إطلالة على هالة القمر – الحلقة ٧ – في أروقة زيارة العبّاس ج٥

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 21 صفر 1440هـ الموافق 31 / 10 / 2018م

  • هذا هو الجُزءُ الخامس مِن العنوان الذي تقدّمتْ الحلقاتُ السابقةُ في أجوائه : “في أروقةِ زيارة العبّاس صلواتُ الله وسلامه عليه”.

  • وصلتُ في قراءتي لعبائر الزيارة الشريفة لقمر بني هاشم إلى هذهِ العبارات:
  • (أشهدُ لقد نصحتَ للهِ ولرسولهِ ولأخيك، فنِعْمَ الأخُ المُواسي، فلعنَ اللهُ أُمّةً قتلتكَ ولعنَ اللهُ أُمة ظَلَمَتْكَ ولعنَ الله أُمّةً استحلَّت منكَ المحارم وانتهكتْ حُرمة الإسلام)
  • كما بيّنتُ في الحلقاتِ المُتقدّمة مِن أنّني لا أقِفُ عند كُلّ مُفردةٍ مِن مفرداتِ هذهِ الزيارة، لأنّني لو فعلتُ ذلك فإنَّ البرنامج سيطول.. لِذا فإنّني سأُسلّطُ الضوء على أهمّ الجوانب الواضحة جدّاً في أهميّتها في عبائر هذهِ الزيارة.
  • ● (فلعنَ اللهُ أُمّةً قتلتكَ ولعنَ اللهُ أُمة ظَلَمَتْكَ ولعنَ الله أُمّةً استحلَّت منكَ المحارم وانتهكتْ حُرمة الإسلام)
  • أُريدُ أن أقف وقفةً قصيرة عند هذهِ العبارة: (وانتهكتْ حُرمة الإسلام) هذا التعبيرُ لا يُقال لأيّ شيعيٍّ مِن شيعةِ العترة الطاهرة.. لو قُتِلتُ أنا أو قُتِل أيُّ واحدٍ منكم، أو قُتِلتْ أيُّ شخصيّةٍ مُهمّةٍ من عامّة الشيعة كأن يُقتلَ مرجعٌ مِن مراجع الشيعة أو زعيمٌ مِن زُعماء الشيعة أو أيّ شخصيّةٍ مُهمّة، فلا يُمكن أن نقول في حقّها ما جاء في هذهِ الزيارة الشريفة فنقول: أنَّه بقتلهِ انتُهكتْ حُرمة الإسلام.
  • يُمكن أن يُقتَل شهيداً، يُمكن أن يُقتَل مظلوماً، يُمكن أن تكون فجيعةٌ في القلوب لأجل المُصاب بهذهِ الشخصيّة المُهمّة في الواقع الشيعي.. يُمكن، ويُمكن.. ولكن لا يصحُّ أن نقول أنّ حُرمة الإسلام هُتكتْ، أو قتْل الإسلام بقتل هذا الزعيم الشيعي (سياسيّاً كان أو مُجتمعيّاً) بقتل هذا المرجع، أو العالم، أو الفقيه، أو المُفكّر.. هذه الجُملة لا تُقال إلّا لشخصٍ كالعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وهذا يدلُّ على المُستوى الذي يجبُ علينا أن نتحدّث عنه حينما نتحدّث عن أبي الفضل “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”
  • ● مثلما بيّنتُ في الحلقاتِ المُتقدّمة، فإنَّ العبّاس أقربُ ما يكون إلى الأئمة المعصومين الأربعة عشر، هو وجههم، ومِن هُنا جاء هذا التعبيرُ دقيقاً:
  • (فلعنَ اللهُ أُمّةً قتلتكَ ولعنَ اللهُ أُمة ظَلَمَتْكَ ولعنَ الله أُمّةً استحلَّت منكَ المحارم وانتهكتْ حُرمة الإسلام)

  • وقفة عند هذا المقطع مِن زيارة الناحيّة المُقدّسة التي يُزار سيّد الشُهداء في كتاب [بحار الأنوار: ج98] حين تقول الزيارة:

