجزاء حديثي عن المَحطّةِ العاشرة، إنّها مَحطّة العاقبة.
  • • في الحلقةِ الماضيةِ أشرتُ إلى ما يُثارُ مِن كلامٍ إنْ على سبيلِ سُؤالٍ أو كان على سبيلِ إشكالٍ بخُصوصِ ما يبدو مِن إغراقٍ في النُصوصِ التي تتحدّثُ عن الجنانِ وأحوالها فيما يَرتبطُ بالرجالِ وما يتنعّمونَ بهِ في الجنان وكأنَّ غَمْطاً لِحقّ المرأة هُناك، وكذلكَ ما يبدو مِن إغراقٍ في الحديثِ عن الجانبِ الحسّي دُونَ الجانب المعنوي.. تحدّثتُ عن هذا الموضوع، لا أُريدُ أن أُعيد ما تقدّم في الحلقةِ الماضية.
  • الخلاصةُ:
  • أنَّ ما هُو موجودٌ في ساحةِ الثقافةِ العقائديّةِ الشيعيّةِ لا صِلةَ لهُ بحقائقِ ثقافةِ الكتابِ والعترة بسبب ما شَحَنْتهُ المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة وما قامَ به مراجعنا من الأمواتِ والأحياء من ضخّ الفِكْر الناصبي، إنْ كان ذلك في بناء العقل الشيعي عِبْر القرون الماضية وإلى هذهِ الّلحظة.. أو كان ذلك عِبْر مناهجِ التفسير ومناهج العقائد ومناهج استنباطِ الأحكام الشرعيّة.. القضيّةُ كبيرةٌ، مرَّ الحديثُ عن كُلّ ذلك إلى أن عرضتُ بين أيديكم جوانبَ مِمّا جاء في ثقافةِ الكتابِ والعترة ما بين الآياتِ والأحاديثِ والكلماتِ الطاهرةِ لهم “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم” إلى أن وصلَ بنا الحديثُ إلى ما أسميتُهُ بـ(الجنّة المُزدهرة) وأردتُ بذلك أنّنا نستطيعُ أن نُطوّر جناننا – إنْ كُنّا مِن أهْل الجنان – ونستطيعُ أن نُغيّر فيها وأن نُعلي مِن شأنها ونَحنُ هُنا على الأرض.
  • قرأتُ عليكم حديثاً مِن تفسير إمامنا العسكري حدّثنا بهِ الإمامُ العسكريُّ عن إمامنا الصادق، وقرأتُ عليكم بعْضاً مِن حديثٍ عن رسولِ الله “صلَّى الله عليه وآله”، ولم أستطعْ أن أُكمِل ما أردتُ قِراءتهُ بين أيديكم لانتهاءِ وقتِ الحلقة.

  • وقفة عند حديثِ رسولِ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” في [تفسير الامام العسكري] صفحة 328 – الحديث (256).

