دليلُ المسافر – الحلقة ٦٤ – زبدةُ المخض ج١٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 20 ذو الحجّة 1440هـ الموافق 22 / 8 / 2019م

  • هذا هُو الجُزء الثاني عشر مِن زُبدةِ المَخْض.

  • الحديثُ في الحلقاتِ الماضية تحتَ هذا العُنوان “زُبدةُ المَخْض” كانتْ في أجواءِ الدين الزهرائي والدين السبروتي.. وقد حدّثتُكم عن أهمّ ملامح الدين السبروتي.. قَطْعاً بنحوٍ إجمالي، وسلّطتُ الضوءَ على بعْضٍ منها.. فقد حدّثتكم عن ثلاثةِ ملامح [مَلْمَحٍ مفاهيمي، مَلْمَحٍ عقائدي، مَلْمَحٍ فتوائي] ولا أُريدُ أن أُطيلَ الكلام أكثر مِمّا تقدّم في هذا الموضوع.. فهذا الموضوعُ طويل بطول عصْر الغَيبة الطويلة (الغَيبةُ الكُبرى).. حديثٌ طويلٌ ذُو أغصان، يتفرّع يميناً وشمالاً.
  • لِذا فإنّني عرضتُ في الحلقاتِ المُتقدّمة صوراً ولقطاتٍ تُحدّثنا في جانبٍ منها عن الدين الزهرائي وفي جانبٍ آخر عن الدين السبروتي.. ولا أُريدُ أن أتشعّبَ أكثرَ مِن هذا.. فإنّنا شارفنا على انتهاء حلقاتِ هذا البرنامج.. لم يبقّ من حلقاتِ هذا البرنامج إلّا القليل.

  • في هذهِ الحلقة سأعرضُ لكم وأضعُ بين أيديكم بعْضاً مِن الإيضاحات التي تُعينكم في رَسْم الّلوحةِ الكاملةِ بشكلٍ نهائيٍّ وتامٍّ وواضح.. الحديثُ كُلّه كانَ عن الدين الزهرائي وعن الدين السبروتي.. والدينُ يُؤخَذ مِن رجال الدين.

  • ● رجلُ الدين في الكتاب الكريم جاءنا على أنواع:
  • رجل الدين الإنسان.
  • رجل الدين الحمار.
  • رجل الدين الكلب.
  • القُرآن حدّثنا عن هذهِ الأصناف.
  • ● وقفة تعريف إجمالي مِن الكتاب الكريم لهذهِ الاتّجاهات الثلاثة: (رجل الدين الإنسان، ورجل الدين الحمار، ورجل الدين الكلب).

  • رجل الدين الإنسان: تُشيرُ إليه الآية (2) بعد البسملة مِن سُورة الجُمعة، قولهِ عزَّ وجلَّ: {هُو الذي بعث في الأُميّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياتهِ ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمة وإنْ كانوا مِن قبل لفي ضلالٍ مُبين}.