  • (فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قتلوا بقتلك الإسلام..)
  • حين قُتِل الحُسين قُتِل الإسلام.. وهذا النَظْمُ وهذا النَسْجُ وهذهِ التعابيرُ تُحدّثكَ بصراحةٍ عن صِحّةِ هذه النصوص.
  • الزيارةُ دقيقةٌ في التعبير هي وزيارةُ العبّاس.. فحين تقول زيارة الناحيّة: (لقد قتلوا بقتلك الإسلام) لأنَّ حقيقة الإسلام وجوهر الإسلام وأصلُ هو الإمام المعصوم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”. هُنا في زيارة العبّاس جاء هذا التعبير: (وانتهكتْ حُرمة الإسلام) فارقٌ كبير بين الإمام سيّد الشُهداء وبين أبي الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهما”.. فبِقتل الحُسين قُتِل الإسلام، وبِقتل العبّاس انتُهكتْ حُرمة الإسلام.
  • الحُرمةُ مِن الحريم، وحريمُ الدار: هو ما يُحيط بها، وحَرَم المسجد هو ما يُحيطُ بنفس المسجد.. وحريمُ الملك: هو المساحة التي تُحيطُ بقصر الملك. فنحنُ عندنا (الإسلام) وعندنا (حريمُ الإسلام) وهو أقربُ شيءٍ إليه.. فحين قُتِل الحُسين قُتِل الإسلام، وحين قُتِل العبّاس انتُهكتْ حُرمة الإسلام.. المعاني هي هي. وكما قُلتُ لكم في الحلقاتِ الماضية أنَّ العبّاس هو الناطقُ الرسمي عن دم الحُسين، الناطقُ الرسمي عن الدم الذي سكن في الخُلد فاقشعرّتْ لهُ أظلّة العرش.. العبّاسُ هو وجهُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. فبِقتلهِ قُتِل حريمهم.
  • أمّا سيّد الشُهداء فإنَّ بقتلهِ قُتِل الإسلام، لأنَّ الحُسين هُو جوهر الإسلام وحقيقتهُ وأصله، وأقرب ما يكون إلى هذا الجوهر هو حَريمهُ، وحريمهُ: هو المكان الذي لهُ مِن الحقوق ولهُ مِن الكرامة التي يجبُ المُحافظةُ عليها بسبب التصاقهِ بالأصل.. ومِن هُنا يُقالُ حُرماتُ الله، أيّ أنّها مُلاصقةٌ لهُ، قريبةٌ لهُ.. فلابُدّ أن يكون لها مِن الاهتمام والاحترام والتقديس والتبجيل بسبب قُربها.
  • حُرماتُ الله هي حريمُ الله، وحريمُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد السيّد فيه هو أبو الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.. ولِذا حين ظُلِم، وحِين قُتِل، وحِين استُحلّتْ منه المحارم انتُهكتْ حُرمة الإسلام.. فهذا التعبير لا يُمكن أن يُطلق على أيّ شيعيّ مهما بلغ حتّى لو كان سلمان المُحمّدي.. الذي ينسجمُ مع سلمان وأمثالهِ هو هذه العبارة: (إذا مات العالم ثُلمتْ في الإسلام ثلمة لا يسدُّها شيء)
  • إنّني لا أتحدّث هُنا عن مراجعنا.. فهذه تُقال في حقّهم جُزافاً، فإنَّ العالم هو العالمُ بحقائق الكتاب والعترة، لا الذي ملأ رأسهُ بالفكر الناصبي، ولا الذي لا يعرفُ شيئاً من حقائق القرآن إلّا وفقاً للمنهج العمري في التفسير كما عليه مراجعنا ومُفسّرونا حينما فسّروا القرآن وألّفوا الكُتُب الكثيرة في هذا الموضوع.
  • العالم الذي إذا ما مات ثُلِمتْ في الإسلام ثَلمة لا يسدّها شيء سلمان وأضراب سلمان.. هؤلاء إذا ماتوا ثُلمتْ في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء.

  • السيّد الخُوئي في كتابهِ [التنقيحُ في شرح العروة الوثقى – مباحث الإجتهاد والتقليد] في صفحة 220 السيّد الخوئي يتحدّث عن شرائط موضع التقليد.

  • بعد أن ينقل أحاديث عن العترة الطاهرة يُؤكّدون فيها على الرجوع إلى الفقيه الذي هو شديدُ الحُبُّ لآلِ مُحمّد ومِمّن لهُ ثباتٌ تام في أمرهم، هو يُضعّف هذهِ الروايات ويقول حتّى لو كانتْ هذه الروايات وهذه الأحاديث صحيحة فإنّنا لا نعمل بها قطعاً.. يقول:
  • هو يُضعّف هذهِ الروايات ويقول حتّى لو كانتْ هذه الروايات وهذه الأحاديث صحيحة فإنّنا لا نعمل بها قطعاً.. يقول:
  • (وأمَّا الروايةُ الثانيةُ فهي غيرُ معمولٍ بها قطعاً) سواء كانت صحيحة أم لم تكن.. ويعني بالرواية الثانية هذهِ الرواية: (رجلان يكتبان إلى الإمام الهادي “عليه السلام” عمَّن يأخذان معالم دينهما، فالإمام أجابهما وقال: فاصْمِدا في دِينكما على كُلّ متينٍ في حُبّنا، وكُلّ كثير القَدَم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إنْ شاء الله تعالى)
  • السيّد الخُوئي ضعّف هذه الرواية بِحَسَب قذاراتِ علم الرجال الناصبي.. ولكن يقول حتّى لو كانتْ صحيحة فإنّنا لا نعملُ بها قطعاً..!! ثُمّ يُعلّل ويقول:
  • ( للجزم بأنَّ مَن يُرجَعُ إليهِ في الإحكام الشرعية لا يُشترَطُ أنْ يَكون شديد الحبّ لهم أو يكون مِمَّن لهم ثباتٌ تام في أمرهم عليهم السلام)
  • مِن أين جاء السيّد الخوئي بهذا الجزم..؟! هل جاء بهِ من الكتاب الكريم..؟! هذا الكتاب الكريم يُحدّثنا عن أنَّ الذين آمنوا هم أشدُّ حُبّاً لله.. وأمَّا أحاديث العترة فهي تُشدّد معنى الحُبّ لأهل البيت كما مرَّ في رواية الإمام الهادي “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”. هذا الجزم مِن عنده، بسبب تأثّرهِ بالفِكر الناصبي، فقد تأثّر مثلما تأثّر الذين سبقوه من مراجعنا والذين جاءُوا من بعدهِ مُتفرّعين عن مرجعيّته.
  • ● لنفترض أنّنا نُوافق السيّد الخُوئي على هذا الهراء وعلى هذا المنطق المُخالف لمنطق الكتاب والعترة بدرجة 100%.. لو فرضنا أنّنا وافقنا على كلام السيّد الخُوئي ومات هذا المرجع الذي ليس شديد الحُب لأهل البيت وليس لديه ثبات تام في معرفتهم كما هو حال أكثر مراجعنا من السابقين ومن المُعاصرين.. فهل بموت هذا المرجع يُثلم الإسلام؟! بموتِ هؤلاء يُعمّر الإسلام لا أنّهُ يُثلم.