  • (قال رسولُ الله “صلّى الله عليه وآله: إنَّ العبد إذا أصبحَ، أو الأمةَ إذا أصبحتْ، أقبلَ اللهُ تعالى عليهِ وملائكتهُ – فهذا وقتُ الإقبالِ مِن اللهِ ومِن ملائكتهِ لُطفاً بالعباد – ليستقبلَ ربّهُ عزَّ وجلَّ بصلاتهِ، فيُوجّهَ إليهِ رحمته ويَفيض عليهِ كرامته، فإنْ وفى بما أُخِذ عليه، فأدَّى الصلاة على ما فُرضت – أي أدّاها بالشهادةِ الثالثة في التشهّد الوسطي والأخير – قال اللهُ تعالى للملائكة خُزّان جنانهِ وحَمَلةِ عرْشه: قد وفى عبدي هذا، ففُوا لهُ. وإنْ لَم يفِ، قال الله تعالى: لَم يفِ عبدي هذا وأنا الحليم الكريم، فَإنْ تابَ تُبْتُ عليه، وإنْ أقبلَ على طاعتي أقبلتُ عليه برضواني ورحمتي. ثمَّ قال رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” قال اللهُ تعالى: وإنْ كَسَل عمَّا أُريد، قصّرتُ في قُصورهِ حُسْناً وبهاءً وجلالاً، وشَهْرتُ في الجنان بأنَّ صَاحبها مُقصّر. وقال رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله”: وذلكَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمرَ جبرئيل ليلةَ المِعراج فعَرَضَ عليَّ قُصورَ الجنان فرأيُتها مِن الذهب والفِضّة، ملاطها المِسْك والعنبر، غير أنّي رأيتُ لبعضها شُرُفاً عالية – الشُرُف جمْع شُرفة – ولم أرَ لبعضها، فقُلتُ: يا حبيبي جبرئيل ما بالُ هذهِ بلا شُرَف كما لسائر تلكَ القُصور؟ فقال: يا مُحمَّد هذهِ قُصُورُ المُصلّين فرائضهم الذين يكسلون عن الصلاة عليكَ وعلى آلكَ بعدها، فإنْ بَعَثَ – المُصلّي – مادةً لبناءِ الشُرَف مِن الصلاةِ على مُحمَّد وآلهِ الطيّبين بُنيتْ لهُ الشُرَف وإلّا بقيتْ هكذا، فيُقال حتّى يعرفَ سُكاّن الجنان أنَّ القصْر الذي لا شُرَفَ لهُ هُو للذي كسَلَ صاحبُهُ بعد صَلاتهِ عن الصلاةِ على مُحمَّدٍ وآلهِ الطيّبين. ورأيتُ فيها قُصُوراً منيعةً مُشرفةً عَجيبةَ الحُسْن، ليس لها أمامها دهليز – أي ممرّ – ولا بين يديها بستان ولا خَلْفها – لا تُوجد حدائق أماميّة ولا خلفيّة – فقُلتُ: ما بالُ هذهِ القُصور لا دهليزَ بين يديها – أي أمامها – ولا بُستان خلْفها؟ فقال جبرئيل: يا مُحمَّد هذهِ قُصورُ المُصلّينَ الصلواتِ الخمْس الذين يَبذلونَ بعْضَ وُسْعِهم في قضاءِ حُقوقِ إخوانهم المُؤمنين دُونَ جميعها، فلذلكَ قُصورُهم بغَيرِ دهليزٍ أمامها ولا بساتين خلفها)
  • هذهِ الروايةُ سأعودُ إليها في الحلقاتِ الأخيرةِ مِن هذا البرنامج، حين يَصِلُ الكلامُ إلى الشهادةِ الثالثةِ في التشهّد الوسطي والأخير في الصَلواتِ المفروضة.
  • ● قوله: (يا مُحمَّد هذهِ قُصُورُ المُصلّين فرائضهم الذين يكسلون عن الصلاة عليكَ وعلى آلكَ بعدها) المُراد: صلاتُهُ على مُحمَّدٍ وآلهِ عُقيبَ صلاتهِ التي أدّاها بالشكل المطلوب، أمَّا إذا لم يُؤدّها بالشكل المطلوب فإنَّ صلاتَهُ باطلة وعليه أن يتوبَ إلى الله مِثلما مرَّ في ما قالهُ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” في العباراتِ التي تلوتُها عليكم قبل قليل.. ولكن إذا جاءَ بالصلاةِ بحَسَب ما افترضتْ عليه كما يُريدُ الله سُبحانه وتعالى، وجُزءٌ واجبٌ مِن ذلك أن يُذكَر عليٌّ في التشهّد الوسطي والأخير.. واللهِ هذا موجودٌ في أحاديثِ الأئمةِ في هذا التفسير الشريف، وسأقرأُ عليكم الروايات كي تلاحظوا الفارق الكبير بين فِقْه مَراجعنا (مِن الأمواتِ والأحياء) وبين فقه آلِ مُحمّد “عليهم السلام”.
  • الصلاةُ عند إمامنا الحسن العسكري في تفسيرهِ الشريف، بل هي عند الله باطلة مِن دُونِ ذِكْر الشهادةِ الثالثةِ في التشهّد الوسطي والأخير بعُنوان الوجوب.. مِثلما يجبُ ذِكْر الشهادةِ الأولى ويجبُ ذِكْر الشهادة الثانية يَجبُ وجوباً قطْعياً أن تُذكرَ الشهادةُ الثالثةُ لسيّد الأوصياء في التشهّد الوسطي والأخير، ومِن دُونها الصلاةُ باطلة.. وسأقرأُ عليكم هذهِ الرواياتِ في الحلقاتِ القادمة مِن هذا البرنامج.
  • ● قوله: (الذين يَبذلونَ بعْضَ وُسْعِهم في قضاءِ حُقوقِ إخوانهم المُؤمنين دُونَ جميعها) يعني هُم قادرونَ على قضاءِ حُقوقِ إخوانهم ولكنّهم لا يَقضونَ تلكَ الحُقوق.. فلذلكَ قُصورهُم مُستّرةٌ بغَير دهليز أمامها وغير بُستان خلفها.
  • هذا أنموذجٌ مِن أحاديثِ النبيّ الأعظم “صلَّى اللهُ عليه وآله” وهُو يُخبرنا عن الصلاةِ على مُحمّدٍ وآلهِ وفضْلها.
  • الصلاةُ على مُحمّدٍ وآلهِ هي ألفاظ ولكن هذهِ الألفاظ لها دلالات إذا ما جئنا بهذهِ الألفاظ بتوجّهٍ وبدلالتها الصحيحة التي تَستندُ إلى ثقافةِ الكتاب والعترة الصحيحة حينئذٍ يكونُ ذكْرنا هذا مادةً لتغييرِ الجنانِ التي يُفترضُ أن تكونَ لنا لِتغييرها نحو الأرقى، نحو الأفضل، نحو الأعظم.. وإذا ما حدَثَ تقصيرٌ فإنَّ ذلك سيُؤثّر على تلكَ الجنان.. هذا ما اصطلحتُ عليه (الجنّةُ المُزدهرة).. بإمكاننا أن نجعلَ مِن جناننا أكثر إزدهاراً ورفعةً ونَحنُ هُنا في الدُنيا.
  • العقيدة السليمة هي المادّةُ السحريّة لكي نُطوّر جناننا.. العقيدةُ السليمة هي سبيلُ النجاة وسبيل الأمان في هذا الطريق الطويل، وقد بيّنتُ لكم ذلك مِن خلال آياتِ القُرآن المُفسّرةِ بتفسير عليٍّ وآل عليّ، ومِن خلالِ كلماتهم وأدعيتهم وزياراتهم، مِن خلالِ ثقافتهم الواسعةِ العريضة التي وضعتُ بين أيديكم جانباً منها مُنذُ بدايةِ الحَلَقةِ الأولى وإلى هذهِ الّلحظة في هذا البرنامج.

  • وقفة عند حديث رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” في [تفسير القمي] في مُقدّمة التفسير صفحة 25 والحديثُ مرويٌّ عن إمامنا الصادق “عليه السلام”.

