دليلُ المسافر – الحلقة ٥٠ – المحطّة العاشرة: العاقبة ج٦

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 5 ذو القعدة 1440هـ الموافق 9 / 7 / 2019م

  • لازالَ الحديثُ يَتواصلُ في أجواءِ المَحطّةِ العاشرة، إنّها المَحطّةُ الأخيرة مِن مَحطّاتِ طَريقنا الطويل البعيد هذا.. وهي مَحطّةُ العاقبة، هذهِ المَحطّةُ تُفتَحُ على بابين: بابٌ يُؤدّي إلى النار وقد تمَّ الحديث تحتَ هذا العُنوان، وبابٌ يُؤدّي إلى الجنان ولازال الحديثُ في أجواءِ جنانِ ربّ العالمين.

  • هذا هُو الجُزءُ السادسُ مِن أجزاءِ حديثي عن المَحطّة العاشرة: مَحطّةِ العاقبة.
  • ● كانَ الكلامُ في الحلقةِ الماضية في آخرِ ما وصلتُ إليهِ كُنتُ أحدّثُكم عن الحالةِ البهيميّة، عن الحالةِ الشهويّة عند الإنسان فإنّها ستبقى مِثلما كانَ الإنسانُ في الدُنيا ستبقى هذهِ الحالةُ موجودةً في حياتهِ في الجنان.. هُناك فارقٌ في توجّهاتِ أهْل الجنان مِثلما كانَ هذا الفارقُ مَوجوداً في حياتنا الدُنيويّة.
  • هُناك مَن هَمّهُ في الجانب الحِسّي، في الّلذائذِ والمُتَع الحِسيّة، وهُناك مَن همّتهُ أعلى وأرقى مِن ذلك.. مرَّ هذا الحديثُ وبقيتْ بقيّةٌ لابُدَّ أن أتناولها في هذهِ الحلقة.

  • سأبدأ مِن سُورة التوبة.

  • وقفة عند الآية 72 من سُورة التوبة: {وعد اللهُ المُؤمنين والمُؤمناتِ جنّاتٍ تَجري مِن تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبةً في جنّاتِ عدنٍ ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلك هُو الفوزُ العظيمُ} الوعْدُ للمُؤمنين والمُؤمناتِ على حدٍّ سواء.

  • الآيةُ تحدّثتْ عن المُتَعِ والّلذائذ الحِسيّة إلّا أنّها أشارتْ وبتعبيرٍ صريح إلى الجانب المعنوي حين أعْطَتهُ هذا العُنوان: {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر} إنّهُ أكبرُ مِن كُلّ تلكَ النِعَم الحِسيّة، تلكَ المُتَعِ والّلذائذِ الحِسيّة، تِلكَ الرغباتِ والمطامحِ والشهواتِ والميولِ التي تتحقّقُ على أكملِ وجهٍ وبأجملِ صُورةٍ وبأحلى مذاقٍ في جنانِ ربّ العالمين كما تشتهي الأنفسُ وكما تستطيبُ ذلك الأعين، فما يُريدهُ أهْلُ الجنانِ سيتحقّق لَهم، هذا في الجانب الحِسّي، إلّا أنَّ في الجانبَ المعنوي أعظمُ وأعظم.. الآيةُ صريحةٌ وواضحةٌ جدّاً.
  • ● قوله: {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر} إنّهُ أكبرُ وأكبرُ وأكبرُ مِن كُلّ ما ذُكِرَ مِن نِعَمٍ ومِن فَضْلٍ لا يَستطيعُ الخيالُ ونَحنُ هُنا في الدُنيا أن يَتخيَّلَهُ.. لكنَّ الرضوانَ أكبرُ وأكبرُ وأكبر..!
  • ● قوله: {ذلك هُو الفوزُ العظيمُ} الفوزُ العظيم لكُلّ ما ذُكِرَ في الآيةِ الكريمة (ما يَرتبطُ بالجانب الحِسّي وما يَرتبطُ بالجانب المعنوي) لكن قَطْعاً الميزةُ الأعلى للجانب المعنوي والحصّةُ الأكبر في هذا الفوز العظيم للجانب المعنوي، فإنَّ الآية هي قد بيّنتْ ذلكَ {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر} ولكن يبقى الناس هُم الناس، فهُناك مَن همّهُ في الجانب الحِسّي وهُناك مَن همّهُ في الجانب المعنوي.. وهذا الأمْر سيبقى في الجنانِ على ما هو مِثلما كان في الدُنيا، ولِذا فإنَّ الحسابَ قبل دخولِ الجنان سيكونُ على قَدْر العقول.

  • وقفة عند حديث الإمام السجّاد “صلواتُ الله عليه” في [تفسير العيّاشي: ج2] صفحة 102 الحديث (88):