  • أعودُ إلى زيارة أبي الفضل “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: (فنِعْمَ الصابر المُجاهد المُحامي الناصر والأخ الدافعُ عن أخيه، المُجيب إلى طاعة ربّه، الراغبُ فيما زهد فيه غيرهُ مِن الثواب الجزيل والثناء الجميل، وألحقكَ اللهُ بدرجةِ آبائكَ في جنّات النعيم).

  • العُنوانُ الأوّل في آبائهِ هو أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه.. قَطْعاً لن يكون العبّاس بدرجةِ أمير المؤمنين، وإنّما يُلحَقُ به.
  • العبّاسُ يكونُ حريماً لأمير المُؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. المعنى دقيقٌ جدّاً، والعبائرُ في غاية النَظْم والبلاغة والحُسن في الاختيار.. فمِثلما جاءتْ العبارةُ في لعن الأُمّةِ التي انتهكتْ حُرمة الإسلام بقتلهِ “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” جاء الدُعاءُ من الزائر المُحبّ.
  • مثلما مرَّ الحديث مِن أنَّ العصمةَ التي هي عِصمةُ الله هي عِصمةُ الأئمة المعصومين الأربعة عشر، ثُمَّ تأتي درجاتُ العِصمةِ المُلحقةِ بهم تباعاً، فالأقربُ إليهم هُو الأعلى رُتبةً في العِصمة والفَضْل.. وها هو العبّاسُ يُمثّلُ حُرمتهم.. فحُرمةُ الإسلام هي حُرمةُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.. سيّدُ هذا المقام أبو الفضل “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.
  • ● قولهِ: (وألحقكَ اللهُ بدرجةِ آبائكَ في جنّات النعيم) كما قُلت: آباؤُه بالعُنوان الأوّل: سيّد الأوصياء، وبالعنوان الثاني: أبو طالب، عبد المُطلب “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.. وبنحوٍ مُوجز: أبو طالب وعبد المُطّلب في رواياتنا هُما مِن أوصياء إبراهيم، وفي رواياتنا أيضاً أنَّ أوصياء إبراهيم أنبياء، فعلى هذا أبو طالب نبيٌّ معصوم وعبد المُطّلب نبيٌّ معصوم.. وهذا مثالٌ يُمكن أن يُضاف إلى حديثي الذي مرَّ في الحلقة المُتقدّمة فيما يرتبطُ بتداخل هذهِ العناوين: (النبيّون، الصدّيقون، الشُهداء، الصالحون، الأولياء، الأوصياء، الأئمة..)
  • يُمكننا أن نُضيف ما يرتبطُ بأبي طالب وعبد المُطّلب مِن كونهم أوصياء لإبراهيم، ومِن كون أوصياء إبراهيم أنبياء، تتلاقى هذهِ المعاني وهذهِ المضامين مع الكلام المُتقدّم في الحلقة الماضية.

  • بعد أن نقول: (وألحقكَ اللهُ بدرجةِ آبائكَ في جنّات النعيم) نتحوّل إلى الدُعاء لأنفُسنا، فقد اقتربنا مِن نهاية الزيارة الشريفة.

  • (الَّلهُمَّ إنّي تعرّضتُ لزيارة أوليائكَ رغبةً في ثوابكَ ورجاءً لمغفرتكَ وجزيلِ إحسانك، فأسألُكَ أن تُصلّي على مُحمّدٍ وآلهِ الطاهرين، وأن تجعل رزقي دارّاً، وعيشي بهم قارّاً – من القرار والاستقرار- ، وزيارتي بهم مقبولة، وحياتي بهم طيّبة، وأدرجني إدراج المُكرمين، واجعلني مِمَّن ينقلبُ مِن زيارة مشاهدِ أحبائكَ مُفلحاً مُنجحاً قد استوجبَ غُفران الذنوب وسَتر العُيوب وكشف الكروب إنّك أهل التقوى وأهل المغفرة)
  • إلى هنا تنتهي زيارةُ أبي الفضل العبّاس بِحَسَب ما جاءتْ في مفاتيح الجنان.. لم يبقَ عندنا إلّا دُعاء الوداع.

  • وقفة عند هذه العبارة: (فأسألُكَ أن تُصلّي على مُحمّدٍ وآلهِ الطاهرين، وأن تجعل رزقي دارّاً، وعيشي بهم قارّاً، وزيارتي بهم مقبولة، وحياتي بهم طيّبة)