  • (قال رسولُ الله “صلّى اللهُ عليهِ وآله”: لمّا أُسريَ بي إلى السماء دخلتُ الجنّة فرأيتُ فيها قيعاناً – أي مساحات فارغة ليس فيها بناء – ورأيتُ فيها ملائكة يبنونَ لبنةً مِن ذهب ولبنةً مِن فضّة وربّما امسكوا، فقُلتُ لهم مالكم! ربّما بنيتم وربما أمسكتم؟ فقالوا: حتّى تجيئنا النفقة، فقُلتُ: وما نفقتكم؟ فقالوا: قولُ المُؤمن في الدُنيا: “سُبحان اللهِ والحمدُ للهِ ولا آله إلّا الله واللهُ أكبر” فإذا قال بنينا وإذا أمسكَ أمْسكنا..).
  • الحديثُ على سبيل المُقاربة، الحديثُ يأتي للتوضيحِ، الحديثُ يأتي بهذا الذِكْر مِثالاً.. وحتّى إذا لم يَكنْ قد جاءَ بهذا الذكْر مِثالاً، فهذا الذِكْر بحَسَب أحاديثِ العترةِ الطاهرة يُمثّل أركانَ العَرش، هذهِ رُموز العرش.
  • أركانُ العرش أربعة، رُموز هذهِ الأركان هُو هذا الذِكْر: (سُبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا آله إلّا الله، واللهُ أكبر) هذا التسبيحُ رموزٌ لأركان العَرش الأربعة.. هذهِ الأذكارُ يَفوحُ منها عَبَقُ مُحمّدٍ وعليٍّ وفاطمة “عليهم السلام”.. هذهِ الرُموزُ رُموزهم، هُم وجه الله، هُم قلبُ الله، هُم نور الله، هُم قُدْرةُ الله.. هذه المعاني واضحةٌ جدّاً.
  • والعَرشُ تجلٍّ مِن تجلّياتِ مُحمّدٍ وآلِ محمّد.. وليس العَرشُ هو أعلى تجلّياتهم وإنّما هُو مِن تجلّياتهم العالية.. فللحقيقةِ المُحمّديّة مِن التجلّياتِ ما وراءَ العَرش، وما وراء ما وراء العرش، هكذا جاءَ في رواياتهم الشريفة “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”. في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة نقرأ هذهِ العبارات: (خَلَقَكُم اللهُ أنواراً فجَعَلَكم بعرشهِ مُحدقين) هذا تَجلٍّ مِن تجلّياتِ الحقيقةِ المُحمّديّة، إنّهم ما وراءَ العَرش.. إنّهم يُحيطون بالعرش.
  • ● في تفسير النعماني وردتْ نفس الرواية التي قرأتُها عليكم مِن تفسير القُمّي.. الرواية ينقُلها سيّد الأوصياء عن رسول الله “صلَّى الله عليه وآله”.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “صلواتُ الله عليه” في [بحار الأنوار: ج8] صفحة 186 – الحديث (154):

  • (عن الصادق، عن آبائه: قال: قال رسولُ اللهِ “صلَى اللهُ عليه وآله”: مَن قال: «سُبحان الله» غَرَسَ اللهُ لَهُ بها شَجَرةً في الجنّة، ومَن قال: «الحَمْدُ لله» غَرَسَ اللهُ لهُ بها شَجَرةً في الجنّة، ومَن قال: «لا إله إلّا الله» غَرَسَ اللهُ بها شجرةً في الجنّة، ومَن قال: «اللهُ أكبر» غَرَسَ الله لهُ بها شجرةً في الجنّة، فقالَ رجلٌ مِن قُريش: يا رسولَ الله إنَّ شَجَرنا في الجنّة لكثير! قال: نعم، ولكن إيّاكم أن تُرسلوا عليها نيراناً فتحرقوها، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: {يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا الرسول ولا تُبطلوا أعمالكم}).
  • ● قوله: (نعم، ولكن إيّاكم أن تُرسلوا عليها نيراناً فتحرقوها) هذهِ الأشجارُ ثباتها وبقاؤُها بطاعةِ اللهِ وطاعةِ رسوله، ولا يتحقّقُ معنى طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولهِ مِن دُون العقيدةِ الصحيحة السليمة. طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولهِ تتجلّى فيما يُحدّثنا القُرآن في الآية 67 مِن سُورة المائدة وهي الآيةُ الأصْل والأساس في الكتاب الكريم: {يا أيّهُا الرسولُ بلّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِن ربّك وإنْ لم تفعلْ فما بلّغتَ رِسالته..}.
  • هذهِ طاعةُ الله.. والخطابُ في الآية لي ولكم، إنْ قصّرنا في ولايةِ عليٍّ فإنّنا لم نفعلْ شيئاً وما جئنا بشيءٍ حتّى لو بذلنا كُلّ جهودنا.. نبيّنا الأعظمُ “صلَّى اللهُ عليه وآله” هُو أكرمُ مِن أن يُخاطَبَ بهذا المضمون.. مُحمَّدٌ هُو عليٌّ وعليٌّ هو مُحمّدٌ ولكنَّ الخِطابَ لنا لأنَّ القُرآن نزل بلسانِ إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة كما جاء في منهجهم التفسيري “عليهم السلام”.
  • فمُحمّدٌ “صلَّى الله عليه وآله” أجلُّ وأعظمُ وأكرمُ مِن أن يُخاطَبَ بمِثْل هذا الخطاب، ولكنَّ الخطابَ لَفْظاً لسيّد الكائنات، ومعنىً هُو لي ولكم.
  • نجاتُنا مع عليٍّ وآل عليّ، خلاصُنا مع عليٍّ وآل عليّ.. ليس لنا مِن نَجاةٍ بعيداً عنهم، وليس لنا مِن خلاصٍ بعيداً عنهم.

