إطلالة على هالة القمر – الحلقة ٦ – في أروقة زيارة العبّاس ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 20 صفر 1440هـ الموافق 30 / 10 / 2018م

  • هذا هو الجزء الرابع مِن العُنوان الذي شرعتُ فيه مُنذ الحلقةِ الثالثة مِن حلقاتِ هذا البرنامج: “في أروقةِ زيارة العبّاس صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وصلتُ معكم عند هذهِ العبائر مِن زيارة العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”:

  • (أشهدُ وأُشهدُ الله أنّك مضيتَ على ما مضى به البدريّون – أميرُ المؤمنين – والمُجاهدون في سبيل اللهِ، المُناصحون لهُ في جهاد أعدائهِ المُبالغون في نُصْرة أوليائهِ، الذابّون عن أحبائهِ، فجزاكَ اللهُ أفضلَ الجزاء وأكثر الجزاء وأوفر الجزاء وأوفى جزاء أحدٍ مِمَّن وفى ببيعتهِ واستجابَ لهُ دعوته، وأطاع ولاة أمره)

  • تقدَّم الكلامُ في الحلقاتِ الماضية مِن أنَّ هذا العنوان: “الإمامة” قد يأتي مُشتملاً على معنى الولاية، وقد يأتي العُنوان الثاني “الولاية” مُشتملاً على معنى الإمامة، وقد يأتيانِ بنفس المعنى فتكونُ الإمامةُ هي الولاية والولايةُ هي الإمامة.. حين أقول قد تأتي الإمامةُ تعبيراً اصطلاحاً تشتملُ على معنى الولاية، فإنَّ الولاية ستكونُ مِن شُؤون الإمامة.. وهكذا قد تأتي الولاية بمضمونٍ أوسع وتكونُ حينئذٍ الإمامةُ مِن شُؤونها، والمرادُ مِن الإمامةِ هُنا إذا كانتْ مِن شؤون الولاية هي إمامةُ الناس في دينهم وإمامةُ الناس في دُنياهم وهذا شأنٌ يسيرٌ مِن شُؤون إمامةِ مُحمّدٍ وآل محمّد التي هي بمعنى الولاية، والولايةُ بمعنى الربوبيّة، والمرادُ مِن الربوبيّة هُنا لا بمعنى ربوبيّة الخالق الأوّل الذي لا أوَّل لأوّليتهِ والآخرُ الذي لا آخريّة لِآخريّتهِ، وإنّما هي الولايةُ فيما ينبسطُ مِن فيضها على الخَلْق، وتلك هي الربوبيّةٌ بتعبيرٍ آخر.. فإنَّ الفيض ينبسطُ مِنهم وبهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” مثلما نقرأ في زيارة النُدبة الصادرة مِن الناحيّة المُقدّسة: (فما شيءٌ منّا إلّا وأنتم لهُ السبب وإليهِ السبيل) الفيضُ منبسطٌ مِنهم وبهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.

  • ● كما قُلتُ قبل قليل: المُصطلح الأوسع هو “الولاية”.. وهذا المُصطلح “وليُّ الأمر” أوسعُ مِن مُصطَلح الإمام في كثيرٍ ممّا جاء مِن أحاديثهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.. وهذا مصداقٌ مِن مصاديق ما أنا أُحدّثكم عنه.

  • (وأوفى جزاءِ أحدٍ مِمَّن وفى ببيعتهِ واستجابَ لهُ دعوته وأطاع ولاة أمرهِ)

  • طاعةُ العبّاس لولاةِ الأمر ليس بنفس المعنى الذي يصدرُ منّي أو منكم.. إنّنا حين نُطيعُ ولاةَ أمرنا (أعني أئمتنا مُحمّداً وآل مُحمّد “صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين”) إنّنا نُطيعُهم بعُنوان عُبوديّةِ الطاعة، وهذا المعنى يكونُ بحَسَب مُستوى عقيدتنا، ومُستوى الاعتقادِ عندنا يكونُ بحَسَب مَعرفتنا التي هي بحَسَب عُقولنا، فأين يكونُ هذا الكلام حينما أريدُ الحديثَ عن طاعةِ العبّاس لولاةِ الأمر..!
  • ● ولاةُ الأمر هؤلاء هُم الذين جاءَ ذِكْرهم في دُعاء شهْر رجب المروي عن إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. حين يقول الدعاء:
  • (الَّلهمَّ إنّي أسألكَ بمعاني جميع ما يدعوكَ به وُلاةُ أمركَ، المأمونون على سرّك، المُستبشرونَ بأمركَ، الواصفون لقُدرتكَ، المُعلنون لعظمتك…) ولاة الأمر هؤلاء هم الذين يقول عنهم الدُعاء: (لا فَرْقَ بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادكَ وخلقُك..)
  • ● ويستمرُّ الدُعاء فيقول: (فبهم ملأتَ سماءكَ وأرضكَ حتّى ظهر أن لا إله إلّا أنت)
  • أنا وأنتم لا نتمكّن أن نتوجّه في طاعتنا إلى هذهِ المضامين بِحَسَب الحقيقةِ، وإنّما كلامٌ نُلقلقُ بهِ على ألسنتنا، وهُناك صُورٌ مِن المعاني نُحاول أن نَتخيّلها بحَسَب ما نملكُ مِن مُعطياتٍ عِلميّةٍ ومعرفيّةٍ محدودة.. ومِن هُنا ستكونُ طاعتُنا بحَسَبنا. العبّاس حين يُطيعُ ولاةَ الأمْر إنّهُ يُطيعُهم مِن حيث هُو، مِن حيث تتجلّى هذهِ المعاني في عقلهِ وقلبهِ ورُوحه وكينونته ووجودهِ “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.
  • ● (فجزاكَ اللهُ أفضلَ الجزاء وأكثرَ الجزاء وأوفر الجزاء وأوفى جزاءِ أحدٍ مِمَّن وفى ببيعتهِ واستجابَ لهُ دعوته وأطاع ولاةَ أمره)
  • مِن هُنا حشَدَ إمامُنا الصادق هذهِ التعابير: (أكثر الجزاء، أوفر الجزاء، أوفى جزاء…)
  • كُلّ هذهِ التعابير حشَدَها إمامُنا الصادق في هذا النصّ لكي يُشعرنا بعظمة هذا المعنى ودقّته، فإنَّ طاعةَ العبّاس لولاةِ الأمر تتّخذ معنىً بحَسَبه هو.. فحينما أقول: أنَّ العبّاس هُو العبدُ الصالحُ المُطيع للهِ ولرسولهِ ولأمير المؤمنين ولفاطمة وللحسن والحُسين وللأئمةِ المعصومين مِن ولد الحُسين مِن سجّادهم إلى قائمهم ليس كما أتحدّثُ عن نفسي أو عنكم أو عن أيّ شيعيٍّ آخر.. والعبائرُ هذهِ تُشير إلى ما تُشيرُ إليهِ مِن عُمْق الدلالةِ وعظيم المعنى بحَسَب ما نستطيعُ أن نستشرفهُ في هذا النصّ الشريف، وتبقى القضيّةُ محكومةً بقانون المُدارةِ في البيان، وبعَجْز الّلغةِ عن التعبير عن عميق المُحتوى، ومِن هُنا يلجأ الإمام الصادق إلى حَشْد كلّ هذهِ العبائر لا لعجزٍ في بيان الإمام ولكنّ الّلغة عاجزة.