  • هذهِ الجملة: (وحياتي بهم طيّبة) تكادُ أن تجمعَ كُلَّ المعاني.. والمرادُ: أن تطيبَ حياتُنا بسببهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. وهُنا أعودُ بكم إلى ما جاءَ في زيارةِ أئمةِ البقيع “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” إذْ نقرأ فيها هذه العبارات:
  • (وجعل صلاتنا عليكم، وما خصّنا به مِن ولايتكم، طِيباً لِخَلقنا، وطهارةً لأنفُسنا، وتزكيةً لنا، وكفَّارةً لذُنوبنا، إذْ اختاركم اللهُ لنا وطيّب خلقنا بما منَّ علينا مِن ولايتكم..)
  • وهذا نحوٌ مِن أنحاء التطييب.. فتكفيرُ الذنوب نحوٌ مِن أنحاء التطييب.. وكلماتُ المعصومين تقول: لا تُؤذوا الملائكةَ بروائح ذُنوبكم، لأنَّ الذنوب لها روائح كريهة جدّاً.. بل حتّى النوايا السيّئة لها روائح كريهة كما ورد في الروايات الشريفة.. الأعمال الصالحة روائحها طيّبة، والأعمال الطالحة روائحها كريهة.
  • ● الأحاديثُ عن النبيّ وعن العترة الطاهرة تُحدّثنا بهذا المضمون: أنّه لو أنَّ الناس شمّوا بعضهم البعض لَما التقى اثنان.. لأنّنا مُذنبون، ولأنَّ الروائح الكريهة لِذنوبنا تصدرُ منّا.
  • ولهذا ورد في أحاديثهم الشريفة: “طيّبوا أفواهكم بعطر الاستغفار” لأنَّ الاستغفار لهُ عطرٌ يُزيلُ الروائح الكريهة.. فهذا مِصداقٌ من مصاديق التطييب، كما قرأنا في زيارة العبّاس: (وحياتي بهم طيّبة)
  • ● قوله: (وطيّب خلقنا بما منَّ علينا مِن ولايتكم) تطييبُ خلقنا لا يعني أنَّ الروائح الكريهة للذنوب سنتطهُّر منها.. تطييبُ خلقنا لكي نكونَ مُستعدّين لِقَبولِ ولاية عليٍّ وللتسليم لعليٍّ وللسالميّة لعليٍّ وللاخباتِ لعليٍّ.. ولِذا إمامُ زماننا أباح الخُمس في زمان الغَيبةِ وبيّن لنا أنَّ مِن جُملة الحِكَم ومِن جُملة الغايات التي لأجلها أباح الخُمس وما أوجبهُ على شيعتهِ في عصر الغَيبة هو تطييبُ موالدنا كما جاء في رسالة إمام زماننا لإسحاق بن يعقوب: (وأمَّا الخُمس فقد أُبيح لِشيعتنا وجُعلوا منهُ في حِلٍّ إلى وقت ظُهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث..)
  • هذا جانبٌ مِن حكمةِ هذا التشريع، وإلّا فإنَّ الإمام “صلواتُ الله وسلامه عليه” كما هو أُسلوبُ آبائهِ وأسلوبه أيضاً حينما يتحدّثون عن حِكَم الأحكام والتشريعات، يُبيّنون دائماً جانباً منها.. فطيبُ الولادة هو جُزءٌ من هذا المعنى.
  • فقولهِ: (وحياتي بهم طيّبة) جُزءٌ من معنى تطييب الحياة لنا ولأولادنا ولِذوينا وعوائلنا هو طيبُ الولادة، تكفيرُ الذنوب.. وهذا الطيبُ يتجلّى فينا بنحو التبعيّة، بنحو التفرّع، بنحو التشيّع، بنحو الالتصاق بهم، بنحو التوجّه إليهم.. الزيارة تحدّثتْ عن جوهر هذهِ الطيبةِ وهذا التطييب، وهذا الطيّب والطيّبات كما جاء في زيارة أئمة البقيع (ولم تشركْ فيكم فِتن الأهواء. طِبتم وطَاب مَنبتكم. مَنَّ بكم علينا ديّانُ الدين…) إلى أن تقول الزيارة: (وطيّب خلقنا بما منَّ علينا مِن ولايتكم) هُم جوهرُ الطيبةِ والتطييب أصلُ الطيّب والطيّبةِ والطيّبات.
  • وفي الزيارة الجامعة الكبيرة نقرأ هذه العبارات: (وجعل صلاتنا عليكم، وما خصّنا به مِن ولايتكم، طِيباً لِخَلقنا، وطهارةً لأنفُسنا، وتزكيةً لنا، وكفَّارةً لذُنوبنا، إذْ اختاركم اللهُ لنا وطيّب خلقنا بما منَّ علينا مِن ولايتكم)
  • والطهارةُ تطييب، الطهارةُ تنظيف، الطهارةُ تنقية.. تطييبٌ مِن أجمل معاني التطييب.. وقول الزيارة: (وتزكيةً لنا) التزكيةُ تطييبٌ أيضاً.
  • هذا الموضوع موضوعٌ فيه تفصيل.. هُناك طِيبٌ لِخلقنا في أصْل تكويننا وهذا قد يعودُ بنا إلى عالم الأرواح أو ما يُعرف بعالم الذرّ، ويعودُ بنا إلى تكوين النُطفةِ وأنا لا أُريد أن أخوض في كُلّ هذه التفاصيل.. وإنّما أقول:
  • هناك تطييبٌ وطيبٌ لتكويننا الخلقي يُشكّل هذا قاعدةً لقبول الولاية العَلَويّة.. ولكن هُناك تطييبٌ بغُفران ذنوبنا، وهذا يتحقّق بالتوفيق الواصل إلينا مِن إمام زماننا، وإنّما يكونُ ذلك بنظرة لُطفٍ ورعايةٍ منه “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ومِن أسباب الحُصول على هذا المعنى هو أن نكونَ في حرم العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. ولا أعني بالحَرَم العبّاسي الحرم الجُغرافي، وإنّما أتحدّثُ عن الحرم المعنوي، فالعبّاسُ هو وجهُ إمامِ زماننا وقد بيّنتُ هذا المعنى فيما سَلَف من الحَلقات.
  • ● هُناك مُصطلحانِ في ثقافتنا:
  • المُصطلح (1): الحلالُ.. وهو طعامُ الناس.
  • المُصطلح (2): الحلالُ الطيّب.. هو طعامُ الأنبياء، وطعامُ الأطهار، وطعامُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ الله وسلامه عليهم”.. وهذا الموضوع موضوعٌ واسعٌ جدّاً، لأنَّ هذا العنوان “الحلال، والحلال الطيّب” لا يرتبطُ بقضيّة شيءٍ نأكلهُ أو نشربه.. هُناك علمٌ حلال، وهُناك علمٌ حلالٌ طيبّ.. هناك عبادةٌ حلال، وهناك عبادةٌ حلالٌ طيّب.. هناك معرفةٌ حلال، وهناك معرفةٌ حلال طيّب.. وهناك رزقٌ ماديٌّ في الكسب حلال، وهناك رزقٌ حلالٌ طيّب.. وهناكٌ طعامٌ وشرابٌ وهناكٌ لباسٌ وهناك مسجدٌ حلال، وهناك مسجدٌ حلالٌ طيبّ.. وهناك وهناك.
  • التفريقُ ليس في مُستوى الفتوى التي هي قوانين لتنظيم حياةِ الإنسان في معاشهِ اليومي، التمييزُ بين الحلال والحلال الطيّب بحَسَب توجّه الإمام إلينا (وقفة توضيح لهذا المعنى).
  • ● فارقٌ كبيرٌ بين الحلال والحلال الطيّب، فارقٌ ربّما يكونُ أبعد ممّا بين السماء والأرض.
  • الحياةُ إذا كانت بهذا المُستوى “مُستوى الحلال الطيّب” في جميع الاتّجاهات (في الاتّجاه العقلي، العلمي، المعرفي، العقائدي، في الاتّجاه القلبي، الوجداني، العبادي، المعنوي، في الاتّجاه المادي من رزقٍ ومالٍ وطعامٍ وشرابٍ ولباسٍ إلى كُلّ التفاصيل..) فإنَّ كُلَّ شيءٍ سيُقرّبُ العبد إلى إمام زمانه.. أمَّا إذا كانت الحياةُ في مُستوى الحلال فلربّما في أوقاتٍ كثيرةٍ يكونُ هذا الحلال عائقاً وحجاباً يحولُ فيما بين العبد وبين إمام زمانه.. وهذا موضوعٌ فيه تفصيل.. ولِذا فإنَّ الحلال هُو طعامُ الناس، أمَّا الحلالُ الطيّب فهو طعامُ الأنبياء.