  • وفي نفس هذا المجرى ما جاء في سُورة الرُوم في الآية 43 بعد البسملةِ وما بعدها:

  • {فأقمْ وجهكَ للدين القيّم مِن قبْلِ أن يأتي يومٌ لّا مَردَّ لَهُ مِن اللّه يومئذٍ يصّدّعُون* مَن كفَرَ فعَليهِ كُفْرهُ ومَن عَمِلَ صالحاً فلأنفُسهم يَمهدُون}.
  • الدينُ القيّم هُو نفْسهُ (دينُ القيّمة) الذي وَرَد ذِكْرهُ في سُورة البيّنة وهي سُورةُ عليٍّ.. نقرأ في الآية 5 بعد البسملة مِن سُورة البيّنة: {وما أُمروا إلّا ليعبُدُوا اللهَ مُخلصينَ لَهُ الدينَ حُنفاء ويُقيمُوا الصلاةَ ويُؤتُوا الزكاةَ وذٰلكَ دينُ القيّمة}.
  • وقد جاءَ عن إمامنا باقر العلوم “صلواتُ اللهِ عليه” أنَّ القيّمة هي فاطمة، ودِينُ القيّمة هُو دينُ فاطمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.
  • ● قوله: (مَن كفَرَ فعَليهِ كُفْرهُ) أي مَن كفرَ بالدين القيّم، كَفَر بالقيّمةِ ودين القيّمة، كَفَر بفاطمة وآلِ فاطمة الأطهار “عليهم السلام”.

  • وقفة عند حديثِ الإمامِ الصادق “عليه السلام” في [تفسير البرهان] في صفحة 163 فيما جاءَ بصددِ الآية 43 مِن سُورةِ الرُوم – الحديث (1):

  • (عن داوُد بن فرقد، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلامُ” يقُول: إنَّ العملَ الصالح لَيذهَبُ إلى الجنّة فيُمهّدُ لصاحبه، كما يَبعثُ الرجلُ غُلاماً فيفرش لَهُ – أي يُهيّء له فراشهُ كي ينام – ثُمَّ قرأ: {ومَن عَمِلَ صالحاً فلأنفسهم يَمهدُون}).
  • هذهِ الكلماتُ لو كانَ لنا مِن حظّ ولو كان لنا مِن سعادةٍ لَنَقشْنا هذهِ الكلمات على عقولنا، على قُلوبنا.
  • ● قوله: (إنَّ العملَ الصالح لَيذهَبُ إلى الجنّة فيُمهّدُ لصاحبه) لو كانتْ أعمالُنا تمهيداً لإمامِ زماننا فأيُّ تمهيدٍ سنبعثُ بهِ إلى الجنان..؟!
  • فالعملُ الصالحُ يُمهّد لِصاحبهِ، ولِذا نقرأ في دُعاءِ أبي حمزة الثمالي هذهِ العبارات:
  • (وانقُلني إلى درجةِ التوبةِ إليكَ، وأعنّي بالبُكاءِ على نفْسي فقد أفنيتُ بالتسويفِ والآمالِ عُمُري، وقد نزلْتُ مَنزلةَ الآيسينَ مِن خيري، فمَن يكُونُ أسوأ حالًا منّي إنْ أنا نُقِلتُ على مِثْل حالي إلى قبرٍ لَم أُمهّدهُ‌ لرقدتي ولم أفْرشهُ بالعَمَل الصالح لِضجعتي).
  • تُلاحظون التعانُقَ بين الآيات وبين الأدعيةِ والروايات.. ألا لعنةٌ على هذهِ الثقافةِ الناصبيّة التي شَحَنها مَراجعنا مُنذُ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى وإلى هذهِ الّلحظة، شحنوها في ساحةِ الثقافة الشيعيّة ودمّروا عُقولنا بها.

  • في الآية 107 بعد البسملة والتي بعدها مِن سُورةِ الكهف:

  • {إنَّ الّذين آمنُوا وعملوا الصالحاتِ كانتْ لهُم جنّاتُ الفِردوس نُزُلا* خالدينَ فيها لا يبغونَ عنها حِولًا}.

  • وقفة عند حديث الإمامِ الصادق “صلواتُ اللهُ عليه” في [تفسير القمّي] في معنى الآية 107 مِن سُورة الكهف.. في صفحة 403:

  • (عن أبي بصيرٍ عن إمامنا الصادق “صلواتُ الله عليه” قال: في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ كانتْ لهم جنّاتُ الفردوس نُزُلا} قال: هذهِ نزلتْ في أبي ذرّ والمِقداد وسلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، جعل اللهُ لهم جنّاتِ الفردوس نُزُلاً أي مأوىً ومنزلاً.. وقوله: {خالدين فيها لا يبغونَ عنها حِوَلا} قال: “خالدينَ فيها” لا يخرجونَ منها “ولا يَبغونَ عنها حِوَلا” قال: لا يُريدون بها بدلا}).
  • لا يُريدون بها بَدَلا لأنّهُ لا يُوجَد مَلَلٌ ولا كَلَلٌ ولا ضَجَرٌ وليس هُناك مِن حالةٍ يَسأمُ الإنسانُ فيها مِمّا هُو في الجنّةِ في كُلّ شيءٍ فيها وحولها.. فليس َمِن تَعَبٍ، وليسَ مِن نَصَبٍ، وليس مِن أذىً، وليس مِن ألمٍ، وليس مِن كَسَلٍ ولا ضَجَرٍ ولا ولا.. لأنّها في حالةِ تجدّدٍ مُستمرّ، ولأنَّ أهلها يمتلكونَ ولايةً في التكوينِ والخَلْقِ والإبداع، فإنّهم إذا أرادوا شيئاً يتحقّقُ ذلك الشيءُ لهم.. فهُناك إبداعٌ مُستمِرٌّ وهُناك تكوينٌ مُزدهرٌ.. كُلُّ هذا إذا نظرنا إلى الجانب الحِسّي في الجنّةِ وما فيها مِن جمالٍ في كُلّ شيءٍ فيها، ومِن لذّةٍ وبهجةٍ في جميعِ اتّجاهاتها (ما لا عينٌ رأت، ولا عينٌ سمعتْ، ولا خطر بقلبِ بشر).
  • هذهِ المضامينُ واضحةٌ إن كانَ الحديثُ عن الجانب الحِسّي، ومِن جُملةِ ما أشرتُ إليهِ أنَّ هُناكَ مَن يقول أنَّ النُصوصَ الدينيّة عندنا فيها إغراقٌ كثيرٌ في الجانب الحِسّي مِمّا هُو في الجنان.
  • الجانبُ المعنوي واضحٌ وواضحٌ جدّاً حتّى في هذا المَوضع مِن الكتاب الكريم، فَإنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن أعلى نَماذج المُؤمنين، إنّهم: سلمان وأضراب سلمان الذين بلغوا أعلى درجاتِ الإيمانِ وسط أشياع عليٍّ وآل عليّ.. فهؤلاء هُم الخالدون في جنّاتِ الفردوس {خالدين فيها لا يبغونَ عنها حِوَلا} مِثلما قال إمامُنا الصادق: (“ولا يَبغونَ عنها حِوَلا” قال: لا يُريدون بها بدلا}).
  • القضيّةُ تأخذُ بُعْداً عميقاً ليسَ في الجانب الحِسّي فقط وإنّما في الجانب المعنوي، فنَحنُ لا نتحدّثُ عن أراذلِ الشيعةِ وعن سُفهاءِ الشيعةِ وعن حمقى الشيعةِ، وعن سَفَلةِ الشيعةِ.. نَحنُ لا نتحدَّث عن هؤلاء الذين يكونُ هَمُّهم الأعلى في الجانب الحِسّي.. فهذا الذي يَكونُ همُّهُ الأعلى في الجانب الحِسّي هُو مِن هذهِ الطبقات: (مِن سَفَلةِ الشيعة، مِن أراذل الشيعة، مِن حمقى الشيعة..) مِن الطبقاتِ المُتدنّية.
  • هذا التقسيمُ في ثقافةِ العترة لا بِحَسَب الأخلاق، وإنّما بِحَسَب العقيدةِ.. فالمُرادُ مِن سَفَلةِ الشيعة: أي عقائديّاً، وحَمْقى الشيعةِ عقائديّاً.. ليس الحديثُ عن التصرّفاتِ الاجتماعيّة وعن السلوكِ الأخلاقي.
  • فهذهِ التقسيماتُ في أحاديثِ الأئمة (عن سَفَلةٍ، وعن أراذل، وعن حمقى، وعن، وعن..) هذا الحديثُ عن الجانب العقائدي.. قد يَنطبقُ على أكبر المراجع.. هذهِ تقييماتُ آلِ مُحمّد وليستْ بتقييماتٍ إجتماعيّةٍ يضعُها الناسُ لِمَن يُريدون مَدْحاً أو قدْحاً.. الحديثُ في جانبِ العقيدة لأنَّ الميزانَ في الجنّةِ هُو العقيدة، ولأنَّ الميزان عند مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد هُو العقيدةُ السليمة.
  • إذا كبرتْ العمائم، وكثرتْ الألقاب، وطالتْ الأعمار وكثرتْ الأموال عند الأشخاص وقالوا ما قالوا عنهم وكانتْ عقائدهم أشعريّةٌ مُعتزليّةٌ فهؤلاء أراذلُ الشيعة وسَفَلةُ الشيعة وحمقى الشيعة في البُعد العقائدي. نَحنُ لا نتحدّثُ عن قضايا عُرفيّةٍ أو عن قضايا اجتماعيّةٍ هُنا.. نَحنُ نتحدّثُ في الجنانِ ونتحدّثُ عن يومِ القيامةِ وعن موازيين العدالةِ الإلهيّةِ المُطلقة، وأساسُ التقييم هو العقيدةُ السليمة.
  • ● القُرآنُ صريحٌ في أنَّ يومَ القيامةِ لا ينفعُ لا مالٌ ولا بنون..! المالُ والبنونُ هي الاهتماماتُ الكُبرى عند الناس في الدُنيا، جيء بهما مثالاً.
  • فهذهِ الألقابُ والأوصافُ والمقاماتُ في الزعاماتِ الدينيّة، الدنيويّة، الأموالُ، القُصور، الجاهُ، القصور، كثرةُ الأتباع وغير ذلك مِمّا يدورُ في الدُنيا.. هذهِ الأشياء لا تنفع، في يوم القيامة ستكونُ وبالاً على الناس هذهِ الأشياء خُصوصاً إذا وُظّفتْ لِخُداع الناس في الجوّ الديني مثلما يَحدثُ الآن.. فإنَّ هذهِ الأشياءُ تُوظّفُ مِن قِبَل المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّة الرسميّة لِخداع الشيعةِ وربطهم بالعلماءِ الذين هُم غاطسون في الفِكْر الناصبي..!
  • ● أصحابُ الهِمَم الضعيفة هُم الذين تَكونُ هِمَّتُهم في الجانب الحِسّي، فيما يُأكلُ، وفيما يُشربُ… إلى بقيّةِ الاهتماماتِ الحِسيّةِ والجَسَديّةِ التي تَكونُ شاغلةً لِعَقلهِ وقلبه.. هُو هكذا في الدُنيا، وسيبقى هكذا في عالمِ الآخرة.. لأنَّ الحِسابَ يَكونُ على قَدْرِ العُقول، فإذا كان عَقْلُ هذا الشيعي المُحبّ لعليٍّ وآلِ عليّ الذي يُحاولُ أن يلتزمَ بدينهم، هاجسُ عقلهِ الأوّلُ والأخير هُو ما يَرتبطُ بالمُتَع الحِسيّة.. إذا كانَ هذا الهاجسُ هو الذي يسكنهُ في الدُنيا فإنّهُ يُخبرنا عن مُستوى عقله، فيُحاسَبُ في القيامةِ وِفقاً لِمُستوى عقله.. هكذا تَجري الأُمور، وحينئذٍ سيكونُ الجزاءُ حِسيّاً صِرْفاً، قَطْعاً بدرجةٍ أرقى مِمّا كانَ في العالم الدنيوي، بل لا وجْه للمُقايسة في الّلذةِ الحِسيّة وفي البهجةِ الحِسيّة.