  • (أشهدُ أنّك قد بالغتَ في النصيحة، وأعطيتَ غايةَ المجهود..) هذا المعنى لا أستطيعُ أن أتصوّره.. غايةُ مجهودي يُمكنني أن أتصوّرها، ولكنّني لا أستطيعُ أن أتصوّر غايةَ مجهودكم، لأنّني لا أعرفُ نقاط قوّتكم ونُقاطَ ضَعفكم ولا أعرفُ ما تشتملُ عليه عُقولكم ولا ما يعتلجُ في بواطنكم مِن هواجس، مِن نوايا، مِن خَلَجات.. فأنّى لي أن أعرفَ غاية المجهودِ بالنسبة لكم.. فما بالكم حينئذٍ وأنا أتحدّثُ عن أبي الفضل العبّاس؟!

  • يُمكنني أن أُدركَ غاية مجهودي، لكنّني لا أُستطيعُ أن أُدركَ بنحو الحقيقة غاية مجهود أيّ شخصٍ آخر، لأنّني لا أملكُ من المُعطياتِ الحقيقيّة عن ظاهره أو عن باطنه، فكيف أتحدّث حينئذٍ عن غاية المجهود عند أبي الفضل العبّاس؟! وإنّما إمامنا الصادق هو الذي حدّثنا عن هذا، وهُنا نُطلقُ العنان للبيان الّلغوي ليس أكثر من ذلك، فغايةُ مجهود العبّاس لا أستطيعُ أن أُلمّ بحدودها.
  • ● قولهِ: (أشهدُ أنّك قد بالغتَ في النصيحة) المُبالغةُ في النصيحة المُراد منها : بذلُ كُلّ جُهْدٍ مُمكنٍ لأجل الذي أنا ناصحٌ له.. يعني : قد بالغتَ في النصيحةِ لِحُسينٍ.. هذا هو المُراد.
  • والمُبالغةُ في النصيحة قد تكونُ على مُستوى القول، الدفاعُ بالّلسان، تسخيرُ العِلْم، وتسخيرُ الّلغةِ، وتسخيرُ ما يرتبطُ بمنظومة الفِكْر والإدراكِ عند الإنسان عِبْر القَلَم أو عِبْر الّلسان أو عِبْر أيّ وسيلةٍ مِن وسائل التعبير هو هذا جانبٌ مِن المُبالغةِ في النصيحةِ في نُصْرة الذي أُريدُ أن أنصرهُ.. ولكنَّ الأمر لا يقِفُ عند هذا الحدّ، فإنَّ المُبالغة في النصيحةِ لابُدَّ أن تشتملَ على أنَّ العواطف وأنَّ الخَلَجات النفسيّة تكونُ مُوظّفةً في ليلها ونهارها في خدمةِ هذا الذي أنا ناصحٌ له، وبعد ذلك يأتي الجانبُ العضلي والفيزيائي والجسماني، وهكذا القضيّةُ مفتوحةٌ في جميع الاتّجاهات (في الجانب المالي، في الجانب الاجتماعي، في الجانب الثقافي..)
  • ما يستطيعُ الإنسان أن يقومَ به، تلكَ هي المُبالغةُ في النصيحة.. وإنّني أتحدّثُ عن شخصٍ مِن أمثالي.. أمَّا بالنسبةِ لحالِ العبّاس فإنّني لا أستطيعُ أن أتحدَّث عن حالِ كيانٍ يقولُ لهُ الحُسين: (بنفسي أنت)..! فعن أيّ شيءٍ أتحدّث..؟! ولكنّني أأخذُ الواقع النفسي لي ولأمثالي مثالاً، وسيلةً توضيحيّةً تقريبيّة كي أتحدّث عن أبي الفضل العبّاس عليه السلام فهذا هو الذي تصلُ إليه يدي، وهذا هو الذي يُلامسُ عقلي وفِكْري.

  • (فبعثكَ اللهُ في الشُهداء، وجعلَ رُوحكَ مع أرواحِ السعداء).

  • الحديثُ هُنا عن أعلى مُستوىً مِن المُستويات، وأعلى مُستوىً مِن مُستوياتِ الشُهداء هُم فقط مُحمّدٌ وآل مُحمّد.. باعتبار أنَّ هذا الدُعاء جاء مُتفرّعاً مِن المُبالغةِ في النصيحة ومِن إعطائهِ غاية المجهود، فجاء الدُعاء مُتفرّعاً على ذلك.. فهذهِ الفاء يُقال لها في أجواء البلاغة والعربيّة: “فاء التفريع” تُفرّعُ ما بعدها عمّا قبلها.
  • فالزيارةُ لا تتحدّث عن الذين قُتِلوا في ساحة المعارك، ولا تتحدّث عن الذين لهم مقامُ الشهادةِ مِن الأنبياء والأوصياء، فإنَّ الأنبياء من الشُهداء، وإنَّ الأوصياء من الشُهداء، وإنّ الصدّيقين من الشُهداء. هذهِ المُصطلحاتُ تتداخلُ فيما بينها.. تتّفقُ وتتوحّدُ في بعض الأحيان وتفترقُ افتراقاً كبيراً في أحيانٍ أُخرى، بِحَسَب الحيثيّة التي جاءتْ منظوراً إليها في النصّ المعصومي.