  • وقفة عند دُعاء الوداع في زيارة أبي الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • نقرأ في هذا الدُعاء هذهِ العبارات:
  • (أستودعُكَ اللهُ وأسترعيكَ وأقرأُ عليكَ السلام..)
  • ربّما يتصوّر البعض منكم أنَّ المُراد من هذهِ العبارة أنّهُ يقول للعبّاس: وداعاً، في أمان الله.. والحال أنَّ العبارة ليس فيها هذا المعنى أبداً.. العبارةُ هُنا هي طَلَبٌ مِن الزائر، يقول لقمر بني هاشم: يا أبا الفضل، إنّني أتوجّهُ إليكَ وأطلبُ منكَ أن تجعلني وديعةً عند الله مِن قِبَلكَ حتّى أعودَ إلى زيارتك.. لأنّك تقول: “أستودعُك” وهذه الصِيغة صيغة الإستفعال لا تُعطي معنى الوداع والتوديع. (وقفة توضيح بمثال).
  • فأنا أطلبُ مِن العبّاس أن يجعلني وديعةً من قِبَلهِ عند الله، وأن يُتابع رعايتي ويُحافظ عليّ.. وهذا الكلام هُو نفسه الذي وردَ في دُعاء الإمام الصادق لزوّار الحُسين في كتاب [كامل الزيارات] حين يقول الإمام الصادق “عليه السلام”:
  • (الَّلهُمَّ إنّي استودعكَ تلك الأنفس والأبدان حتّى ترويهم على الحَوض يوم العطش الأكبر..) يعني: إنّي أطلبُ مِنكَ يا إلهي أن تجعلَ زُوّار الحُسين وديعةً عندك حتّى يردوا في محضر الشفاعةِ وفي محضر الفوز عند مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.

  • (آمنّا باللهِ وبرسولهِ وبكتابهِ وبما جاءَ به مِن عند الله – وهي ولايةُ عليٍّ وآل عليّ – الَّلهُمَّ فاكتبنا مع الشاهدين..)

