حديثُ الغدير – عيد الغدير ١٤٣٩ﻫ

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 19 ذي الحجّة 1439هـ الموافق 31 / 8 / 2018م

  • {والذارياتِ ذَرْوا..} سُورةُ الذارياتِ تبدأُ بمجموعةٍ مِن الأقسام، ولا أُريد أن أقِفَ عليها.. وتترا الأقسامُ في هذهِ السُورة مُنذ بداياتها إلى أن نصِلَ إلى الآيةِ الخامسة وبعدها السادسة: {إنّما تُوعَدون لَصادق* وإنَّ الدين لَواقع}

  • إذا ما رجعتُ أُقلّبُ أحاديثَ العترةِ الطاهرة أجِدُ أبا حمزة الثمالي يُحدّثنا عن إمامنا باقر العلوم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في معنى هذهِ الآية مِن سُورة الذاريات {وإنَّ الدين لَواقع} فيقول الإمام “عليه السلام”: أنَّ الدين هُنا في هذهِ الآية الشريفة: هو عليّ.. فلا حاجةَ للحديثِ عن أُصولِ الدين وعن فُروع الدين وما فَرَّع وما قَسَّم وما شَقَّقَ وشَعَّب الذين أرادوا أن يرسموا منظومةً للعقائد لِشيعةِ علي
  • فالدينُ كما يقولُ باقرُ العترة وصادقُ العترة في تفسير القُمّي وغيرهِ مِن كُتُب أحاديثنا الأصليّة هو عليٌّ.
  • ● وما جاء في الآية 19 مِن سُورة آل عمران: {إنَّ الدين عند الله الإسلام} فإنَّ أحاديثَ العِترةِ الطاهرة تُخبرنا أنَّ الدين هُنا عليٌ.. والمُراد مِن الإسلام هُو التسليمُ لِعليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • إذا أردنا أن نتصفَّح أحاديثَ العترة الطاهرة في تعريف “الإسلام” نجد أنَّ الأئمةَ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” يُعرّفون الإسلام في كلمةٍ واحدة فيقولون:

  • الإسلامُ هو التسليم.. والمُراد مِن التسليم هو التسليمُ لرسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” كما تقول الآيةُ الكريمة في سُورة الأحزاب: {صلُّوا عليهِ وسلّموا تسليما} .
  • هُناك صلاةٌ بتراء في المُستوى الّلفظي وهي التي يُردّدها المُخالفون.. وهُناك صَلاةٌ بتراء في المُستوى العَمَلي وهي التي نُردّدُها نحنُ الشيعة..!
  • ● قولهِ عزَّ وجلَّ: {صلّوا عليهِ وسلّموا تسليما} التسليمُ هُنا في الأُفُق الأوّل يأتي بمعنى السلام، ولكن المعنى الأدق والأعمق فإنَّ المُراد مِن قولهِ {وسلّموا تسليما} هو التسليمُ لِمُحمَّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. كما نقرأُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة: (مَعَكم مَعَكم لا مع غيركم) هذا هو التسليم.
  • ● حينَ نُقلّب صحائفَ سِيرة العترة الطاهرة نجد أنّهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” دائماً حين يذكرون رسول الله يذكرون هذهِ العبارة (صلّى الله عليه وآله) وقليلاً ما يقولون: (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والسبب: لأنّهم “صلواتُ اللهِ عليهم” يُريدون أن يُشيروا إلى هذهِ القضيّة وهي أنَّ التسليم الوارد في قولهِ تعالى: {صلّوا عليهِ وسلّموا تسليما} في الأوّلويّةِ هو التسليمُ العقائدي، وفي الثانويّةِ هو تسليمُ التحيّةِ وتجديدُ العَهْد بالألفاظِ وبالأقوال.
  • ● المُخالفونَ حين يقولون: (صلّى الله عليه وسلّم) فهي صلاةٌ بتراء على مُستوى الألفاظ والأقوالِ.. وقَطْعاً مَن كانتْ صلاتهُ بتراء على مُستوى الأقوالِ والألفاظ، فهي بتراء وبتراء على المُستوى المعنوي والحقيقي.
  • نحنُ أُمرنا بالتسليم لِرسول الله في هذهِ الآية {صلّوا عليهِ وسلّموا تسليما}.. والتسليمُ لِرسول الله يكونُ بامتثالِ ما اشترطهُ علينا رسولُ اللهِ في بيعة الغدير.
  • بِحَسَب أحاديثِ العِترة الطاهرة نحنُ حينما بايعنا بيعةَ الغدير فإنّنا بايعنا رسول الله أولاً، ثُمَّ بايعنا عليّاً والمعصومين مِن بعدهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين” أن نأخذ التفسير مِن عليّ، وأن نأخذ قواعد الفَهْمِ والتقييم والقِيَم مِن عليٍّ.. مثلما قالها خاتمُ الأنبياء في خُطبةِ الغدير وفي تفاصيل عُهُودها وشُروطها ومَواثيقها (هذا عليٌّ يُفهّمُكم بعدي)
  • فقواعدُ الفَهْم والتفهيم وأُصولُ القِيَم والتقييم نأخذُها مِن عليّ.. فحينما نُعْرِض عن عليٍّ ونذهبُ باتّجاهاتٍ أُخرى – كما هو حال الواقع الشيعي مُنذ بداياتِ الغَيبةِ الكُبرى وإلى يومنا هذا إلى هذهِ الّلحظة – فهذا الإعراضُ عن عليٍّ هو صلاةٌ بتراء بالمعنى الحقيقي الكامل..!
  • ● إذا كان المُخالفون يُصلّون صلاةً بتراء بِحُدود الألفاظ، فإنَّنا نُصلّي صَلاةً بتراء ونُسلّمُ تَسليماً أبتر على رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” حين نُعْرِض عن تفسير عليٍّ للكتابِ الكريم، وحين نُعْرِض عن قواعد الفَهْم والتفهيم ونركضُ وراء أعداءِ عليّ كما هو واقعنا العلمي والعملي والحياتي مُنذ بداياتِ عصْر الغَيبةِ الكُبرى..
  • الدينُ عليٌّ ولا حاجةَ للبحثِ عن أصول الدين وعن فُروع الدين.. مثلما قالها سيّد الأنبياء لأمير المؤمنين: (يا عليّ.. أنت أصلُ الدين ومنارُ الإيمان).
  • ● الآيات في الكتاب الكريم التي ذكرتْ هذا العنوان (الدين) إذا رجعنا إلى أحاديثِ أئمتنا نجد أنَّ الدين في كلماتِ العترة الطاهرة هو الإمام المعصوم.. الدينُ هو عليٌّ.
  • قولهِ تعالى: {وإنَّ الدين لواقع} أي أنَّ الدينَ حقيقةٌ تتحقّقُ في الواقع الخارجي على صفحةِ الوجود.. حقيقةٌ تتحقّق في الكتاب التكويني (على مُستوى الآفاق، على مُستوى الأنفس) في الكتاب التشريعي، في الكتاب التدويني، ما يقولهُ الفلاسِفةُ، في عالم النفس الأمري… في أيّ شيءٍ هُناك حقيقةٌ تحقّق في صفحة الوجود.
  • عليٌ بما هو عليٌ حقيقةٌ نتلمّسها بِوجدانها الشيعي.
  • فحديثي هُنا هو حديثُ الوجدان الشيعي، فأنا لستُ في مقام المُحاججةِ والمُجادلةِ والمِراء ومقامِ إثباتِ شيءٍ.. حديثي هُنا حديثُ مكنونِ الضمائر الشيعيّة التي عانقتْ عليّاً في فِطرتها والتي لامستْ ولايتَهُ في مكنونِ خَلَجَاتِها وفي الواقع الذي يُحيطُ بها.. حديثي بهذا الاتّجاه وبهذهِ الذائقة.
  • ● حِين نستمرُّ في سُورةِ الذاريات بعد الآية السادسة، تأتي هذهِ الآيات: {والسماءِ ذاتِ الحُبُك* إنّكم لفي قَولٍ مُختلف* يُؤفَكُ عنهُ مَن أُفِك}
  • هذا القولُ المُختلف هو هو الذي جاءَ في أوائل سُورةِ النبأ بعد البسملة: {عمَّ يتساءلون* عن النبأ العظيم* الذي هُم فيهِ مُختلفون} القضيّةُ هي هي.
  • وإذا أردتُ أن أستمِرَّ في نَظْمِ آياتِ الكتاب الكريم بهذا التسلسلِ مِن الحديثِ عن الدين وعن الإيمانِ وعن الولاية، فلا يُشرِقُ فيما بينها إلّا شمسُ عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • وقفة عند حكايةٍ تدور حول هذا المضمون: {إنَّ الدين لواقع} حقيقةٌ نتلمَّسُها بِوجداننا وبِضمائرنا.