  • إنّني أتحدّثُ هُنا عن الذين يُزكّيهم رسول الله، لا أتحدّثُ عن رسول الله.. فهذهِ التصنيفاتِ لي ولأمثالي ولكم ولأمثالكم.
  • ● قوله: {ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمة} الحكمة بِحَسَب ثقافة الكتاب والعترة هي: معرفةُ الإمام.
  • ● قوله: {ويُزكّيهم} يُطهّرهم، ويُنبتهم نباتاً حسناً.. إنّهُ يُنشئُهم على عينهِ.. وليسَ بالضرورةِ أن يكونوا على مَقربةٍ جسديّةٍ جُغرافيّةٍ فيزيائيّةٍ مِنه.. فأُويسُ القرني كان في “قرن المنازل” ولم يكنْ في المدينة.. جاءَ إلى المدينةِ مرَّةً واحدة، أعلنَ إسلامَهُ بين يدي رسول الله، ورجعَ إلى بلادهِ ولم يَرجعْ إلى المدينة، وبقيَ في بلادهِ في جنوب الجزيرةِ في “قرن المنازل” إلى أن آلَ أمْرُ الخلافةِ الدُنيويّةِ إلى أميرِ المُؤمنين فالتحقَ بأمير المُؤمنين “صلواتُ اللهِ عليه”.. ذلكَ هُو أُويسُ القرني.. مِثالٌ يُقرّبُ الفِكْرةَ لنا مِن أنَّ هذا المعنى يَتحقّقُ في زمانِ كُلّ أئمتنا وحتّى في زمانِ غَيبةِ إمامِ زماننا، وهذا ما سأقرؤهُ عليكم مِن حديثٍ.
  • ● آيةٌ أُخرى في نفْس هذا السياق، وهي الآيتان 17، 18 بعد البسملة مِن سُورة الزُمَر، قولهِ عزَّ وجلَّ: {والّذين اجتنبُوا الطاغوت أن يعبدُوها وأنابُوا إلى اللهِ لهُمُ البُشرى فبشّر عباد* الّذين يستمعُون القول فيتّبعُون أحسنهُ أُولئك الّذين هداهُمُ اللّهُ وأُولئكَ هُم أُولو الألباب}.
  • — قوله: {والّذين اجتنبُوا الطاغوت أن يعبدُوها} إنّها البراءةُ الفِكريّة.. ولا تتحقّقُ البراءةُ العقائديّة مِن دُون براءةٍ فِكريّة.
  • — قوله: {الّذين يستمعُون القول فيتّبعُون أحسنهُ} في أحاديث العترة الطاهرة المُراد مِن “القول” هُنا : ولايةُ عليٍّ وآل عليّ.
  • ● وقفة عند مقطع مِن حديثِ الإمام السجّاد “صلواتُ اللهِ عليه” مع أبي خالدٍ الكابلي في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] صفحة 353 الحديث (2).
  • (يا أبا خالد .. إنّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، المنتظرين لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغَيبة عندهم بمنزلة المُشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان – زمان غيبة الإمام الحُجّة – بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أولئك المُخلصون حقّاً، وشيعتنا صِدْقاً، والدعاة إلى دين الله عزّ وجلّ سرّاً وجهراً…).
  • إمامُنا السجّاد “صلواتُ اللهِ عليه” يُحدّث أبا خالد الكابلي عن إمامِ زماننا الحُجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”. أصحابُ هذهِ الأوصاف هؤلاء هُم أولوا الألباب الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحْسَنَه.
  • فمِيزة رجلُ الدين الإنسان هي هذهِ: (عُقولٌ، أفهامٌ، معرفةٌ..) وهي بالضبط ما يَفتقرُ إليهِ رجلُ الدين الحمار.. وقرأنا في سُورة الجُمعة أنَّ أوصافَ رجلِ الدين الإنسان هي هذهِ: {يتلو عليهم آياتهِ ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحِكمة}.
  • — قوله: (ما صارت به الغَيبة عندهم بمنزلة المُشاهدة) يُشير إلى التواصلُ الغَيبيُّ مع إمامِ زمانهم.. وهُو نفسُ المضمون الموجود في كلماتِ إمامِ زماننا في توقيع إسحاق بن يعقوب.. حين يقول الإمام في نهاية التوقيع: (وأمَّا وجْه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاعِ بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب).
  • — قوله: (أولئك المُخلصون حقّاً، وشيعتنا صِدْقاً..) هذا هُو الدينُ الزهرائي.
  • هذهِ المضامين الواردة في كلماتِ إمامنا السجّاد “صلواتُ اللهِ عليه” – بحَسَب عقيدتي – لم تَتحقّق على طُول عَصْرِ الغَيبةِ الكُبرى.. فإذا افترضنا وُجودَ أُناسٍ مِن هؤلاء فإنّنا لا نجدُ لهم أثراً.. لقد دُفنوا في حواشي الحياة.
  • الذي نَجدهُ في مَتن الحياة في الواقع الشيعي هُم الذين وَصَفَهم إمامُ زماننا بهذا الوصف: (السباريتُ مِن الإيمان) إنّهم أكثرُ مراجع الشيعةِ الذين خاطبهم إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ عليه” بهذا الخِطاب:
  • (مُذ جنحَ كثيرٌ منكم إلى ما كان السَلَفُ الصالحُ عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراءَ ظهورهم كأنهم لا يعلمون).
  • واقعُ المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّة الرسميّة يُشيرُ إلى ذلك.. وكذلكَ الثقافةُ القُرآنيّة في هذهِ المُؤسّسة، كُتُب التفسير مُنذ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى وإلى يومنا هذا.. كُتُب العقائد، طريقةُ استنباطِ الأحكام الشرعيّة، المُخالفاتُ الواضحة بين فتاوى المراجع وبين ما هو في حديثِ العترةِ الطاهرة.. كُلُّ هذا يُشيرُ إلى أنَّ السباريت أُولئكَ الذين جنحوا إلى ما كانَ السَلَفُ الصالحُ عنهُ شاسعاً، الذين نَبذوا العَهْد المأخوذَ مِنهم وراءَ ظُهورهم كأنّهم لا يعلمون هُم الذين تسيّدوا في الواقع الشيعي، فلا وُجودَ لِمِثْل هذا الوصْف.. الواقعُ هُو الذي يحكي عن نفْسهِ بنفسه.
  • ما عرضتُهُ في الحلقةِ الماضيةِ مِن أمثلةٍ ومِن مصاديق بالوثائق والحقائق والدقائق يُخبرنا بشكلٍ صريحٍ وواضح عن هذهِ الحقيقة التي أتكلّمُ عنها..
  • لا أُريدُ أن أُطيلَ الوقوفَ كثيراً هُنا.. إنّما أردتُ أن أُعرّفَ لكم رجلَ الدين الإنسان.. وبِحَسَب عقيدتي لا وُجود لَهُ في واقعنا الشيعي.. وإذا افترضتُ أنّهُ مَوجودٌ فإنّهُ على حاشيةِ الحياةِ الدينيّةِ في الواقع الشيعي.

  • رجل الدين الحمار: تُشيرُ إليه الآية (5) بعد البسملة مِن سُورة الجُمعة، قولهِ عزَّ وجلَّ: {مَثَلُ الذين حُمّلوا التوراة ثُمَّ لم يَحملوها كَمَثَلِ الحمارِ يَحملُ أسفاراً بئسَ مَثَلُ القومِ الّذين كذّبُوا بآياتِ اللهِ واللهُ لا يهدي القوم الظالمين}.. إنّهُ منهجُ رجل الدين الحمار.