  • بعد كُلّ هذهِ التفاصيل التي مرَّتْ، وبعد كُلّ هذهِ الحقائق المُشبعةِ بعميق المعاني مِن أوّل الزيارة إلى هذهِ العبارة، وبعد أن طلبنا وتوسّلنا إلى العبّاس أن يجعلنا وديعةً من قِبَلهِ عند الله وأن يرعانا.. ورعايتهُ رعايةُ الله، نقرأُ بعد ذلك عليه السلام، وقراءةُ السلام عليه تجديدٌ للعهد ولا أُريد أن أطيل الوقوف هُنا.. والمعنى الدقيق النهائي: أنّنا نطلبُ من أبي الفضل العبّاس أن يجعلنا وديعةً تحت نظرهِ وتحتَ رعايته.
  • ● قوله: (الَّلهُمَّ فاكتبنا مع الشاهدين) مَن هم هؤلاء الشاهدون الذين نتوجّهُ بالدُعاء إلى الله سُبحانه وتعالى وبمحضر العبّاس أن نكون منهم؟
  • الجواب:
  • الشُهداء في المعنى الأعلى هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد.. وهذهِ المُصطلحاتُ (الأئمة، الشُهداء، الصدّيقون، الصالحون، الصادقون..) هذهِ المُصطلحات معناها الحقيقي الكامل هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” وإطلاقها على غيرهم يأتي بالتبعيّةِ وبالتفرّع.
  • الشُهداءُ الإلهيّون الكاملون: مُحمّدٌ وآل مُحمّد، والشاهدون هُم شيعتهم.
  • ● الشُهداءُ جمْعٌ لِشهيد، وشهيد بحَسَب قواعد لُغة العرب بحَسَب المُصطلحاتِ الاعتباريّة صيغةُ مُبالغة “فعيل” يعني أكثر مِن شاهد.. بينما شاهد صيغةُ فاعل، فهي ليستْ صِيغة مُبالغة، إنّها صيغةٌ عاديّة لا مُبالغة فيها. الشاهدون هُم شيعةُ الشُهداء.

  • وقفة عند الآية 143 من سُورة البقرة: {وكذلكَ جعلناكم أُمّةً وَسَطاً لتكونوا شُهداء على الناس ويكون الرسولُ عليكم شهيداً}

  • ● حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج1] في صفحة 346 الحديث (11)
  • الإمام يقول لأبي عمر الزُبيري بعد أن أورد هذا المقطع من الآية الشريفة، يقول: (فإنْ ظننتَ أنَّ الله عنى بهذهِ الآية جميعَ أهْل القِبْلة مِن المُوحّدين، أ فترى أنَّ مَن لا تَجوز شهادتهُ في الدُنيا على صاعٍ مِن تمر يطلبُ اللهُ شهادتَهُ يوم القيامة ويقبلُها منهُ بحضْرةِ جميع الأُمم الماضية؟ كلا.. لم يعنِ اللهُ مِثْل هذا مِن خَلْقه، يعني الأُمّة التي وجبتْ لها دعوة إبراهيم “عليه السلام”:
  • {كُنتم خيرَ أمّةٍ أُخرجتْ للناس} وهُم الأُمّة الوسطى، وهُم خيرُ أُمّةٍ أُخرجتْ للناس)
  • وفي قراءة أهل البيت {كُنتم خير أئمة} والأئمة يقولون: أيّةُ أُمّةٍ هذهِ التي هي خيرُ أُمّةٍ أُخرجتْ للناس؟! الأمّةُ التي قَتَلتْ عليّاً..؟! الأُمّةُ التي قَتلتْ حُسيناً..؟! هل هذه هي الأُمّة التي هي خيرُ أُمّةٍ أُخرجتْ للناس، ونحنُ نقرأ في أحاديثنا الشريفة أنَّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حِين قتلوه نادى مُنادٍ من بطنان العرش: (ألا يا أيّها الأُمّةُ المُتحيّرةُ الضالّةُ بعد نبيّها لا وفّقكم الله لأضحى ولا لفطر) والإمام الصادق يقول: (لا جرم والله إنّهم لا يُوفّقون حتّى يُثأر بدم الحُسين).
  • فقولهِ تعالى: {وكذلكَ جعلناكم أُمّةً وَسَطاً لتكونوا شُهداء على الناس ويكون الرسولُ عليكم شهيداً} الخطابُ لِمُحمّدٍ وآل مُحمّد، هؤلاء هُم الشُهداء.. شيعتُهم الذين يلتصقون بهم ويلتزمونَ ببيعةِ الغدير ينطبقُ عليهم هذا الوصف “الشاهدون” لأنّهم سوف لن يُحاسبوا.. الشاهدُ لا يُحاسب، لا يُحاسبون لِقُربهم من مُحمّدٍ وآل مُحمّد، لأنَّ حياتهم طيّبةٌ بمُحمّدٍ وآل مُحمّد، في مُستوى الحلال الطيّب.
  • “الشاهدون” هذا العُنوان ينطبقُ شيعة مُحمّدٍ وآل مُحمّد، ينطبقُ على الأنبياء وعلى غيرهم.. الأنبياء شُهداء بِلحاظ، بقيد أنّهم شاهدون شيعةٌ لِمُحمّدٍ وآل مُحمّد.. بهذا القيد.

  • في سُورة آل عمران الآية 81: {وإذْ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيّين لَما آتيتُكم مِن كتابٍ وحكمةٍ ثُمَّ جاءَكم رسولٌ مُصدّقٌ لِما معكم لتُؤمنُّنَ به ولَتنصرنَّهُ قال أأقررتُم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}