  • علماً أنّي أطرحُ هذهِ الحِكاية لا على سبيلِ المُحاججةِ والجَدَل، ولكنَّ الحكاية في جانبٍ منها تتحدّثُ عن هذهِ الحقيقةِ الواقعة التي تميلُ إليها الفِطْرةُ رَغماً عنها، ويتناغمُ الوجدانُ معها قَسْراً واضطراراً.
  • الحِكايةُ تعودُ بنا إلى سامرّاء في العراق.. وفي مقطعٍ زَمانيٍّ انتقلتْ فيهِ حوزةُ النجفِ إلى سامرّاء.
  • وبعد ذلك تجري السنون وتُطوى الأيّامُ ويعود علماءُ الشيعةِ إلى النجفِ وكربلاء، وبقي أفرادٌ منهم في سامرّاء.. أحدُ هؤلاءِ الذين بقوا في سامرّاء كان سيّداً مِن السادة الهاشميّين.
  • كان هذا السيّد يجمعُ بعضَ الناسِ في دارهِ وفي بيتهِ وكان يُحدّثُهم عن عليٍّ وعن حَسَنٍ وعن حُسين.. وهذا الأمر قد أغاظ القوم المُخالفين الذين في جواره، لأنّهم وجدوا أنَّ عددَ الناس الذين يرتادونَ بيتَهُ ومَجلسَهُ بدأ يكثرُ شيئاً فشيئاً..!
  • العقلاءُ منهم قالوا: لا نُهاجِمهُ، بعد أن اقترحَ مَن اقترحَ مِن الجيرانِ أن يهجموا على دارهِ وأن يعتدوا عليه، وأن يضغطوا عليه حتّى يرحلَ عن المدينة.
  • العقلاء منهم قالوا: نَحنُ نذهبُ إليه نُناقِشُهُ ونُبطِلُ حديثَهُ حتّى يرى الناس أنّهُ ليس على حقٍّ وأنَّ الحقَّ معنا.. وفِعْلاً اتّفقوا على أن يذهبوا إليه في نهايةِ الأسبوع في يوم الجمعة.
  • وصلتْ الأخبارُ لِهذا الرجل فأعدَّ منزلهُ لاستقبالهم.. وفي اليوم الذي كانَ مِن المُفترضِ أن يأتوا إلى داره، طَلَبَ مِن وَلَدهِ أن يأتيَهُ بآنيةٍ صينيّة (وعاء مُتّسع) مُميّز في شكلهِ، وقال لولده أن يُخرِج مِقداراً مِن النجاسةِ (مِن الغائط) مِن بالوعة المراحيض، وأن يضعها في هذهِ الآنية، وأن يضعَ الآنيةَ عند بوّابةِ الدار في المكان الذي يخلعُ فيهِ القادمون أحذيتهم.
  • الولدُ استغرب مِن الأمر، فهو لا يعلم الحكمة مِن ذلك، ولكنّهُ امتثلَ لأمر والده.. وفعلاً جاء الولدُ بهذهِ الآنية الصينيّة ووضعَ فيها مِقداراً مِن نجاسةِ الغائط التي استخرجها مِن بالوعةِ المراحيض ووضعَ الآنية عند البوّابة.
  • وجاء القوم.. وكان كلّما تقدّم أحدٌ منهم وخَلَع حِذاءَهُ كان يرى هذهِ الآنية فيها مِقدار كبير مِن الغائط.. فكانوا أيضاً فيما بينهم يتساءلون عن الحكمة مِن ذلك..!
  • إلى أن استقرَّ بهم المجلس وقرَّ بهم القرار.. فهذا السيّد قال لِولدهِ:
  • بُني فُلان.. خُذ هذهِ الآنية الموجودة عند الباب واغسلها جيّداً وطهّرها تماماً، ثُمّ احضر معها الآنية الثانية وضع في كِلا الآنيتين شيئاً مِن الفاكهة والحلوى والأكل للحاضرين.
  • وبالفعل دخل الإبنُ إلى البيت وجاءَ بآنيتين.. إحداهُما الآنيةُ المُميزة الشكل التي كانتْ موضوعةً عند الباب وفيها مِقدار مِن النجاسة، وآنيةٌ أخرى.. ووضع في كِلا الآنيتين فاكهةً وشيئاً مِن الطعام والحلوى وقدَّم كِلا الآنيتين للضيوف.
