مجزرةُ سبايكر – الحلقة ٦ – المحور الثاني – وجه الإعتبار بما جرى في هذا الحدث ق١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 16 رجب 1441هـ الموافق 12 / 3 / 2020م

  • قَومِي رُؤوسٌ كُلُّهم     أَرَأَيْتَ مَزْرَعَة البَصَل

  • حوزاتنا الدينيَّة، أحزابُنا القُطبيَّة لُصوصٌ كُلُّهم، شايف ﮔـهوة النشّالة يسرقون الناس ثُمَّ يسرقُ بعضهم بعضاً ..
  • للَّذين يرفضونَ الضَّحكَ على ذقونهم فقط هذا البرنامج: مجزرةُ سبايكر.

  • المحور 2: وَجهُ الإعتِبار من الحدث (الإعتبار بكلِّ مُجريات مجزرة سپايكر):

  • قَطعاً لن أستَطيع أنْ أتَحدّثَ عن كلّ شيءٍ في هذا المحور، لكِنّني سأختارُ جانِباً بحَسَبِ ظنّي إذا ما دَرَسناه وَوَقَفنا عِنده سَيَجعَلُنا مُشرِفين على كُلِّ الجِهاتِ والحَيثِيّاتِ الأخرى الّتي تَكونُ سَبَباً لإعتِبارِنا ولِتَحصيلِ العِبرةِ من هذا الحَدَثِ المُمَيَّزِ بكلِّ مُجرَياتِهِ، يُمكِنُني أن أتَحَدَّثَ عن الجانبِ السّياسيّ، وأن أخوضَ فيهِ طَويلاً ناظِراً إلى ما مَضى في تاريخِنا السِّياسيّ للعِراق بشكلٍ عام أو للشّيعة بشكلٍ خاصّ، وما هو في حاضِرِ اليومِ وما يَقودُ بمُعطَياتِهِ الواضِحَةِ بين أيدينا إلى مُستَقبلِنا السّياسيّ الّذي لا يبدو مُستَقبلاً وَرديّاً، ولا يبدو مُستَقبلاً على الأقلِّ وادِعاً وهادِئاً.. لا أريد أن أخوضَ في هذا الجانب وفي الموضوعات المتفرّعة عن هذا العنوان..
  • وكذلكَ يُمكِنُني أن أتَحَدَّثَ عنِ الواقِعِ المُجتَمَعي العراقي وعن الصِّراعِ التّاريخي فيما بين السنّة والشّيعة منذُ أيّام السّقيفةِ المشؤومةِ وإلى يومِنا هذا وهذا موضوعٌ واسعٌ مُضطردُ الأبعاد، لا أريد أن أخوض في هذا الموضوع فلا أنا بالّذي يُريدُ أن يُؤدّيَ وَظيفة المُحَلِّل السّياسي، ولا أريدُ أن أؤَدِّيَ وظيفة المُؤرِّخ..
  • يُمكِنُني أنْ أتحَدَّثَ عن الظُّلمِ والقهرِ وعن الإجرام الدّمَويّ للحُكومات السنيّة النّاصِبيّةِ الّتي حَكَمَت العِراق وجَرَّت الوَيلات على الشّيعة منذُ تاريخٍ قَديم وإلى زَمانِ البعثيّينَ الصدّاميّينَ المجرمين عليهم لَعائِنُ الله، هُناكَ جِهاتٌ كثيرةٌ يُمكِنُني أنْ أتَناوَلها بهذا الصّدَد، لكِنّني لا أجِدُ فائِدةً كبيرةً في هذه الموضوعاتِ لأنّها مُتَكَرِّرةٌ على مُستوى الكِتابة والتّأليف ومُتَكرِّرةٌ على مُستوى الطّرحِ الإعلامي ولو بنحوٍ مُقتَضَب.. لا أجِدُ فائدةً في إثارةِ هذه الموضوعات إنّما أوَجّهُ نَظَري إلى جِهةٍ أعتَقِدُ أنّها هي الأهم، وأجعلُ من هذه الجهةِ وَجه الإعتِبارِ في حديثي الّذي سأطرَحُهُ بين أيديكم في هذا المِحوَر من مَحاوِرِ البرنامج (المحور2: وَجهُ الإعتِبارِ من الحَدَث).
  • ● الجِهة الّتي أريدُ أن أصَوِّبَ نَظَري إليها: سؤالٌ يَطرحُ نَفسه بِنفسِه وهذا السّؤال سألهُ كَثيرون، حاولوا أنْ يَجِدوا له جَواباً وفي إعتِقادي أنّهم لم يُوَفَّقوا في الوُصُولِ الى الجوابِ الصّحيح على حدِّ زعمي.
  • نحنُ حينَما نُشاهِدُ الفيديوات الّتي تَنقُلُ لنا أحوالَ الأسرى في مجزرة سپايكر منذُ بدايةِ خُروجهم من القاعِدة وبعد ذلك حينما يَقَعونَ في الأسر، جُموعٌ كثيرةٌ -حتّى أنّنا عَرضنا بعضَ الفيديوات الّتي يَظهَرُ فيها صوتُ أناسٍ يَقِفون على جانِبِ الطَّريق، فيَقولون: “هذا أقوى تأسير بالعالم”- أعدادٌ هائِلة من الشّباب ومن الشّباب الأقوِياء وفي تَمامِ صِحَّتِهم وعافِيَتِهم، الّذي يبدو من الفيديواتِ أعدادٌ هائِلةٌ من الأسرى أمّا الآسِرون فكانوا قِلّة، عددهم قليل -قطعاً كانوا قِلّة في بِداية الأمر- حينما قادوا هؤلاء الشّباب كالخِراف، يَسيرونَ مُستَسلمين لِمَصيرهم، وأجلَسوهم..
  • في البدايةِ عاملوهم معاملةً ليسَتْ قاسية حتّى تَكاثَرَ عددُ البعثِيّين من أقرِباء صدّام وكذلكَ من جاء من أبناءِ العشائِرِ النّاصِبيّةِ من عَشائِرِ تَكريت، مِمّن جاؤوا يُشارِكون في هذا العُرس النّاصِبي.

  • لماذا لم يُدافع هؤلاء الشّباب عن أنفُسهم؟؟

  • ليسَ بالضّرورةِ أن يُدافعوا عن أنفُسِهم بِمُهاجمةِ المُسَلّحين وإن كانوا قادِرين على ذلك، فعددُ المُسَلَّحينَ كان قَليلاً، كانَ بإمكانِهم أن يَهجِموا بِشكلِ مَجموعاتٍ كبيرةٍ على المُسَلَّحين، يُمكنْ أن يَقتُلَ بعضاً منهم، ولكنّهم إذا ما هَجموا بكثرتهم على هؤلاء المُسَلَّحين فإنّ المُسَلِّحين سَيكونون أسرى بأيديهم، لماذا لم يَفُرّوا راجِعين إلى القاعِدة الّتي جاؤوا منها؟؟
  • لماذا لم يَنتَشِروا في الصّحراء الواسِعة؟؟ فلم يَكن بإمكان هؤلاء البعثِيّينَ المجرمين وهؤلاء النّواصب من أبناءِ عشائِرِ تَكريت أن يَقتلوهم جَميعاً، قطعاً هناك من حاول الفرار منهم، البعضُ نجَحَ في فراره والأكثرُ منهم ما نَجَحوا لأنّهم حتّى حينما لَجأوا إلى البُيوت فإنّ أصحابَ البُيوت قَتَلوهم، عمَليّةُ قتلٍ في جميع الإتّجاهات، البعثِيّون قَتَلوا، العشائر النّاصِبيّةُ قَتَلت، العَوائِلُ، النِّساءُ، حتّى الأطفال قَتَلوا.. ثمَّ جاءت داعشُ القطبيّة، إنّها ثَمَرةٌ من ثِمارِ فِكرِ ذلكَ اللّعين النّجِس ذلك الكائن القَذِر الّذي إسمه “سيّد قطب” والّذي تَعشَقُهُ أحزابُنا الشّيعيّةُ القُطبيّةُ الّتي تُهيمِنُ على واقِعِنا..
  • هذا السّؤال يَطرحُ نفسه بنفسه، وأيُّ شَخصٍ يُراقِبُ هذه الفيديوات سيرى أمرين:
  • الأمر الأوّل: أنّ عدد الأسرى كان كثيراً وكثيراً جِدّاً، وأنَّ عددَ الآسِرين كان قَليلاً وقليلاً جِدّاً بالقِياسِ لعددِ الأسرى.
  • الأمر الثّاني: المَهانةُ الشّديدةُ الّتي مُورِسَتْ عليهم وكذلك حالُ الإنكِسار والإنهِزاميّةِ الواضِحةِ جِدّاً على أولئكَ الشّباب.
  • أنا لا أريدُ أن أُنكِرَ من أنّ البعضَ حاوَلَ الفِرار، حاول أن يُدافِع عن نفسه بالفِرار، البعضُ نَجَح وكانوا قَليلين جِدّاً بالقياس إلى الذين فَشَلوا في مُحاولةِ الفِرار، وهم أقلُّ بالقياس إلى الّذين قُتِلوا وأزهِقتْ أرواحُهم.
  • السّؤال: لماذا؟؟ وكَأنّ هؤلاءِ الشّباب أعانوا على أنفُسِهم بلِحاظٍ منَ اللِّحاظات.. لا نَدري لو كُنّا مَكانهم ماذا سَنَفعل، أنا أتحدَّثُ عن فيديوات، وأتحَدَّثُ عن سؤالٍ طَرَحَهُ كثيرون وهذا السّؤال يَتَبادَرُ إلى الذِّهن إذا ما شاهَدنا هذهِ الفيديوات، خُصوصاً لأمثالي الّذين يُتابِعونَ ما يُنشَرُ في الإعلام وما نُشِرَ عن هذا الموضوع من خلال المُتابَعةِ، أتحدّثُ عنِ المتابعة للفيديوات، لا أتحدّثُ عن الّذي كان يجري على أرضِ الواقع، الّذي يجري على أرضِ الواقع شيء والّذي تَنقُلُهُ الفيديوات شيءٌ آخَر لكنّه طريقُنا إلى معرِفة الواقع، فأنا لا أريدُ أن أجعَلَ ممّا تَنقُلُهُ الفيديوات واقِعاً بكلِّ أبعادِهِ، أبداً.. الفيديوات تَنقُلُ لنا جانِباً من الواقع، والحديث يَدورُ بهذا المُستوى، في هذه الإتِّجاهات، ليس أكثَرَ من ذلك..
  • ما يظهرُ من الفيديوات وما يظهَرُ من المُتابعةِ في كلِّ المُعطياتِ الّتي تَرتَبِطُ بمجزرة سپايكر؛ كانت هناك فُرص قد تكونُ قليلةً، قد تَكونُ ضَيِّقةً، قد تَكونُ سانِحةً ومارّةً بنحوٍ سَريعٍ جِدّاً، لكنّ الشّباب ما اقتَنَصوا تِلك الفُرص، لماذا لم يُدافِعوا عن أنفُسِهم؟ لماذا كلُّ هذا الهوان؟؟ وكلّ هذا الإنكسار؟؟ وكلّ هذه الإنهِزاميّة؟؟
  • ● هناكَ من أجاب فقالوا مِنْ أنّ الشّباب لم يعتَرِضوا لم يُواجِهوا أولئك المُجرمين في بداية الأمر -حين أتحدّثُ عن بداية الأمر إنّني أتحدّثُ عمّا قبل السّاعة الثّانية بعد الظُّهر من يوم الأربعاء، بحسب التّاريخ الهجري (13 شعبان 1435) وبحسب التّاريخ الميلادي (11/06/2014) – ما قبل السّاعة الثّانية بعد الظّهر، لأنّ الشّبابَ بدأوا يخرجونَ من القاعِدةِ منذُ السّاعات الأولى من صبيحة يوم الأربعاء، إلى أن وَقَعوا في الأسر وجَمَّعوهم وأجلَسوهم على جانِبِ الطّريق وقَسَّموهم إلى مجموعات..
  • كانت هُناك فرصة، كان هناكَ مجال لكِنّهم ما فَعلوا شيئاً، فهناك من يُجيب -وقطعاً هذا الجواب هو تَوَقُّع فإنّ المُجيبَ لم يَكُنْ بينهم- من خلالِ قِراءته للتّفاصيل فيقول: إنّهم خُدِعوا..
  • خَدَعوهم بمَعسولِ الكلام، خُدِعوا بإعطاء الأمان، أمّنوهم، وأنّهم سَيُوصِلونهم إلى مُحافظاتِهم في الوَسَطِ والجنوب، كانوا طامِعينَ في الأعرافِ العَشائِريّة، بسبب هذه الأمور خُدِعوا وسَلّموا أمرَهم لهؤلاء واثِقينَ بأمانِهم، مُتأثِّرين بمَعسولِ كلامِهم وبعد ذلك هم يَحتَمونَ بالأعراف العشائِريّةِ الّتي لا قيمةَ لها عِند هذهِ العشائرِ النّاصِبيّة.. بالنّسبة لي لا أعتَقِدُ صِحّةَ هذا الكلام.. رُبّما في بدايةِ الأمرِ في اللّحظات الأولى قد يكونُ هذا وارِداً، رُبّما وإن كنتُ أعتَرِضُ على هذا الكلام، لأنّ الشّباب أُعطوا صُورةً -حينما كانوا في قاعدة سپايكر-لم يَجِدوا لها لا أثَراً ولا عين، أعطوا صورةً عن حِمايةٍ عسكريّةٍ لهم، وأنّ الطّريق مفتوحٌ أمامهم، وأنّ وَسائِلَ النّقل سَتَكونُ مُتَوَفِّرةً، من أنّهم سَيستَقِلّون حافلاتِ سفَرٍ تأخُذُهم إلى بغداد، ومن بغداد بعد ذلك تأخُذُهم إلى مُحافظاتِهم، أعطوا صورةً لم يَجِدوا منها شيئاً أبداً، فلا أعتَقدُ أنّ الشّباب قد خُدِعوا إلى هذا الحدّ، رُبّما في بدايةِ الأمر لكِنّهم لو قارنوا بينَ ما قيل لهم وشاعَ في أوساطهم من دِعاياتٍ ومن كَلامٍ حينما كانوا في قاعِدة سپايكر، فإذا ما قارنوه مع ما واجَهوه وصادَفوه حتّى في بداية الطّريق أعتقدُ أنّ الصّورة سَتَنكَشِفُ لهم..
  • أنا لا أريد أن أكون ناطِقاً عن الضّحايا وإنّما أنقُلُ أقوالَ الّذين وَضَعوا أجوِبةً لهذا السّؤال، وهذه الأجوِبة ذُكِرتْ في وَسائِلِ الإعلام وذُكِرتْ على الشّبكةِ العنكبوتيّة وتحدّثَ بها المُتَحَدِّثون منَ السّياسِيّين، مِنَ الأمنِيّين، من ذَوي الضّحايا، مِنَ الإعلامِيّين، من كلّ من كان مُهتمّاً بهذا الموضوع..
  • ● هناكَ من أجابَ إجابةً ثانية فقال من أنّ الشّباب ما تَوَقّعوا أنّ مَصيرهم يَكونُ بهذا النّحو، رُبّما يَتَعرّضونَ لضربٍ لإهانةٍ وبعد ذلك يُطلقُ سَراحهم، رُبّما يُعتقلونَ لِمدّةٍ زمانيّةٍ قليلةٍ وبعد ذلك تتَدَخّلُ الحكومةُ، الجيشُ، عشائِرهم.. فما تَوَقّعوا أنّهم سَيُقادون إلى هذا المَصير الدّمَوي المُفجِع..
  • ● وقولٌ ثالثٌ، ولا أدري على أيّ أساسٍ بُنِيَ هذا القول، رُبّما على أساسِ المُكالماتِ الّتي جَرَتْ مع الضّحايا – عِبرَ أجهِزةِ الموبايل- قبل قَتلِهم وجَزرهم، هم أخَذوا منهم أجهزة الموبايل لكنّ البعض منهم بَقيَ مُحتَفظاً بجهازِهِ التّلفوني..
  • الجوابُ الثّالث: من أنّهم كانوا يَعتقِدون أنّ الجيش العراقي سيُبادِر إلى إنقاذِهم بإعتِبارِ أنّ القادةَ العسكريّينَ موجودون في قاعِدة سپايكر وعندهم من القُوّةِ العسكريّة الكافية عدداً وعُدّةً، مُجَمّع القصور الرِّئاسيّة ما هو ببعيدٍ جِداً عن قاعِدة سپايكر والقضيّةُ استَمَرّتْ لعدّةِ أيّام، عمليّة الذّبح الأولى كانت في نهايات يوم الأربعاء واستَمَرّتْ طيلة ليلةِ الخَميس إلى صَبيحة الخميس حينما أقبَلتْ طَلائِعُ داعِش وتَصَدّتْ للأمر واستَمَرّت عمليّة الذّبح من صبيحة الخَميس، الجمعة ،السّبت… إلى ليلةِ الأحد
  • ألم يَكن بإمكان القوّة العسكريّة الموجودة في سپايكر أن تَتَدَخّل؟؟
  • ألم يَكن بإمكانِ القائِد العام للقوّات المُسلّحة في بغداد أن يَتَدَخّل؟؟ ألم ..ألم؟؟؟
  • فيقولونَ من أنّ الشّباب كانوا يأمَلون أنّ القوّة العسكريّة في قوّة سپايكر ستُدرِكهم، خُصوصاً وأنّ القوّة الّتي جاءت من داعِش صبيحة الخميس وباشَرَت الذّبح كان عَدَدهم قليلاً جِدّاً بعد ذلك بدأوا يَتَوافَدون، فلو كانت القوّة العسكريّة وكذلك مُحافِظُ صلاح الدّين الّذي كان موجوداً بحسب تَصريحِهِ مع “علي الفريجي” في قاعدة سپايكر، لو كانوا مُهتَمّينَ بهذا الأمر ومُتابعينَ للّذي جرى والأخبارُ تَصِلُ إليهم لبادَروا.. لا أريدُ أن أحاكِمَ أحداً هنا، أنا أجيبُ على هذا السّؤال وهذه ما هي أجوِبتي إنّها أجوِبةُ السِّياسِيّين، أجوبةُ الأمنِيّين، أجوِبةُ العسكريّين، أجوبةُ الّذين جُعِلوا مُحَقِّقين في هذه القضيّة، أجوبةُ الّذين كانوا مُهتمّين بهذا الموضوع فإنّ الشّبابَ لم يُدافِعوا عن أنفُسِهم، خُدِعوا بالأمان وبالأعراف العَشائِريّة، هذا جوابٌ..
  • لم يَتَوَقّعوا أن يكونَ مصيرُهم هذا، هذا جوابٌ آخَر.. كانوا على أملٍ أنّ الجيش العراقيّ سيُنقِذُهم.. هذه الأجوِبةُ هي الّتي طُرِحتْ بحَسَبِ تَتَبُّعي، وهناكَ من طَرَحَ السّؤالَ وتَرَكهُ دونَ جواب، وأنا أعتقدُ أنّ الّذي فعلَ هذا كانَ أكثرَ حِكمةً، وأكثَرَ منطِقيّةً، لأنّ الأجوِبة الّتي ذُكِرتْ ما هي بأجوبةٍ حقيقيّةٍ بحسب زعمي.. من خلال تَتَبُّعي للوقائِعِ وللتّفاصيلِ ولقراءتي لعُيونهم، لأجسادِهم، لألفاظِهم، لكلّ ما صَدَرَ عن هؤلاءِ الشّباب..
  • ● الإنسانُ بطبيعتهِ وفي بُعدٍ غَرائِزيٍّ يُدافِعُ عن نَفسِهِ إذا ما خاف الموتَ، القتل، أو إذا ما خافَ إلحاقَ الأضرارِ به وإن لم تَكُن بدرجةٍ عالية، ويَندَفِعُ الإنسانُ أيضاً بشكلٍ تلقائيٍّ للدِّفاعِ عن الأمورِ المُهِمّة بالنّسبةِ له، عن الأشخاص الّذين ً ويرتَبطُ بهم، وعن الأموالِ الّتي يَمتلكها وتعودُ إليه، وعن، وعن.. هذه قضيّةٌ واضِحةٌ للجميع، الإنسانُ بطبيعتهِ مجبولٌ على أن يَدفَع الضَّرَرَ عن نَفسه، وَصَلَ هذا الضَّرَرُ إلى الحَدِّ الّذي يَقضي على حياتِهِ أو أنّه يُسَبِّبُ له ما يُؤلِمُهُ بخُصوصِ شخصِهِ أو بخصوصِ آخرين يهتمُّ لأمرهم أو بخُصوصِ أمورٍ تتعَلّقُ به، وهذه الأمورُ قد تكونُ مادّيّةً في بعض الأحيان وقد تكونُ معنويّةً في أحيانٍ أخرى..
  • الخلاصة: الإنسان يُدافعُ عن نفسهِ وعن أيِّ أمرٍ يراهُ مُهِمّاً بالنّسبة له، أكان ذلك في الجانب المادّي أم كانَ ذلك في الجانب المعنوي، أكان بخُصوص الأشخاص أم بخصوص الأشياء المُختَلفةِ الأخرى، ولهذا يأتي هذا السّؤال..