  • أمَّا هؤلاء أصحاب المراتب العالية إنّهم أصحابُ الهِمَمِ العالية الذين يتعاملونَ مع الجانب الحِسّي وِفْقاً للموازينِ الخاضعةِ لِحكمةِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. هُم يتنعّمون بالجانب الحِسّي في الجنان، ولكنَّ التنعّم الأكبر هُو في الجانب المعنوي.
  • وِلذا في الكتاب الكريم في سُورة التكاثر، الخِطابُ واضحٌ وصريح: {كلّا لو تعلمونَ عِلْمَ اليقين* لَترونَّ الجحيم* ثُمَّ لترونّها عين اليقين* ثُمَّ لتسألُنَّ يومئذٍ عن النعيم} النعيمُ ولايةُ عليٍّ وآلِ عليّ.. إنّهُ نعيمٌ في الدُنيا بِحَسَب الدُنيا للذين يَعيشون لَذّتهُ ونعيمَهُ.
  • ● نحن صارَ الدين عندنا بمثابة تنظيمٍ حزبيٍّ، جماعةٌ تلتفُّ حول شخْصٍ مُعيّنٍ تُردّدُ شِعاراتٍ مُعيّنةً، تُلقلقُ بكلامٍ، تُؤدّي بعض الطقوسِ وبعض المراسم.. هكذا صارَ الدينُ عندنا.. عواطف لا تَستندُ إلى عقيدةٍ واضحةٍ صريحة، وأدلُّ دليلٍ على قولي حالةُ الاحباط التي نَعيشُها الآن.. الواقعُ الشيعيُّ يعيشُ حالةَ إحباطٍ ولكنَّ المُتديّنين يخافون أن يُصرّحوا مِن إحباطهم الديني مِن الدين بكُلّ تفاصيله.. وكثيرونَ يرغبونَ في ترك الدين لأنّهم لم يتلمّسوا شيئاً حَسَناً في الجوّ الديني.. هُم خاضعون للأعرافِ والتقاليد، أمَّا الشُعورُ العام في الوسط الديني هُو الإحباط مِن الدين نفْسه، ومَردُّ ذلكَ إلى العقيدةِ الفاسدةِ التي علّمتنا إيّاها المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة.. لأنَّ المراجعَ أنفُسُهم يُعانون مِن جفافٍ رُوحيٍّ ومِن حالةِ إدبار.. أنا ابنُ هذا الواقع وقد لَمستُ هذا سابقاً ولازلتُ ألمسهُ.
  • مِن أكثر الناس إدباراً عن الدين ولا يملكون حالةً روحانيّةً صحيحةً هُم أصحابُ العمائم، ولِذا يُفْرِغون جامَ غَضَبهم على الأكل والشرب والجنس، يُحاولون أن يسدّوا الفراغ الرُوحي ويقضونَ أوقاتهم بالنُكاتِ الفاحشةِ وبالجَدَل الفارغ.. هذا هُو البرنامجُ اليوميُّ لِرجلِ الدين المُعمّم (نُكاتٌ فاحشة، جَدَلٌ فارغ، حَسَدٌ قاتلٌ فيما بينهم، سعيٌّ بكُلّ الأساليبِ لتحصيل أيّ مَبلغٍ مِن المال بأيّ طريقةٍ، شهوةٌ شديدةٌ في التهامِ الطعامِ والشراب، وقَتْلٌ للنفسِ على الجنس وبحْثٌ عن المُنشّطاتِ الجنسيّة التي قتلتْ البعض منهم، وفراغٌ رُوحيٌّ هائل..) هُم لا يُخبرونكم عن حالةِ الاحباط الرُوحي والاحباط الديني!
  • ● ولايةُ عليٍّ وآل عليٍّ هي النعيمُ الحقيقيُّ في الدُنيا لِمَن كان مِن أمثالِ سلمان، مِن أمثالِ أبي ذر.. فهؤلاءِ في الجنانِ يَعيشون نَعيماً مَعنويّاً حتّى في الجانب الحِسّي.. هُم يَتنعّمون بالحِسّياتِ أكثرَ مِن الذين هَمُّهم في الجانب الحِسّي فقط، وما في جنانِ هؤلاء مِن الجمالِ الحِسّي أرقى بكثيرٍ مِمّا في جنانِ أولئكَ الذين غايةُ همّهم الجانبُ الحِسّي، ولكنّهم حتّى في تنعُّمِهم بالجانب الحِسيّ هُم يَستشعرونَ شيئاً مَعنويّاً هُم يَعرفونه.. هذهِ المعاني يُمكنُنا أن نتلمّسها مِن خلالِ الآياتِ والأحاديثِ والأدعية.. على سبيل المِثال:
  • ما جاء في سُورةِ التكاثر: {ثُمَّ لتُسألُنَّ يومئذٍ عن النعيم} هذهِ ولايةُ عليٍّ في الدُنيا لِمَن هُو في هذا المُستوى، وليس مِن أمثالي وأمثالكم الذين تَحوّل الدينُ عندهم إلى تنظيمٍ حزبيّ..! النعيمُ ولايةُ عليٍّ وآلِ عليّ، النعيمُ ولايةُ الحُجّةُ بن الحسن “عليه السلام”.. فَمَن أدركَ هذ المعنى وأدركَ هذهِ الحقيقةَ في الحياةِ الدُنيا فإنّهُ سيتنعّمُ نعيماً لا يَعلمُ بهِ إلّا مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “عليهم السلام” لأنّهُ سيكونُ عَطاءً مُباشراً منهم، إنّهُ الحديثُ عن الجنّةِ السرّية التي مرَّ الكلامُ عنها، إنّهُ الحديثُ عمّا هو أرقى وأرقى وأرقى وأرقى مِن كُلّ المعاني التي تقدّمتْ ومِن الجنّةِ السِرّيةِ ومِن غيرها.
  • ● النعيمُ هُو هذا الذي نجدهُ في زيارةِ إمامِ زماننا “عليه السلام” في الدُنيا:
  • (أشهدُ أنَّ بولايتكَ تُقبَل الأعمال، وتُزكّى الأفعال، وتُضاعَفُ الحَسَنات، وتُمحى السيّئات..).
  • هذا هُو النعيم لو أحسسنا بهِ حقيقةً.. لا أن نُردّدهُ كما أُردّدهُ الآن، لا أن نتحدَّث بهِ فقط، لا أن نقبَلَهُ عقلاً مِن دُون أن يكونَ هذا المعنى يُمازجنا مُمازجةً حقيقيّةً ونلحظهُ بعُيوننا هذهِ وبقُلوبنا، نَلحظهُ في مُستوى الغَيب وفي مُستوى الشهادة، هؤلاء هُم الذين تكونُ ولاية عليٍّ عندهم نَعيماً.. هذا هُو النعيمُ الذي سيتنعّم بهِ هؤلاء الذين تتحدّث آياتُ سُورة الكهف عنهم: {إنَّ الّذين آمنُوا وعملوا الصالحاتِ كانتْ لهُم جنّاتُ الفِردوس نُزُلا* خالدينَ فيها لا يبغونَ عنها حِولًا}.
  • هُم مُلتصِقون بهذهِ الجنان لأنّهم التصقوا بِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.. مِثلما يقول سيّد الأوصياء: (لو ضربتُ خيشومَ المؤمن بسيفي هذا على أن يُبغضَني ما أبغضني..). ولكن الحديث هُنا في مُستوىً أعلى وأعلى وأعلى.