  • ولأنَّ الآنية التي كانتْ تشتملُ على النجاسة كانتْ مُميزةً في شكلها، فالجميع عرفها وميّزها.. فكانوا جميعاً يأخذونَ مِن الآنيةِ النظيفة.. أمَّا الآنية التي كانتْ تشتملُ على الغائط فرُغم أنّها غُسِلتْ جيّداً وطُهّرتْ ونُظّفتْ إلّا أنّهُ لم يمد أحدٌ يدهُ عليها.. فبقي ما فيها من طعامٍ على حالهِ.
  • بعد أن تمَّ تقديمُ ما تمَّ تقديمهُ إلى الضيوف قال السيّدُ لإبنهِ: بُني ضَعْ الآنيتين في وسط المجلس.. ثُمَّ التفتْ إليهم وقال لهم: تفضَّلوا، وقُولوا ما عندكم.
  • حين بدأوا بالحديث، قال لهم السيّد:
  • أنَّ القضيّة التي أتيتم مِن أجلها تماماً مِثل قضيّة هاتين الآنيتين.. نَحنُ أخذنا دِيننا مِن عليٍّ، وعليٌّ نظيف، وأنتم تعرفونهُ مِن البداية.. فأنتم بأنفسكم تقولون عنهُ: “كرّمَ اللهُ وجهه”.
  • بالنسبة لِرُموزكم، نَحنُ نَحترِمُهُم، ونَقبل هذا القول: “أنَّ الإسلامَ يَجَبُّ ما قَبله”.. ولكنّنا لا ننسى تأريخ أُمّهاتهم، وهذا التأريخُ القذر موجودٌ في كُتُبكم، ولا ننسى تأريخ آبائهم وأنتم أيضاً تعرفون ذلك.. تعرفون بأنَّ تأريخ آبائهم وتأريخَ أُمَّهاتهم، وسُجودهم للأصنام.. وووو… تأريخهم تأريخٌ أسود قذر.
  • فنحنُ ذهبنا إلى الوعاء النظيف، مِثلما فعلتم أنتم الآن مع هاتين الآنيتين.
  • فبرغم أنّنا نظّفنا آنيةَ الغائط وطهَّرناها وغسلناها جيّداً وأزلنا كُلَّ الأوساخِ التي فيها، لكنَّ الفِطرةَ والوجدان والنفس البشريّة لا تستطيبُ أن تأخذَ مِن هذهِ الآنيةِ القذرة.. فسكتَ القوم وأطرقوا برُؤوسهم وخرجوا.
  • ● أنا لا أُعلّقُ كثيراً على هذهِ الحادثة إلّا بما قالَهُ أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حين قال: أنَّ هُناكَ نوعانِ مِن العُيون: عُيونٌ صافية وعيونٌ كَدِرة.. والإمامُ الباقر حِين يقِفُ عند هذهِ الآية: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} يقول “عليه السلام”: (فلينظر الإنسان إلى عِلمِهِ هذا عمَّن يأخذه).
  • هُناك عيونٌ صافية وهُناك عيونٌ كدرة.. الأمرُ هو هو.
  • والدينُ حقيقةٌ.. فمِثلما أنَّ هؤلاء المذكورين في الحكاية – الذين حضروا بيت السيّد – مِن دُون أن يشعروا أقرُّوا بهذا الواقع وبهذهِ الحقيقة.. فالمَضمون هُو هو الذي أشارتْ إليهِ الآيةُ السادسة مِن سُورة الذاريات: {وإنَّ الدين لواقع} عليٌّ هو الدينُ وهو الحقيقةُ الواضحةُ.
  • وإنّني أُخاطبُ هُنا الذين يتواصلون مع عليٍّ بوجدانهم.. إنّني أتحدَّثُ مع الذين يتسامرون مع عليٍّ بِفطرتهم.. ولا أُريدُ أن أُفصّل في هذهِ الجهاتِ التي أشرتُ إليها، فالحديثُ فيها يطول.