  • نقرأ في سُورة الفجر: {يا أيّتُها النفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مَرضيّة* فادخلي في عِبادي* وادخلي جنّتي}

  • ● قولهِ: {فادخلي في عِبادي} هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد، وقولهِ: {وادخلي جنّتي} في جنّةٍ خاصّةٍ.. الآيات لم تتحدّث عن جنان الخُلْد، وإنّما عن جنّةٍ لها خُصوصيّة. الآياتُ في أُفقها الأعلى تُشير إلى حُسينٍ عليه السلام وهذا ما ورد في أحاديثهم، وأنا لستُ بصدد تشقيق الحديث وتفصيلهِ
  • وفي آفاقها الأخرى، آفاقها العالية قطعاً تنطبقُ على أبي الفضل العبّاس.. والمضمون هو هو في زيارتهِ الشريفة حين تقول:
  • (فبعثكَ اللهُ في الشُهداء، وجعلَ رُوحكَ مع أرواحِ السعداء وأعطاكَ مِن جنانهِ أفسحَها مَنزلا وأفضلها غُرَفا، ورفع ذكركَ في عليّين…)
  • هذا المضمونُ فيه شيءٌ مِن التفصيل يُحدّثنا عن جانبٍ، عن جهةٍ مِن جهاتِ ما تُشير هذهِ الآياتُ إليها: {يا أيّتُها النفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مَرضيّة* فادخلي في عِبادي* وادخلي جنّتي}. بِحَسَب ما بيّنتُ فإنَّ هذهِ الآيات لها آفاق.. وذلك ما بيّنَتْهُ وشرحتْهُ لنا أحاديثُهم الشريفة، لأنَّ هذهِ الآيات في بعض آفاقها تُخاطبني أنا وتُخاطبكم أنتم، وهذا ما أخبرتنا عنهُ أحاديثهم الشريفة “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.
  • ● وقفة عند مقطع مِن حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج8] سدير الصيرفي يسأل الإمام الصادق فيقول:
  • (جُعلتُ فداك، يا بن رسول الله، هل يُكرَهُ المُؤمن على قَبْض رُوحه؟…) فيُجيب الإمام إلى أن يقول:
  • (يقول الإمام الصادق “عليه السلام”: يا أيّتُها النفسُ المُطمئنة إلى مُحمّدٍ وأهْل بيتهِ، ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مَرضيّةً بالولاية مرضيّة بالثواب، فادخلي في عبادي يعني مُحمّداً وأهل بيتهِ، وادخلي جنّتي…)
  • هذا الخِطابُ لي ولكم في أُفقٍ مِن آفاقِ هذهِ الآيات الشريفة.. في الّلحظاتِ الأخيرة حينما ننقطعُ عن الدُنيا ولم يبقَ فيما بيننا وبين الرحيل إلّا لحظات. مِثلما قُلتُ قبل قليل: إنّني أتحدّثُ عن حالي وعن حالكم كي أُقرّب الصُورةَ بِقدْر ما أستطيع إلى مجالٍ قريبٍ مِن فَلَكٍ يدور حول حقيقةٍ عظيمةٍ واسعة عنوانها: العبّاس.. هذا هو الذي أستطيعُ أن أقوم بهِ.. فماذا أصنع..؟!
  • ● قولهِ: {وادخلي جنّتي} إنّها جنّةُ الحُسين، وهي الآيةُ الوحيدةُ في القُرآن التي نَسَب الله تعالى فيها الجنّة إلى نفسه.. وقَطْعاً فَإنَّ العبّاس هُو في جنّة الحُسين. ونحنُ إذا كُنّا نستحقُّ هذا الخِطاب: {يا أيّتُها النفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مَرضيّة* فادخلي في عِبادي* وادخلي جنّتي} فإنّنا سنكونُ مع الحُسين في جنّتهِ.
  • يا خُدام الحُسين: جنّةُ الحُسين لا تُنالُ بهذا الهُراء الذي أنتم فيه، وإنّما تُنَالُ بالمعرفة.. فقولهِ: {يا أيّتُها النفسُ المُطمئنّة} الإطمئنانُ حالةٌ نفسيّةٌ وعقليّةٌ ووجدانيّةٌ لا يُمكن أن تتحقّق مِن دُون معرفةٍ ومِن دُون عِلْم.

  • (وحشركَ مع النبيّين والصدّيقين، والشُهداء والصالحين، وحَسُن أولئكَ رفيقا).

  • هذهِ العناوين مِثلما قُلتُ قبل قليل: قد تلتقي، وقد تفترق.
  • ● هناك مُشكلةٌ واضحةٌ في ساحة الثقافة الشيعيّة، وهي: هيمنةُ الثقافة المُخالفة لأهل البيت، هيمنةُ الفِكْر الناصبي..!
  • الفِكْرُ الناصبي يُركّزُ كثيراً على مُصطلح “النُبوّة” لأجل إزالةِ مُصطلح “الإمامة”، لأجل إزالةِ مُصطلح “الوصيّة”.. ويُؤكّد على فضْل الأنبياء الذين ذُكِروا في الكتاب الكريم بنحوٍ يُغلقُ على العقول أن تتدبّر في الآياتِ وفي الأحاديث، لأجل إلغاء فضل آل مُحمّد.. بل إنَّ الفِكْر الناصبي ينتقصُ مِن مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” لأجل أن ينتقصَ مِن العترة الطاهرة.. فإذا كان مُحمّدٌ مُنتقَصاً فإنَّ العترة الطاهرة ستكونُ مُنتقصةً ولا مجالَ للدفاع عن ذلك.
  • هذهِ المُشكلة تسرّبتْ إلى عُقول مراجعنا، ولِذا فإنَّ هُناك بين مَراجعنا من المُعاصرين الآن في النجف مَن يرى فضْل الأنبياء أُولي العزم على آل مُحمّد..!! وهذهِ القضيّةُ ليستْ محصورةً بهذا القائل أو بذاك القائل، فالثقافةُ الناصبيّةُ عصفتْ برُؤوس مراجعنا، وكُتُب التفسير عندنا مشحونةٌ بالفِكْر الناصبي، وخُطباء المِنبر يتحدّثون بالفِكْر الناصبي، وهكذا.. القضيّةُ مُنتشرةٌ، واسعةٌ جدّاً.
  • إذا ما رجعنا إلى ثقافة آل مُحمّد فالقضيّةُ مُختلفةٌ اختلافاً كبيراً.