  • الآية قالتْ: {كَمَثَلِ الحمارِ} ولم تقلْ: {كمِثْل الحمار} لأنَّ الحمار أفضلُ مِن هؤلاء.. مِثلما قال رسولُ اللهِ لكعب بن الأشرف في تفسير إمامنا الحسن العسكري “صلواتُ اللهِ عليه”: (يا كعب بن الأشرف، حمارك خير منك ..).
  • كعبُ بن الأشرف مِن شخصيّاتِ اليهود، مِن شُعرائهم وأُدبائهم المعروفين.. يعني مِن الرُموزِ الثقافيّة آنذاك عند يهود الجزيرة العربيّة.. الحكايةُ طويلةٌ، والحمارُ كانَ لَهُ موقف.. الحمارُ كانَ خيراً مِن كعب بن الأشرف.. وِلذا قال لهُ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله” (يا كعب بن الأشرف، حمارك خير منك ..) وأمّا في نُسخة بحار الأنوار: ( حمارك أعقل منك ).. والمعنى واحد.
  • ● الحمارُ خيرٌ مِن رجل الدين الحمار مِن أيّ ديانةٍ كانتْ.. الحديثُ هُنا عن التوراةِ وعن رجال الدين اليهود.. وفي أحاديثِ العِترة المُفسّرةِ للقُرآن إنّما ذَكَرَ القُرآنُ ذلك مَثَلاً لِتطبيقهِ في واقعِ هذهِ الأُمّة.
  • بِحَسَب أحاديث العترة الطاهرة فإنَّ الحمار ينقلُ الكُتُبَ على ظَهْره.. لكنّهُ لا يَعلمُ ما في هذهِ الكُتُب ولا يَفْهمُ ذلكَ ولا يَعملُ به.. ليس مَطلوباً مِن الحمارِ أن يكونَ قارئاً وفاهماً وعاملاً بها.. وِلذا فإنَّ الحمارَ في حَمْلهِ لهذهِ الأسفار هُو أفضلُ مِن العُلماء، مِن المراجع الذين يعدّون أنفُسهم مِن أهْل العِلْم وهُم لا يَفقهونَ العِلْم.. فيأتون مثلاً بما يُسمّى بِعلْم الرجال، والذي يدلُّ على عدمِ فِقْهٍ وعدمِ عِلْمٍ عند هذا الذي يَعتقدُ بهِ ويقومُ بتدميرِ ما جاءَ عن آلِ مُحمَّد مِن منظومةٍ فكريّةٍ قدّموا دِماءَهم لأجلها.. وهذا الحمارُ يأتي كي يُدمّر هذهِ المنظومةَ التي قُطّعتْ أكفُّ العبّاسِ لأجلها.. هذهِ المنظومةَ التي لأجلها ركضتْ الخيولُ على صدْر الحُسين وظهره.. هذهِ المنظومةَ التي لأجلها جرى ما جرى على آلِ مُحمّد..! ويأتي هؤلاء بسخافاتِ النواصب كي يُدمّروا ثقافةَ العترة الطاهرة.. قَطْعاً مِن دُون فَهْمٍ ومِن دُون دِرايةٍ للمضامين العَميقةِ والعاليةِ في هذهِ الأحاديث التي يُنكرونها.. هذا هو الاستحمارُ بعينه.
  • • قوله: {بئسَ مَثَلُ القومِ الّذين كذّبُوا بآياتِ اللهِ} مِن أوضحِ معاني “آياتِ اللهِ” هو حديثُ العترة.. فهُم آياتُ الله “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. وهذا الحديثُ مِن شُؤونهم، هذا الحديثُ مِن فروعهم.
  • رجلُ الدين الحمار هذا هُو نفْسهُ الذي تَحدّثتْ عنهُ سُورةُ لقمان في الآية 19 بعد البسملة، قولهِ عزَّ وجلَّ: {واقصدْ في مشيكَ واغضُضْ مِن صوتكَ إنَّ أنكرَ الأصواتِ لَصوتُ الحمير}.
  • في حديثِ العترةِ ليس الكلامُ في حقيقةِ الآيةِ في تأويلها الذي هُو التفسيرُ الحقيقي.. الآيةُ لا تتحدّثُ عن الحمير التي تُركَب، عن هذهِ الحيوانات.. فإنَّ اللهُ أجلُّ مِن أن يخلقَ خَلْقاً ثُمَّ يستنكرُ عليه.. فهو الذي أعطى هذهِ الأصوات للحمير.. الحمير هُم رُموزُ السقيفةِ، هؤلاءِ قَتَلَةُ الزهراء، هؤلاءِ الطواغيتُ الذين حاربوا عليّاً وفعلوا ما فعلوا.. إنّهم حميرُ جهنّم.
  • الآياتُ كُلّها تتحدّثُ في نفس الاتّجاه.. ما في سُورةِ الجُمعة وما في سُورةِ لُقمان هُو في نفْس الاتّجاه.. إنّهُ الاتّجاهُ البعيدُ عن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد.
  • تفريعاتٌ لهذا الموضوع واضحةٌ في الآية 31 في سُورة التوبة، قولهِ عزَّ وجلَّ:
  • {اتّخذُوا أحبارهُم ورهبانهُم أرباباً مِن دُون اللهِ…..* يُريدُون أن يُطفئُوا نُور اللهِ بأفواههم ويأبى اللهُ إلّا أن يُتمَّ نُورهُ ولو كَرِهَ الكافرون* هُو الّذي أُرسلَ رسُولهُ بالهُدى ودين الحقّ ليُظهرهُ على الدين كُلّه ولو كَرِه المُشركُون* يا أيُّها الّذين آمنُوا إنّ كثيراً مِن الأحبار والرُهبان ليأكُلون أموال الناس بالباطل ويَصدُّون عن سبيل اللهِ والّذين يكنزُون الذهبَ والفِضّة ولا يُنفقُونها في سبيل اللهِ فبشّرهُم بعذابٍ أليمٍ* يوم يُحمى عليها في نار جهنّم فتُكوى بها جباهُهُم وجنُوبُهُم وظُهُورهُم هذا ما كنزتُم لأنفسكُم فذُوقُوا ما كُنتُم تكنزُون* إنّ عدّةَ الشُهُور عند اللهِ اثنا عشر شهراً في كتابِ اللهِ يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض منها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدينُ القيّمُ فلا تظلمُوا فيهنَّ أنفسكُم وقاتلوا المُشركين كافّةً كما يُقاتلونكُم كافّةً واعلمُوا أنَّ اللهَ مع المُتّقين}.
  • ● قوله: {اتّخذُوا أحبارهُم ورهبانهُم أرباباً مِن دُون اللهِ} بِحَسَب أحاديثِ العترةِ الطاهرة إنّهم ما عَبَدوهم، ولكنَّ القومَ (الأحبار والرُهبان) أعطوهم دِيناً، حلّلوا لَهم وحرّموا لَهم فتبعوهم.. هكذا جاءَ في كلماتِ المعصومين في بيان معنى هذهِ الآية.
  • فإنَّ الأحبارَ والرُهبان ما قالوا للناس بصريح العبارة: “اعبدونا عبادةً”.. فهم لم يَعبدوهم، ولكنّهم تابعوهم وقلّدوهم.. حلّلوا لَهم حَلالاً، وحرَّموا لَهم حَراماً ليس وِفقاً لمنهج دين الله وإنّما وِفقاً لِمَنهجٍ هُم يَرتؤونَه هؤلاء الأحبارُ والرُهبان.. والأمرُ هو هو في هذه الأُمّة – إنْ كان في الوسط السُنّي أو كانَ في الوسط الشيعي – فالذي جرى في تلكَ الأُمم يجري في هذه الأُمّة كما أخبرنا بذلكَ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله”.. فهو الذي أخبرنا أنّهُ يجري في هذهِ الأُمّةِ ما جرى على الأُمم الماضية حذو النعلِ بالنعل وحَذو القُذّةِ بالقُذّة.. ولَو أنّهم دخلوا جُحْر ضبٍّ لدخلتم فيه.
  • ● قوله: {يُريدُون أن يُطفئُوا نُور اللهِ بأفواههم…} نُور اللهِ يتجلّى في حديثِ العترةِ الطاهرة (كلامُكم نور) وأتباعُ هذا المنهج (منهج رجل الدين الحمار) يُريدون أن يُطفئُوا هذا النُور.. وفِعْلاً أطفأوهُ للذين يُريدون أن يسلكوا سُبُل الظلام لقد أطفأوا لَهم الأنوار.
  • هؤلاء الذين يُريدون أن يُطفئوا نُور الله بـ(أفواههم) إنّهم يَتحدّثون بحديثِ العِلْم، بِحديث الفتوى.. وليس بالسيف، وليس عن طريق الحِرَف والمِهَن.. وإنّما (بأفواههم) يعني حديثُ ألسنة، منابر، عِلْم، فِقْه، فتوى.
  • ● قوله: {هُو الّذي أُرسلَ رسُولهُ بالهُدى ودين الحقّ ليُظهرهُ على الدين كُلّه ولو كَرِه المُشركُون} هذهِ الآياتُ تُحدّثنا عن المشروع المهدوي، تُحدّثنا عن الرجعةِ العظيمة.. كُلُّ المضامين تقودُنا إلى الدين الزهرائي {ذلكَ الدينُ القيّم}، {وذلكَ دينُ القيّمة} والقيّمةُ فاطمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.
  • ● قوله: {يا أيُّها الّذين آمنُوا إنّ كثيراً مِن الأحبار والرُهبان ليأكُلون أموال الناس بالباطل ويصدُّون عن سبيل اللهِ} زُوراً يأخذونَ الأموال مِن الناس عن طريق الدين، عن طريق التشريعات.. فيُشرّعونَ للناسِ مِن التشريعاتِ الباطلة ويأكلونَ أموالهم بهذهِ التشريعات.. فهؤلاءِ أحبار ورُهبان.
  • مِثلما هُو الحال في واقعنا الشيعي.. فإمامُ زماننا أباحَ الخُمْسَ للشيعة في زمانِ الغَيبة كما جاءَ في كلماتهِ الشريفة في توقيع إسحاق بن يعقوب في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] حين يقول الإمام “صلواتُ اللهِ عليه”:
  • (وأمّا الخُمس فقد أُبيح لشيعتنا وجُعلوا منه في حِلّ إلى وقت ظُهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث ..).
