إطلالة على هالة القمر – الحلقة ١٣ – الحلقة ١٣ – خطبٌ مكذوبةٌ على ابا الفضل العبّاس صلوات الله عليه

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 27 صفر 1440هـ الموافق 6 / 11 / 2018م

  • كما أخبرتكم في بداية البرنامج مِن أنَّ هذا البرنامج يشتملُ على مجموعتين مِن الحلقات:

  • المجموعة الأولى: في أجواء قمر الهاشميين والتي لأجلها عنونتُ هذا البرنامج بهذا العنوان: إطلالةٌ على هالة القمر.
  • آخرُ حلقةٍ من حَلَقاتِ تِلكَ المجموعة كانتْ الحَلَقة الماضية.. وبقيتْ المجموعةُ الثانية مجموعةُ حلقاتٍ ما هي بكثيرةٍ أُجيبُ فيها على مجموعةٍ مِن أسئلتكم، هذهِ الأسئلةُ البعضُ منها يَرتبطُ بنحوٍ مُباشر بقمر الهاشميّين كالذي سيتمُّ طرحهُ في هذهِ الحلقة والبعضُ الآخر في أجواءِ مُحمّدٍ وآل محمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.

  • هذهِ الحلقةُ تشتمل على فصلين:

  • الفصل (1): وقفةٌ عند مقالٍ بعثَ بهِ أحدُ الإخوةِ مِن مُحبّي قمر الهاشميين راغباً في المُشاركةِ في هذا البرنامج.
  • الفصل (2): سيكون جواباً على سُؤالٍ يرتبطُ ببعضِ الخُطب التي ذُكرتْ في بعضٍ من كُتُب المقاتل والمجالس الحُسينيّة، خُطُبٌ نُقلتْ عن العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. سأقفُ عند هذهِ المسألة في الفصل الثاني.
  • أمَّا الفصل الأوّل فهناك مقالٌ جاء في سبعِ صفحاتٍ مِن قياس A4 بعثهُ إلى البرنامج الأخ العزيز: أبو نور.
  • موضوعُ هذا المقال: وزارةُ العبّاس لسيّد الشُهداء.
  • المقالُ يتناولُ هذا الموضوع، يُحاولُ فيهِ الكاتبُ إثباتَ هذا الوصف وشرْحهُ في نفس الوقت.. بجملةٍ قصيرة : مضمونُ المقال : العبّاسُ وزيرُ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”. ولأنّ الأخ العزيز أبو نور أحبَّ المُشاركة في هذا البرنامج خدمةً لقمر الهاشميّين، فأنا سأقرأُ بعْضاً مِن جُمَلهِ، وسأُعلّق عليها تعليقاً إجمالياً.

  • ممّا جاء في هذا المقال، يقول الكاتب وهو يتحدّث عن عبارةٍ لسيّد الشُهداء:

  • (تأمّل عبارتَهُ هذهِ : “أين تفرّون وقد فتتم عضُدي”، وستعرفُ هذهِ العبارةَ جيّداً حينما تعودُ بها إلى النصّ القرآني، انظر قولهِ تعالى: {سنشدُّ عضُدكَ بأخيك}. (سورة القصص: آية 35) – والخطابُ في الآية لِموسى النبيّ فيما يرتبطُ بوزارة هارون فقد كان هارون بصريح العبارة وزيراً لِموسى – فكما شُدَّ عضُدُ موسى بأخيهِ هارون، كذلكَ كان أبو الفضل العبّاس للحُسين، لِذلك وبعد قتلِهِ فُتَّتْ عضُدُ الحُسين، فعبارتهُ هذه: “أين تفرّون وقد فتتم عضُدي” لهي دليلٌ واضحٌ على مقامِ أبي الفضل العبّاس ودورهِ الوزاري، بل تكشفُ صراحةً عظيم خطرهِ الذي أُخفي مِن قِبَل الظالمين، والعجيبُ أنّهم لازالوا يتنازعون أمرهم بينهم على أنّ أبا الفضل العبّاس عِصمتهُ مُكتسبة أم غيرُ ذلك..!)
  • ● هذه الكلمة “أين تفرّون وقد فتتم عضُدي” نقلتها كُتُب المقاتل، قالها سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” بعد مقتل أبي الفضل العبّاس.
  • زُبدةُ ما في هذا المقال هي هذهِ السُطورُ التي قرأتُها بين أيديكم، لأنَّ كاتبَ المقال في مقالهِ يُريد أن يُثبتَ وزارةَ أبي الفضل لسيّد الشُهداء ويُريد أن يشرح مضمونها ومعناها.
  • أمّا تعليقي:
  • أتّفق مع الأخ العزيز أبو نور على أنَّ العبّاس كان وزيراً لسيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، وهذا الأمر واضح جدّاً يُمكننا أن نُثبتَهُ مِن الواقع التأريخي الواضح جدّاً، من دُون أن نعودَ إلى النصوص – وإن كانتْ النصوصُ هي الأُخرى تشتملُ على هذا المضمون – فأنا أتّفقُ مع الكاتب على أنَّ العبّاس وزيرٌ للحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” لكنّني قد أُناقش في تفاصيل ما جاءَ في هذا المقال مِن جهةِ الأسلوب الذي اتُّبع في إثباتِ ما أراد إثباته.
  • ● بحسب رؤيتي – وليس بالضرورةِ أن ينحصرَ الصوابُ في هذهِ الرؤية – أقول:
  • تأسيسُ المعتقداتِ لابُدَّ أن يكون مبنيّاً على أُسُسٍ مَتينة.. ما يأتي مِن شواهد (ربّما حتّى في النُصوص، لأنَّ النصوص في بعض الأحيان لا تأتي بلسان الدليل ولا بلسان التأسيس، قد تتحدّث عن الآثار وعن العوارض، قد تتحدّث عن النتائج ولا تتحدّثُ عن أصْلِ الأمر وعن عُمْقهِ المعرفي الذي تكونُ جُذورهُ ضاربةً في العُمق البعيد..)
  • وكذاكَ هي الوقائعُ التأريخيّةُ التي جاءتْ في كُتُب المقاتل، إنّنا لا نستطيعُ أن نستندَ إلى دقائق تفاصيلها.. لأنّ ما اشتملتْ عليهِ كُتُب المقاتل لم يكن مرويّاً عن أئمتنا ولم يكن قد جاء في كُتُبنا المعروفة.
  • لا نُريدُ أن نُنكرها، ولكنّنا لا نعتمدُ عليها اعتمادَ التأسيس.. ولِذا في بدايةُ البرنامج وضعتُ ميزاناً لقبولِ ورفضِ أخبار عاشوراء وشُؤونها التي وردتْ في كُتُب التأريخ والسِيَر والمغازي والمقاتل.. وحتّى في الجوامع الحديثيّة، لأنَّ الجوامعَ الحديثيّة التي بين أيدينا نقلتْ كثيراً مِن هذهِ الكُتُب.. فما جاءَ في كُتُبِ المَقاتل لم يكنْ قد وردَ عنهم “صلواتُ الله وسلامه عليهم”.
  • وهذهِ الكُتب ما هي بقديمةٍ، الكثيرُ منها ظَهْرَ وعُرِفَ في القُرون المُتأخّرة، وهذا ليسَ دليلاً على عَدمِ صحّتها، ولكنّنا حينما نَعودُ إلى كُتُبنا الأصليّة التي نَعرفها والتي نستندُ إليها لا نجدُ فيها هذهِ التفاصيل وحتّى في كُتُب المُؤرّخين بشكلٍ عام القديمة – وهي في الأعمَّ الأغلب إنْ لم تكنْ بأجمعها هي مِن كُتُب المُخالفين – لم تشتملْ على هذهِ المطالب.
  • ربّما الذينَ كَتَبوا هذهِ الكُتُب في القُرون المُتأخّرة عثروا على مصادر لم تصِلْ أيدينا إليها.. ولكنّنا لا نستطيعُ أن نُؤسّسَ عقائد على مُعطياتٍ وردتْ في هذهِ الكُتُب، وإنّما يُمكنُنا أن نجعلَها قرينةً مِن الدرجةِ الثانية، أن نأخذَ جانباً مِنها تُؤيّدهُ النُصوصُ الواضحة مِثلما فعلتُ في هذا البرنامج، فإنّني اعتمدتُ النُصوصَ الواضحةَ في التأسيس مِن خلالِ نصّ زيارةِ أبي الفضل، ومِن خلال آياتٍ واضحةٍ صريحةٍ وردتْ الرواياتُ الكثيرةُ جدّاً في بيان مضمونها.. مثلما شرحتُ وبيّنتُ ما يرتبطُ بالقُرى المُباركة والقُرى الظاهرة.
  • خُلاصةُ القول:
  • التأسيسُ العقائديُّ لا يكونُ إلّا على ما جاءَ عنهم في قُرآنهم المُفسَّر بتفسيرهم، وفي نُصوصهم الواضحةِ جدّاً كزيارةِ العبّاسِ المرويّةِ في كامل الزياراتِ عن إمامنا الصادق.. وهكذا المنظومةُ الثقافيّة العقائديّة في نُصوص زياراتهم الشريفة المعروفة، وفي أدعيتهم التي نَعرفُها ونعرفُ لَحنها ومَضمونها ونَعرفُ مصادرها.. فنحنُ لا نأخذُ مِن أيّ كتابٍ، نحنُ عندنا كُتُبٌ معروفة نعرفُ أصولها، إنّها كُتُبُ حديثِ الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”
  • إنّني أتحدّثُ عن قناعتي وعن تجربتي العلميّة والعمليّة، ليس بالضرورةِ أن أكونَ مُصيباً، ولكنّني مُقتنعٌ بهذا
  • ● نحنُ عندنا كُتُب هي قطعاً كُتُب أهل البيت، ومُرادي مِن أنّها كُتُب أهل البيت : هي كُتُب حديثهم.. هذهِ الكُتُب لا تَخلو مِن التحريف والتصحيف والنقص، ولكنّها قَطْعاً هي كُتُبُ حديثهم.. تلكَ هي مصادرنا. الأصلُ في حديثِ أهل البيت الذي جاءَ في كُتُبهم (التي أمرونا أن نَعودَ إلى هذهِ الكُتُب) الأصلُ في هذهِ الأحاديث صحيحٌ، إنّهُ حديثهم، إلّا إذا ثبتَ خلافُ ذلك.
  • مِثلما أنَّ الأصلَ في آراءِ عُلمائنا ومراجعنا عدمُ الصواب حتّى يثبتَ صوابُ قولهم ومِن أنّهُ مُوافقٌ لِمنطقِ الكتاب والعترة، لبديهةٍ واضحة وهي: أنَّ المراجع ليسوا معصومين، وغير المعصوم قوله يبقى مُتردّداً بين الصواب والخطأ.. وبما أنّ إمامَ زماننا في رسالتهِ للشيخ المُفيد تحدّثَ عن أنّ كثيراً مِن مراجع الشيعةِ جنحوا إلى الباطل ونبذوا العهد المأخوذَ عليهم وراء ظُهورهم كأنّهم لا يعلمون، فإنَّ الشُبهةَ ستطالُ الجميع؛ لأنّنا لا نستطيعُ أن نُميّز بين المجموعةِ القليلة التي مَدَحها إمامُنا الصادق في روايةِ التقليد، وبين المجموعةِ الكبيرةِ التي وصفها أنّها أضرُّ على شيعةِ أهل البيت مِن جيش يزيد على الحُسين وأصحابه.
  • ومِن هُنا فإنَّ الأصْل في آراء المراجع والمُفسّرين والمُفكّرين والعلماءِ الشيعةِ الأصْلُ عدمُ الصواب حتّى يثبتَ صوابُ آرائهم بمُوافقةِ ما يقولون لِمنطق الكتاب والعترة.
  • هذهِ هي الخُلاصة التي وصلتُ إليها والزُبدةُ الأخيرة.
  • وفي هذا الجوّ قلتُ ما قلتُ مِن أنَّ التأسيسَ العقائديَّ لابُدَّ أن يكونَ مُبتنياً على أُصول وقواعد وحقائق واضحة تكونُ موجودةً بشكلٍ جليّ في حديثِ العترة وخُصوصاً في تفسيرهم للقُرآن، وفي مَطاوي مَعارفهم الموجودةِ في هذهِ الكُتب التي نَحنُ نَعرفُها، وإلّا فهُناك مجموعةٌ كبيرةٌ مِن كُتُب الغُلاةُ والخطّابية والنُصيريّة مشحونةٌ بحديث أهل البيت.. هذهِ ليستْ كُتُبنا، لا علاقةَ لنا بها.
  • قد يكونُ بعضُ الكلامِ فيها صحيحاً، ولكن هذا ليس دليلاً عن أنّها مِن كُتُبنا.. فإنَّ أكثر الكتب ضلالاً وفساداً يُمكن أن نجدَ فيها كلاماً صحيحاً..
  • كُلُّ كُتُب الدياناتِ التي حُرّفتْ والتي لم تُحرّف (التي هي مِن دياناتِ السماء، مِن دياناتِ الأرض) مهما ضلّتْ ومهما تشبّعتْ بالجهلِ والسفاهة ففيها شيءٌ مِن الصواب قطعاً.
  • ● هُناك كتابٌ يتردّد اسمهُ على الألسنة بهذا الإسم “الهفت الشريف” أو كتاب “الهفت والأظلّة” هو بالنتيجةِ مِن كُتُب الخطّابيّة والنُصيريّة الأنجاس.
  • هذا الكتاب ليس مِن كُتُبنا، فلا علاقةَ لمكتبةِ العترة الطاهرة بهذا الكتاب لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد.. مسألة أن تُوجَد فيه بعضُ الكلماتِ الصحيحة، فذلك ليس دليلاً على أنّ هذا الكتاب مِن كُتُبنا.
  • فصحيحُ البخاري أيضاً تُوجد فيه أحاديث كثيرة بنفس النصّ موجودةٌ في الكافي، فهذهِ الأحاديث صحيحة، ولكن هذا لا يعني أنَّ كتاب البُخاري مِن كُتُبنا.. ما علاقتنا بهذا الكتاب؟! وحتّى لو جاءتْ فيه أحاديثُ صحيحة، فنحنُ إشكالنا على كتاب البُخاري وعلى شخصهِ هو إشكالٌ على منهجهِ ومُعتقدهِ.. ليس إشكالُنا على أنَّ كُلّ كلمةٍ في هذا الكتاب ليستْ صحيحة.
  • العقائد نأخذُها مِن كُتبنا التي نَعرفها، ونأخذها مِن أمّهات الأحاديث التي تُشكّل لنا القواعد والأصول.

  • المقال الذي وصلني مِن الأخ العزيز أبو نور أتّفقُ معهُ في المضمونِ الإجمالي أنَّ العبّاسَ هُو وزير الحُسين قَطْعاً وبلا مُناقشة.

  • قبل قليلٍ قُلتُ أنّ الواقع التأريخي يُثبتُ أنّ العبّاس وزيرٌ للحُسين.
  • ● أهمّ ملامح الوزارة عبر التأريخ الإنساني (إن كان مِن وُزراء الهُدى أو كان مِن وُزراء الضلال) هناك ملامح واضحة في الوزير، من أهمّها:
  • الملمح (1): الوزير هو الذي ينوبُ عن الذي استوزرَهُ في المهامّ الصعبة، وهذا واضحٌ في سِيرة العبّاس عليه السلام.. مع أنّنا لا نملكُ تفاصيلَ كثيرة عن تأريخ قمر الهاشميّين.. وهذا لا يعني أنّ الكُتُب القديمة لم تكنْ قد اشتملتْ على ذكر أبي الفضل العبّاس.. وشاهدُ ذلك على سبيل المثال:
  • أنّ الشيخ الصدوق في كتابهِ [الخِصال] وفي باب الإثنين، حينما أوردَ الرواية عن أنَّ اثنين يطيران في الجنان وهُما (جعفر الطيّار، والعبّاس) في ذيل هذا الحديث علّق الشيخ الصدوق وقال: أنّه أوردَ أحاديثَ كثيرة في فضْلِ العبّاس وشأنهِ ذَكَرها في كتابهِ [المقتل].. وكتابهُ [المقتل] ليس موجوداً.. البعض يقول أنَّ المُراد مِن كتاب [المقتل] هو كتابه [الأمالي] فإنّهُ في جانبٍ من الكتاب ذَكَر مقتل الحُسين بالإجمال.. وأقول: حتّى في كتاب [الأمالي] لا يُوجد ذكْرٌ للعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • هناك يدٌ إبليسيّةٌ شيطانيّةٌ امتدّتْ فأخفتْ الأحاديث التي ترتبطُ بقَمَر الهاشميّين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وهذا مِثالٌ وصل إلينا وقَطْعاً هُناك مِن الحقائق والوقائع ما لم يصل إلينا.. ليس في هذا الموضوع فقط، وإنّما في كثيرٍ من الموضوعات وفي كثيرٍ مِن الوقائع والأحداث.
  • ما بأيدينا مِن المُعطياتِ هُناك صُورةٌ واضحة أنَّ العبّاس كان ينوبُ عن الحُسين في المهامّ الصعبة.. هذا مَلْمَحٌ مِن ملامح الوزارةِ أو شأنٌ مِن شُؤون الوزير، فهو ينوبُ عن الذي استوزرَهُ في المهامّ الصعبة.
  • الملمح (2): الوزيرُ قِيل لهُ وزير لأنّهُ يحملُ الأوزارَ عن الذي استوزرَهُ، والمُراد مِن الأوزار: الأثقال والمشاكل الكبيرة والهموم.. فإنّهُ هو الذي يتصدّى لِحَمْل تلك الأعباء. ولذا فإنّ الملك في شدائده يختلي بوزيره الأوّل فقط.. وربّما بعد ذلك يختلي بوزرائهِ الآخرين.
  • فهؤلاء معاونوه، هؤلاء وزراء للوزير الأوّل.. وهذا المَلْمح واضحٌ جدّاً في المُعطياتِ التي بين أيدينا التي تخصُّ أبا الفضل العبّاس، فهو الذي يَحمل الأثقال والأعباء عن سيّد الشُهداء في مشروعهِ العملاق. وكلمةُ سيّد الشُهداء: “الآن انكسر ظهري” كلمة واضحة.
  • الملمح (3): هو أنَّ الوزير يُلغي نفسَه، اهتماماتُهُ الأولى والأخيرة هي اهتماماتُ الذي استوزرَهُ.. وهذهِ القضيّةُ واضحةٌ في مواقف العبّاس وكلماته:
  • (يا نفس من بعد الحُسين هوني.. وبعده لا كُنتِ أو تكوني)
  • والقضيّةُ لا تنحصرُ بهذه الكلمةِ أو بتلك.. مثلما قُلت: الواقعُ التأريخيُّ بكُلّ تفاصيلهِ، ما وصل إلينا مِن إجمالٍ لهذا الواقع في بعض الجهات، ومِن تفصيلٍ لهذا الواقع في جهاتٍ أُخرى نستشرفهُ مِن نُصوص الزيارات ومِن أحاديثهم المُؤسّسةِ والمُؤصّلةِ للمعرفة والثقافةِ الحُسينيّة.. كُلُّ تلك المُعطيات، بل حتّى الذي جاء مذكوراً في كُتُب التأريخ والسِيَر- وإنْ كان قليلاً – فإنّهُ يكونُ شاهداً على هذهِ الحقيقة. العبّاس هو الوزير الأوّل للحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهما”.. إنّهُ وزير المشروع الحُسيني الأعظم.. فقد حدّثتُكم في الحلقاتِ الماضية مِن أنّ العبّاس هو الناطقُ الرسميُّ الصادقُ الحقيقيُّ عن الدم الإلهي، عن دم الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • الفصل الثاني، وهو الأخيرُ في هذه الحلقة:

  • سُؤالٌ عن خُطُبٍ تُنقَلُ في كُتُب المقاتل وفي كُتبِ المجالس الحُسينيّة عن أبي الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • سأقرأ عليكم خُطبتين مِن هذهِ الخُطَب، وهُما مِن أكثر الخُطُبِ العبّاسيّة التي تُتلى على المنابر.
  • الخُطبة الأولى: والتي خَطبها أبو الفضل “صلواتُ الله وسلامهُ عليه” – بِحَسَب ما جاء في الكُتُب التي نقلتْ هذهِ الخُطبة – خَطَبها في يوم التروية وهُو اليوم الثامن مِن شهر ذي الحجّة، أي اليوم الذي خرجَ فيه سيّد الشُهداء مِن مكّة باتّجاه العراق.
  • هكذا جاءَ في هذهِ الخُطبة مثلما وردتْ في المصادر التي نقلتها والتي تقول أنّ العبّاس صعد على ظهر الكعبةِ وخطب هذهِ الخُطبة.. جاء فيها:
  • (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ للهِ الذي شرّف هذا – وأشارَ بيدهِ إلى بيتِ اللهِ – بقدوم أبيه – أشارَ إلى الإمام الحُسين – مَن كان بالأمسِ بيتاً أصبحَ قبلةً، أيُّها الكَفَرة الفَجَرة أتصدّون طريق البيتِ لإمام البررة؟! مَن هو أحقُّ به مِن سائرِ البريّة ومَن هو أدنى به؟! ولولا حِكمُ اللّهِ الجَليّة وأسرارُهُ العَليّة واختبارُهُ البريةُ، لَطارَ البيتُ إليهِ قبلَ أن يمشي لديه، وقد استلمَ الناسُ الحَجَرَ والحَجَرُ يَستَلِمُ يَدَيه.
  • ولو لم تَكُن مَشيَّةُ مَولاي مَجبُولةً مِن مَشيّةِ الرحمن، لَوَقَعتُ عليكُم كالصقرِ الغضبان على عصافيرِ الطيران. أتُخوفُوِنَ قَوماً يَلعبُون بالموتِ في طفولتهم فكيفَ الحال في رجوليتهم؟ ولَفديتُ بالهاماتِ لِسيّدِ البريّاتِ دُون الحيوانات.
  • هيهات! فانظُرُوا ثُمَّ انظُرُوا فيمَن شاربُ الخمرِ ومَن صاحبُ الحوضِ والكوثر؟ وفيمن في بَيتِهِ الغواني السكران (أي الغناء في حالة السكر) ومَن في بيتهِ الوحيُ والقُرآن؟ وفيمن في بيتهِ اللَّهَواتُ والدنَسَات ومن في بيتهِ التطهيرُ والآياتُ؟
  • وأنتُم قد وَقَعتُم فِي الغَلطةِ الَّتي وَقَعَتْ فيها قُريشُ، لأنّهُم أرادُوا قَتلَ رَسُولِ اللّه وأنتُم تُريدُونَ قتلَ ابنِ بنتِ نبيكُم، ولم يُمكِن لَهُم ذلك ما دامَ أميرُ المؤمنين حيَّاً، وكيفَ يُمكنُ لكم قَتلُ أبي عبداللّه الحُسين ما دُمتُ حَيّاً سليلاً؟ تَعالَوا أُخبركم بسبيلهِ، بادروا قَتلي، واضرِبُوا عُنُقي لَيَحصُلَ مُرادُكُم. لا بَلَّغَ اللهُ مداكم، وبَدَّدَ أعمارَكُم وأولادَكُم، ولعنةُ اللّهُ عليكُم وعلى أجدادكُم)
  • الخُطبة الثانية: وهذهِ خطبةٌ للعبّاس – بحَسَب المَنقول – خَطَبها ليلةَ عاشوراء، بعضٌ منها مُوجّهٌ لأصحابِ الحُسين وبعضٌ منها مُوجّهٌ لأعداء الحُسين.
  • جاء في الخُطبة الثانية والخطاب في بدايته مُوجّهٌ لأنصارٌ الحُسين، يقول فيها:
  • (بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمدُ للهِ مُبدعِ الأنوار ومُولج الّليل في النهار، أمَّا بعد: أيُّها الأخيار ويا أنصار الله الأبرار، لا تَفزعوا مِن هُجوم الكُفّار، ولا تفشلوا مِن كثرةِ الأشرار، لأنّهم كلابُ النار لِفراش الأثار، فكيف يقاومونَ بُزاة الأخيار؟!
  • لقد اختاركم اللهُ في الذرّ الأوّل لنُصرةِ وليّه، وفرحةِ نبيه، أنتم للبرّ بريّة، وخُلاصةُ الخليقة.. ألستم تعرفوني؟! أنا هيبة الجبّار، أنا طَلِبةُ الكرار، أنا صاحب سيف ذو الفقار، والله لو كنتُ وحدي لأُحامي عن السيّد الكريم، وأذكّركم غداً زلزال يوم عظيم، غداً والله أحيّر جبرائيل ..غداً والله أُدهش عزرائيل، لأهل الشام أحفرُ حُفَراً بحافر فرسي، ولو أذنَ لي الإمام لأجعلُ أصابعي سيفي، والسماء كُرسيّي.
  • فبلغ إلى واحدٍ مِن أصحاب أبي عبد الله الحسين أنّ واحداً مِن معسكر يزيد كان يتجسّسُ على خطاب العبّاس، يتجسّسُ حول الخيام والخندق، فجاء صاحبُ الإمام الحُسين وقال: وجدتُ واحد يتجسّسُ خلف الخيام، فوثبَ العبّاسُ كالّليث العرين على بطن فرسهِ، ووقف بين مُعسكر الأعداء وصاح:
  • “يا نَسَمةَ الفُجور، ويا رُضعاء الخُمور، كدأبِ آبائكم في ليلةِ الهجرة تتفحّصون حول بيتِ النور، إذ لم يتجاسرْ آبائكم أن يتسوّروا الجدار، وكان عليٌّ ليلةَ الهجرة نائماً فكيف بكم وعليٌّ ليلةَ عاشوراء غضبانا.. فتضرّعوا إلى بارئكم أن يُطيلَ الّليل سرمداً إلى يوم القيامة، أن يُطيل ليلكم فإنَّ لكم الأمل، وإذا طلعَ السَحَرُ والصُبْح أسفر فتُنادون بالويل والثبور، فليس لكم الأمان يا جُند ابليس ويا حزب الشيطان فأنا العبّاسُ بن عليّ).
  • هاتان الخُطبتان جئتُ بهما مِثالاً ونَموذجاً عن مجموعةٍ مِن الخُطب التي يُقال عنها أنّها خُطب للعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.. البعضُ منها جاءَ في كُتُبٍ بالّلغةِ العربيّة، والبعضُ منها جاء في كُتُبٍ بالّلغةِ الفارسيّة، مع الاختلافِ في النُسَخِ بين نُسَخِ الخُطَبِ في الكُتُب العربيّة وبين نُسَخ الخطب في الكُتب الفارسيّة.. وبعض منها جاء أيضاً في كُتُبٍ بالّلغة الأورديّة.. (ونحنُ نعرفُ أنَّ لغة الأوردو لغةٌ ليستْ قديمة.. قد تعودُ بداياتُها إلى قرنين مِن الزمان ورُبّما أكثرُ بقليل.. فهي لغةٌ مِن الّلغاتِ المُتوّلدةِ من مجموعةِ لغاتٍ أخرى..)
  • في كُلّ هذهِ الكُتُب وهي كُتُب مقاتل وكُتُب مجالسٍ حُسينيّة.. هُناك مجموعةُ خُطَبٍ انتثرتْ في هذهِ الكُتُب ما بينَ العربيّة والفارسيّة والأوردو.. وتختلفُ مضامينها. مِن أشهر هذهِ الخُطَب هاتان الخُطبتان:
  • — خُطبتهُ على ظهر الكعبة.
  • — وخُطبتهُ ليلة عاشوراء..
  • — أقول: ممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ العبّاس قد خطَبَ وخطَبَ مراراً.. وإنْ لم يكنْ التأريخُ قد حدَّثنا بِخُطَبهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” فَإنَّ زيارتَهُ تشتملُ على هذا المضمون، حين تقول الزيارة: (أشهدُ أنّك قد بالغتَ في النصيحة وأعطيتَ غاية المجهود)
  • هذا يعني أنَّ العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” قدَّم كُلّ ما بوسعه، ومِن أبرز ما عند العبّاس عِلْمهُ الواسع.. ومرَّ الحديث عن أنّهُ القريةُ الظاهرة الأعظم أماناً، وهذا العنوانُ يتحدّث عن العلم.. مرَّ الحديثُ في هذهِ الأجواء.
  • فأبرزُ مَلْمحٍ في شخصيّة العبّاس عِلْمهُ، حِكمتهُ.. وإلّا كيف يصِفهُ المعصومون أنّهُ “نافذ البصيرة”..!
  • نفوذُ البصيرة هذا هو أثرٌ من آثار عِلْمٍ واسعٍ عميقٍ إلى أبعد الحُدود.. نُفوذُ البصيرةِ ونفاذُها يتحدّثُ عن حكمةٍ واسعة جدّاً، المَلْمحُ الواضح هو هذا.
  • حين تحدّث أئمتنا المعصومون عن العبّاس، بدأوا بالحديثِ عن نفاذِ بصيرتهِ، ونفاذُ البصيرةِ أثرٌ مِن آثار سِعةِ العِلْمِ وعِظَمِ الحكمة، وتلكَ أبرزُ معالم العبّاس.. ولكن بوجود الحُسين لن يبقَ لأحدٍ مِن شأن.
  • مع الحُسين حين تُشرقُ الشمس فإنَّ القَمَر يَختفي.. وتَختفي النُجوم، وهذا حُسينٌ شَمسُ الله، الشمسُ الإلهيّةُ الساطعةُ في كُلّ نشآتِ الحقيقة.
  • — أعودُ إلى زيارةِ العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. حِين تقول الزيارة: (أشهدُ أنّك قد بالغتَ في النصيحة وأعطيتَ غاية المجهود)
  • هُناك مبالغةٌ في النصيحة، وهُناك إعطاءٌ لغاية المجهود، فمِن البديهةِ أنَّ العبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وظّف عِلْمَهُ وحِكمتَهُ وفصاحتَهُ وبلاغتَهُ وبيانَهُ في خدمةِ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. ولكنّنا ماذا نصنعُ.. لم تصل إلينا التفاصيل.
  • — بالمُجمل هذهِ الخُطَب ليستْ طويلة، هي إمَّا أن تكونَ مُتوسّطة أو قصيرة.
  • السُؤال هُنا: هل هذهِ خُطب للعبّاس؟ أم أنَّ هذهِ الخُطَب هي خُطَبٌ للعبّاس ولكنّها تعرّضتْ للتحريف والتبديل والتزوير..؟!
  • الجواب – بِحَسَب قناعتي – أقول:
  • مَن يعتقد أنَّ هذهِ الخُطُب خُطُبٌ للعبّاس فإنّهُ يُسيءُ لأبي الفضل كثيراً كثيراً..!
  • كُنُتُ مُتعمّداً أنّني قرأتُ الخُطَب مِن دُون أن أُعلّق، فإنّني أعتقدُ أنّ كثيراً منكم صدّق أنَّ هذهِ الخُطَب هي خُطَب العبّاس وربّما تأثّر بها.. كما يفعل الخُطباء على المنابر ويقرأون هذهِ الخُطَب وهُم مُعتقدون بها، والشيعةُ حين تستمعُ إلى كلماتِ العبّاس تبكي وتلطم على رأسها.. ويُمكنكم أن تدخلوا على اليوتيوب وستجدون مِن الخُطباء العرب ومن الخُطباء الإيرانيين ومن الخُطباء الهنود والباكستانيّين يتلون هذهِ المعاني بالّلغةِ العربيّة، بالّلغةِ الفارسيّة، بلُغة الأوردو.. والشيعةُ تبكي وتلطمُ على رأسها..!! هذهِ هي المهزلة، وهكذا يضحكُ الشيعةُ على أنفسهم..!
  • وفي الوقت نفسهِ حِينما أعرضُ أنا أو غيري عليهم أحاديثَ أهل البيت، لكونها لا تنسجمُ مع ذوقِ مَرجعهم البعيد عن ذوق أهل البيت، فإنّهم يقولون عن أحاديثِ أهل البيت أنّها أحاديثُ الماسونيّة.. ويستمعون إلى هذا الهُراء الذي يُسيء إلى أبي الفضل العبّاس ويبكونَ ويلطمون على رُؤوسهم.
  • بالإجمال أقول لكم:
  • هذهِ النُصوص (والحديثُ عن هاتين الخُطبتين وعن بقيّة الخُطَب الموجودة في الكُتُب الأُخرى) هذهِ النصوص ليستْ بنصوص، إنّما هي “خرابيط”.. هذهِ النصوص إنّني لا أزنُها بموازيين البلاغةِ وقواعد الأدب أبداً، فإنّها لا تُوزَنُ بهذهِ الموازين.. إذا أردنا أن نزنَ نصّاً مِن النصوص بموازين البلاغةِ وقواعد الأدب لابُدّ أن يكون مُشتملاً على 1% – على الأقل – مِن خصائصِ البلاغة والأدب.. وهذهِ النصوصُ لا علاقةِ لها لا بالبلاغةِ ولا بالأدب لا من قريبٍ ولا مِن بعيد.
  • ولا أزنُها بموازين الفصاحةِ التي هي علميّاً دُون البلاغة – بِحَسَب المُصطلحاتِ في عالم الأدب – لا أستطيعُ أن أزنها بموازين الفصاحة لأنّها أساساً لا يتوفّر فيها ولا 1% مِن سِماتِ الفصاحة.
  • أنا أُحاولُ أن أزنها بأدنى موازين التراكيب الّلغويّة الصحيحةِ في أسفلِ درجة.. ومع ذلك فهي لا تنسجمُ مع هذا المُستوى.
  • إنّني أقطعُ وأقطعُ وأقطعُ مِن أنّ الذي كَتَبها ليس عربيّاً أصلاً، وإنّما تعلّم العربيّة على طريقةِ حوزتنا.. كما هو حالُ مراجعنا، فإنّهم إذا ما تكلّموا وكتبوا بلغةِ الدين (بلغةِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد) التي يُفترض أن يكونوا مُتخصّصين بها.. فما حالهم بأحسنِ مِن حال هذهِ الخُطَب.. ودُونكم مواقع المراجع الأربعة في النجف على الانترنت، ادخلوا على مواقعهم، واستمعوا إليهم واحكموا بأنفسكم.. وأنا لا أُريد أن أتحدّث عن هذهِ القضيّة الآن.. لكنّني أقول:
  • العبّاس ليس مرجعاً مِن مراجع النجف حتّى يتحدّث بهذهِ الطريقة.. العبّاسُ فصاحتهُ فصاحةُ آل عليّ، وبلاغتهُ بلاغةُ آل مُحمّد، والمُستوى الذي يتحدّث فيه العبّاس هو مُستوى الخُطَب التي خَطَبها إمامُنا السجّاد، والعقيلةُ زينب، وفاطمة بنتُ الحُسين، وأُمّ كلثوم.
  • ولا أقولُ إنَّ هذا أعلى مُستوىً لبلاغةِ وفصاحةِ العبّاس، مثلما الحالُ أيضاً مع الإمام السجّاد والعقيلة زينب.. فهذا أيضاً ليس أعلى مُستوىً مِن بلاغةِ الإمام السجّاد والعقيلة.. وإنّما الخِطابُ يكونُ مُناسباً للزمانِ والمكان، وللأشخاصِ الذين يُخاطبون (لكلّ مقامٍ مقال..)
  • — إذا أردنا أن نُقارن بين هذه الخُطَب وبين الخُطَب العاشورائيّة وبين خُطُب الركب الحُسيني، فلا وجه للمُقايسة.. هذهِ الخُطُبُ المنسوبة للعبّاس هي مجموعةُ عورات وقبائح بمقاييس البلاغةِ والفصاحةِ والأدب. مِن خلال السياقِ يُمكنني أن أعرفَ مقصودَ الذي افترى هذهِ الخُطبة، ولكنّني إذا رجعتُ إلى الجُمَل فإنَّ الجُمَل خاطئة في تركيبها الّلغوي.. الجُمَل لا تُعطي المعاني التي يقصدها الذي افترى هذهِ الخُطبة.
  • سأتناولُ الخُطبتين، وإنّما أقوم بها ليس جواباً على السُؤال.. يكفيني أن أقول: أنّني لا أعتقدُ بِصحّةِ نسبةِ هذهِ الخُطَب لأبي الفضل العبّاس.
  • هذا الهُراءُ والجهلُ على جميع المُستويات (على مُستوى المضامين، وعلى مُستوى الألفاظ) كيف يُنسَبُ للعبّاس ويصعدُ الخُطباء مِن العرب والفُرْس والهُنود ينقلون للناسِ هذا الكلام؟!
  • ربّما نجدُ عُذراً للفُرس، ونجدُ عُذراً للهنود والباكستانيّين أنّهم لا يعرفون العربيّة.. فما بالُ خُطباءِ العرب، وما بالُ الخُطباء العراقيين الذين يُمثّلون وجه المرجعيّة.. ما بالهم يُردّدون هذا الهُراء وينسبونه إلى أبي الفضل العبّاس..؟! هذهِ إساءةٌ كبيرةٌ في حقّ قمر الهاشميّين.

  • وقفة أمرُّ فيها على هذهِ الخُطَب المهزلة “جُملةً جُملة” وأعلّقُ عليها.. وأُبيّن لكم عَوراتها والمهازل التي فيها.. وسأزنُها بين أيديكم بأدنى موازين التراكيب الّلغويّة الصحيحةِ في أسفلِ درجة.. وستجدون أنَّ حتّى هذا المُستوى لا يُوجد فيها.

  • وقفة عند كلماتٍ أقتطفُها مِن الخُطَب الحُسينيّة (مِن خُطَب المشروع الحُسينيّ العملاق) مع التعليق عليها، لأجل أن تستشعروا الفارق الكبير بين مُستوى الخُطَب الحُسينيّة وخَطَبُ العبّاس – لو وصلتْ إلينا – لكانتْ بهذا المُستوى وبنفس هذا الذوق.

  • ● الخُطبة الأولى في كتاب [بحار الأنوار: ج45] : مُقتطفات مِن خُطبة العقيلة لَما دَخَل الركبُ الحُسينيُّ قادماً مِن كربلاء إلى الكوفة قبل أن يذهبوا إلى ابن زياد. ممّا جاء فيها:
  • (فجَعَلَ أهلُ الكوفةِ ينوحونَ ويبكونَ، فقال عليُّ بن الحُسين “عليهما السلام” أتنوحون وتبكون مِن أجلنا..! فمن قتلنا؟! قال بشير بن خزيم الأسدي: ونظرتُ إلى زينب بنت علي “عليهما السلام” يومئذٍ ولم أرَ واللهِ خَفِرَةً – أي مستورة ومُحجّبة وعفيفة – قطّ أنطقَ منها، كأنّما تُفرغُ عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالبّ،
  • وقد أومأتْ إلى الناس أن اسكتوا فارتدَّتْ الأنفاس وسكنتْ الأجراس، ثُمّ قالتْ الحمدُ لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيّبين الأخيار، أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة : يا أهْل الخَتْل والغَدْر.. أتبكون؟ فلا رقأتْ الدمعة ولا هدأتْ الرنة، إنّما مَثَلُكم كمثل التي {نقضتْ غَزْلها مِن بعد قُوّةٍ أنكاثاً تتّخذون أيمانكم دَخَلاً بينكم}…)
  • إلى أن تقول: (أتبكونَ وتنتحبون؟! إي واللهِ فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً.. فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغَسلٍ بعدها أبداً.. وأنّى ترحضون قتلَ سليلِ خاتم الأنبياء وسيّد شباب أهل الجنة…)
  • إلى أن تقول: (ويلكم يا أهل الكوفة أيَّ كبد لرسول الله فريتم؟! وأيَّ كريمةٍ لهُ أبرزتم؟! وأيَّ دمٍ لهُ سفكتم؟! وأيّ حُرمةٍ لهُ انتهكتم؟!….)

  • ما أشرتُ إليهِ مِن السَجَع، وأنَّ السَجَع إذا كان مُتكلّفاً فإنّهُ لا يُنبئُ عن صِدْق.. ولِذا حينَ صكّتْ خُطَبُ العقيلةِ مسامعَ ابن زياد ورأى تأثيرَ حديثها حتّى في أقرب الناس إليه، حتّى في عمرو بن حريث الذي كان مسؤولاً عن شُرطتهِ.. فقال: (هذهِ سجّاعة..) يعني أنها تستعملُ السجع كثيراً.. لأنَّ السجّاع هو الذي يستعملُ السَجَع كثيراً لتضييع كذبه.. فقال: (هذهِ سجّاعة، ولَعمري لقد كان أبوكِ سجّاعاً شاعراً) ووصفهُ بالشاعر باعتبار أنَّ الشاعر يقول ما لا يفعل، وهكذا وصف القُرآن الشُعراء، وهو شيءٌ معروفٌ عند العرب.. فقالتْ لهُ العقيلة:

  • (يابن زياد.. ما للمرأةِ والسجاعة؟! وإنّ لي عن السجاعة لَشُغلاً..)
  • هو أراد أن يُبيّن أن كلامها كلامٌ مسجوع لا حقيقةَ لهُ، لأنَّ السَجَعَ المُتكلَّف والكثير في الغالب يُصاحبُ الكلام غير الصادق، وإنّما يأتي السَجَعُ مُنساباً إنسياباً تلقائيّاً مع المعاني مِن دون تكلّف ومن دون تقعّر – كما هو القرآن –
  • هذا مثالٌ للفصاحةِ والبلاغةِ وللسَجَع التلقائي.. فالأصلُ هُو المعنى وجاءَ السَجَعُ للتجميل، لا أنَّ الناظمَ لكلامهِ يبحثُ عن السَجَع وبعد ذلك يُركّبهُ على المعاني فهذا هو التقعّر وهُو موجود في هذهِ “الخرابيط” المنسوبةِ للعبّاس “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • الخطبة الثانية: مُقتطفات مِن خُطبة إمامنا السجّاد في مجلس يزيد.. ممّا جاء فيها وهو يتحدّثُ عن أمير المُؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. يقول:
  • (سَمِحٌ سخيٌّ بهي، بُهلولٌ زكي، أبطحيٌّ رضي، مِقدامٌ هُمام، صابرٌ صوّام، مُهذّبٌ قوّام، قاطعُ الأصلاب، ومُفرّقُ الأحزاب، أربطهم عِناناً وأثبتُهم جِناناً، وأمضاهم عزيمة وأشدُّهم شكيمة…)
  • هذا هو السَجَع التلقائي.. المُتكلّمُ ينظمُ المعاني، ثُمّ يصبُّ عليها الألفاظ.. لا أن يبحثَ عن الألفاظ ويصبُّها على المعاني، فذلكَ ليس ببلاغةٍ ولا بفصاحة.
  • ● إلى أن يقول:
  • (أسدٌ باسل يطحنهم في الحُروب إذا ازدلفتْ الأسنّة وقَرُبتْ الأعنّة طَحْن الرحى، ويذروهم فيها ذَرو الريح الهشيم، ليثُ الحجاز وكبشُ العراق مكّيٌّ مدني، خيفيٌّ عقبي، بدري أُحُدي، شجريٌّ مُهاجري، من العرب سيّدها ومِن الوغى ليثها، وارثُ المَشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين ذاكَ جدّي عليُّ بن أبي طالب…)
  • هذهِ بلاغةُ عليّ بن أبي طالب، وهذهِ فصاحةُ حديثِ المشروع الحُسيني العملاق.. هذا جمالُ التعبير، وهذهِ جزالةُ الألفاظ، وهذهِ حلاوةُ البيان، وطلاوةُ التعبير.. الفصاحة من أوضح سماتهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.. والعبّاس في أرقى مراقي البلاغة والفصاحة فهو القريةُ الظاهرةُ الأعظمُ شأناً.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢١ – عقيدة التوحيد ما بين مراجع الشيعة والعترة الطاهرة ج٢

يازهراء …