  • (عن ثُوير عن عليّ بن الحُسين “صلواتُ الله وسلامه عليهما” قال: إذا صار أهْلُ الجنّةِ في الجنّة ودخلَ وليُّ اللهِ إلى جنّاتهِ ومساكنهِ واتّكأ كُلُّ مُؤمن منهم على أريكتهِ، حفَّتهُ خُدّامه – أحاطوا به مِن كُلّ مكان لِخدمتهِ وطَلَباً لرضاه – وتهدّلت عليه الثمار – أي تدلّتْ بنحوٍ قريبٍ منه – وتفجّرتْ حولهُ العيون، وجرتْ من تحتهِ الأنهار، وبُسطتْ لهُ الزرابي – وهي الفُرُش الوثيرة – وصُفّفتْ لهُ النمارق – وهي الوسائد – وأتتهُ الخدّام بما شائتْ شهوتهُ مِن قبل أن يسألهم ذلك، ويخرجُ عليهم الحُور العِين مِن الجنان فيمكثونَ بذلك ما شاء الله – يمكثون في تلكَ الأجواء الحسيّة -.
  • ثمَّ إنَّ الجبّار يُشرفُ عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهْلَ طاعتي وسُكّانَ جنّتي في جواري، ألا هل أُنبّئُكم بخَيرٍ ممّا أنتم فيه! فيقولون: ربّنا وأيُّ شيءٍ خيرٌ ممّا نحنُ فيه، نَحنُ فيما اشتهتْ أنفُسُنا ولذّت أعيُينا مِن النِعَم في جوار الكريم، قال: فيعودُ عليهم القول، فيقولون: ربّنا نعم، فأتِنا بخَيرٍ مِمّا نَحنُ فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى: رضاي عنكم ومَحبّتي لكم خيرٌ وأعظمُ مِمّا أنتم فيه، قال: فيقولون: نعم يا ربّنا رضاك عنّا ومَحبّتُكَ لنا خيرٌ لنا وأطيبُ لأنفسنا، ثمَّ قرأ عليُّ بن الحُسين “صلواتُ الله عليهما” هذهِ الآية: {وعَدَ اللهُ المُؤمنين والمُؤمناتِ جنّاتٍ تجري مِن تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبةً في جنّاتِ عدْن ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلكَ هُو الفوزُ العظيم}).
  • ● قوله: (إذا صار أهْلُ الجنّةِ في الجنّة ودخلَ وليُّ اللهِ إلى جنّاتهِ ومساكنهِ) وليُّ اللهِ هُو عبدهُ المُؤمن.. ففي رواياتِ أهْل بيتِ العصمة التي تحدَّثوا فيها عن الجنانِ وقُطّانها، يُعبّرونَ عن ساكنيها إمَّا بالمُؤمنِ تارةً، وبوليّ اللهِ تارةً أُخرى.
  • ● قوله: (ألا هل أُنبّئُكم بخَيرٍ ممّا أنتم فيه) يعني أنتم مُنغمسونَ في هذا النعيم الجناني وفي هذهِ المُتَع الحِسيّة التي لا حُدود لها.. وهذا الخِطابُ يُشيرُ إلى أنَّ هؤلاء كانوا يتنعّمونَ بالنعيم الحِسّي فقط.. إذْ لو كانوا يتنعّمونَ بالنعيم المعنوي لَما خاطبهم سُبحانهُ وتعالى بهذهِ الطريقة.. إنّهُ يُخاطِبُ قَوماً وأُناساً غايةُ هِمّتهم في الّلذائذِ الحِسيّة.. هكذا كان شأنهم في الدُنيا، وهكذا سيبقى شأنهم في الآخرة.
  • ● قوله: (ربّنا وأيُّ شيءٍ خيرٌ ممّا نحنُ فيه، نَحنُ فيما اشتهتْ أنفُسُنا ولذّت أعيُينا مِن النِعَم في جوار الكريم) إنّهم لا يفقهونَ ما يقولُ سُبحانهُ وتعالى..! إنّهم يتحدّثون عن الجانب الحِسّي فقط.. هؤلاءِ لا يُدركونَ النعيم المعنوي.. ولِذلك قالوا: (ربّنا نعم، فأتِنا بخَيرٍ مِمّا نَحنُ فيه) وهذا يعني أنّهم لا يَعرفون شيئاً عن النعيم المعنوي، همّتُهم في الدُنيا هكذا كانتْ.. ونَحنُ قرأنا في الرواياتِ التي مرَّتْ أنَّ الذي لا يَعتقدُ بشفاعةِ مُحمّدٍ “صلَّى الله عليه وآله” وشفاعةِ إمامِ زمانهِ في الدُنيا فإنّهُ لن ينالَ تلكَ الشفاعة.. ومَن لا يعتقدُ بحوضِ مُحمَّدٍ وعليٍّ “صلَّى اللهُ عليهما وآلهما” فإنّهُ لن يَرِدَ على الحَوض يوم القيامة.
  • مَن لم يُحدّث نفسهُ بالنعيم المعنوي فإنّهُ لن يتذوَّقهُ ولن يتواصلَ معه حينما يكونُ في جنانه.. القضيّةُ هي هي، إنّهُ الجزاءُ العادل، فلا يُمكنُ أنَّ إنساناً لم يخطرْ ببالهِ أن يتنعَّمَ بالنعيم المعنوي، بل ربّما في الحياةِ الدُنيويّة لو قِيل له: “إنَّ النعيمَ المعنوي في جنانِ ربّ العالمين أرقى رُتبةً” لا يطمعُ فيه، وإنّما طَمَعهُ مشدودٌ وهاجسهُ مُرتبطٌ بالّلذائذ الحِسيّة، مِثْل هذا الشخص لن يتواصل مع النعيم المعنوي حين يكونُ في جنانه.
  • ● قوله: (فيقولون: نعم يا ربّنا رضاك عنّا ومَحبّتُكَ لنا خيرٌ لنا وأطيبُ لأنفسنا) هذا كلامٌ يُسْتَشعَرُ منهُ أنّهُ على سبيل المُطايبةِ والمُجاملة ليس أكثرَ مِن ذلك.. ولِذا فإنَّ الروايةَ لا تُحدّثنا عن أنّهم تمتّعوا بذلك النعيم.
  • ● لو دقّقنا في الآية التي قرأها إمامُنا السجّاد في الرواية، الآية 72 مِن سُورة التوبة: {وعد اللهُ المُؤمنين والمُؤمناتِ جنّاتٍ تَجري مِن تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبةً في جنّاتِ عدنٍ ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلك هُو الفوزُ العظيمُ} لو دقّقنا فيها تدقيقاً أدبيّاً، تدقيقاً عربيّاً سنجد:
  • {وعَدَ اللهُ} وَعَدَ: فِعْل، ولفظ الجلالة “الله” فاعل بِحَسَب اصطلاحاتِ عِلْم النحو.
  • {المُؤمنين والمُؤمناتِ} مفعولٌ بهِ أوّل.
  • {جنّاتٍ} مَفعولٌ بهِ ثاني.
  • {ومساكنَ طيّبةً} هي أيضاً بمقامِ المفعول الثاني لأنّها مَعطوفةٌ على المفعول الثاني.
  • {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلكَ} هذهِ الواو ليستْ واو عاطفة.. كلمة “رضوان” هُنا جاءتْ مرفوعة ومُنوّنة، هذهِ الواو هُنا واو استئنافيّة، إنّنا بدأنا كلاماً جديداً.
  • فما ذُكِرَ في الشطْر الأوّلِ مِن الآيةِ هذا لَهُ شأنهُ وانتهينا، فلم تأتِ الواو هُنا عاطفة.. لأنّها لو جاءتْ عاطفة فلربّما تُوحي أنَّ هناكَ نَحوٌ مِن أنحاءِ التساوي والتقارب بين الّلذائذ الحِسيّة والّلذائذ المعنوية.. ولكنَّ الدِقّة القُرآنيّة هكذا فعلتْ جاءتنا بواو استئنافيّة.. فالكلامُ الأوّل عن الّلذائذ الحِسيّة انتهى.
  • وإذا أردنا أن نُراعي الدِقّة في عُمْق المعنى في قولهِ عزَّ وجلَّ: {ذلكَ هُو الفوزُ العظيم} فإنَّ الفوزَ العظيم هُو في هذا الرضوان وليس في كُلّ ما جاءَ في الآية الكريمة، لأنّنا قد بدأنا كلاماً جديداً {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلكَ}.
  • أنا لا أُريدُ أن أُدقّق كثيراً في القضيّةِ الأدبيّةِ والبلاغيّة والّلغويّةِ هُنا، إنّما أردتُ أن أُلفتَ أنظاركم إلى أهميّةِ ما جاءَ مِن ذِكْرٍ للنعيم المعنوي، للمُتعةِ المعنوية، للتواصل المعنوي، بحيث أنَّ الآية جعلتْ الجانبَ الحِسّي في مكان وجعلتْ الجانب المعنوي في مكان.
  • فالفوزُ العظيمُ هُو في هذا الرضوان الأكبر.. وهذا الفوزُ العظيمُ هُو الذي نُردّدهُ في زياراتِ سيّد الشُهداء حين نُخاطِبُ أنصارَ الحُسين ونشهدُ لهم أنّهم فازوا فوزاً عظيماً ونتمنّى أن نكونَ معهم، فنُخاطبهم ونقول: (فُزتم فوزاً عظيماً، فياليتني كُنتُ معكم فأفوزَ فوزاً عظيماً) هذا المضمون يتكرّرُ في الروايات والزيارات، يتكرّرُ في الثقافةِ الحُسينيّةِ التي تمتدُّ أُصُولها وجُذورها إلى منطقِ الكتاب والعترة.
  • ● الفوزُ العظيمُ لأنصار الحُسين هُو في علاقتهم مع الحُسين.. علاقتهم السليمةُ مع الحُسين هي التي وفّقتهم لِنُصرةِ الحُسين.. أصحابُ الحُسين فازوا فوزاً عظيماً لا في الجنانِ الحِسيّة، ولا حتّى في الاستشهادِ بين يدي الحُسين، ولا حتّى في نُصْرةِ الحُسين، هذهِ آثارُ الفوزِ العظيم.. الفوزُ العظيم هي في علاقتهم السليمةِ مع الحُسين، وِلذا فإنَّ سيّد الشُهداء حينَ أعطاهم هذا الوسام العظيم وقال لهم: “لا أعلمُ أصحاباً خيراً مِن أصحابي” هذا الكلامُ قالَهُ سيّدُ الشُهداء قبل عاشوراء، قالها قبل الواقعة.. فأصحابُ الحُسين نالوا هذا الوسامَ مِن سيّد الشُهداء قبل أن يَروا جنانهم، وقبل أن ينصروا الحُسين نُصْرةً فعليّة، وقبل أن يُخضّبوا بدمائهم.. الفوزُ العظيمُ لأصحاب الحُسين هُو في علاقتهم السليمةِ مع الحُسين، هذا هُو الذي جَعَلَهم يُشْرفون على جنانهم ويطّلعونَ على ما ذُخِرَ لهم، ويُوفّقون لِنُصْرةِ سيّد الشُهداء، ويُخضّبون بدمائهم الطاهرةِ بين يديهِ بسبب العلاقةِ الصحيحةِ مع سيّد الشُهداء “عليه السلام”.. فذلكَ هُو الفوز العظيم، وما جاءَ بعد ذلك إنّها آثارُ الفوزُ العظيم.
  • ● الفوزُ لعظيمُ هُو في هذهِ النِعَم المعنويّة والتي جاءتْ هُنا بتعبيرٍ مرفوع {ورضوانٌ مِن اللهِ أكبر ذلكَ}.
  • (وقفة في أجواء الّلغة والأدب والنحو لتوضيح لِهذه النُقطة).
  • هذا التعبيرُ بالرفع للنعيم المعنوي كُلُّ ذلكَ يُشيرُ إلى عظمةِ النعيم المعنوي وأنَّ أصحابَ النعيم المعنوي هُم في مَعزلٍ مِن جهةِ المَرتبةِ والمقام، مِن جهةِ المُستوى العقلي والمعرفي، مِن جهة المضمونِ النفسي والرُوحي، فَهُم في مَعْزلٍ عن أُولئكَ الذين غايةُ هِمّتهم الجانبُ الحِسّي.
  • الآيةُ فيها الكثيرُ مِن الإشارات.. إنّني لا أتحدَّثُ عن الإشاراتِ التي هي أُفُقٌ معرفي، وإنّما أتحدّثُ عن الإشاراتِ الأدبيّة التي هي مِن لوازم ومِن جماليّاتِ عالم العبارة.. إنّني أتحدّثُ عن الإشارة الأدبيّة لا أتحدّثُ عن الإشارةِ المعرفيّة.. الإشارةُ المعرفيّة مُستوىً آخر في فَهْم الكتاب الكريم (العبارةُ للعوام والإشارةُ للخواصّ) كما يقولُ صادق العترة الطاهرة تلك هي الإشارةُ المعرفيّة.. أنا أتحدَّثُ هُنا عن الإشاراتِ البلاغيّة، الإشارات الأدبيّة.. إنّني أتعاملُ مع نصٍّ أدبي وفقاً للمذاق الأدبي العربي.
  • ● هذهِ الصُورةُ الجنانيّةُ وهذا الخِطابُ والحِوارُ فيما بينَهُ سُبحانَهُ وتعالى وبينَ جيرانهِ في جنانهِ مِن أوليائهِ الذينَ هِمّتهم في التنعّم في النِعَم الحِسيّة في الجنان.. هذهِ الصُورةُ تُعيدني إلى صُورةٍ في العالم الدنيوي في مَجلسِ إمامنا الصادق “عليه السلام”.

  • وقفة عند حديثِ الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج65] صفحة 112 الحديث (11) منقول عن كتاب [المحاسن] للبرقي:

  • (بسندهِ عن مُوسى بن بكْر، قال: كُنّا عند أبي عبد الله “الصادق صلواتُ اللهِ عليه” فقال رجلٌ في المَجلس: أسألُ اللهَ الجنّة، فقال الإمام “عليه السلام”: أنتم في الجنّة فاسألوا اللهَ أن لا يُخرجَكم منها – لكنّهم لا يستشعرون هذا المعنى – فقالوا: جُعلنا فداك، نَحنُ في الدُنيا! فقال: ألستم تُقرّون بإمامتنا؟ قالوا: نعم، فقال: هذا مَعنى الجنّة الذي مَن أقرَّ بهِ كان في الجنّة، فاسألوا الله أن لا يسلبكم).
  • هذا هو النعيمُ في الدُنيا ولكنّهم لا يستشعرونه.. هؤلاء يَحملونَ تصوَّراً عن الجنّةِ هواجسهم وتفكيرُهم وعقيدتُهم هي التي تَجعلُهم يتحدّثونَ بهذهِ الطريقة، وكما يُقال: (جُعِلَ الّلسانُ على الفؤادِ دليلا).

  • وقفة عند حديثِ الإمام الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في [الكافي الشريف: ج2] صفحة 110 – باب العبادة، الحديث (2):

  • (عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله “عليه السلام”: قال اللهُ تباركَ وتعالى: يا عبادي الصدّيقين تنعّموا بعبادتي في الدُنيا فإنّكم تتنعّمونَ بها في الآخرة)
    وهذا التنعّمُ بالعبادةِ في الدُنيا يكونُ في عِشْقهم “صلواتُ الله عليهم”.. فحقيقةُ العبادةِ هي ولايةُ عليٍّ وآلِ عليّ.. مَن أدركَ حقيقةَ النعيمِ في ولايةِ عليٍّ وآلِ عليّ هُو هذا الذي يتنعَّمُ بالعبادةِ حقيقةً وسيُدركُ الّلذائذَ المعنويّة هُناك في جنان ربّ العالمين.
  • ● هذا خِطابٌ في حديث إمامنا الصادق يُوجّههُ اللهُ سُبحانهُ وتعالى للصدّيقين مِن عباده.. والصدّيقون هُم أشياعُ عليٍّ وآلِ عليٍّ المُخلصون.. الرواياتُ صريحةٌ في ذلك وسأتلوها عليكم في الحلقاتِ القادمةِ إنْ شاء الله تعالى.
  • إذا كان همُّكم في الجانبِ الحِسّي فهذا الخِطابُ ليس مُوجّهاً إليكم، أمَّا إذا كانَ همُّكم فيم هُو أرقى مِن الجانب الحِسّي فهذا الخِطابُ مُوجّهٌ إليكم.
  • هذهِ الكلماتُ في هذهِ الرواية الشريفة تَختصِرُ كُلَّ الذي مرَّ الحديثُ حولهُ فيما يَرتبطُ بالنعيمِ المعنوي في جنان ربّ العالمين.. لأنّهُ انعكاسٌ وتَطبيقٌ للنعيمِ العقائدي الدنيوي.

  • وقفة عند حديثِ الإمام الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في [الكافي الشريف: ج2] الحديث (3) مِن نفس الباب:

  • (عن أبي عبد الله “صلواتُ اللهِ عليه” قال: قال رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله”: أفضلُ الناس مَن عَشِقَ العِبادةَ فعانقها وأحبّها بقَلْبهِ وباشرها بجَسَدهِ وتفرَّغ لها، فهُو لا يُبالي على ما أصبحَ مِن الدنيا، على عُسْرٍ أم على يُسْر..).
  • العبادة بما هي عبادة لن تُقبَل مِن دُون ولايةِ عليٍّ، ولا معنى للعبادةِ مِن دُون ولايةِ عليٍّ.. جوهرُ العبادةِ وحقيقتها ولايةُ عليّ.
  • العباداتُ إذا ما جيء بها ناقصةً في طُقوسها وفي شرائطها وفي تفاصيلها بحَسَب أحكامها وآدابها، إذا كانتْ مُتفرّعةً عن نيّةٍ مُرتبطةٍ بعقيدةٍ صحيحةٍ جوهرها ولايةُ عليٍّ فإنَّ النقصَ فيها يُكمَّل.
  • وإذا ما كانتْ تلكَ العبادةُ مِن أيّ شكلٍ مِن أشكالِ العباداتِ جيء بها على أفضلِ وجْهٍ في طُقُوسها وشرائطها وأحكامها وآدابها ولكنّها لا تَستندُ إلى نيّةٍ تتفرّعُ عن عقيدةٍ سليمةٍ جوهرُها ولايةُ عليٍّ فإنَّ هذهِ العبادةَ إنْ لم تكنْ وبالاً على الإنسانِ الذي جاءَ بها – وهي فِعْلاً كذلك – فإنّها تُشكّلُ حِجاباً فيما بينهُ وبين الله، تُشكّلُ حِجاباً فيما بينهُ وبين الهُدى، تُشكّلُ حِجاباً فيما بينهُ وبين العِلْمِ والمعرفةِ الصحيحة، فإنّها ليستْ نافعةً لهُ بأيّ وجْهٍ مِن الوجوه ولا تُسمّى عبادة أساساً.. هذا في أحسنْ الأحوال.
  • ● العبادةُ جوهرها ولايةُ عليٍّ، ولِذا فإنَّ العِشْقَ هُنا هُو العِشْقُ لولايةِ عليٍّ، والعِشْقُ لولايةِ عليٍّ ليس للولايةِ نفسها، إنّهُ عِشْقٌ لِعليٍّ (ومَن أحبّهم فقد أحبّ الله، ومَن أبغضهم فقد أبغض الله) القضيةُ هُنا، مِثلما نُخاطِبُ إمامَ زماننا “صلواتُ اللهِ عليه” في زيارةِ آلِ ياسين (أنتم الأوّل والآخر).
  • حين تتعلّق القلوبُ تعلّقاً حقيقيّاً بإمامِ زماننا المعاني كُلّها تتبدّل، الحياةُ كّلها تتغيّر.. قَطْعاً عند أصحابِ القلوب السليمة، والقَلْبُ السليم هُو القلْبُ الذي يكونُ مَحجوزاً لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. لأنَّنا لا نَستطيعُ التواصلَ مع اللهِ سُبحانه وتعالى، إنّنا نتواصلُ مع البابِ الذي يُؤتى اللهُ منه، مع الوجه الذي يُتوجّهُ إليه وهُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • والمُرادِ مِن قول الرواية: (أفضلُ الناس مَن عَشِقَ العِبادةَ فعانقها وأحبّها بقَلْبهِ وباشرها بجَسَدهِ وتفرَّغ لها) المُراد مِن “تفرّغَ لها” بعبارةٍ مُوجزةٍ: أن تكونَ الأولويّةُ في حياتنا لإمامِ زماننا.. عمليّاً أن نفيَ لهُ بعهدنا. (وأتمنى أن تعودوا إلى حلقاتِ برنامج “زهرائيّون” وما تحدّثتُ فيهِ بخُصوص هذا الموضوع).

  • وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في [بحار الأنوار: ج41] صفحة 295 الحديث (18).

  • (قال الإمامُ الباقر “صلواتُ الله عليه”: خرجَ عليٌّ يسيرُ بالناس حتّى إذا كانَ بكربلاء على مِيلين أو ميل تقدَّم بين أيديهم حتّى طافَ بمكانٍ يُقالُ لها المقدفان، فقال: قُتِلَ فيها مائتا نبيّ ومائتا سِبْط كُلّهم شُهداء – إنّهُ يتحدّث عن تأريخ الأُمم السالفة -).. ثُمَّ يستمرُّ الأمير في حديثهِ وهُو يُحدّثنا عن مُستقبل هذهِ الأرض، فيقول:
  • (ومناخُ ركابٍ – أي المكان الذي تنزلُ فيه الإبل والقوافل – ومصارعُ عُشّاقٍ شُهداء، لا يسبقهم مَن كانَ قبلهم ولا يلحقُهم مَن بعدهم).
  • ● قوله: (ومصارعُ عُشّاقٍ شُهداء) مصارع جمْعٌ لِمصرع وهو المكان الذي يُصرَعُ فيهِ الإنسان.. ففي هذه الأرض في السابق قُتِلَ مائتا نبيّ ومائتا سِبْط من أسباط الأنبياء كُلّهم شُهداء.. وأمَّا في المُستقبل فسيّدُ الأوصياء يُخبرنا عن هذهِ الأرض أنّها ستكونُ مناخُ ركابٍ ومصارعُ عُشّاقٍ شُهداء، وهذهِ مِن الروايات الجميلة والنادرة التي وصفتْ أنصار الحُسين بأنّهم “عُشّاق” وهذا المضمون يتعانقُ مع ما جاء في الروايةِ الشريفة التي قرأتُها عليكم قبل قليلٍ مِن الكافي: (أفضلُ الناس مَن عَشِقَ العِبادةَ فعانقها…).
  • ● قوله: (لا يسبقهم مَن كانَ قبلهم ولا يلحقُهم مَن بعدهم) هُو نفس مضمونُ كلمة سيّد الشُهداء “عليه السلام”: (لا أعلمُ أصحاباً خيراً مِن أصحابي..)
  • ليس في أصحاب الأئمةِ مِمّن يُوزَنُ بأصحابِ الحُسين.
  • هُناكَ مَن يُردّدُ كلاماً مِن الخُطباءِ مِن العُلماء، فيقول: أنَّ أصحابَ إمامِ زماننا أفضلُ مِن أصحابِ الحُسين..! وهذا هُراءٌ مِن القول.. فأصحابُ الحُسين يختلفونَ عن الجميع، ولستُ بصددِ الحديثِ عن هؤلاء.
  • ● كلمةُ سيّدُ الشُهداء “صلواتُ اللهِ عليه”: (يستأنسون بالمنيّةِ دُوني استئناسَ الطِفْلِ بمحالب أُمّه) هُنا يذوبُ الاستئناسُ الحِسيُّ مع الاستئناس المعنوي، هُنا تتماهى المعاني، هُنا تتلاشى الحُدود فيما بين هُو حِسيٌّ وما بين هُو معنويٌّ، هُنا يَتمازجُ الحِسُّ مع المعنى.. ولِذا حين نُدقّقُ النظرَ إلى تلكَ الّلوحةِ العجيبةِ عن يوم عاشوراء – وأتحدّثُ هُنا عن أنصار الحُسين – حين أقول “خواصُّ الحُسين” إنّهُ العبّاسُ ومَن في هذا الأُفُق، إنّني أتحدّثُ عن عامّةِ أصحابِ سيّد الشُهداء الذي هُم خيرُ الأصحاب، عن هؤلاء العُشّاق كما وصفهم سيّد الأوصياء.
  • ● في يوم عاشوراء حرٌّ شديد، وعَطَشٌ شديد، ونهايةٌ مَعلومةٌ.. ستُقطّعُهم السُيوفُ والرماح.. جُزءٌ يسيرٌ مِن هذا يُسبّبُ التشاؤمَ والكآبةَ والانطواءَ والإحباط.. فهل لَمسْتُم شيئاً مِن الاحباطِ أو التشاؤم في أنصارِ الحُسين؟! ما يُلمَسُ هُو حماسٌ في حماسٍ في حماس، ونشاطٌ في نشاطٍ في نشاط، وتفاعلٌ واضحٌ واندفاعٌ.. وهذهِ الحالاتُ لا تَنسجمُ مع الأجواءِ الحِسيّة والماديّة التي كانوا فيها، ولكنَّ الحِسَّ تماهى هُنا مع المعنى، وراحَ الحِسُّ يتحوّلُ شيئاً فشيئاً إلى حقيقةٍ معنويّة مع أنّها حِسيّةٌ في نفس الوقت.. هذا هُو الذي جرى في عاشوراء، وهذا هُو الذي سيجري في الجنان لأمثالِ هؤلاء.
  • حين يَغيبُ الحِسُّ هُناك يَتماهى مع المعنى، يتلذّذونَ بالّلذائذ الحِسيّةِ ولكنَّ المعنى هُو الذي يتفوَّقُ على ذلكَ الحِسّ، وفي الرواياتِ ما يُشيرُ إلى ذلك، فَإنَّ عُشّاقَ الحُسينِ يَطوفونَ بالحُسين ويتركونَ جنانهم.. وتأتي الرسائلُ إليهم مِن قُطّانِ جنانهم فيُعرضونَ عنها، إنّهم مُنشغلونَ بحديثِ الحُسين.. هكذا تقولُ الرواياتُ والأحاديثُ التي حدّثتنا عنهم “صلواتُ اللهِ عليهم”.

  • في مُناجاةِ المُريدين المرويّةِ عن سجّادِ العترةِ الطاهرة نقرأ هذهِ العبارات التي يتماهى فيها النعيمُ الحِسّي مع النعيم المعنوي في أُفُق الدُنيا وفي أُفُق الآخرة. ممّا جاءَ في هذهِ المُناجاة:

  • (وألحقنا بعبادكَ الّذين هُم بالبدار إليك يُسارعُون، وبابك على الدّوام يطرقُون..).
  • المُراد من البِدار: المُبادرة، يبتدئُون مِن عند أنفسهم، هم يركضون باتّجاهك.
  • ● إلى أن تقول المُناجاة: (وملأتَ لهُم ضمائرهُم مِن حُبّك، وروَّيتهُم مِن صافي شِرْبك، فبِكَ إلى لذيذ مُناجاتكَ وصلوا ومِنْكَ أقصى مقاصدِهِم حصَّلوا، فيا مَن هُو على المُقبلين عليه مُقبلٌ، وبالعَطْف عليهم عائدٌ مُفضل وبالغافلين عن ذِكْرهِ رحيمٌ رَؤُوفٌ، وبجذْبهم إلى بابهِ ودُودٌ عطُوفٌ…).
  • ● قوله: (ومِنْكَ أقصى مقاصدِهِم حصَّلوا) هذهِ ليستْ المقاصد الحِسيّة، وحتّى لو كان جُزءٌ مِن هذهِ المقاصد حِسيّاً فإنّهُ يتماهى في المعنى.
  • ● إلى أن تقول المُناجاة: (فقد انقطعتْ إليكَ هِمَّتي وانصرفتْ نَحوكَ رغبتي، فأنتَ لا غيركَ مُرادي، ولكَ لا لِسواكَ سَهَري وسُهادي، ولِقاؤُكَ قُرَّةُ عيني ووصلكُ مُنى نفسي، وإليك شوقي وفي مَحبَّتكَ وَلَهي، وإلى هَواكَ صبابتي – الصبابةُ : الغرامُ والغرام والغرام – و رضاكَ بُغيتي، و رُؤيتُك حاجتي، وجِواركَ طَلَبي، وقُربُك غايةُ سُؤلي، وفي مُناجاتكَ رُوحي وراحتي، وعندكَ دَواءُ عِلّتي وشِفاءُ غُلّتي – الغُلّةُ هي العطش الشديد – وبَرْدُ لَوعتي وكَشْف كُربتي، فكُنْ أنيسي في وحْشتي ومُقيلَ عثرتي، وغَافرَ زَلّتي وقابلَ توبتي، ومُجيبُ دَعوتي ووليَّ عِصمتي، ومُغنيَ فاقتي، ولا تقطعني عنكَ ولا تُبعدني منكَ يا نعيمي وجنّتي يا دُنياي وآخرتي..).
  • هذهِ العبائر بحاجةٍ للوقوفِ طَويلاً عندها، ولكنّني أكتفي بما تتركُ مِن أثرٍ معنويٍّ مُجمَلٍ يُخبرنا عن عظمةِ النعيم المعنوي وأنَّ الذين يُوفّقونَ لِهذا المُستوى مِن الفَهْم العقائدي ومِن الاعتقاد الديني ومِن التواصل مع إمامِ زمانهم بهذا المُستوى هؤلاءِ يتنعّمونَ في الجنانِ نَعيماً مَعنويّاً راقياً، ونَعيماً حِسيّاً بحساب الحِسيّاتِ أرقى مِن النعيم الحِسيّ الذي يتنعّمُ بهِ أُولئكَ الذين هُم كُلُّ همّهم وكُلُّ غايتهم في الالتذاذِ الحِسيّ، ويتماهى النعيمُ الحِسّي عند أُولئكَ أصحاب المراقي العالية يتماهى النعيم الحِسيّ في عميق معاني النعيم المعنوي.
  • ● هذهِ المعاني التي وردتْ في المُناجاة لا وُجودَ لها في حياتنا.. على الأقل أنا مُتأكّدٌ مِن نفسي، لا وُجودَ لهذهِ المعاني في حياتي، وأظنُّ أنَّ هذهِ المعاني لا وجودَ لها في حياتكم أيضاً، فأنا ابنُ هذا الواقع وأعرفُ هذا الواقع.
  • أمَّا في جوَّ المرجعيّةِ وفي جوّ المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّةِ الرسميّة وفي جوّ العمائمِ فليس مِن هذهِ المعاني ولا واحد مِن الترليون تحتَ الصفر.. هذهِ معانٍ جميلةٌ نتنعّمُ بقرائتها، نُصوصٌ أدبيّةٌ راقيةٌ نقرؤُها في كُتُب الأدعية ونتمشدقُ بها كما أتمشدقُ بها أنا الآن في وسائل الإعلام وعلى المنابر.. أمَّا إذا رجعنا إلى قُلوبنا فهي مُظلمةٌ خاوية، تلكَ هي الحقيقةُ مِن الآخر، وكُلُّ ذلكَ بسببِ الثقافةِ الناصبيّة التي حَشَرها مَراجعُ الشيعةِ في عُقولنا وفي قُلوبنا مُنذ بداياتِ عَصْر الغَيبةِ الكُبرى وإلى مراجعنا الأحياء المُعاصرين إلى هذهِ الّلحظة.
  • ● هذهِ المعاني يكونُ لها مُستوىً مِن التطبيقِ هُنا، وحينما يتحقّقُ هذا المُستوى مِن التطبيقِ في عالمنا الدُنيوي فإنّهُ سيكونُ في الجنان.
  • هذهِ الخِطاباتُ في حقيقتها هي لِمُحمَّدٍ وآلِ مُحمّد.. فحين تقولُ المُناجاة على سبيل المِثال: (ولِقاؤُكَ قُرَّةُ عيني) كيف ألتقي بالله؟! لقائي بالله إنّما يكون بالّلقاءِ بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.. وأنا لا أتحدّثُ عن الّلقاء الجسدي، وإنّما لقاءُ العُقول ولقاءُ القلوب ولقاءُ الوجدان ولقاءُ الضمائر، لقاءُ مداركنا ولقاءُ جوهرنا وحقيقتنا وباطننا وظاهرنا لأنّنا نُؤمنُ بظاهرهم وباطنهم و سِرّهم وعلانيتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • وقفة عند حديث سيّد الشُهداء في كتاب [دلائل الإمامة] للمُحدّث الطبري الإمامي.. وهو حديثٌ يُمثّلُ صُورةً تُقرّبُ لنا الفكْرةَ التي تَحدّثتْ عنها مُناجاةُ المُريدين.. حيثُ يتماهى النعيمُ الحِسّيُّ في أعماقِ النعيمِ المعنوي.. مِثالٌ فيهِ الرمزيّةِ الواضحةِ التي تُشيرُ إلى نفس ذلك المضمون.

  • الحديث في صفحة 67 – رقم الحديث (3).
  • (عن الحُسين بن عليّ “صلواتُ الله عليهما”، قال: حدّثتني فاطمةُ بنت رسول الله “صلّى اللهُ عليهم” قالتْ: قال لي رسول الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”: ألا أُبشّركِ ؟! إذا أرادَ اللهُ أن يُتْحِفَ زوجةَ وليّه في الجنّة بعثَ إليكِ – أي إلى الزهراء – تبعثينَ إليها مِن حُليّكِ).
  • ● قوله: (قال لي رسول الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”: ألا أُبشّركِ ؟!) هذا الّلون مِن الخِطاب هُو في أُفُقِ المُقاربةِ والمُداراة.. هُم يقولون “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”: (واللهِ ما كلّمنا الناس قطّ على قدْر عُقولنا) هذهِ الخطاباتُ حتّى لو كانتْ فيما بينهم هُم يُنشئُونها كي تصِلَ إلينا.
  • ● قوله: (إذا أرادَ اللهُ أن يُتْحِفَ زوجةَ وليّه في الجنّة) المُرادُ مِن “زوجةِ وليّهِ” هي المُؤمنةُ زوجةُ المُؤمنِ الذي يَتنعّمُ في الجنان.. وهذا الاتحافُ يتماهى فيهِ الجانبُ الحِسّيُّ والجانبُ المعنوي.
  • الحديثُ مشحونٌ بالرُموز.. المرأةُ رمْزٌ للجمالِ الحِسّي في جمالها المحسوس، وللجمالِ المعنوي في عاطفتها الفيّاضة.. فما بينَ جمالِ الأُمومةِ، وما بين جمالِ الحبيبةِ المعشوقة.. هُنا جمالٌ وهُنا جمالٌ وكُلٌّ بِحَسَبهِ.. المرأةُ مِثالٌ ورمْزٌ للجمالِ في أُفُقهِ الحِسّي وفي أُفُقهِ المعنوي في وجههِ العاطفي في وجهه الوجداني.. وفاطمة الزهراء “صلواتُ الله عليها” لو كانَ الحُسْنُ شخْصاً لكانَ لفاطمة.
  • الحُليّ إنّها زينةُ مَن هي رمْزٌ للجمالِ والحُسْن، والحُلي زينةٌ لها خُصوصيّةٌ لأنَّ الحُلي تكونُ ثمينةً تكونُ عزيزةً تكونُ مُميزةً.. والحديثُ هُنا عن حُليّ فاطمة.. يتماهى هُنا الجانبُ الحِسّيُّ في أعلى قِيَمِهِ مع الجانب المعنوي في أروع معانيه ويُرمَزُ لِكُلّ ذلك بالحُلي، وتأتي التُحفةُ الإلهيّةُ الفاطميّة.

  • في دُعاء النُدبة الشريف نقرأ هذه العبارات:

  • (ليتَ شِعري أينَ استقرّتْ بكَ النوى بل أيُّ أرضٍ تُقلُّكَ أو ثرى، أبرضوى أم غيرها أم ذِي طُوى – هذه الأسماء لها علاقة بإمامِ زماننا وبظهوره أيضاً – عزيزٌ عليَّ أن أرى الخَلْق ولا تُرى ولا أسمعُ لكَ حسيساً ولا نَجوى، عزيزٌ عليَّ أن تُحيطَ بكَ دُوني البلوى‌ ولا ينالُكَ مِنّي ضجيجٌ ولا شكوى، بنفسي أنتَ مِن مُغيّبٍ لَم يَخْلُ مِنّا بنفسي أنتَ مِن نازحٍ ما نَزَح‌َ عنّا، بنفسي أنتَ أُمنيةُ شائقٍ – أي مُشتاق – يتمنّى‌ مِن مُؤمنٍ ومُؤمنةٍ – مُؤمنٍ مُشتاقٍ ومُؤمنةٍ مُشتاقةٍ – ذَكَرا فحنّا…).
  • ● إلى أن يقول الدُعاء: (إلى متى أَحارُ فيكَ يا مولاي وإلى متى؟! وأيَّ خطابٍ أَصِفُ فيكَ وأيَّ نجوى؟! عزيزٌّ عليَّ أن أُجابَ دُونكَ وأُناغى، عزيزٌ عليَّ أن أبكيكَ ويخذُلكَ الورى، عزيزٌ عليَّ أن يجريَ عليكَ دُونهُم ما جرى، هل مِن مُعينٍ فأُطيلَ مَعَهُ العويلَ والبُكاء، هل مِن جَزُوعٍ فأُساعِدَ جَزَعهُ إذا خلا، هل قذيتْ عينٌ فساعدتها عيني على القذى، هل إليك يا ابن أحمد سبيلٌ فتُلقى…).

  • في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] للشيخ الصدوق.. في صفحة 473 – حادثةٌ مٌفصّلةٌ تتحدّث عن لقاء إبراهيم بن مهزيار بالإمام الحجّة، وهي حادثةٌ معروفة في الكُتب التي تتحدّث عن لقاءاتِ الشيعة بإمام زمانهم.. ممّا جاءَ في هذهِ الحادثة: إمامُنا صاحبُ الزمان يُحدّثُ إبراهيم بن مَهزيار بما قالهُ لهُ أبوهُ الإمام الحسن العسكري.. فمِن جُملةِ ما فاضتْ بهِ شفاهُ إمامِ زماننا نقلاً عن إمامنا العسكري هي هذه العبارة:

  • (واعلمْ أنَّ قُلوبَ أهل الطاعةِ والإخلاص نُزّعٌ إليك مثلَ الطير إلى أوكارها).
  • المُراد مِن قولهِ: “نُزّعٌ إليك” أي: أي في حالةِ شوقٍ شديدٍ إليك، فهي لا تملكُ أولويّةً إلّا أنت.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٠ والأخيرة – مضمون رسالة إمام زماننا من خلال التربة الّتي تحوّلت إلى دمٍ عبيطٍ سنة ١٤٣٤ﻫ

يازهراء …