  • هذهِ إباحةٌ واضحة للخُمس.. ولاحظوا أنَّ كلمة (الخُمس) مُعرّفة بالألفِ والّلام.. هذهِ الألف والّلام للعَهْد الذهني.. فإنَّ المعهودَ في الذهن الشيعي هُو الخُمْس الذي نَعرفه.. أمَّا هذهِ التفسيرات والتحريفات التي يأتي بها المُعمّمون هي جُزءٌ مِن أكل أموالِ الناس بالباطل.. وإلّا فالكلامُ واضح.
  • مِثلما الإمام قال في نفس التوقيع : (وأمّا أبو الخطاب مُحمّد بن أبي زينب الأجدع فملعونٌ…) مِثلما هذا الإسْمُ (أبو الخطّاب) واضحٌ معروفٌ عند الشيعة، كذلكَ الخُمْسُ عُنوانٌ معروفٌ عند الشيعة.
  • أمّا هذا التلبيس الذي يقومُ بهِ أصحابُ العمائم، فهذا جُزءٌ مِن الدَجَل ومِمّا تقولُ بهِ الآيةُ: {يا أيُّها الّذين آمنُوا إنَّ كثيراً مِن الأحبار والرُهبان ليأكُلونَ أموالَ الناس بالباطل ويَصدُّون عن سبيل اللهِ} وسبيلُ اللهِ هُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “صلواتُ اللهِ عليهم”.
  • نحنُ نتحدّث عن واقعنا.. الأحبارُ لليهود، والرُهبانُ للنصارى، والمراجعُ والفُقهاءُ لنا.. الكلامُ هُو هُو فإنَّ القُرآن يَجري مَجرى الّليلِ والنهار، مَجرى الشمْسِ والقمر.. هذا هو واقعُ منهجِ رجل الدين الحمار.. فمِثلما ذمَّ القُرآن الذين حُمّلوا التوراة ثُمَّ لَم يحملوها وجعَلَ الحمارَ مَثَلاً لهم.. هُو هُنا يتحدّث عنهم، فيقول: {اتّخذُوا أحبارهُم ورهبانهُم أرباباً مِن دُون اللهِ}.
  • لو كانوا يُعلّمون الناسَ ما يُريدهُ الله لَما قال القُرآنُ عنهم هذا، ولكنّهم يُعلّمون الناسَ شيئاً لا يُريده الله.. (ومِثالُ ذلك ما ذكرتُهُ لكم في الحلقةِ الماضية.. فذِكْرُ عليٍّ واجبٌ في التشهّد الوسطي والأخير في الصلاة ومِن دُون هذا الذِكْر تكونُ الصلاةُ باطلة، وعَرضتُ لَكم الصلاةَ بِحَسَب فتوى الله سبحانه وتعالى وبِحَسَب فتوى مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، وحدّثتُكم عن صلاةِ الحمير والبِغال بِحَسَب قُرآن مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد المُفسّر بِحديثِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، فصلاةُ الحمير والبغال تشتملُ على الشهادةِ الأولى والثانية والثالثة، وحدّثتُكم عن صلاةِ النواصب.. فمِنهم مَن لم يُوجب التشهّد أصلاً في الصلاة ومِنهم مَن أوجبَهُ وجعله مِن شهادتين وصلاةٍ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد وهُو الشافعي.. وعرضتُ لكم صلاةَ المراجع.. فبأيّ صلاةٍ كانتْ صلاة المراجع أشبه..؟!
  • هل كانتْ شبيهةً بالصلاةِ بِحَسَب فتوى الله سبحانه وتعالى وفتوى مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد..؟! هل كانتْ شبيهةً بصلاةِ الحيوانات، بصلاةِ البغالِ والحمير..؟! أم كانتْ شبيهةً بصلاةِ الشافعي..! كُلُّ هذهِ الحقائقِ عرضتُها بين أيديكم.
  • ● قوله: {يا أيُّها الّذين آمنُوا إنّ كثيراً مِن الأحبار والرُهبان ليأكُلون أموال الناس بالباطل} هذا الوصْفُ يَجري على الأحبارِ والرُهبان وعلى غيرهم مِن الأثرياء.. لأنَّ الأحبار والرُهبان مِن الأثرياء.. ثراءُهم مِن الأموالِ التي يأكلونها مِن الناس بالباطل.
  • ● قوله: {والّذين يكنزُون الذهبَ والفِضّة ولا يُنفقُونها في سبيل اللهِ فبشّرهُم بعذابٍ أليمٍ} هذهِ الآيةُ هي مِصداقٌ مِن مصاديقِ الأموال التي تُكدّسُ في حِساباتِ المراجع وفي الحسابات التابعةِ للزعاماتِ الدينيّة.
  • ثُمَّ تتحدّثُ الآياتُ عن آلِ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم” فتقول: {إنّ عدّةَ الشُهُور عند اللهِ اثنا عشر شهراً في كتابِ اللهِ يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض منها أربعةٌ حُرُمٌ ذلك الدينُ القيّمُ فلا تظلمُوا فيهنَّ أنفسكُم وقاتلوا المُشركين كافّةً كما يُقاتلونكُم كافّةً واعلمُوا أنَّ اللهَ مع المُتّقين}.

  • رجل الدين الكلب: فتُحدّثنا عن هذا الصِنف مِن رجال الدين الآية 75 بعد البسملة وما بعدها مِن سُورة الأعراف، قولهِ عزَّ وجلَّ: {واتلُ عليهم نبأ الّذي آتيناهُ آياتنا فانسلخَ منها فأتبعهُ الشيطانُ فكانَ مِن الغاوين* ولو شِئنا لَرفعناهُ بها ولكنّهُ أخلدَ إلى الأرض واتّبع هواهُ فمَثَلُهُ كمَثَل الكلب إنْ تحملْ عليه يلهث أو تتركهُ يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذّبُوا بآياتنا فاقصصْ القصص لَعلّهُم يتفكّرون* ساء مثلًا القومُ الّذين كذّبُوا بآياتنا وأنفسهُم كانُوا يظلمُون}.

  • ● قوله: {واتلُ عليهم نبأ الّذي آتيناهُ آياتنا} إنّهُ بلعم بن باعوراء.. في رواياتنا أنّهُ بَلَغ درجةً مِن العِلْمِ أن كان مُطّلعاً على جانبٍ مِن أسرارِ الإسْم الأعظم.
  • ● قوله: {ولو شِئنا لَرفعناهُ بها ولكنّهُ أخلدَ إلى الأرض} أي رفعناهُ بذلكَ العِلْم الذي كانَ عندهُ.. وقولهِ: {ولكنّهُ أخلدَ إلى الأرض واتّبع هواهُ فمَثَلُهُ كمَثَل الكلب إنْ تحملْ عليه يلهث أو تتركهُ يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذّبُوا بآياتنا} الذين يُكذّبون بآياتنا هذا حالهم.. يَخلدون إلى الأرض، أي: يلتصقون بالأرض.. وهذا تعبيرٌ كنائي يُراد مِنه: يلتصقونَ بمناصب الأرض (بالزعامةِ في الأرض، يلتصقون بما يُعلي مِن مناصبهم، يلتصقون بما يجمعون مِن الأموالِ لإعلاءِ شأنهم..) أولئك الذين همّهم الأوّل والأخير الزعامة، الرئاسة والمرجعيّة.. تلكَ التي يتحدّثُ عنها المرجع الشلمغاني الملعون، الذي لَعنهُ إمامُ زماننا.. يقول الشلمغاني في لحظةِ صِدْقٍ وهُو يتحدّثُ بوجدانهِ ويَصِفُ لنا حَالتهُ وحالةَ الآخرين مِن رجالِ الدين في الصِراع على الزعامةِ والمرجعيّة في عَصْر الغَيبة الصُغرى، يقول: (لقد كنّا نتهارش على هذا الأمر – أيّ على الرئاسة الدينيّة والمرجعيّة – كما تتهارش الكلاب على الجيف..)!
  • هذهِ المضامين الشلمغاني أخذها مِن ثقافته.. فإنَّ وصْف الدُنيا بالجيفةِ هذا جاءَ في كلماتهم الشريفة “صلواتُ اللهِ عليهم”.. وجاءَ الحديثُ عن رجلِ الدين الكلب جاء في القُرآن أيضاً وفي رواياتهم أيضاً.. جاء وصْفهم بأشباه الكلاب {فمَثَلُهُ كمَثَل الكلب}.
  • ● قولهِ: {ساء مثلًا القومُ الّذين كذّبُوا بآياتنا} مِن أوضحِ مصاديقِ التكذيبِ بآياتِ الله أن نُكذّب أحاديثهم الشريفة “صلواتُ الله عليهم”.
  • ليس مِن المنطقي أنَّ الطوسي مثلاً، أو المُفيد أو الصدوق أو حتّى الذين سبقوهم ليس من المنطقي أن يُؤلّفوا كُتُباً ويُوفّروا لها أسباب حِفظها، وتبقى كُتُبهم مَحفوظةً إلى اليوم بين أيدينا، فيُقالُ هذا الكتاب الذي كتَبَهُ المفيد.. بغَضَّ النظر هل أنَّ الذي ذَكَرهُ في الكتابِ كانَ صحيحاً أو لم يكنْ صحيحاً.. ولكن الكتابَ بقيَ محفوظاً.
  • غريبٌ أن يكونَ الشافعي وأن يكونَ ابنُ حنبل، وأن يكون مالك الذي هُو أقدمُ مِنهم.. أن يكونَ لهم كُتُب وتَبقى هذهِ الكُتُب مَحفوظةً.. قَطْعاً ما مِن كتابٍ إلّا وتعرّض إلى جُزءٍ مِن التحريف أو التصحيف، ولكن تبقى هذهِ الكُتُب لأصحابها وبأسماء أصحابها.. وكُلٌّ مِنهم رتّبَ لهُ آليّةً لأجلِ أن تُحفَظ كُتُبهُ.. فلماذا أئمتُنا لم يُرتّبوا آليّةً لِحفظ أحاديثهم..؟! هل هُم سُفهاء؟! هل هُم أغبياء..؟! هل أنَّ الآخرين أكثرُ حِكمةً وذكاءً منهم..؟!
  • لِماذا لا نجدُ أحداً يأتي إلى كُتُب الطوسي مثلاً ويقول: مَن قال أنَّ هذا الفصْل الأوّل هو مِن كتاب الطوسي؟! لماذا كُتُب العلماء (مِن الشيعةِ، مِن السُنّةِ، وغيرهم..) لِماذا حُفظتْ.. والذين ألّفوها أوجدوا لها آليّةً لِحفظها.. بينما حديث العترة لم يُوجِد الأئمةُ آليّةً لِحفْظه..؟! فلماذا نُهاجمُ حديثهم..؟!
  • نعم يُمكن أن يُقال عن حديثِ العترة أنّهُ تعرَّض للتحريف وتعرّض للتصحيف.. ولكن كم هي نسبة التحريف أو التصحيف..؟! لِماذا يا مراجع الشيعة تحذفونَ مِن حديث العترة أكثر مِن 90% ؟!
  • هذهِ هي المُشكلة التي بين أيدينا..! هُم لم يُبقوا شيئاً مِن حديثِ العترةِ.. ما أبقوه أقل مِن 10% ..!!
  • فهل هذا منطقيٌّ أنَّ ما هو موجودٌ مِن حديثِ العترة لا تُوجد آليّة لِحفظهِ إلى الحدّ الذي لا يكونُ صحيحاً مِنهُ إلّا ما هو أقل مِن العُشْر، وأنَّ منظومةَ ثقافة أهْل البيت اختُرقتْ إلى هذا الحدّ بحيث أُضيفَ إليها أكثر من 90%..؟!
  • ونَحنُ عندنا سلسلة مُتكاملة مِن الأئمة المعصومين ابتدأتْ برسول الله وانتهتْ بالإمامِ الحُجّةِ، والإمامُ نظّم غَيبتهُ بطريقةٍ تتناسبُ مع غَيبةٍ قصيرةٍ لها شُؤونها ومع غَيبةٍ طويلةٍ لها شُؤونها.. فهل يُعقَل أنَّ أكثر مِن 90% مِن حديث العترة الطاهرة ليس بصحيح..؟! هذا هُو الذي يقوم به مراجعنا..!
  • ● قوله: {فمَثَلُهُ كمَثَل الكلب إنْ تحملْ عليه يلهث أو تتركهُ يلهث} لهاثُ الكلب أعتقدُ أنّهُ معروفٌ لِمَن رأى هذا الحيوان.. هُو في كُلّ أحوالهِ يفتحُ فَمَهُ ويُخْرجُ جُزءاً مِن لسانهِ، ويصدرُ مِنهُ صوتٌ خَفي وهُو صوتُ “الّلهاث” في كُلّ أحوله.. إنْ كان في راحةٍ أو كان في تعب.
  • قوله: {إنْ تحملْ عليه} أي إن تُشدّد عليه، إن تهجم عليه، أن تُتعبه يلهث.. أو تتركهُ مُرتاحاً يلهث.
  • وجهُ المُماثلة هُنا: أنَّ رجل الدين الكلب هو في كُلّ أحوالهِ يُريد الدُنيا، يُريد هذا المنصب ولا يُريد شيئاً غيره.. إنْ كان يُظهِرُ التديّن، أو كان يتحدّثُ بحديثٍ علمي، أو كان يعِظُ الناسَ فإنَّ حقيقتَهُ هُو كلبٌ لاهث.. مِثلما الكلبُ دائماً في حالةِ لُهاثٍ.. فرجلُ الدين الكلب أيضاً هُو في حالةِ لُهاثٍ مُستمرٍّ كي يصِلَ إلى المنصب.. والذين يعيشون قريباً مِن دوائر المرجعيّةِ في أجوائنا الدينيّة الشيعيّة يعرفون هذهِ الحقيقة.. يعرفون شِدّة الصراع وحِدّة السعي الشديد للوصولِ إلى منصب المرجعيّة.
  • هذهِ الصُور المقدّسة والصُور الأخلاقيّةُ العالية التي تُنقَل على المنابر إمّا أن تكونَ حدثتْ مرَّةً في زمنٍ بعيد، وإمّا هُو تصنيمٌ وكذبٌ وتثويلٌ مغناطيسي.
  • ● وقفة عند مثالٍ يختصرُ عليَّ الكثير مِن الحديث.. (المِثال عن الواقفة، الذين أسّسوا دينَ الواقفة..).