  • وقفة عند ما يقولهُ آل مُحمّد في معنى هذه الآية.
  • ● حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج2] صفحة 60 الحديث (2)
  • (يقول الإمام الصادق “عليه السلام”: ما بعثَ اللهُ نبيّاً مِن لدن آدم فهُلمَّ جرَّا إلّا ويرجعُ إلى الدنيا وينصرُ أميرَ المؤمنين، وهو قوله: {لتُؤمنُنَّ به} يعني رسول الله {ولتنصرنّه} يعني أمير المؤمنين، ثمَّ قال لهم في الذرّ: {أ أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} أي عهدي: {قالوا أقررنا} قال الله للملائكة: {فاشهدوا وأنا معكم مِن الشاهدين}. وهذهِ مع الآية التي في سورة الأحزاب في قوله: {وإذْ أخذنا مِن النبيّين مِيثاقهم ومِنكَ ومِن نُوح…} والآية التي في سُورة الأعراف في قوله: {وإذْ أخذ ربُّك مِن بني آدم مِن ظُهورهم ذُريَّتهم} قد كتبت هذهِ الثلاث آيات في ثلاث سُوَر). يعني أنَّ هذه الآيات ترتبطُ مع بعضها.. هُناك مجموعةٌ من الآيات في سِياقٍ واحد ولكنّ الذين كتبوا المُصحف فرّقوا هذه الآيات.
  • الآية الأولى هي: {وإذْ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيّين لَما آتيتُكم مِن كتابٍ وحكمةٍ ثُمَّ جاءَكم رسولٌ مُصدّقٌ لِما معكم لتُؤمنُّنَ به ولَتنصرنَّهُ قال أأقررتُم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}
  • — والآية الثانية هي الآية 7 من سُورة الأحزاب يأتي معناها تباعاً وفي نفس السياق: {وإذْ أخذنا مِن النبيّين مِيثاقهم ومِنكَ ومِن نُوح وإبراهيمَ ومُوسى وعيسى ابن مريم وأخذنا مِنهم ميثاقاً غليظا} فمُحمّدٌ وآل مُحمّد هُم الشُهداء هُنا، والأنبياءُ هُم أتباعهم هُم الشاهدون أيضاً والملائكةُ شاهدون.
  • — والآية الثالثة هي الآية 172 من سُورة الأعراف: {وإذْ أخذَ ربُّك مِن بني آدم مِن ظُهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهِدْنا أن تقولوا يومَ القيامة إنّا كُنّا عن هذا غافلين} هذا هو الذي قصدتُه مِن أنَّ الشاهدين هُم شيعةُ الشُهداء.. والموضوعُ بحاجةٍ إلى تفصيلٍ طويل، وأنا إنّما أردتُ أن أُقرّب الصُورة لأذهانكم.
  • — قولهِ: (ما بعثَ اللهُ نبيّاً مِن لدن آدم فهُلمَّ جرَّا إلّا ويرجعُ إلى الدُنيا) إنّها الرجعةُ العقيدةُ الأساسيّة المُهمّة جدّاً التي تُميّز بين الشيعي وغيره.
  • شيعةُ العترةِ هُم الذين يعتقدون برجعةِ آل مُحمّد، أمّا شِيعةُ المراجع فهم الذين لا يجدون لِهذه العقيدة أهميّةً وضرورة.. هذا هُو الواقع، وكُتُب مراجعنا وعلمائنا موجودة.. وكلام عميدُ المنبر الحُسيني واضحٌ وصريح أنَّ الرجعة لا تُساوي عنده فلساً.
  • ● رواية أخرى: وقفة عند حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج2] في أجواء الآية 81 من سُورة آل عمران:
  • (عن فيض بن أبي شيبة، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول، وتلا هذهِ الآية: {وإذ أخذ اللٰه ميثاق النبيين}: «لتؤمُنُنَّ برسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”، ولتنصرنَّ عليَّاً أمير المؤمنين، قال: نعم واللهِ مِن لدن آدم وهلمَّ جرَّا، فلم يبعثْ اللهُ نبيّاً ولا رسولاً إلّا ردَّ جميعهم إلى الدُنيا حتّى يُقاتلوا بين يدي عليّ بن أبي طالب).
  • ● رواية أخرى: صفحة 61 الحديث (5)
  • (عن فرج بن أبي شيبة، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول وقد تلا هذهِ الآية: {وإذْ أخذَ اللٰهُ ميثاقَ النبيّين لما آتيتُكم مِن كتابٍ وحكمة ثُمَّ جاءَكم رسولٌ مُصدّقٌ لِما معكم لتُؤمنُنَّ به} : يعني رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” ولتنصرنَّه يعني وصيّه أمير المؤمنين، ولم يبعثْ اللهُ نبيّاً ولا رسولاً إلّا وأخذَ عليهِ المِيثاق لمُحمّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله) بالنبوّة ولعليٍّ بالإمامة)
  • تُلاحظون المضامين في هذهِ الروايات تتّسقُ اتّساقاً واضحاً مع كُلّ المطالب التي مرَّ بيانُها في الحلقاتِ المُتقدّمة.

  • (الَّلهُمَّ فاكتبنا مع الشاهدين) صُورةٌ حِسيّةٌ تُقرّب المعنى في جهةٍ من جهاته: ما جاء في نهج البلاغة الشريف.

  • ● وقفة عند الكلام المُرقّم بـ(12) في نهج البلاغة: لمَّا أظفرهُ اللهُ بأصحابِ الجمل وقد قال لهُ بعضُ أصحابهِ:
  • (وددتُ أنَّ أخي فُلاناً كان شاهِدَنا لِيرى ما نَصَرَكَ اللهُ بهِ على أعدائك، فقالَ لهُ أميرُ المُؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: أهوى أخيكَ مَعَنا؟ فقال: نعم، قال الإمام: فقد شَهِدَنا، ولقد شَهِدَنا في عسكرنا هذا أقوامٌ في أصلابِ الرجال وأرحامِ النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان). هذا مُستوىً من مُستويات الشهادة التي تتجلّى صُورتها في الدُنيا، وهؤلاء هم هم.
  • الذين حضروا بدر ما هم ببدريّين.. جعفرُ الطيّار بدريٌّ، أمّا بِحَسَب التأريخ فإنّهُ ليس بدريّاً.. فإنَّ جعفر الطيّار في الحبشة، ولكنّه كان بدريّاً بِحَسَب الحقيقة. فمن كان في الدُنيا بهذا الحال وبهذهِ المنزلة سيكون مِن الشاهدين يوم القيامة مِن الذين لا يُحاسبون.
  • حتّى في قوانين الأرض التي شرّعها الإنسان فإنَّ الشُهود لا يُحاسبون.. وحينما يُتَّفقُ مع أحد الجُناةِ لأجل أن يُحصّلوا منهُ معلومات في دوائر تحقيق الشُرطة، فحينما يتّفقون معه كي يصِلوا إلى الحقيقةِ الكاملة يعدّونه بعد ذلك شاهداً مُكافأةً منهم لهُ، حتّى لا يُحاسَب.. فحتَّى في قوانينُ الأرض الشاهدُ لا يُحاسب، ولِذا فإنَّ الزائر يدعو بهذا الدُعاء: (فاكتُبنا مع الشاهدين).

  • (لبيكَ داعي الله، إنْ كان لم يُجِبكَ بدني عند استغاثتكَ ولساني عند استنصارك فقد أجابكَ قلبي وسمعي وبصري)

  • هو نفس المضمون الذي تحدّث به سيّد الأوصياء في كلامه المُرقّم بـ(12) في نهج البلاغة.
  • صُورةٌ واضحةٌ لِمعنى الشهادةِ والحُضور في مُستوى العقولِ والقلوبِ والنوايا.. ونيّةُ المُؤمن خيرٌ مِن عمله، والمُراد مِن أنّ نيّتهُ خيرٌ مِن عملهِ أي أنَّ عقيدتهِ بِمُحمّدٍ وآل مُحمّد خيرٌ مِن عمله.. لأنَّ أعماله مهما أحسنها تكونُ ناقصةً بحاجةٍ إلى إتمامٍ وإكمالٍ مِن قِبَل إمامِ زماننا.. أمَّا النيّةُ وهي العقيدةُ فهي أفضلُ مِن عملهِ، ولأنّها هي الدافعُ الذي يدفعهُ إلى العمل، ولأنّها هي السببُ الذي يَجعلهُ قريباً مِن إمامِ زمانه.. لأنَّ النيّةَ هي العقيدة، والعقيدةُ معرفةٌ والمعرفةُ تتركُ آثارها في عواطف الإنسان ونزعاتهِ ورغباتهِ.. المعرفةُ هي التي تُوجّه العواطف بالاتّجاه الذي تتحرّكُ باتّجاهه المعرفة.
  • معرفةُ التنزيل معرفةُ حلال، أمَّا معرفةُ التأويل فهي معرفةُ الحلال الطيّب.
  • ● والشهادةُ مع مُحمّدٍ وآل مُحمّد (أعني الحضور، والالتصاق، والتسليم) هو هذا الذي سيجعلُ دُعاءَنا مُستجاباً ونَحنُ نقرأ في دُعاء وداع زيارة العبّاس: (الَّلهُمَّ فاكتبنا مع الشاهدين.. الّلهمَّ لا تجعلهُ آخر العَهد مِن زيارتي قبر ابن أخي رسولك “صلّى الله عليه‌ وآله” وارزقني زيارتَهُ أبداً ما أبقيتني واحشرني معهُ ومع آبائهِ في الجنان وعرّف بيني وبينهُ وبين رسولكَ وأوليائك، الَّلهُمَّ صلّ على مُحمّدٍ وآل مُحمّد، وتوفّني على الإيمان بكَ والتصديق برسولكَ والولاية لعليّ بن أبي طالب والأئمةِ مِن ولده عليهم‌ السلام والبرائةِ من عدوّهم فإنّي قد رضيتُ يا ربّي بذلك وصلّى اللهُ على مُحمّدٍ وآل مُحمّد).

  • وقفة أُشير فيها إشارةً سريعةً إلى هذه الكلمة:

  • (والتصديق برسولكَ والولاية لعليّ بن أبي طالب والأئمةِ مِن ولده عليهم‌ السلام والبرائةِ من عدوّهم)
  • التصديقُ هو هو الذي مرَّ الحديثُ عنه حين حدّثتُكم عن الصدّيقيّة وعن مراتب الصدّيقيّة، وعن أنَّ الجهة التي تمنحُ هذا الوسام هي الصدّيقةُ الكُبرى فاطمة “صلواتُ الله وسلامه عليها” كما جاء في مُقدّمة زيارة الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ الله وسلامه عليها: (وزعمنا أنّا لكِ أولياء ومُصدّقون وصابرون لكلّ ما أتانا بهِ أبوكِ “صلّى اللهُ عليه وآله” وأتى به وصيّه، فإنّا نسألكِ إنْ كنّا صدّقناك إلّا ألحقتنا بتصديقنا لهما لنبشّر أنفُسنا بأنّا قد طهُرنا بولايتكِ..)
  • لأنّها صاحبة الولاية الكُبرى، ولأنّه مصدرُ أوسمة منازل الصدّيقيّن والصدّيقات.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٠ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج١

يازهراء …