  • نقرأ في مُناجاةِ المُحبّين.. وهي مِن المُناجيات التي جاءتنا عن إمامنا السجّاد “صلواتُ الله عليه”، نقرأ فيها هذه العبارات:

  • (مَن ذا الّذي ذاقَ حلاوةَ مَحبّتكَ فرامَ منكَ بدلاً ومَن ذا الّذي أَنِسَ بقُرْبك فابتغى عنكَ حِولاً…) والكتاب الكريم يقول: {إنَّ الّذين آمنُوا وعملوا الصالحاتِ كانتْ لهُم جنّاتُ الفِردوس نُزُلا* خالدينَ فيها لا يبغونَ عنها حِولًا}.
  • حلاوةُ مَحبّتهِ سُبحانهُ وتعالى هي في حُبّنا لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “عليهم السلام”.. نَحنُ لا نعرفُ الله، هُم أخبرونا عن الله: مَن أرادَ اللهَ بدأ بكم ومَن وحّدهُ قَبِلَ عنكم ومَن قَصَدهُ توجّه إليكم.. كما نقرأ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.
  • ● مِثلما بيّنتُ لكم مِن أنَّ الذين هِمَّتُهم في الجانب الحِسّي وعُقُولهم حينما كانوا في الدُنيا محبوسةٌ في هذا الجانب فإنّهم سيكونونَ كذلكَ في عالمِ الجنان، لأنَّ الجزاءَ سيكونُ بِحَسَب مُستويات العُقول، ومرَّتْ علينا الرواياتُ قبل قليل مِن أنَّ قُصُورَ الجنان يُمكن أن تُبنى وأن تتّسع وأن تتغيّر بحَسَب ما عليهِ الإنسان في الدُنيا.. وكُلُّ هذهِ البيانات أمثلةٌ تقريبيّة، وسائلُ إيضاح.. القضيّةُ أكبرُ مِن ذلك، إلّا أنَّ هذهِ الحقيقة ستبقى ثابتةً موجودةً لأنَّ الحساب في ساحةِ الحساب يومَ القيامة على أساسِ العُقول.
  • ● ما نقرؤهُ في الرواياتِ والأحاديثِ مِن أنَّ صاحبَ الأمر “عليه السلام” حينما يظهرُ فإنّهُ يَضَعُ يدهُ على رُؤوس الخلائق فيجمعُ بذلك عُقولهم، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ العقولَ ستكونُ بمُستوىً واحد، هذا خِلافُ العَدل وخلافُ الحكمة.. الإمامُ آتٍ كي يبسطَ العدل، فإنَّ عدلهُ سيشملُ البرَّ والفاجر كما تقول الروايات، وأنَّ عدلهُ سيدخلُ إلى بيوتنا كما يدخلُ الحرّ والبرد.. فحينما يُكمّل عُقول العباد فهذا التكميل والإكمالُ نسبيٌّ، كُلٌّ بِحَسَبه.
  • (وقفة تقريب للفكرة بمثال).
  • ● الحالةُ البهيميّةُ لن يتخلّص منها الإنسانُ في الجنّة، سيبقى الإنسانُ إنساناً، وستبقى الحالةُ البهيميّةُ إذا كانتْ مُسيطرةً على هواجسهِ حينما كان في الدُنيا ستبقى مُسيطرةً على هواجسهِ حينما يكونُ في الجنان.. الإنسانُ هو هو، لن تتغيّر خِلْقةُ الإنسان، هناك عمليّةُ تنظيفٍ ستجري عليهم. فهُم يأتون إلى الجنّة وقُلوبهم ملأى بالحَسَد والحقْد {ونَزَعْنا ما في صُدُورهم مِن غِلّ}..! عِبْر هذا الطريق الطويل والحِقْد والحَسَد والبغض مُعشعشٌ في القلوب..!!
  • إلى أن يدخلوا إلى الجنان إلى اللّحظةِ الأخيرةِ فإنّهم سيُغسلون قبل أن يلِجوا إلى جنانهم لإزالةِ الحَسَد والحِقْد، أمَّا بقيّةُ الطِباعُ ستبقى.. سيُزالُ الحَسَدُ والحقد لأنَّ هذا لا ينسجِمُ مع واقع العيش في الجنان.. فلابُدَّ مِن تنقيةِ الإنسانِ مِن النواقص والمُنغّصاتِ التي لا تنسجمُ مع عيش الإنسانِ في الجنان.. مِثلما هي قضيّةُ ما يطرأُ على النساءِ في شأنهنَّ مِن حالاتٍ جسديّة، ولِذا هذا السُؤال وُجّه إلى إمامِ زماننا: هل أنَّ النساءَ يَحْمِلنَ ويَلِدنْ في الجنان؟!