  • وقفة موجزة أُحدّثكم فيها عن جانبٍ مِن ثقافةِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد فيما يتعلّق بهذه العناوين:

  • (وحشركَ مع النبيّين والصدّيقين، والشُهداء والصالحين، وحَسُن أولئكَ رفيقا).
  • النُبوّة: بِحَسَب منطق الكتاب والعِترة وظيفةٌ دُنيويّة لهداية الخَلْق، لِتعليمهم.. مِثلما نقرأ في سُورة الجُمعة قولهِ تعالى: {هو الذي بعثَ في الأميّين رسولاً مِنهم يتلو عليهم آياتهِ ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحكمة وإنْ كانوا مِن قبل لفي ضلالٍ مُبين}
  • النبوّة وظيفةٌ إلهيّةٌ دُنيويّة لِهداية الناس.. هُناك نبيّون، صدّيقون، شُهداء، وصالحون.. أمّا الشُهادةُ فهي وظيفةٌ إلهيّةٌ أُخرويّة.. الأنبياء يشهدون على أُمُمهم. نحنُ عندنا في الروايات والأحاديث أنّهُ ما مِن نبيٍّ إلّا وهو شهيد، وما مِن وصيٍّ إلّا وهو شهيد، شهيدٌ على أُمّته، شهيدٌ على الأجيال التي تنتمي إليه.. فما من نبيٍّ إلّا وهو شهيد، وما مِن وصيٍّ إلّا وهو شهيد، وكُلٌّ بِحَسَبه.. ومرَّ علينا أنّ حمزة وجعفر بأمر رسول الله هُما الشاهدان للأنبياء بما بلّغوا يوم القيامة.
  • النبوّةُ: وظيفةٌ إلهيّةٌ دُنيويّة لِهداية الناس.
  • الشُهادةُ: فهي وظيفةٌ إلهيّةٌ أُخرويّة.
  • وأمَّا الصدّيقيّةُ والصالحيّةُ فهي منازلُ ومراتب وحالاتٌ يكون عليها أصحابُها تتحدّثُ عن مدى قُربهم وبُعدهم من الجهة التي تمنحُهم وسام الصدّيقيّة والصالحيّة. قطعاً وسامُ الصدّيقيّة أعلى مِن وسام الصالحيّة، ولِذا في رواياتنا حِين يُحدّثنا إمامُنا الصادق عن أبواب الجنّة، فبابٌ للأنبياء والصدّيقيّن وبابٌ للشُهداء والصالحين.
  • عِلماً أنَّ الأنبياء شُهداء والصدّيقون شُهداء، ولكن هُناك مجموعةٌ تُوصَف بهذا الوصف (وصف الشُهداء) فمِثلما هُناك مجموعةٌ في الدُنيا تُوصَف بوصف “الأنبياء” فهُناك مجموعةٌ في يومِ القيامة في الآخرة تُوصَف بوصْفِ “الشُهداء”.. ولِذا قُلتُ قبل قليل: أنَّ هذهِ العناوين قد تلتقي، قد تتداخل، وقد تفترق.
  • (وقفة أقرّب لكم فيها الفكرة بمجموعة من الأمثلة من الكتاب الكريم).
  • ● سُورة البقرة الآية 124: {وإذ ابتلى إبراهيم ربُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنّي جاعلكَ للناس إماما قال ومِن ذُريّتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين}
  • الآية تتحدّث عن إبراهيم خليل الله الذي هو رسولُ الله ونبيّه، هو من أنبياء أُولي العزم..
  • — وقفة عند حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج3] في معنى قوله تعالى: {إنّي جاعلكَ للناس إماما…}
  • (عن زيد الشحام، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول: إنَّ الله تباركَ وتعالى اتَّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذهُ نبيّا، وإنَّ الله اتّخذهُ نبيّاً قبل أن يتّخذهُ رسولا، وإنَّ الله اتّخذهُ رسولاً قبل أن يتّخذه خليلا، وإنَّ الله اتَّخذهُ خليلاً قبل أن يتَّخذهُ إماما، فلمَّا جمَعَ لهُ الأشياء قال: {إنّي جاعلك للناس إماما} قال: فمِن عِظَمِها في عين إبراهيم قال: {ومِن ذُريّتي} قال: {لا ينالُ عهدي الظالمين} قال: لا يكونُ السفيهُ إمامَ التقي).
  • الرواية فَصَلَتْ بين العُبوديّة والنبوّة والرسالة والخِلّة وبين الإمامة، ثُمَّ بعد ذلك جُمعتْ كُلّها في عُنوانٍ واحد مِثلما قال إمامُنا الصادق: فلمَّا جمَعَ لهُ الأشياء قال: {إنّي جاعلك للناس إماما} وهذا هو الذي قصدتهُ من أنّ هذه المُصطلحات قد تجتمع وقد تفترق، والسرُّ فيها هو القُرْب والبُعْد مِن مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.
  • كُلّما التصقنا بأئمتنا ابتعدنا عن السفاهة، واقتربنا مِن الفقاهة.. وكُلّما ابتعدنا عنهم فإنّنا ذهبنا إلى السفاهة.
  • المرجعُ الذي يبتعدُ عن آل مُحمّد إنّه يذهبُ باتّجاهِ السفاهة، والمرجعُ الذي يقتربُ مِن آل مُحمّد إنّه يتّجهُ باتّجاه الفقاهة.
  • — رواية أُخرى في نفس الجزء : مقطع مِن حديثٍ طويل بين المفضّل بن عُمر والإمام الصادق “عليه السلام”. يقول المُفضّل:
  • (سألتهُ عن قول الله عزّ وجلَّ: {وإذ ابتلى إبراهيم ربُّهُ بكلماتٍ} ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلماتُ التي تلقّاها آدمُ مِن ربّه فتابَ عليه، وهو أنّهُ قال: يا ربّ، أسألكَ بحقّ مُحمّدٍ وعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تُبتَ عليَّ؛ فتابَ اللهُ عليه إنّه هو التوّاب الرحيم. فقلتُ له: يا ابن رسول الله، فما يعني عزَّ وجلَّ بقوله: فأتمهُنَّ؟ قال: يعني فأتمهُنَّ إلى القائم، اثني عشر إماماً، تسعةٌ مِن وُلْد الحُسين…)
  • الرواية واضحة وصريحة جدّاً في أنَّ مراتبَ الأنبياء (مِن أُولي العزم ومِن غيرهم)، في أنَّ مراتب الصدّيقين، في أنَّ مراتب الرُسل والأولياء والشُهداء والصالحين مدارُها هُنا في هذهِ الأسماء الطاهرة، مدارُها عند مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”
  • مثال آخر في نفس هذهِ الأجواء: سُورة طه في الآية 115 فيما يرتبط بأبينا آدم: {ولقد عَهِدنا إلى آدم مِن قبل فنسي ولم نجدْ لهُ عزما}
  • مِن هُنا لم يكنْ أبونا آدم مِن أولي العَزم، والآيةُ واضحةٌ صريحة.. أبونا آدم نبيٌّ هو صفيُّ الله، وهُو صدّيقٌ، وشهيدٌ، وصالحٌ، ولكنّهُ ليس مِن أولي العزم.
  • — وقفة عند حديث الإمام الصادق في [الكافي الشريف: ج1] – باب ما أُعطي الأئمة مِن اسم الله الأعظم – الحديث (2)
  • يقول إمامُنا الصادق “عليه السلام”: (إنَّ عيسى بن مريم أُعطي حَرفين كان يعملُ بهما، وأُعطي مُوسى أربعةَ أحرف، وأُعطي إبراهيم ثمانيةَ أحرف، وأُعطي نُوحٌ خمسةَ عشَرَ حَرْفا، وأُعطيَ آدمُ خمسةً وعشرينَ حَرْفا…)
  • فعددُ الحُروف عند أبينا آدم أكثر مِن عدد الحُروف عند أُولي العزم.. وهذا يُؤكّد ما قُلتهُ لكم: أنَّ النبوّةَ وظيفةٌ إلهيّةٌ دنيويّة، ومِثلما تلتقي هذهِ الأوصاف (النبيّون، الصدّيقون، الشُهداء، الصالحون) تلتقي وتفترق حُروفُ الإسْم الأعظم كذلك.. وأنا لستُ بصدد الحديثِ عن كُلّ هذه التفاصيل، إنّما أردتُ أن أقول: أنَّ الثقافةَ في الساحة الشيعيّة عن هذهِ المُصطلحات وعن هذهِ المعاني ما هي بثقافة العترة الطاهرة، إنّها ثقافةُ النواصب التي جاءنا بها مراجعنا وعُلماؤنا وأثبتوها في كُتُب التفسير وفي كُتب العقائد، وما لهم من علمٍ بثقافة الكتاب والعترة..!
  • — إذا رجعنا إلى سُورة الكهف، وقصّة موسى الذي هُو نبيٌّ من أنبياء أولي العزم مع وصيّه يُوشع بن نون: {فلمَّا جاوزا قال لفتاهُ..}.
  • في الآية 78 قال الخِضْرُ لِموسى: {قال هذا فراقُ بيني وبينكَ سأُنبّئُك بتأويلِ ما لم تستطعْ عليه صبرا}.
  • وفي الآية 82 يقول: {وما فعلتهُ عن أمري ذلكَ تأويل ما لم تسطعْ عليه صبرا} هُنا يتحدّث عن أنَّ الهُوّة قد كبرتْ.
  • الخِضرُ ليس بنبيّ، وحتّى لو كان نبيّاً فهو ليس برسول، وحتّى لو كان رسولاً – وهو ليس كذلك – فهو ليس من أولي العزم.. ورُغم ذلكَ فهُو يعرفُ ما لا يعرفهُ موسى النبيّ. هذهِ الثقافةُ الناصبيّة الموجودةُ في الساحة الشيعيّة تُخالفُ منطقَ القرآنِ وتُخالفُ منطق آل مُحمّد.. ولكنّنا ماذا نصنعُ لكبار مراجعنا وهُم يغوصون في الفِكْر الناصبي ليل نهار؟!
  • مثال آخر: موقفُ عيسى المسيح مع إمام زماننا.
  • عيسى المسيح نبيٌّ مِن أنبياءِ أُولي العزم، ولكنّهُ في الوقت نفسهِ هو جُنديٌّ مِن جُنود إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.
  • — ما مرَّ علينا مِن أنَّ الحمزة وجعفر هُما الشاهدانِ للأنبياء جميعاً، وقد قرأتُ عليكم الرواية مِن الجُزء الثامن مِن الكافي الشريف، وكيفَ أنَّ نُوحاً جاءَ يطلبُ مِن نبيّنا “صلّى الله عليه وآله” أن يُعيّن لهُ شاهداً يشهدُ له، فعَيّن النبيُّ الحمزة وجعفر، ونوحٌ هو شيخُ المُرسلين وهُو أفضلُ الأنبياء في دائرة الأنبياء (فنبيّنا الأعظم ليس داخلاً في هذا الحديث) فما الأنبياء إلّا قطراتٌ لا يُمكن أن تُقايس ببحر البُحور بمُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله”. والحالُ هو هو.. فإنَّ جميعَ الشُهداء يغبطونَ أبا الفضل في يومِ القيامة لعُلوّ منزلتهِ ولشَرف رُتبته، ومن هُنا قُلت: أنَّ هذهِ المُصطلحات تتداخلُ فيما بينها في بعض الأحيان، تلتقي، تفترق، تجتمع، تتشتّتْ.. وكُلٌّ بِحَسَبه.
  • هُناك نبيٌّ نبوّتهُ أعلى مِن شهادته، وهُناك نبيٌّ شهادتهُ أعلى مِن نُبوّته.. وهكذا الصدّيقون، وهكذا الصالحون.. والمَدارُ مُحمّدٌ وآل مُحمّد.. فما مِن نبيٍّ بُعث إلّا وقد بُعث بنبوّة نبيّنا وولاية عليٍّ والأئمة مِن آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم أجمعين”.. وقرأتُ عليكم في الحلقاتِ الماضية ما جاءَ مِن روايةٍ عن إمامنا باقر العلوم والتي يقول فيها: أنّ طاعةَ فاطمة مفروضةٌ على جميع الخلائق، ثُمَّ يُعدّد الإمام الباقر إلى أن يقول: والأنبياء والملائكة.. فما مِن نبيٍّ بُعث إلّا وقد بُعث بنبوّة نبيّنا وولاية عليٍّ والأئمة من آل مُحمّد