  • وقفة أُشاركُكم فيها بِما أُهامِسُ نفسي به ممّا يجولُ في خاطري المُتثاقل بِلُباناتهِ وشواغلهِ.

  • جرفتني ذاكرتي جرفاً فأخذتني إلى أيّام الصِبا.. وأنا أُقلّب بين صحائفِ حافظتي، نَبعتْ لي قصيدةٌ قديمةٌ حفظتُها مِن أيّام الصبا..
  • أُشير إلى بداياتها.. وهي قصيدةٌ في الغزل للشاعر السُوري نزار قبّاني، عنوانها: “اختاري” مِن دِيوانهِ: (قصائد مُتوحشّة) يُخاطِبُ في هذهِ القصيدة معشوقتهُ المُتخيّلة ويقول:
  •  

    إنّي خيّرتُكِ فاختاري

     

    ما بينَ الموتِ على صدري..     أو فوقَ دفاتر أشعاري..

  • ● وأنا أُهامِسُ نفسي على نفس هذهِ النغمة وأقول:
  •  

    يا نفسُ إنّي حيّرتُكِ فاحتاري

     

    ما بينَ عليِّ الأعلى..     أو بين عليّ الكرّار..

  • ● عليُّ الأعلى: يُحدّثنا عنهُ صادقُ العِترة في [الكافي الشريف: ج1] بابُ حدوث الأسماء.. فيقولُ “عليهِ السلام”:
  • (إنَّ الله تباركَ وتعالى خَلَق اسْماً بالحُروف غير مُتصوَّت – لا تُوجد ألفاظ تُشير إليهِ – وبالّلفظ غيرَ مُنطَق، وبالشخص غير مُجسَّد، وبالتشبيه غيرَ موصوف، وبالّلون غير مصبوغ ، مَنفيٌ عنهُ الأقطار ، مُبَعّدٌ عنهُ الحُدود – حُدود الفِكْر والعقل – مَحجوبٌ عنهُ حِسُّ كلُّ مُتوهّم، مُستترٌ – بذاتهِ – غير مستور ، فجَعَلَهُ كلمةً تامّة..)
  • الحديثُ هُنا ليس عن الذاتِ الإلهيّة، وإنّما الحديثُ عن اسْمٍ مَخلوق..!
  • فلا الإدراك الحسّي ولا الإدراك العقلي ولا الإدراك المُتخيّل (في قُوّة الخيال) ولا حتّى الوهم.. كُلّ هذهِ القُوى والإمكانات مَحجوبةٌ عن إدراك هذا الإسم.
  • — قولهِ: (فجَعَلَهُ كلمةً تامّة..) هذا الإسم المخلوق الذي جَعَلَهُ كلمةً تامّة هُو نفسهُ الذي نتحدّثُ عنهُ في دُعاء البهاء في ليالي شهْر رمضان حِين نقول: (الّلهم إنّي أسألُكَ مِن كلماتكِ بأتّمها) هو الكلمةُ الأتمّ، وهو الكلمةُ التامّة.. وهو هو بنفسهِ الذي تحدَّث عنهُ دعاء التجلّي الأعظم (الذي يُقرأ في ليلة المبعث، وفي يوم المبعث) حين يقول الدُعاء:
  • (وبإسمكَ الأعظم الأعظم الأعظم الأعزّ الأجلّ الأكرم الذي خَلَقتهُ فاستقرَّ في ظِلّك فلا يخرجُ مِنكَ إلى غيرك)
  • فعليٌ الأعلى هو هذا الي تحدّثتُ عنه.
  • ● أمّا “عليٌّ الكرّارُ”: فهو ذلك الوجود الذي يكرُّ، يتحرّكُ.. ولكنّهُ يتحرّكُ إلى الأمام.
  • هو الكرّارُ يكرُّ في مُواجهة الجهل.. وهو الكرّارُ يكرُّ في مُواجهة الدُنيا.. وهو الكرّارُ يكرُّ حينما تزدحِمُ الجُمُوع، وحينما يتجبّرُ الفُرسانُ والأبطال فهو الكرّارُ الذي يكرّ ولا تقِفُ المعاني عند هذا.
  • هو الكرّار صاحبُ الكرّات وصاحبُ الرجعات وصاحبُ الدولاتِ العجيبات، وسيّدُ دولةِ الدُوَل في الرجعةِ الكُبرى..
  • هو الكرّارُ.. هو الذاتُ المُتكرّرةُ بِمظاهرها.. فهو الحاضِرُ عند كُلّ ميّتٍ تتكرّرُ مَظاهِرهُ وصُوَرهُ، وهُو الحاضِرُ مع كُلّ الأنبياء.. هو المُتكرّر كما يقول “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: (كُنُتُ مع الأنبياء باطناً ومع رسول اللهِ ظاهراً..)
  • هذهِ الذاتُ التي كرَّتْ وكرَّتْ وكرَّت إلى الإمام.. الذاتُ التي لا تتراجعُ على كُلِّ المُستويات.. حتّى على المُستوى البشري الحِسّي، العَرَضي حين قالوا له: “إنّكَ بِحاجةٍ إلى فرسٍ ناجيّة – وهي الفرس السريعة -” فقال “عليه السلام”: أنا لستُ مُحتاجاً لها لأنّني لا أفرُّ مِن بين يدي أحد، ولا أتبعُ فارّاً.. فلا أحتاجُ للفرس الناجية.
  • الكرّارُ هو الذي كرّ وكرّ وكرّ إلى أن فاضتْ شِفاهه في مِحراب الكوفة: (فُزتُ وربّ الكعبة)..! وأقول: ومتى لم يكنْ عليٌّ فائزاً..؟! إنّهُ نِداءٌ يتحدّثُ عن فوز الحقائقِ التي فازتْ بولايتهِ.
  • (علماً أنّني لستُ بِصددِ الحديثِ عن معنى الكرّار، وإنّما هي إشاراتٌ مُقتضبةٌ سريعة).
  • — أعود لِما أُهامِسُ بهِ نفسي وأقول لنفسي:
  •  