  • وقفة عند حديث إمامنا زماننا في كتاب [بحار الأنوار: ج53] – باب التوقيعات صفحة 162، التوقيع الرابع.. مِمّا جاء فيه:

  • (وسُئل عن أهل الجنة، هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟ فأجاب الإمام “صلواتُ الله عليه”: إنَّ الجنَّة لا حمْل فيها للنساء، ولا ولادة، ولا طَمَث، ولا نفاس، ولا شقاء بالطُفوليّة – أي ولا تعب على النساء في تربيّة الأطفال – وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين كما قال سُبحانَهُ، فإذا اشتهى المُؤمنُ ولداً خَلَقهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بغَير حمْلٍ ولا ولادة على الصُورة التي يُريد – هذا المُؤمن الذي اشتهى ولداً – كما خُلِقَ آدم عِبْرة).
  • ● قوله: (وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين كما قال سُبحانَهُ) الإمام يُشيرُ إلى الآية 71 بعد البسملةِ مِن سُورةِ الزُخرف: {ادخلوا الجنّة أنتُم وأزواجكُم تُحبرون* يُطافُ عليهم بصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكوابٍ وفيها ما تشتهيهِ الأنفسُ وتَلذُّ الأعيُنُ وأنتُم فيها خالدُون}.
  • هُناك عنايةٌ دقيقةٌ في كلماتهم “صلواتُ الله عليهم”.. الإمامُ أشارَ إلى هذهِ الآياتِ التي فيها الحديثُ عن الأُسَرِ مِن الأزواج والزوجات.
  • هُناك أشياء تُفسِدُ الحياةَ في الجنان، هذه الأشياء ستُنقّى منها النساء.. كذلكَ الغِلّ ستُنقّى القُلوبُ والأرواحُ مِن الغِل قبل دُخول الجنّة.. أمَّا الحالةُ البهيميّةُ أي الحالةُ الشهويّةُ مِن التوجّه إلى الّلذائذ الحِسيّة والإغراقُ فيها فهذا الأمْرُ سيبقى مَوجوداً.. لَيس مِن تنافرٍ بين الجنانِ وبين الحالةِ البهيميّة.. فهُناك مِن البهائم والحيواناتِ ما سيكونُ في الجنان مِثل كلْب أهْل الكهف، كما تقول الروايات الشريفة.. قطْعاً سيتعرّضُ لتنقيةٍ بحَسَبه مِثلما نتعرّض نَحن لتنقيةٍ ولكن الحالةُ البهيميّة ستبقى موجودةً فيه.. وكذا الأمرُ بالنسبةِ لنا.
  • الكلبُ ليس قادراً على أن يتخلّصَ مِن الحالة الكلبيّة.. نَحنُ قادرونَ على أن نُسيطرَ على الحالةِ البهيميّةِ وأن نُحوّل اتّجاهاتها ونَحنُ في الحياةِ الدُنيا.. فلذا أُولئكَ الذين يُسيطرون على الحالةِ البهيميّةِ مِن أمثالِ سلمان يتنعّمون بالحِسّياتِ ولكن بنحوٍ آخر، هذا ما تتحدّث عنهُ الآياتُ والروايات التي سأضعها بين أيديكم في حلقةِ يوم غد.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …