إطلالة على هالة القمر – الحلقة ٢٢ – أسئلة وأجوبة

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 7 ربيع الأول 1440هـ الموافق 15 / 11 / 2018م

  • أسئلةٌ اخترتُها مِن هُنا ومِن هُناك تدورُ مضامينها فيما يرتبطُ بأجواء هذا البرنامج.. سأجيبُ على مجموعةٍ منها في هذهِ الحلقة.

  • الأسئلة التي وردتْ في هذهِ الحلقة، والتي تمَّتْ الإجابةُ عليها:

  • السؤال (1): ما هو حُكْم زيارة سيدنا الحُسين في مِصر؟
  • الجواب: لا أُريد أن أناقِش هذا الموضوع مِن وجهةٍ تأريخيّة.. فهُناك مَن يُناقِشُ في صِحّةُ تأريخَ المشهد الحُسيني في القاهرة في مِصر.. باعتبار أنَّ هذا المشهد تأريخيّاً هكذا يقولون: من أنّ رأس الحُسين في عسقلان ومن هناك نقله الفاطميّون إلى هذا المشهد.. لا أُريد أن أُناقش الجانب التأريخي.. فلستُ بصدّد التوغّل في هذهِ المسألة مِن وجهةٍ تأريخيّةٍ أو جُغرافيّةٍ.. فالحُسينُ هذا العنوان الكبير ليس بمَعلمٍ سياحي، ولا هو بأثرٍ مِن آثار الحضارات الماضية كي نُناقش المسألة مِن وجهٍ تأريخي أو جُغرافي أو ربّما سياسي في بعض الأحيان.
  • الواقع يُقرُّ بأنَّ مقامَ الحُسين في القاهرة رَمزٌ دينيٌّ عقائديٌّ لهُ ارتباطٌ بثقافةِ مجموعةٍ كبيرةٍ مِن الشعب المِصري على المُستوى الإجتماعي أو على المُستوى الطُقوسي، وحتّى على المُستوى الثقافي.
  • نحنُ لا نَملكُ دليلاً شرعيّاً على تشريعِ زيارةٍ للحُسين في هذا المشهد، ومُرادي مِن الدليل الشرعي: أن نمتلكَ نُصوصاً صريحةً واضحةً عنهم “صلواتُ اللهِ عليهم” لكن حين يتحوّل هذا المشهد وهذا المقام إلى رمزٍ يُذكّر بسيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” فإنَّ زيارة الحُسين إنْ لم تكنْ واجبةً – وأنا أعتقدُ بوجوبها – فهي مُستحبّة (قَطْعاً الحديث عن زيارة كربلاء).
  • ولكنّنا أيضاً نزوُر الحُسين على البعد، وعندنا رواياتٌ تتحدّث عن كيفيّة زيارة الحُسين على البُعد.. وحينما يكون هُناك رمزٌ للحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” فلا إشكال ولا ضير مِن الجهةِ الشرعيّة أن نزور الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” في أجواءِ ذلك المقام، في أجواء ذلك المشهد.
  • — نقرأ في زيارة النبيّ الأعظم “صلّى الله عليه وآله” ونَحنُ نزورهُ من البُعد، نقرأ هذه العبارات:
  • (قال الشيخ المفيد والشهيد – أي الشهيد الأوّل من علماء الشيعة – والسيّد ابن طاووس رحمهم الله : إذا أردتَ زيارةَ النبيّ “صلّى الله‌ُ عليه‌ِ وآله” في ما عداً المدينة الطيّبة مِن البلاد فاغتسلْ ومثّل بين يديكَ شِبه القبر واكتبْ عليه اسْمهُ الشريف، ثُمَّ قِفْ وتوجّه بقلبكَ إليه، وقل…..)
  • قطعاً أن تضع القبر أمامَك بين يديك، وأن تتوجّه بقلبك إلى رسول الله.. يُمكنك أن تتجّه إلى جهة القِبلة، أو إلى جهة قبر النبيّ وهي جهةٌ واحدة خُصوصاً في البلاد البعيدة، فالسَمْتُ سمْتٌ واحد، هو سمْتُ مكّة والمدينة.
  • هذا هو الذي جاء مذكوراً في مفاتيح الجنان نقلاً عمّا جاء في مزاراتِ الشيعة وهي الكُتُب التي جمع فيها علماء الشيعة زياراتِ النبيّ وآل النبيّ “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم أجمعين”. بالنسبة لي لم تقعْ في يدي روايةٌ واضحةٌ عن المعصومين، لكن أن يُنقَل هذا عن عُلماء الشيعة فمِن المُستبعَد جدّاً أن يصنعوا هذهِ الطقوس مِن عند أنفُسهم، ما لم يكنْ قد وصل إليهم شيء.
  • فهذه زيارةٌ رمزيّةٌ لرسول الله “صلّى الله عليه وآله” ولا إشكال فيها، فهي واردةٌ في مزاراتنا المعروفة، وطقسٌ نعرفه في زيارة النبيّ “صلّى الله عليه وآله” على البُعْد.. فليس هُناك مِن إشكالٍ أن نزورَ مشهدَ الحُسين في القاهرة، وأن نتوجّه بقُلوبنا إلى الحُسين.. فالحُسينُ ليس مَحبوساً في مكانٍ جُغرافيّ.
  • يُمكنُك أن تزور الحُسين مِن البُعد.. فإمّا أن تتوجّه إلى القِبلة أو تتوجّه إلى كربلاء في نفس مقام الحُسين.. ويُمكنك أن تزور الحُسين في هذا المشهد لأنَّ هذا المشهد يُمثّل رمزاً لسيّد الشُهداء.. ويُمكنكَ أن تقرأ الزياراتِ الطويلة في زيارتكَ للحُسين على البُعد (الزيارة الجامعة الكبيرة، زيارة عاشوراء، زيارة الناحيّة المُقدّسة). ويُمكنك أن تتعامل مع هذا المشهد بالتعامل الرمزي مِثلما قرأتُ عليك في زيارة النبيّ “صلّى الله عليه وآله” مِن البُعد مثلما جاءتْ في مزاراتِ كبار علماء الشيعة.. تستطيع أن تعود إلى مفاتيح الجنان وتقرأ ما قرأتهُ عليك.
  • السؤال (2): استفسار بخُصوص مقطع مِن زيارة الناحية المُقدّسة، وهو هذا المقطع الذي يقول: (قد رشَحَ للموتِ جبينُك، واختلفتْ بالانقباض والانبساط شمالكَ ويمينك، تُدير طَرْفاً خفيّاً إلى رحلكَ وبيتك، وقد شُغلتَ بنفسكَ عن وُلدكَ وأهاليك..) السائل يقول:
  • يتبادرُ في ذهني القاصر في قول: (تُدير طَرْفاً خفيّاً إلى رحلكَ وبيتك) أنَّ مولانا رُوحي لهُ الفداء بهذا الوضع الصعب تَفكيرهُ مشغولٌ في أهله، لكنَّ المقطع الذي يليه يعكسُ هذا التصوّر، حيثُ يقول: (وقد شُغلتَ بنفسكَ عن وُلدكَ وأهاليك) أرجو منكم توضيح ذلك؟
  • الجواب: في بعض الأحيان والإنسانُ يقرأُ شيئاً قد يتركّز توجّه ذِهنهِ إلى جانبٍ مِن الكلام فيشغلُ مساحةً كبيرةً مِن انتباههِ ويخَفى عليه الترابط الواضح بين بقيّة الكلام. ليس هُناك مِن تضاربٍ أو تناقض، المعاني مُتواصلة.. فالزيارةُ هكذا تصِفُ سيّد الشُهداء مِن أنّهُ يُديرُ طرفاً خفيّاً إلى رحلهِ وبيته لأنَّ الإمام كانَ طريحاً على الرمال، فكان يُديرُ طرفاً خفيّاً يُراقبُ أوضاع المُخيّم، وفي الوقتِ نفسهِ لابُدّ أن يكون مُلتفتاً للذين تجمَّعوا مِن حوله، ولِذا هُو ينظرُ بخَفاءٍ إلى الخيام، وفي الوقت نفسهِ يُراقبُ هؤلاء الطُغام الذين تجمّعوا مِن حوله، وهذهِ حالةٌ طبيعيّة جدّاً لِمَن كان في موقفٍ كهذا الموقف.. والمُراد مِن الرحل هُو ما جَلَبهُ الإنسان معهُ في سَفَره (قلَّ أو كَثُر، صَغُرَ أو كَبُر).
  • — قولهِ: (وقد شُغلتَ بنفسكَ عن وُلدكَ وأهاليك) أي يُراقب هؤلاء الذين تجمّعوا حوله، فهُؤلاء ضررهم يصِلُ إلى الحُسين بشكلٍ مُباشر، ويُمكن أن يصِل إلى الخيام في نفس الوقت.. ومِن هُنا فإنَّ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” كان مُلتفتاً إلى الأمرين في الوقت نفسه.. فكان يُديرُ طرفاً خفيّاً لئلّا يلتفت هؤلاء الطُغام مِن أنّهُ ليس مُنتبهاً وليس مُلتفتاً إليهم.. فهو يُديرُ طرفاً خفيّاً إلى خيامهِ وفي الوقتِ نفسهِ هو يُراقبُ ما يجري حوله.
  • قَطْعاً في العبارةُ ما يُشيرُ إلى آلام سيّد الشُهداء وأوجاعهِ “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.. ولكن المعنى المُجمَل هو هذا الذي بيّنته قبل قليل.
  • السؤال (3): بعد السلام والتحيّة.. كُنّا نُفكّرُ في هذا المقطع مِن زيارة أبي عبدلله الحُسين: (قد أقمتَ الصلاة، وآتيتَ الزكاة..) وذلكَ جعلنا نُفكّر في عبادةِ آل مُحمَّد، ونَحنُ نعلم أنَّ حقيقةَ عبادتنا التي نُقدّمُها مِن صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ هي مِن تجلّياتهم، فَهُم مضمونُ العبادات.. وما كان يُقدّمهُ المعصوم منهم في حياتهِ الدنيويّة إلّا في هذا المقام {ولقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة}.
  • فما حقيقةُ عبادتهم للهِ وهُم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” عبادُ الله بالمعنى التام.. فلا شكَّ أنَّ تلكَ العبادة ليستْ مُقيَّدةً بالحياةِ الدنيويّة ولا بزمانٍ ولا بمكان، ونَعلمُ أنّا عاجزين أن نُحيط علماً بشيءٍ مِن ذلك، ولكن ما لا يُدركُ كُلّهُ لا يُتركُ كُلّه.. فهل هُناك إشاراتٌ في حديثهم الذي يجعلنا نقتربُ بشيءٍ مِن الحقيقة ولو بالواحد من الترليون بالمئة على حقيقة عبادةِ أهل البيت؟
  • الجواب: السُؤالُ بالمُجمَل سُؤال عن عبادةِ إمامِ زماننا.. سُؤالٌ عن عبادةِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. وإنّني سأُجيبُ بنحو المُقاربة، وإلّا فإنَّ الذي يعرفُ عبادة مُحمّدٍ وآل مُحمّد اثنان: الله وهم.. وغير الله وغيرهم لا يعرفُ أحداً حقيقةَ عبادتهم.
  • ما بينهم وبين الله لا مجال للحديث عنه، لأنّنا حين نُريد أن نتحدّث عن شيءٍ فلابُدّ مِن وجود مُعطيات.. ووفقاً لهذهِ المعطيات والمُفردات التي نملكها سنتحدّث (إنْ كنّا تحدّثنا صواباً أو كُنّا تحدّثنا خطأً..) بالنتيجة.. هُناك مُعطيات.
  • الحالُ هذا أن أتحدَّث عمّا بينهم وبين الله: لا أملكُ لا أنا ولا غيري أيّاً مِن المعطيات، ولا أعرفُ أيّاً مِن المُفردات التي أحاولُ أن أُمسك ببعضها كي أبدأ الحديث من هذه المفردة أو من تلك.. فنحنُ لا نملكُ مُعطيات، ولا نملكُ مُفردات.. وبالتالي فهذا بابٌ مسدودٌ بالمُطلق فيما بينهم وبين الله.

  • في أحاديثهم وبِحَسَب طَلب السائل سأُشير إشاراتٍ مُوجزة علّها تفي بالغرض الذي سأتحدّث عنه، وأبدأ مِن هذه النقطة مع الإيجاز والاختصار.

  • ● وقفة عند ما يقولهُ إمامنا السجّاد عليه السلام في حقّ إمام صلاة الجماعة في رسالته “رسالة الحقوق” في كتاب [تُحف العقول]يقول:
  • (وأمّا حقُّ إمامكَ في صلاتكَ فأن تعلمَ أنّه قد تقلّد السفارة فيما بينكَ وبين الله والوفادة إلى ربّك، وتكلّم عنكَ ولم تتكلّم عنه، ودعا لكَ ولم تدعُ له، وطَلَبَ فيكَ ولم تطلبْ فيه، وكفاك همَّ المُقام بين يدي الله والمسألة لهُ فيك. ولم تكفهِ ذلك، فإنْ كان في شيءٍ مِن ذلك تقصير – ممّا تقدّم ذكره من السفارة والوفادة – كان به دُونك، وإنْ كان آثماً لم تكنْ شريكَهُ فيه ولم يكنْ لهُ عليك فضل، فوقى نفسكَ بنفسهِ ووقى صلاتكَ بصلاتهِ، فتشكُرَ لهُ على ذلك ولا حول ولا قوّة إلّا بالله).
  • الإمام يتحدّث هُنا عن إمامٍ راتب (أي إمام ثابت) لا عن إمامٍ مُستطرق.. ولا إشكال أن يكون الحديث عن الإثنين.
  • إذا كانتْ صلاةُ إمامِ الجماعة مِن أمثالنا ستكونُ واقيةً، حاميةً مُكمّلةً حافظةً لِصلاة الذين يُصلّون خلفه ويهتمّون به.
  • إذا كان هذا الكلامُ عن إمامِ جماعةٍ مِن أمثالنا بهذا الوصفِ وبهذا الحالِ وبهذا التنظيمِ وبهذا الترابط فيما بيننا وبين الله سُبحانهُ وتعالى.. فكيف سيكونُ الكلامُ حينما أنقلُ الحديث إلى إمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • علماً أنّني لا أُريدُ أن أُقايس هُنا.. فالمُقايسةُ هُنا كُفْرٌ صريح، لا معنى للمُقايسة.. إنّني أخذتُ مُفردةً وأمسكتُ بها كي أبدأ الحديث منها وأقول:
  • إذا كانتْ صلاةُ إمام الجماعة تكون وقايةً وواقيةً لصلاتنا التي نُصلّيها خلفه.. مِن هُنا تظهرُ أهميّةُ الدقّةِ في اختيار إمامِ الجماعة، فما بالك بمرجع الدين..؟! وأنا هُنا لا أتحدّثُ عن المرجع بالعُنوان الشائع، وإنّما أتحدّث عن المرجع في الدين بِحَسَب الاستعمال الّلغوي لكلمة المرجع، بغَضّ النظر عن التقليد في مسائل العباداتِ والمُعاملات.
  • أيُّ جهةٍ أنتَ تعودُ إليها في معرفةِ دينك، فهذهِ مرجعيّةٌ أنت ترجعُ إليها (قد يكون كتاباً، قد يكون برنامجاً تعليميّاً على الانترنت، وقد تكون فضائيّة من الفضائيّات الدينيّة، وقد يكون خطيباً من الخُطباء أنت مُعجَبٌ بهِ وتثقُ بما يطرحهُ على المِنبر..) إنّني أتحدّثُ عن المرجعيّة بنحوٍ عام، عن الجهة التي تعودُ إليها كي تتعلّم منها.. وقطعاً مرجع التقليد المعروف بهذا العُنوان هو داخلٌ في هذا الحديث.
  • فإذا كان إمامُ صلاة الجماعة يقومُ بهذه المُهمّة الكبيرة وهذا يقتضي أن يحمل مِن المؤهّلات التي تتناسبُ مع هذهِ المُهمّة الثقيلة، وهذهِ لا تتوفّر في كُلّ أحد، فلابُدَّ مِن التدقيق ولابُدَّ مِن المعرفةِ بشأنِ إمام الجماعة.. فإذا كان هذا حالُ إمام الجماعة، فما حالُ المرجع الذي تأخذُ دينك منه؟!

  • وأنقلُ الحديث إلى إمامِ زماننا:

  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في [الكافي الشريف: ج1] – باب أنَّ الأئمة ولاةُ أمْر الله وخَزَنة عِلمهِ – الحديث (6)
  • (يقول إمامنا الصادق “عليه السلام”: إنَّ الله عزَّ وجلَّ خَلَقَنا فأحسنَ خَلْقنا، وصَوَّرنا فأحسن صُوَرنا، وجعلنا خُزّانه في سمائهِ وأرضه، ولنا نطقتْ الشجرة وبعبادتنا عُبِدَ اللهُ عزَّ وجلَّ، ولولانا ما عُبِدَ الله).
  • ● قوله: (خَلَقَنا فأحسنَ خَلْقنا، وصَوَّرنا فأحسن صُوَرنا) ذلكَ هُو الكمالُ المُطلَقُ الذي تجلّى فيهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”، لأنَّ الكمال المُطلَق هذا تفرّع عليه: (وجعلنا خُزّانه في سمائهِ وأرضه) فإنَّ الجمال الإلهيَّ تجلّى في كُلّ مخلوقاته.. الخُزّان هُم، لأنَّهم هُم أجملُ الجمال “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.. هُم خُزانةُ أسرار الله “مَجْمَعُ أسرارهِ”، وهُم خُزّانُ فيض الله سُبحانهُ وتعالى.
  • ● قولهِ: (ولنا نطقتْ الشجرة) إنّها شجرةُ الوجود، لأنَّ الشجرة تعني الأصل، ورسول الله يقول: (أنا وعليٌّ مِن شجرةٍ واحدة، وسائرُ الناس مِن شَجَرٍ شتّى) فالشجر هو الأصل، والحديثُ هُنا عن خُزّانٍ للهِ سُبحانه وتعالى (وجعلنا خُزّانه في سمائهِ وأرضه، ولنا نطقتْ الشجرة) إنّها شجرةُ الوجود، ولهذه الشجرة مظاهر: فشجرةُ طوبى مظهرٌ مِن مظاهر هذه الشجرة، والشجرةُ الطيّبة في القرآن الكريم التي أصلُها ثابت وفرعُها في السماء هي مظهرٌ مِن مظاهر هذه الشجرة.. وكذلك الشجرة الزيتونة التي هي لا شرقيّة ولا غربيّة والتي ذُكرتْ في سُورة النور هي مظهرٌ أيضاً مِن مظاهر هذه الشجرة.
  • موطنُ الشاهد هو هذه الجُملة: (وبعبادتنا عُبِدَ اللهُ عزَّ وجلَّ، ولولانا ما عُبِدَ الله) هذهِ باءُ السبّبيّة.
  • يُمكن أن يقول القائل: الحديثُ هُنا عن هداية العباد، وهو صحيحُ.. ويُمكن أن يقول القائل: الحديثُ هنا عن تبليغهم للرسالة وعن تعليمهم وإرشادهم وتفقيههم للناس والمعنى صحيح.. كُلُّ هذا صحيحٌ وحاصلٌ ومُتحقّقٌ على أرض الواقع، لكنَّ الرواية لا تتحدّث عن هذا المُستوى، السياقُ يتحدّثُ عن معنىً عميق.

  • سأقف عند هذه العبارة (وبعبادتنا عُبِدَ اللهُ عزَّ وجلَّ) وسأتنقّلُ بين أحاديثِ العترة الطاهرة.

  • ● وقفة عند حديث الإمام في كتاب [علل الشرائع: ج2] للشيخ الصدوق.. الباب الثاني: باب العلّة التي مِن أجلها فرض الله الصلاة علينا – الحديث (1):
  • (عن عُمر بن عبد العزيز قال حدّثنا هشامُ بن الحكم قال: سألتُ أبا عبد الله “عليه السلام” عن علّة الصلاة فإنَّ فيها مَشغلةٌ للناس عن حوائجهم، ومتعبةً لهم في أبدانهم، قال: فيها علل، وذلك أنَّ الناس لو تُركوا بغَير تنبيهٍ ولا تذكّر للنبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله” بأكثر مِن الخبر الأوّل وبقاء الكتاب في أيديهم فقط، لكانوا على ما كان عليه الأوّلون، فإنّهم قد كانوا اتّخذوا ديناً ووضعوا كُتُباً ودعوا أناساً إلى ما هُم عليهِ وقتلوهم على ذلك، فدرس أمرهم وذَهَب حين ذهبوا، وأرادَ اللهُ تباركَ وتعالى أن لا يُنسيهم أمْر مُحمَّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” ففرض عليهم الصلاة، يذكرونَهُ في كلّ يومٍ خَمْسَ مرّات يُنادونَ باسمهِ، و تعبّدوا بالصلاة وذكر الله لكيلا يغفلوا عنهُ و ينسوهُ فيندرسَ ذكره).
  • وهذهِ المواعيدُ نحنُ نأتي بها ناقصةً لا نعرفُ معناها، وقد حُرّفتْ معاني الصلاة.. تتبّعتُ كُتُب مراجعنا التي أُلّفتْ في أسرار الصلاة، مُنذ زمن الشهيد الثاني – والذي كان مُتأثّراً بشدّةً وبقوّةٍ بالفِكْر الناصبي – إلى ما كتبهُ من المُعاصرين الشيخ جوادي آملي.. تتبّعتُ كُلَّ هذهِ الكُتُب، وكُلُّ هذهِ الكُتُب كُتِبتْ بالذوق الصُوفي، وإنْ استشهدوا بمقاطع مِن أدعية آل مُحمّد وبمقاطع مِن أحاديثهم وكلماتهم، ولكنّ المنهج الذي بُنيتْ عليه هذهِ الكُتُب والأفكار التي غرقَ فيها أولئكَ الذين ألّفوا هذهِ الكُتُب إنّه الفِكْر الصوفيُّ الناصبي الذي جيء به مِن ابن عربي ومِن أسلاف ابن عربي مِن الصوفيّة النواصب.
  • هذهِ أسرارُ الصلاة عند آل مُحمّد.. ما وجدتُ أحداً يتحدّث عن أسرار الصلاة وِفْقاً لِما قاله آل مُحمّد فقط.. تتبّعتُ كُتُب الجميع.. خَلَطوا بين ما جاء عن آل مُحمّد وما جاء عن الصوفيّة النواصب، وفي بعض الأحيان يُغلّبون ما جاء عن الصوفيّة على ما جاء عن مُحمّدٍ وآل مُحمّد، وما يختارونَهُ مِن حديثِ آل مُحمّد إنّهم يختارون المعاني العامّة التي تنسجمُ مع ذوق المُخالفين.
  • خصائص الآل بقيتْ مع كُلّ أسرارهم في هذه الكُتُب..!
  • فالصلاةُ في ثقافة أهل البيت هي مواعيدُ لقاءٍ مع مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. وبالدقّة في زماننا هذا وفي أجيالنا هذهِ (أجيالُ عصْر الغَيبة الكُبرى) فُرضتْ الصلاةُ علينا كي نتذكّر إمامَ زماننا.. فإنّنا حين نتذكّر إمام زماننا إنّنا نتذكّرُ مُحمّداً وآل مُحمّد.. هذهِ هي عِلّةُ تشريع الصلاة.
  • فهذا هو إمامُنا الصادق يُبيّن لنا عِلّة تشريع الصلاة وفرضها علينا.. فهذا المعنى لا يصحُّ أن نُطبّقه على مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. هذا المعنى ينطبقُ علينا نحنُ، ولِذا قُلت: أنّ عبادتهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم” لها شأنٌ آخر، أنا لا أعرفه.. أنا أعرف عبادتي من خلال رجوعي إلى أحاديثهم.

  • وقفة عند مقطع من زيارة النُدبة في كتاب [بحار الأنوار: ج99] هكذا نُخاطبُ إمام زماننا والخطابُ لهم جميعاً “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” فنقول:

  • (السلامُ عليكم أنتم نُورنا، وأنتم جاهُنا أوقات صلواتنا، وعِصْمتُنا بكم لدُعائنا وصَلاتنا وصِيامنا واستغفارنا وسائر أعمالنا…)
  • صلواتنا شُرّعتْ كي نتذكّرك يا بقيّة الله، لأنّك وجه الله.. فحين أقرأ دُعاء التوجّه في الصلاة فإنّني وجّهتُ قلبي إلى الجهةِ التي شُرّعتْ الصلاة لأجل أن أتذكّرها وهو وجه الله الذي إليهِ يتوجّه الأولياء.. كما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: (مَن أراد الله بدأ بكم، ومَن وحّده قَبِل عنكم، ومَن قصده توجّه إليكم) وكما يقول سيّد الأوصياء: (أنا صلاةُ المُؤمنين وصِيامهم).
  • أنتم يا آل الله صلاتنا، وأنتم أوقاتُ صلاتنا، ولأجلكم شرّع الله صلاتنا كي نتذكّركم.. مِثلما نُخاطبُ إمام زماننا في زيارة آل ياسين المشهورة:
  • (وأشهدُ أنَّك حُجّة الله، أنتم الأوّل والآخر).

  • وفي الزيارة الجواديّة التي نزور بها الإمام الرضا وهي مرويّةٌ عن إمامنا الجواد.. هكذا نُسلّم عليهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”:

  • (السلامُ على شُهور الحَول، وعدد الساعات، وحُروف لا إله إلّا الله في الرقوم المُسطّرات..) مظاهرهم تُحيطُ بنا، ولِذا نُخاطِبُ إمام زماننا في زيارة النُدبة: (مَن لي إلّا أنت فيما دُنت، واعتصمتُ بكَ فيه، تحرسني فيما تقرّبتُ بهِ إليك، يا وقايةَ الله وسِترهُ وبركته أغنني، أدنني، أدركني، صِلني بِكَ ولا تقطعني..).. هذهِ صلاتنا إذا أردنا أن نعرف أسرارها.. فإذا ما صليّنا مِثلما يُريدون فإنّنا سنصِلُ صَلاتنا بِصلاتهم، وحينئذٍ تُقبَل صلاتنا.. وإلّا إذا لم نصِل صلاتنا بصلاتنا، فإنَّ صلاتنا لا معنى لها (وبعبادتنا عُبد الله).
  • إذا كانتْ صلاةُ إمامِ الجماعة مِثلي ومثلكم، تكونُ وقايةً لصلاتنا.. نَحنُ هُنا نُخاطبُ الوقاية العُظمى.

  • وقفة عند هذا المقطع مِن زيارة إمام زماننا في [مفاتيح الجنان] نُخاطبُ إمام زماننا بهذا الخِطاب:

  • (السلامُ عليكَ حِين تقوم، السلامُ عليكَ حين تقعد، السلامُ عليكَ حين تقرأ وتُبيّن، السلامُ عليكَ حِين تُصلّي وتقنت، السلامُ عليك حين تركعُ وتسجد، السلامُ عليك تُهلّل وتُكبّر، السلامُ عليك حين تَحمدُ وتستغفر، السلامُ عليكَ حين تُصبِحُ وتُمسي، السلامُ عليكَ في الّليلِ إذا يغشى والنهار إذا تجلّى، السلامُ عليك أيّها الإمام المأمون، السلامُ عليك أيّها المُقدّم المأمول، السلامُ عليكَ بجوامع السلام).
  • ● قولهِ: (السلامُ عليكَ حِين تقوم، السلامُ عليكَ حين تقعد) إنّهُ قيامُ الصلاة وقُعودُ الصلاة.. إنّنا نُريدُ أن نَربطَ صلاتنا بصلاته، فهُو إمامُنا الحقيقي وليس إمامُ الجماعة.. فإذا أردتم أن تُقبَل صلاتكم فعليكم أن تَصِلُوا صلاتكم بصلاته، وصلاتهُ جوهر العبادة، هي سِرُّ قبول صلاتنا.. إذا ما اتّصلتْ صَلاتنا بصلاتهِ كملتْ صلاتنا، فما فيها مِن زيادةٍ يُحذف وما فيها مِن نقصٍ يُكمّل.. فلقد اتّصلنا وارتبطنا بالصلاة العُظمى.
  • إمامُ الجماعة لا قيمةَ لِصلاته إذا لم يكنْ مُرتبطاً بصلاةِ إمامهِ الأعظم. إذا ما ارتبطتْ صلاتُنا بصلاةِ إمامِ زماننا ارتبطتْ بعالم التطهير الأعظم.. هذا هُو الطَهورُ الأعظم الذي ذُكِر في الروايات.. هُناك طهورٌ أعظم مِن دُونه لا تُقبَل الصلوات.
  • الوضوء والغَسل هذا هُو الوجه الظاهر للطهور.. لا قيمة لهذا الطهور مِن دُون ارتباطنا بالطَهور الأعظم وهُو ولاية إمامِ زماننا التي هي مرآةٌ لولاية مُحمّدٍ وآل مُحمّد والتي عُنوانها: “عليٌّ”.
  • ● عُلماؤنا ومَراجعنا الذين كتبوا في أسرارَ الصلاة أكثر المعاني جاءَوا بها مِن الصوفيّة، جاءُوا بها مِن أبي حامدٍ الغزّالي مِن كتابهِ الناصبي جدّاً [إحياء علوم الدين].. في هذا الكتاب الغزّالي يُقدّس نفسه ويُنزّه نفسه عن أن يلعن إبليس، حتّى يكون ذلك باباً لعدم لعن يزيد..!! وحينما يدخل في التفاصيل يقول حتّى لو كان يزيد قد قَتَل الحُسين فإنَّ يزيد قد تاب..!!
  • وعلماؤنا ومراجعنا يأتوننا بفكرٍ مِن قلوبٍ تحملُ نجاسةً بهذا المُستوى، ويتركون أحاديث العترة الطاهرة ويقولون أنّها ضعيفة..!!
  • ● هُناك مجموعةُ حلقاتٍ عنوانها “معاني الصلاة” في برنامج [الكتاب الناطق] موجودة على موقع قناة القمر الفضائيّة وعلى اليوتيوب، تحدّثتُ فيها عن معاني الصلاة بالإجمال وفقاً لِمنطق الكتاب والعترة.. يُمكنكم الرجوع إليها.
  • ● صلاتُنا هي صِلتُنا العبّاديّة بإمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. نحنُ هكذا نُخاطبه في هذه الزيارة، فنقول:
  • (السلامُ عليكَ يا مَحفوظاً بالله، اللهُ نور أمامهِ وورائهِ ويمينهِ وشمالهِ وفوقهِ وتحته. السلامُ عليك يا مَخزوناً في قُدرةِ الله، اللهُ نُور سمعهِ وبَصَره…).
  • نحنُ نربطُ صلاتنا بهذا الوجود، بهذه الكينونةِ الإلهيّة.. إنّنا نتوجّهُ إلى وجه الله (فما شيءٌ مِنّا إلّا وأنتم لهُ السبب وإليهِ السبيل) تبدأ الصلاةُ بكم يا بقيّة الله وتنتهي بكم.

  • وقفة عند حديث الإمام في [الكافي الشريف: ج1] – باب مولد النبيّ ووفاتهِ “صلّى الله عليه وآله”.

  • (عن داود بن كثير الرقي قال: قلتُ لأبي عبد الله: ما معنى السلام على رسول الله؟ فقال: إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا خلقَ نبيّه ووصيّه وابنتَهُ وابنيهِ وجميع الأئمة وخلَقَ شِيعتهم، أخذ عليهم المِيثاق وأن يصبروا ويُصابروا ويُرابطوا وأن يتّقوا الله، ووعدهم أن يُسلّم لهم الأرضَ المُباركة والحَرَم الآمن – هذه عناوين للأرض في مرحلة الرجعة – وأن يُنزّل لهم البيت المعمور – هذا في الرجعة – ويُظهِر لهم السَقْف المرفوع ويُريحهم مِن عدوّهم، والأرض التي يُبدّلها اللهُ مِن السلام، ويُسلم ما فيها لهم لاشِية فيها، قال: لا خُصومةَ فيها لعدوّهم، وأن يكون لهم فيها ما يُحبّون، وأخذَ رسولُ الله “صلّى الله عليه وآله” على جميعِ الأئمة وشِيعتهم الميثاق بذلك، وإنّما السلامُ عليه تذكرةُ نفس المِيثاق وتجديدٌ له على الله، لعلّه أن يعجّله عزَّ وجل ويعجّل السلام لكم بجميع ما فيه..)
  • هذا هو معنى السلام.. فحينما نُسلّم على إمام زماننا حين يقرأ ويُبيّن وحين يركعُ ويسجد، وحين، وحين.. إنّنا نُسلّم عليه بهذا المعنى.. ونصِلُ صَلاتنا التي هي مواعيدُ لِذكْره نصلها بصلاته.. هذا هو معنى قول أمير المؤمنين: (أنا صلاةُ المُؤمنين وصيامهم). فصلاة عليٍّ هي جوهرٌ وبوابّةٌ لقبول صلاتنا، وهذا هو المعنى الذي ذكرتَهُ الروايات مِن أنَّ الإمام الحُجّة إذا لم يحضر في عرفة فلا حجّ للناس، لأنَّ حجّ الناس يُقبَلُ بِحجّهِ، ولأنَّ صِيام الناس يُقبَلُ بصيامه.
  • هذا أدنى مُستوى فَهْمٍ للصلاةِ بِحَسَب رواياتهم، وإلّا فهناك آفاقٌ أعمق وأعمق مِن كُلّ هذا الذي ذكرته.
  • السؤال (4): السُؤال عن موضوعٍ طرحتهُ في برنامج [يا حسين .. البوصلة الفائقة] حينما تحدّثتُ عن أنحاء مِن الفَهْم الشيطاني الخاطىء في أجوائنا الشيعيّة للمشروع الحُسيني، وذكرتُ أنَّ هُناك مَن يعتقد بالفداء الحُسيني والذي جاءنا مِن الفِكْر المسيحي، والمُراد بالفِداء الحُسيني: هُو أنَّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” قدَّم نفْسهُ ودَمَهُ الطاهر كي تُغفَر ذُنوبنا وأخطاؤنا وما نقومُ بهِ مِن معاصٍ في هذهِ الحياة.. وهذا الكلامُ لا علاقة له بالشفاعة، فالشفاعةُ عنوانٌ وعقيدةٌ لها تفاصيلها وخُصوصيّاتها..
  • هذا المعنى يظهرُ في كثيرٍ مِن الأشعار وفي كثيرٍ من الحكاياتِ والقُصص التي تُروى على المنابر، وهُناك مِن الخُطباء مَن يتحدّثُ بهذا المنطق وبهذا الّلسان.
  • وبالنسبة لي: ما أفهمهُ أنَّ هذا منطقٌ شيطاني.. وقد تحدّثتُ عن هذا الموضوع، ولكن السائلة هُنا تطلبُ إضافةً أُخرى وتوضيحاً آخر.
  • الجواب: منهجنا العلمي (منهجُ مُحمّد وآل مُحمّد) هو أنَّ هُناك قاعدةُ معلومات هي القرآن الكريم، نتحاكم إليها.. ولِذا سأتتبّع الآيات التي تحدّثتْ عن الفِدية في الكتاب الكريم.
  • ● سُورة آل عمران الآية 91: {إنّ الذين كفروا وماتوا وهُم كفّار فلن يُقبَل مِن أحدهم مِلءُ الأرض ذهباً ولو افتدى بهِ أولئكَ لهم عذاب أليم وما لهم مِن ناصرين}. الآية تنفي وجود قانونٍ من الفداء والافتداء بأيّ نحوٍ مِن الأنحاء يوم القيامة.
  • ● سُورة المائدة الآية 36: {إنَّ الذين كفروا لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومِثْلَهُ معهُ ليفتدوا بهِ من عذاب يوم القيامة ما تُقبّل منهم ولهم عذابٌ أليم}. لا يُوجد قانون للافتداء وللفدية للجميع.. للكافرين ولغيرهم.
  • ● سُورة يُونس الآية 54: {ولو أنَّ لكلّ نفسٍ ظلمتْ ما في الأرض لافتدتْ بهِ وأسرّوا الندامة لمّا رأوا العذاب وقُضي بينهم بالقِسْط وهُم لا يُظلمون}
  • نحنُ تشملنا هذهِ القوانين – كما نعتقد – ولكنّنا ننجو بالشفاعة وليس الفداء.. وإلّا فهذا القانون المذكور في الآية يتحدّث عن الجميع، فنحنُ جميعاً مِن النفوس الظالمة، فنحنُ ظلمنا أنفُسنا، وظلمنا الآخرين من أبناء جنسنا، وظلمنا مُحمّداً وآل مُحمّد، وظَلَمنا الله.. فالشِركُ ظُلْمٌ عظيم، ونحنُ نُشركُ باللهِ بدرجةٍ وبأُخرى.
  • ● سُورة الرعد الآية 18: {للذين استجابوا لربّهم الحُسنى والذين لم يستجيبوا له لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومِثْلَهُ معه لافتدوا به أولئكَ لهم سُوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المِهاد}.
  • هذهِ الإستجابةُ على درجات، والحُسنى بحَسَب حديثِ العترة الطاهرة هي مِن أسماء ولاية أمير المُؤمنين في القُرآن..
  • الآياتُ كُلّها تنفي وجود قانون للفداء أو الافتداء يوم القيامة.. هُناك قانون لنجاة أولياء مُحمّدٍ وآل مُحمّد وهُو قانون الشفاعة.. والشفاعةُ في مُحتواها ومضمونها لا علاقة لها بما يعتقد البعض مِن الفداء الحُسيني.
  • ● سُورة الزُمر الآية 47 : {ولو أنَّ للذين ظَلَموا ما في الأرض جميعاً ومِثلهُ معهُ لافتدوا به مِن سُوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم مِن الله ما لم يكونوا يحتسبون}. نحنُ ندخلُ في الذين ظلموا، ولكن شفاعةُ إمامنا هي التي تُخرجنا مِن هذا العُنوان، فلا يُوجد برنامجٌ للافتداء في يوم القيامةِ مُطلقاً.
  • ● سُورة الحديد الآية 15: {فاليوم لا يؤخذ منكم فديةٌ ولا مِن الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} فليس هُناك مِن فدية ولا افتداء.
  • ● سُورة المعارج الآية 11 وما بعدها : {يُبصّرونهم يودُّ المُجرمُ لو يفتدي مِن عذابِ يومئذٍ ببنيه* وصاحبتهِ وأخيه* وفصيلتهِ التي تُؤويه* ومَن في الأرض جميعاً ثُمَّ يُنجيه* كلّا إنّها لظى* نزّاعة للشوى}. لا يُوجد افتداء لا بأموال، ولا بعقارات، ولا بأشخاص، ولا بأيّ شي.. جميعُ أنواع الفداء والافتداء لا وجود له يوم القيامة.. هُناك شفاعةٌ هي التي ينجو بها السُعداء مِن الذين ينالون الشفاعة. هذهِ آياتُ الكتاب الكريم التي تحدّثتْ عن الفِدية والفِداء والافتداء في يوم القيامة.. إنّها نفتْ هذا المعنى جُملةً وتفصيلاً، فلا وُجود لهذا المعنى في يوم القيامة.
  • ● سُورة الإسراء الآية 33: {ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلّا بالحقّ ومَن قُتِل مَظلوماً فقد جَعلنا لوليّه سُلطاناً فلا يُسرف في القتل إنّه كان منصورا}
  • الآية في الأُفق الحقيقي في مرحلةِ التأويل تتحدّثُ عن الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، ولِذا فإنَّ الـ(لا) في قولهِ تعالى: (فلا يُسرف) هي لا النافيّة في قراءة أهل البيت وليستْ لا الناهية.. ولِذلك حينما تكون (لا) نافية فإنّ الفعل المُضارع سيكون مرفوعاً.. أمّا حينما تكون لا ناهية سيكون الفعل المُضارع مجزوماً بالسكون. صحيح أنّنا أُمرنا أن نقرأ القُرآن في عَصْر الغَيبة بقراءة المُخالفين، ولكن في التفسير إنّنا نقرأ بقراءة أهل البيت لأجل أن نفهم المعاني.
  • إذا كان قتلُ الحُسين فداءً للشيعة لِتُغفر ذُنوبهم، فلماذا هذا الأمر إذاً..؟! إذا كان قتلُ الحُسين فداءً للشيعة فليس هُناك مِن ثأرٍ، وليس هُناك مِن حقٍّ ثابتٍ لوليّه، وليس هناك مِن معنى لهذا الشِعار “يا لِثاراتِ الحُسين”.. هو فدى نفسهُ وانتهى الأمر.. ولِذا أقول: لا معنى للفداء الحُسيني، إنّهُ فِكْرٌ شيطاني.

  • في دُعاء اليوم الثالث مِن شهر شعبان (في يوم ولادة سيّد الشُهداء) والمروي عن إمامنا الحَسَن العسكري “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهما” نقرأ هذه العبارات التي تتحدّث عن الحُسين: (قتيل العَبرة وسيّد الأُسرة ، الممدود بالنُصرةِ يوم الكرّة – يوم الرجعة – المُعوّض من قتلهِ أنّ الأئمة مِن نسله، والشفاءَ في تُربتهِ والفوزَ معهُ في أوبتهِ والأوصياء مِن عترتهِ بعد قائمهم وغَيبتهِ حتّى يُدركوا الأوتار ويثأروا الثأر ويُرضوا الجبّار..)

  • لِماذا يُمَدُّ بالنُصرة إذا كان فداءً..؟! ولمِاذا يُعوّض مِن قَتْلهِ؟! لماذا جُعلتْ كُلُّ هذهِ المعاني الواردة في هذا المقطع مِن الدُعاء عِوضاً لدم الحُسين؟!
  • فحين كان فداءً فقد تحقّقتْ أهدافه.. مشروع الفداء هو مشروعٌ وهدفٌ في نفس الوقت، فلا تُوجد لهُ آثار وتفاريع، إنّما آثاره تتحقّقُ في يوم القيامة حينما تُغفر ذنوبنا.. أمّا في عالم الدُنيا فقد تحقّق الهدف، لأنَّ الله سُبحانه وتعالى حينئذٍ قد قَبِل الفداء وقرّر أن يغفر ذُنوب الذين فداهم الحُسين بدمهِ.. وهذا هُراء.. فهو يتنافر ويتعارض مع منطق الكتاب والعترة بدرجة 100% في جميع الاتّجاهات.
  • الاعتقاد بالفِداء الحُسيني اعتقد باطل وهو فِكْرٌ شيطاني تسرّب إلينا مِن الفِكْر المسيحي.
  • ● حِين نقرأ في سُورة التكوير في الآية 8 وما بعدها : {وإذا الموؤدةُ سُئلتْ* بأيّ ذنبٍ قُتلتْ} في أحاديث العترة الطاهرة الموؤدة هي الحُسين كما جاء في كتاب [كامل الزيارات].. وفي قراءة العترة الطاهرة: {وإذا المودّة سُئلتْ* بأيّ ذنبٍ قُتلتْ} هذه المودّة عُنوانها الأوَّل فاطمة، وعُنوانها المُتجلّي مِن فاطمة (حسنٌ وحُسين) ولكن المشروع المركزي الأعظم لِمُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله” هو مشروعُ الحُسين (حُسينٌ مِنّي وأنا مِن حُسين).
  • عِلْماً أنَّ السُؤال للمؤودةِ هُنا هو لَفظاً للحُسين، ولكن مَعنىً إنّهُ لنا ولكلّ هذا الوجود {وقِفوهم إنّهم مسؤولون}.

  • في زيارة الحُسين المُطلقة الأولى نقرأ هذه العبارات:

  • (وبكم يَفُكُّ الذُلَّ مِن رقابنا، وبكم يُدرِكُ اللهُ تِرةَ كُلّ مُؤمنٍ يُطلَبُ بها) الترة : يعني ثأر الحُسين.. هذهِ الترة في أعناقنا نحنُ نُسأل عنها، هُناك مَسؤوليّةٌ في أعناقنا، نَحنُ مسؤولون عن دم الحُسين. كُلُّ المضامين والمفاهيم التي حدّثتنا عنها النُصوص الشريفة تَرفضُ هذهِ العقيدة الباطلة.. رسالةُ الحُسين وشِعارهُ الذي نعرفه: (إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي أُريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المُنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب..) هذا المضمون يتناقض جُملةً وتفصيلاً مع فِكرة الفداء الحُسيني.
  • ● شِعارُ الحُسين الذي نعرفهُ جميعاً: (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟) لماذا يطلبُ سيّد الشُهداء النُصرة وهُو في مقام الفداء؟! هَو جاء فادياً ومُقدّماً نفسه فداءً، فلماذا يطلبُ مِن الآخرين أن يكونوا فداءً معه؟! أليس هذا يقدحُ في الفداء؟
  • الفادي يكون في غاية الجود بنفسهِ، وفي غاية الحِرص على الذين يُريد أن يُقدّم هذا الفداء لأجلهم.. فلماذا يُريد مِن شيعتهِ أن يأتوا كي يُقتلوا معه؟! لِماذا جاء بأُسرته؟! لماذا؟! لماذا؟! لماذا..؟! وقفةُ تأمّلٍ قصيرةٍ عند كلمة سيّد الشُهداء (هل مِن ناصرٍ ينصرني؟) تتّضحُ مِن خلالها الصورة.

  • في زيارة الناحية المُقدّسة نقرأ هذه العبارات، حين تُخاطب الزيارة الشريفة سيّد الشُهداء:

  • (..فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قَتَلوا بقتلكَ الإسلام، وعطلَّوا الصلاةَ والصيام ونقضُوا السُننَ والأحكام، وهَدمُوا قواعدَ الإيمان، وحرَّفوا آيات القرآن وهملجُوا في البغي والعدوان. لقد أصبحَ رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” مَوتوراً، وعَادَ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ مَهجورا، وغُودِرَ الحقّ إذ قُهِرْتَ مَقهوراً، وفُقِدَ بفقْدكَ التكبيرُ والتهليل، والتحريمُ والتحليل، والتنزيلُ والتأويل، وظهَر َبعدكَ التغييرُ والتبديل، والإلحادُ والتعطيل والأهواءُ والأضاليل والفتنُ والأباطيل).
  • إذا كان الحُسين فداءً، لمِاذا ظهر كُلُّ هذا الخراب؟! فهل أنَّ الحُسين فدى نفسهُ كي يظهر كُلُّ هذا الخراب؟! ولماذا يترتّب على هذا الخراب مشروعٌ طويلٌ تحرّك فيه أئمتنا من إمامنا السجّاد إلى إمامنا القائم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.
  • القضيّة واضحة جدّاً.. كما جاء في زيارة سيّد الشُهداء : (ضَمِنتْ الأرضُ ومَن عليها دَمَكَ وثأركَ، يا ابن رسول الله صلّى الله عليك. أشهدُ أنَّ لكَ مِن اللهِ ما وعدكَ مِن النَصْرِ والفَتْح، وأنَّ لكَ مِن اللهِ الوعدُ الصادقُ في هلاكِ أعدائِكَ، وتمامِ موعدِ الله إيّاك، أشهدُ أنَّ مَن تَبِعكَ الصادقون..)
  • إذا كان الحُسين فداءً لماذا تضمن الأرض دم الحُسين وثأر الحُسين؟!
  • أهداف الحُسين تتحقّق بداياتها في ظُهور إمام زماننا ويتجلّى نَصْرهُ وفتحهُ في الرجعة العظيمة.. فليسَ ما قام به الحُسين كان فداءً لِذنوبنا ولأخطائنا ومعاصينا حتّى تُغفَرُ يوم القيامة، وإنّما هُو تحقيقٌ لبرنامج الخلافة الإلهيّة.. فهذا البرنامج لم يتحقّق لحدّ الآن.. هذا البرنامج بوّابتهُ الأولى عند ظُهور إمام زماننا الحُجّة بن الحسن، ثُمّ تُفتَحُ البوّابات الأُخرى بوّابةٌ بعد بوّابة والبدايةُ مِن الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.

  • ملاحظةٌ صغيرةٌ تتعلّق بحديثي فيما يرتبطُ بحديثي في الفداء الحُسيني:

  • الكاتب المسيحي الّلبناني المُبدع انطون بار في كتابه [الحُسين في الفِكْر المسيحي] بذل جُهْداً كبيراً، وحاولَ أن يجِدَ وجْه تشابه فيما بين الحُسين والمسيح، ولكنّهُ لم يستطعْ أن يجد هذهِ النُقطة في المشروع الحُسيني، فهو قد تحدَّث عن المسيح بثقافتهِ المسيحيّة الواسعة، وتحدَّث عن الحُسين أيضاً باطّلاعٍ دقيق.. اقرأوا الكتاب رُغم صِغره، فقد استلَّ أهمّ النصوص.. هذا الكاتب المُبدع حاول أن يجدَ نقاط التقاء أو نقاط تشابه فيما بين شخصيّة الحُسين وشخصيّة المسيح فيما بين رسالة الحُسين ورسالة المسيح، فيما بين مشروع الحُسين ومشروع المسيح.. بحث عن كُلّ دقيقةٍ وصغيرة لكنّهُ لم يستطعْ أن يجِدَ التقاءً عند نقطةِ الفداء المسيحي.
  • السؤال (5): هل هُناك مِن أملٍ أن يعود الشيعةُ إلى أحضانِ الثقافةِ الأصيلة لِمُحمّدٍ وآل مُحمّد بعيداً عن ثقافةِ الشوافع والأشاعرة والمُعتزلة والصُوفيّة والقُطبيّين..؟!
  • الجواب: بالنسبة لي أقول: لا وجود لأملٍ مُطلقاً.. لا أعتقدُ بذلك.. عِلْماً أنَّ هذا الجواب لم يصدرْ عنّي جُزافاً، فأنا مُعبّأٌ بتجربةٍ عمليّةٍ طويلةٍ مُعقّدةٍ جدّاً، ومُعبّأٌ بثقافةٍ شيعيّة تفصيليّة في جميع الاتّجاهات، وأمتلكُ معرفةً بالتأريخ عموماً وبتأريخ لشيعة خُصوصاً وبتأريخ مراجعنا بنحوٍ أخصّ.. الحكايةُ طويلة.
  • ● اشتملَ جوابُ السؤال (5) على عرض مقطع فيديو لرجلٍ دين مَعروف تُقدّمهُ مرجعيّةُ السيّد السيستاني وجهاً مُتحدّثاً عنها في مُؤتمراتهم، وفضائيّاتهم، ومكاتبهم.. وهو الشيخ: محمّد كنعان.. مع مُناقشة هذا الفيديو والردّ عليه، والذي يُحاول فيه الشيخ محمّد كنعان أن يُبرّر للعلماء أخطاءهم وزلّاتهم وينتقد مَن يتتبّع زلّاتهم ويرميه بالخُرْق والحماقة..!
  • (هذا الفيديو جاءَ مِثالاً مِن الواقع الشيعي يُبيّن للسائل لماذا قال الشيخ الغزّي في جوابهِ عن هذا السُؤال أنَّهُ لا أملَ مِن عودةِ الشيعة إلى منهج مُحمّدٍ وآل مُحمّد وإلى ثقافتهم الشيعيّة الأصيلة).

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…