  • سُؤالٌ يطرحُ نفسهُ بعد هذه الإيضاحات: كيف نُميّزُ رجل الدين الإنسان مِن رجل الدين الحمار مِن رجل الدين الكلب؟

  • الجواب: التمييزُ يكونُ على أساسِ معرفة المنهج الذي يتّبعهُ رجل الدين هذا.. والتمييزُ يكونُ أيضاً على أساسِ السلوكِ الواضح البيّن الذي لا يقعُ في دائرة الاحتمال.. نَحنُ لا نَستطيعُ أن نُقيّم الأشخاصَ وفقاً للاحتمالاتِ ووفقاً للشكوك ووفقاً للظنون.. هذهِ قضيّةٌ خطيرةٌ جدّاً.. يُمكننا أن نعرفَ المنهجَ مِن خلالِ ما يتبنّاهُ مِن الفِكْر والعقيدة.. الذي لا نعرفُ مَنهجهُ ولا نعرفُ عقيدتَهُ لا شأن لنا به.. لا نَحكمُ عليه، ولا يَجوزُ لنا أن نَربطَ حياتنا الدينيّة بشخْصٍ نَحنُ لا نَعرفُ مَنهجهُ ولا نَعرفُ عقيدته.
  • إذا أردنا أن نكونَ على صِلةٍ عقائديّةٍ دينيّة برجلٍ دين.. أن يكونَ مصْدراً مَوثوقاً قد أعتمدُ عليه، قد أعودُ إليه، قد أُقلّدهُ، قد أأخذَ مَشورتَهُ في الشأن الديني.. فلابُدّ أن أعرف منهجه، لا بُدَّ أن أعرفَ عقيدتَه.
  • فرجلُ الدين لا يُقاسُ بمظهره، ولا يُقاسُ بانتمائهِ للأُسرةِ الفلانيّة، ولا يُقاسُ على أساسِ أنّني أعرفهُ معرفةً إجتماعيّة (مِن أبناء جيراننا مثلاً..) رجل الدين يُقاسُ وفقاً للمنهج الذي هُو عليه والذي مِن خلاله تتّضحُ عقيدتهُ ووفقاً لسلوكهِ الواضح.. فلا نَحكمُ على الناس مِن خلالِ شيءٍ ليس واضحاً.
  • ● المنهج العقائديُّ لابُدَّ أن نُشخّصهُ عند رجل الدين هذا.. هل هُو منهجٌ إبليسيٌّ، أم هُو منهجٌ زهرائي.. المنهجُ الإبليسيُّ هو أن يكونَ على دينٍ، عقيدةٍ، عبادةٍ، يأتي بها مِن حيثُ هو يُريد، مِن حيثُ حزبه يُريد، مِن حيثُ صَنَمهُ الذي يُصنّمهُ يُريد.. لا مِن حيثُ مُحمدٌ وآلُ مُحمّدٍ يُريدون.. وهذهِ القضيّةُ تتّضحُ بسهولةٍ مِن خلالِ أسئلةٍ بسيطةٍ يُمكن أن تُوجّه لرجلِ الدين هذا.. وِلذا عليكم أن تختبروا رجال الدين.. امتحنوهم.. مرَّةً تابعوا أحاديثهم على الشبكةِ العنكبوتيّة، ومرَّةً إذا كُنتم على مَقربةٍ مِنهم فسلوهم كي تكتشفوا أمرهم على أيّ منهجٍ هم..؟ هل هم على المنهج الإبليسي..؟ هل هو على هذهِ العقيدةِ لأنّهُ هُو الذي يُريدُ هذا..؟! لأنَّ حزبهُ هُو الذي يُوجّهه إلى هذا..؟! لأنَّ صنمهُ هو الذي يُريد هذا.. فهذا منهجٌ إبليسي.. المنهجُ الزهرائي أن يكون على دينٍ مِن حيثُ يُريدُ ذلك إمامُ زماننا، مِن حيثُ يُريد ذلك مُحمّدٌ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ عليهم”.. فهذا هُو الذي يُريدهُ الله سُبحانه وتعالى.
  • النقطة الأخرى: هي السلوك الواضح الذي لا غُبار عليه.. وهذا هُو الذي بيّنتهُ لنا روايةُ التقليد.. وبالمُناسبة: روايةُ التقليد هذهِ لا تتحدّث عن التقليد في الفتاوى والأحكام.. إذا كانتْ تتحدّثُ عن ذلكَ فهو في حاشية الموضوع، إنّها تتحدّثُ عن التقليد في العقائد.. لأنَّ الموضوعَ أساساً بدأ مِن هذهِ النقطة: مِن عقيدةِ اليهود بنبيّنا، هل يعتقدون بنبوّته أم لا.. الروايةُ طويلةٌ، وبدايةُ الروايةِ مِن هُنا: هل أنَّ اليهود يعتقدون بمُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله” أو لا يعتقدون؟ ثُمَّ بعد ذلك تبدأ المُقارنة بين أحبار اليهود وبين مراجع الشيعة، ويأتي التفصيلُ في الرواية.
  • أنا قد شرحتُ هذهِ الرواية مِراراً وكراراً.. وشرحتُها بشكلٍ كاملٍ في أكثر مِن برنامج.. يُمكنكم أن تدخلوا إلى الانترنت وتبحوا عن هذا الموضوع، فقد تحدّثتُ عن هذهِ الرواية بشكلٍ مُفصّل في برامج عديدة عِبْر هذهِ السنين الطويلة.
  • ● (وقفة عند مُقتطفات مِن رواية التقليد لإمامنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في تفسير إمامنا العسكري.. نَتعرّف مِن خِلالها على الفارق بين رجل الدين الحمار وبين رجل الدين الكلب مِن خلال المَنهج ومِن خلال السلوك..).

  • وقفة عند حديث أبي حنيفة مع الإمام الصادق عليه السلام في [كتاب القطرة للسيّد أحمد المُستنبط: ج1] والذي نقلهُ عن كتاب [كنز الفوائد] للكراجكي.
    في صفحة 13 جاء فيها: (أنّ أبا حنيفة أكل طعاماً مع الإمام الصادق جعفر بن محمّد صلوات الله عليهم، فلمّا رفع الصادق يده مِن أكله قال: الحمد لله ربّ العالمين، الّلهم هذا منك، ومِن رسولك “صلّى الله عليه وآله”. فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله، أجعلتَ معَ الله شريكاً؟

  • فقال “عليه السلام”: ويلك، إنَّ الله تعالى يقول: {وما نَقموا إلّا أن أغناهم الله ورسوله مِن فضله} ويقول في موضع آخر: {ولو أنّهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيُؤتينا الله مِن فضله ورسوله}.
  • فقال أبو حنيفة: والله، لكأنّي ما قرأتهما قط مِن كتاب الله ولا سمعتهما إلّا في هذا الوقت!
  • فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: بلى، قد قرأتهما وسمعتهما، ولكنّ الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك: {أم على قلوبٍ أقفالها} وقال: {كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}). هذهِ الصورةُ أليستْ مُنطبقةً إنطباقاً تامّاً على واقعنا..؟!
  • ● قوله: (ولكنّ الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك: {أم على قلوبٍ أقفالها}) إمامُنا السجّاد “صلواتُ اللهِ عليه” يقول: (آياتُ القرآن خزائن، فكلّما فتحتَ خِزانةً ينبغي لكَ أن تنظر ما فيها..).. مفاتيحُ هذهِ الخزائن يُرشدنا إليها إمامُنا باقر العلوم “صلواتُ اللهِ عليه” حين يقول:
  • (ذُروة الأمْر وسنامهُ ومِفتاحهُ وبابُ الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعةُ للإمام بعد معرفته).
  • والإمامُ نعرفهُ مِن خلالِ حديثهم “صلواتُ اللهِ عليهم” ومِن خلال القُرآن المُفسَّر بحديثهم.. ولكن هؤلاء السباريت حذفوا لنا الأحاديث التفسيريّة وحذفوا لنا الأحاديث التي تقودنا إلى معرفة إمامنا.. ثُمَّ رجعوا إلى الأحاديث التي نُنفّذ مِن خلالها طاعتنا لإمامنا فمزّقوها واختاروا منها ما يكونُ موافقاً لِذوق النواصب.. ومرَّ علينا المِثالُ في قضيّة ذِكْر عليٍّ في التشهّد الوسطي والأخير كيف أنّهم يقولون أنّهُ يُبطِل الصلاة مع أنّكم استمعتم إلى أحاديثِ العترة الطاهرة من تفسير الإمام العسكري.. فقالوا تلك الأحاديث ضعيفة واختاروا صيغةً مِن الصِيَغ الكثيرة للتشهّد التي تأتي موافقةً للشافعي..!
  • ● قوله: (وقال: {كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}) نحنُ عندنا في أحاديثِ العترة الطاهرة، أهل البيت صلواتُ الله عليهم يقولون: (إنَّ حديثنا جلاءَ القلوب) فهو الذي يُزيل الرين عن القلوب.

تحقَق أيضاً

الجزء ٢ والأخير

تقدّمَ الجُزءُ الأوّل حيثُ ناقشتُ بيانَ المرجعيّةِ الدينيّةِ العُليا في النجف الأشرف الذي …