    إنّي حيّرتُكِ فاحتاري

     

    ما بينَ عليِّ الأعلى..     أو بين عليّ الكرّار..

     

    إنّي حَيّرتُكِ فاحتاري ما بين عليٍّ وعليٍّ وعليٍّ وعليٍّ وعليٍّ.     حتّى تخمُدَ أوتاري.

  • فعليٌ قبل الأشياء وعليٌ بعد الأشياءِ.. (أنا الأوّلُ أنا الآخرُ أنا الظاهرُ أنا الباطِنُ..) وهي كلماتُ عليٍّ التي يُردّدها في خُطَبهِ الافتخاريّة وفي أحاديثهِ الشريفة.
  • فعليٌ قبل الأشياءِ.. وعليٌ بعد الأشياءِ.. وعليٌ فوق الأشياءِ (ونحنُ في دستورنا العقائدي في الزيارة الجامعة الكبيرة نقرأ فيها هذه العبارة: “وذلّ كُلُّ شيءٍ لكم”).
  • عينٌ لامٌ ياءٌ في كُلّ الأقطارِ.. (وإنّني أتحدّثُ عن أقطار الوجود، لا أتحدّثُ عن أقطار الأرض).
  • عينٌ لامٌ ياءٌ في كُلّ الأقطارِ..
  • فعليٌ في الأُفُق الأعلى.. وعليٌ في الأُفُق الأدنى.. وعليٌ في الساكنِ والجاري (كما في الزيارة الجواديّة نقرأ: “بِهم سكنتْ السواكنُ وتحرّكتْ المُتحرّكات”).
  • فعليٌ في الأُفُق الأعلى.. وعليٌ في الأُفُق الأدنى.. وعليٌ في الساكنِ والجاري
  • إنّي خيرتُكِ فاختاري.. ما بينَ الجنّةِ والنارِ..
  • نار العِشْقِ “عشْقِ عليٍّ” سِرّ الأسرارِ..
  • أو نشوةِ جنّاتٍ مِن ألطاف عليٍّ نور الأنوارِ.. (كما نقرأُ في زيارةِ النُدبة الشريفة ونَحنُ نُخاطبُ إمام زماننا والخِطابُ لهم جميعاً: “فما شيءٌ منّا إلّا وأنتم لهُ السبب وإليه السبيل..”)
  • إنّي خيرتكِ فاختاري ما بينَ غديرٍ يسمو يسمو يسمو في أنقى الأفكارِ..
  • أو بينَ حمارٍ يحملُ أسفاراً لا يدري ماذا في الأسفارِ..!
  • إنّي خيّرتكِ فاختاري..
  • ما بين العيش والموتِ على حقٍّ في جنبِ عليٍّ والأطهارِ.. أو في خدمةِ أصنامٍ تهزأُ بالأخبارِ.. بالأخبار العَلَويّة والأقوالِ الزهرائيّةِ، ما عن باقرهم أو عن صادقهم في كُلّ الآثارِ..!
  • إنّي خيرتكِ فاختاري ما بينَ غديرٍ يسمو يسمو يسمو في أنقى الأفكارِ..
  • أو بينَ حمارٍ يحملُ أسفاراً لا يدري ماذا في الأسفارِ..!
  • إنّي خيرتُكِ فاختاري.. ما بينَ الجنّةِ والنارِ..!

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢١ – عقيدة التوحيد ما بين مراجع الشيعة والعترة الطاهرة ج٢

يازهراء …