  • نَحنُ حينما نجد هذا المعنى واضحاً في حديثِ العترة الطاهرة أنَّ أمرهم صَعِبٌ مُستصعبٌ لا يَحتملهُ إلّا نبيٌّ مُرسل، فَإنَّ مِن الأنبياء مَن ليس مُرسلاً، أو مَلَكٌ مُقرّب، فإنَّ مِن الملائكة مَن ليس مُقرّباً، أو عبدٌ امتحن اللهُ قلبهُ للإيمان، فإنَّ مِن العباد مَن لم يُمتحن قلبه.. فهُناك مُساواةٌ بين الأنبياءِ المُرسلين وبين العباد الذين امتحنتْ قُلوبهم، ولا هم بأنبياء ولا هُم برسل ولا هُم مِن أولي العَزم.

  • وكذلك فإنَّ الأنبياء الذين هُم ليسوا بُمرسلين هُم دُون شأن العبد المُمتحن الذي يحتملُ أمرهم.. وحينما نستمعُ إلى إمامنا الصادق وهو يقول: إنّا أمرنا صعبٌ مُستصعبٌ لا يحتملهُ لا نبيٌّ مُرسل، ولا ملكٌ مُقرّب، ولا عبدٌ امتحن الله قلبهُ للإيمان، فحينما يُسأل الإمام: فمَن يحتملهُ إذاً..؟! قال: “مَن شئنا”.. هنا المدار.
  • فإنَّ “َمن شئنا” قد يكونون مِن أُولي العزم، قد يكونون مِن الأنبياء المُرسلين أم من الأنبياء غير المُرسلين، قد يكونون مِن الملائكة المُقرّبين أو غير المُقرّبين، وقد يكونون من العباد الذين امتُحنتْ قلوبهم للإيمان أو من غيرهم.. الأمرُ راجعٌ إلى مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. المدارُ هنا، بحَسَب حكمتهم وبحَسَب ما تقتضيهِ إرادتهم، فإرادتُهم إرادةُ الله.
  • أعتقدُ أنَّ المعاني تتّضحُ صورتها حينما أقول أنَّ هذه العناوين: (النبيّون، الصدّيقون، الشُهداء، الصالحون) قد تلتقي وتجتمع، وقد تفترق وتتباين وتتشتتْ، وكُلّ ذلك بِحَسَب المقاماتِ وبِحَسَب الّلحاظاتِ والحيثيّات.
  • ● وقفة عند مقطع من حديث سيّد الأوصياء في [بحار الأنوار: ج15]
  • (إنَّ الله تعالى خَلَق مِن نُور مُحمَّد عشرين بحْراً مِن نُور…) ثُمَّ تُفصّل الروايةُ في حديثها عن هذه البحور، إلى أن نصِل إلى هذا المقام، فتقول:
  • (ثُمَّ قام فقطرتْ منه قطرات، كان عددُها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخَلَق الله تعالى مِن كلّ قَطْرةٍ مِن نُوره نبيّاً مِن الأنبياء، فلمّا تكاملتْ الأنوار صارتْ تطوفُ حول نُور مُحمّد “صلّى الله عليه وآله” كما تطوفُ الحُجّاج حول بيتِ الله الحرام…)
  • مِن نُور مُحمّد خَلَق الله عشرين بحراً مِن نور ومِن تجلّياتهِ كانتْ هُناك قطرات، هذهِ القطرات هي قطراتُ نور الأنبياء.. فأين وجهُ المُقايسة بين هذهِ القطرات وبين هذه البحار، وأين وجه المُقايسة بين هذهِ البحار وبين نُوره الأعظم..؟!
  • وعليٌّ هو مُحمّدٌ وفاطمة رُوحهُ التي بين جنبيه، أوّلهم مُحمّدٌ، وأوسطهم مُحمّد، وآخرهم مُحمّد، بل كُلّهم مُحمّد.. فأينَ وجهُ المُقايسة بين الأنبياء وبين مُحمّدٍ وآل مُحمّد؟! هم يطوفون حول تجلّياتِ أنواره، وبِحَسَب القُرْب والبُعْد تتحقّق مَراتبهم وتتشخّص مقاماتهم.. وهذا هو الذي قصدتهُ أنَّ الثقافة في الساحةِ الشيعيّةِ ثقافةٌ ناصبيّة بعيدةٌ عن منطق الكتاب والعترة، وإذا أردنا أن نفهم زيارة العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” بمنطق ثقافةِ مراجعنا فإنّنا سنستخفُّ بحُرمةِ العبّاس.. لابُدَّ أن نعود إلى ثقافة عليٍّ وآل علي، وهذه أمثلةٌ مُقتطفةٌ منها.
  • ● قولهِ: (وحشركَ مع النبيّين والصدّيقين، والشُهداء والصالحين، وحَسُن أُولئك رفيقا) هذا لا يعني أنّهم هُم أعلى رُتبةً منه.. يُحشر معهم، والحشرُ معهم هو الكونُ في المكان الذي يكونُ فيه مُحمّدٌ وآل مُحمّد.. الجميع مِن النبيّين والصدّيقين والشُهداء والصالحين يغبطون العبّاس، لأنَّ جميع هؤلاء هم شُهداء، والشُهداء جميعاً يغبطون العبّاس يوم القيامة.. والنبيّين هنا هُم أصحابُ تلكَ القطراتِ النُوريّة التي قطرتْ مِن نُور مُحمّد “صلّى الله عليه وآله”.

  • (أشهدُ أنَّك لم تهنْ ولم تنكلْ، وأنَّك مضيتَ على بصيرةٍ مِن أمركَ مُقتدياً بالصالحين، ومُتّبعاً للنبيّين، فجمعَ الله بيننا وبينك وبين رسولهِ وأوليائهِ في منازلِ المُخبتين فإنّه أرحم الراحمين).. إلى هُنا ينتهي نصُّ الزيارة التي وردتْ في كتاب كامل الزيارات، ولكن يأتي بعدها دُعاء وداع.

  • علماً أنّهُ في مزار الشيخ المفيد وفي مزار السيّد ابن طاووس وغيرهما وردتْ إضافات أُخرى وتفصيل في زيارة العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وهذا ما نقلَهُ المُحدّث القُمّي.
  • والزيارةُ ودُعاءُ وداعها جاءتْ برواية أبي حمزة الثمالي عن إمامنا الصادق “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • ● قولهِ: (أشهدُ أنَّك لم تهنْ ولم تنكلْ) مِن الوهن وهو الضَعْف أو الخَوَر وهو الخوف أو الجُبن.. وقولهِ: “ولم تنكلْ” النكول هو الفرار والعجز.. وهذه المعاني بعيدةٌ جدّاً عن ساحة أبي الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ولكنَّ الزيارة بصدد بيان أحوال أبي الفضل.
  • ● قولهِ: (وأنَّك مضيتَ على بصيرةٍ مِن أمركَ مُقتدياً بالصالحين، ومُتّبعاً للنبيّين) الصالحون بِحَسَب منطق القُرآن هُم أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، كما أنّ البدريّون هُم أمير المؤمنين أيضاً.. والنبيّون هُنا : مُحمّدٌ “صلّى اللهُ عليه وآله”.. الأسوةُ الكاملة مُحمّدٌ المُصطفى ونفسهُ عليٌّ المُرتضى.
  • وكما قُلت قبل قليل: أنَّ هذهِ المُصطلحات في أُفُقها الأعلى هي في مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد، ولها آفاقٌ كثيرة.
  • ● في سُورة التحريم في الآية 4 والخطاب مُوجّهٌ إلى عائشة وحفصة:
  • {إنْ تتوبا إلى الله فقد صغتْ قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالحُ المؤمنين والملائكةُ بعد ذلك ظهير}
  • صالحُ المُؤمنين بِحَسَب حديث العترة هو أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” فقط.. يعني أنّ الذي ينطبق عليه عنوان “الصالح” بالمعنى الحقيقي الأتمّ الأكمل هو عليٌّ “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • فقوله: (أشهدُ أنَّك لم تهنْ ولم تنكلْ) أي لم يصدرْ منك ما فيه الإشارة إلى الجُبن، إلى الخوف، إلى التراجع، إلى النكوص إلى الوراء، إلى الفرار.. أساساً معنى كلمة العبّاس: هو الأسد الذي تفرُّ منه الأُسود.
  • ● (فجمعَ الله بيننا وبينك وبين رسولهِ وأوليائهِ في منازلِ المُخبتين فإنّه أرحم الراحمين)
  • المُخبتين: هُم الذين أخبتتْ قلوبهم إلى الله، ولا يُمكن لقلوبنا أن تُخبتَ إلى الله ما لم تُخبتْ لإمام زماننا.. أوّلُ خُطوةٍ هي المعرفة، وبعدها يأتي التسليم، وبعد التسليم تأتي السالميّة، وبعد السالميّة هُناك الإخبات.

  • في الدُعاء بعد زيارة العبّاس وصلاة ركعتي الزيارة نقرأ:

  • (الَّلهُمَّ صلّ على مُحمّدٍ وآل مُحمَّد، ولا تدعْ لي في هذا المكان المُكرّم والمشهد المُعظّم ذَنْباً إلّا غفرتَهُ، ولا همَّاً إلّا فرّجتهُ، ولا مَرَضاً إلّا شفيتَهُ ولا عيباً إلّا سترتَهُ ولا رِزقاً إلّا بسطتهُ ولا خَوفاً إلّا آمنته، ولا شملاً إلّا جمعته، ولا غائباً إلّا حفظتَهُ وأدنيته، ولا حاجةً مِن حوائج الدُنيا والآخرة لكَ فيها رضىً ولي فيها صلاح إلّا قضيتها يا أرحم الراحمين)
  • هذا الدُعاء مِن جوامع الأدعية ومُختصراتها.. دعاءٌ يتناسب مع المكان المُكرّم والمشهد المُعظّم كما جاء في الدعاء، وفي كُلّ ذلك إشارةٌ واضحة إلّا أنّنا في موطنٍ وفي محلٍّ هو من مواطن النظر الإلهي الخاص، هذا مركزٌ من مراكز الفيض.. إنّهُ بابُ الحوائج كما يُسمّيه الشيعة.. هُنا ساحةُ الفيض، مركزٌ إلهيٌّ للدعم الإلهي الخاص.. هنا العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. هُنا الجود والكرم، هُنا الرأفةُ والرحمة، وهُنا الّلطفُ والحكمة.. نَحنُ هُنا في أكناف قمر الحُسين في كربلاء.. ومِن هُنا جاء الدُعاء جامعاً وشاملاً.. وحينما جاء الدُعاء بهذهِ الصيغة فلأنَّ هذا المكان مُناسبٌ لأن تتحقّق فيه هذهِ المعاني، قَطْعاً بِحَسَب ما تقتضيهِ الحكمة، وبِحَسَب ما فيهِ المصلحةُ لهذا الداعي، وبِحَسَب ما يترتّبُ مِن منفعةٍ دُنيويّةٍ لا تتعارضُ مع العاقبةِ المَحمودة الحَسَنة. فقد يطلبُ الطالبُ شيئاً ممّا يحتاجهُ في هذهِ الحياةِ الدُنيويّة، فليس بُخْلاً مِن العبّاس “صلواتُ الله وسلامه عليه” أن يُمنعَ ذلك الشيء عنه، لكنّهُ لو نالهُ سيفتح له أبواباً تُبعدهُ عن مُحمّدٍ وآل مُحمّد.
  • ● مُحمّدٌ وآل مُحمّد هُم أبوابُ الفيض.. وهذهِ التسميةُ “بابُ الحوائج” تسميةٌ شيعيّةٌ بِحَسَب الثقافة الشيعيّة الإجتماعيّة المحدودة، وإلّا فالعبّاس هو بابُ الفيض، وما عنوان “باب الحوائج” إلّا عنوانٌ فرعيٌّ مِن ذلكَ العُنوان الكبير.. إنّهُ بابُ الفيض، إنّه بابُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.

  • (ثُمَّ عُد إلى الضَريح فقفْ عند الرجلين وقلْ: السلامُ عليكَ يا أبا الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، السلامُ عليكَ يا بن سيّد الوصيّين..)

  • أبو الفضل لهُ كُنيتان: الأولى: أبو الفضل، والكُنية الثانية: أبو القاسم.

  • (السلامُ عليكَ يا بن أوّل القوم إسلاماً وأقدمهم إيماناً وأقومهم بدين اللهِ وأحوطهم على الإسلام..)

  • هذهِ التعابيرُ تأخذنا إلى أمير المؤمنين، وهذهِ التعابير تقرنُ بين العبّاس وبين أبيه سيّد الأوصياء.. فإنَّ الزيارة تدفعُنا كي نستشرفَ المعاني العَلَويّة في قمر الهاشميّين، إذْ أنّ العبارات قد اختيرتْ بدقّةٍ مُتناهية، فتحدّثتْ عن جوانب مِن شخصيّة سيّد الأوصياء هي هذهِ التي كانتْ واضحةً في شخصيّة العبّاس، وبنحوٍ خاص في أرض الطفوف.
  • ● قولهِ: (وأحوطهم على الإسلام) وهل كان في كربلاء غير العبّاس أحوط على الحُسين وعلى آل الحُسين..؟!
  • صُورةٌ تتجلّى مِن عليٍّ في الطفوف.. لمحةٌ حيدريّةٌ واضحة.. هُو الذي ذَخَره لِحُسينٍ في الرجعة.

  • (أشهدُ لقد نصحتَ للهِ ولرسولهِ ولأخيك، فنِعْمَ الأخُ المُواسي)

  • ● وقفة عند حديث الإمام في كتاب [بحار الأنوار: ج19] صفحة 81 لقطةٌ مِن مُؤاساةِ أمير المؤمنين لِرسول الله “صلّى الله عليه وآله”
  • (فقالَ رسولُ الله “صلّى الله عليه وآله” لعليٍّ: أرضيتَ أن أُطلب فلا أُوجد وتُوجد..؟ فلّعلهُ أن يبادر إليكَ الجُهّال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول الله، رضيتُ أن يكون روحي لروحك وقاء، ونفسي لنفسك فداء، بل رضيتُ أن يكونَ رُوحي ونفسي فداءٌ لأخٍ لكَ أو قريبٍ أو لبعضٍ الحيوانات تمتهنُها، وهل أُحبُّ الحياة إلّا لِخدمتك والتصرّف بين أمركَ ونهيك، ولمحبّة أوليائك، ونُصْرةِ أصفيائك، ومُجاهدةِ أعدائك؟ لولا ذلكَ لما أحببتُ أن أعيشَ في هذهِ الدُنيا ساعةً واحدة..)
  • هذا النسيجُ وهذا النَظْم في زياراتهم وفي أدعيتهم “صلواتُ الله وسلامه عليهم” لا يُماثلهُ نَسْجٌ ولا نَظْمٌ في أيّ مجموعةٍ ثقافيّةٍ أُخرى.. أنا أتحدّثُ عن عشراتِ الآلاف من النُصوص التي نُسجتْ بهندسةٍ خاصّة وبرموزٍ مُعيّنة وبلحنٍ مُميّز.. ولِذا الزيارةُ بدأت بجُمَلٍ تتحدّث عن جانبٍ مِن شؤون سيّد الأوصياء، ثُمّ عطفتْ الكلام وبشكلٍ جميل جدّاً عن قمر الهاشميّين.
  • مِثلما كان عليٌّ مُواسيّاً لِرسول الله “صلّى الله عليه وآله”، فإنّك يا أبا الفضل مُقتديّاً بالصالحين ومُتّبعاً للنبيّين، ولذا كُنتَ نِعم الأخُ المواسي.. وأفضلُ تعبيرٍ ورد عندنا عن مواساة قمر الهاشميّين ما جاء في زيارة الناحية المُقدّسة (زيارة الشُهداء) حين تقول الزيارة:
  • (السلامُ على العبّاس ابن أمير المؤمنين المُواسي أخاهُ بنفسه، الآخذِ لغَدِهِ مِن أمسه، الفادي لهُ الواقي، الساعي إليهِ بمائه، المقطوعةِ يداه، لعن اللهُ قاتلهُ يزيد بن الرقّاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي)
  • ● قولهِ: (الآخذِ لغَدِهِ مِن أمسه) الأمس هُنا عاشوراء، والغد هُنا الرجعة، الخُطوة الأولى للمشروع الحُسيني العِملاق كانت في كربلاء سنة 61
  • ● قوله: (الفادي لهُ الواقي) هي نفس التعابير الواردة في حديث سيّد الأوصياء مع رسول الله ليلة المبيت حين قال: (بلى يا رسول الله، رضيتُ أن يكون روحي لروحك وقاء، ونفسي لنفسك فداء…)
  • وقول سيّد الأوصياء لرسول الله: (لولا ذلكَ لما أحببتُ أن أعيشَ في هذهِ الدُنيا ساعةً واحدة) هو نفس المضمون في كلمات قمر بني هاشم: (يا نفسُ مِن بعد الحُسين هُوني، وبعدهُ لا كُنتِ أو تكوني، هذا حُسينٌ واردُ المنونِ، وتشربين بارد المعينِ؟!..)

تحقَق أيضاً

الندوة الثالثة والأخيرة

يازهراء …