  • هؤلاء الشّباب.. في مرحلةٍ مُعيّنةٍ كانوا يَستَطيعونَ أن يُدافِعوا عن أنفُسِهم حتّى لو قُتِل قسمٌ منهم لكنّ هذا ما حَدَث، هُناكَ حقيقةٌ أخرى: من أنّ الإنسان في بعضِ الأحيان قد يكونُ مُعَرّضاً للضَّرَرِ لكنّه لا يُدافعُ عن نفسه، وهناك حالاتٌ كثيرةٌ عند بني الإنسان لا يُدافعونَ فيها عن أنفُسهم ويَتَعرّضونَ للضَّرر بكلِّ مُستَوياته، إنْ كانَ الضَّررُ الّذي يودي بحياتِهم أو كان الضَّررُ الّذي يُلحِقُ بهم أذىً أو خَسارةً ماديّةً أو معنويّة.
  • سأذكُرُ أهمَّ الحالاتِ الّتي يَتَعرَّضُ فيها الإنسانُ إلى ضَرَرٍ ولا يَندَفِعُ لِدَفعِهِ ،ولا يُدافع عن نفسه، أذكُرُ ذلك على سبيل المثالِ لتقريب الفكرة ، لستُ في مقامِ الإستقصاءِ والتّتبع، فهذه قضيّةٌ تتشعّبُ باختلافِ الأوضاع النّفسيّةِ للنّاس.. النّاسُ كثيرون والحالاتُ النّفسيّةُ كثيرةٌ جِدّاً، لكنّني هنا أتَحَدّثُ عن أمثِلةٍ وعن نماذِج:
  • ● هناك من النّاسِ من يَستَسلِم، لا يُدافِع عن نفسه -لماذا؟- لأنّهُ هو راغبٌ بالموت، لأنّهُ هو باحِثٌ عن الموت، وتَمُرُّ ظُروفٌ على الإنسانِ يَكون فيها باحثاً عن الموت، راغباً فيه ، وأعتقِد أنّ كثيراً من الأمثِلة في التّاريخ مَرَّت في حياة البشريّة من هذا القبيل، ورُبّما نحن أيضاً في حياتِنا شاهدنا وشاهدنا..
  • فهناكَ البعضُ من بني الإنسان لا يَدفَعون الضَّرَرَ عن أنفُسِهم لأنّهم باحِثون عن الموت، راغبون فيه.. وهو شيءٌ مُخالفٌ للطّبيعةِ البشريّة فالإنسانُ مَجبولٌ بنحوٍ فِطريٍّ، بنحوٍ غَريزيٍّ، على دَفعِ الضَّرَرِ عن نفسه، إن كان يدفع عن نفسه ضَرَرَ الموت والقتل أو أنْ يَدفعَ أذىً يلحَقُ به أو يَلحَقُ بمن يَهتَمُّ لأمرِهِم أو يلحق بشؤونٍ وبأشياء تَرتَبط به، هذا هو الطّبيعيُّ في الإنسان ولكن هناكَ حالاتٌ لا يَدفعُ الإنسانُ فيها الضَّرَرَ عن نفسه، وأشرتُ إلى حالةٍ منها: حينما يكون الإنسانُ باحِثاً عن الموت.. وهذا الأمر له عَديدٌ من الأسباب: كأن يكون الإنسان مُصاباً بمرضٍ آلامُهُ لا تُطاق، فإنّهُ في مثلِ هذه الحالةِ قد لا يُدافعُ عن نفسِهِ، لأنّه يَجِدُ في الموتِ راحةً من آلامِهِ ومن عذاباته..
  • ومثالٌ آخر: في بعضِ الأحيان قد لا يَكون الإنسان مُدرِكاً لحجم الخَطَرِ والضّررِ الّذي يلحق به، يَظُنُّ أنّ الضَّرَرَ سيكونُ بسيطاً لِذا فهو لا يهتمُّ بالدِّفاعِ عن نفسِه، يكونُ مُتَصَوِّراً أنّ الضَّرر سيكون محدوداً جِدّاً بحيث لا يَستَحِقُّ أن يَبذُل الإنسانُ كلّ جهده في دفع ذلك الضَّرر.
  • ومثالٌ آخر: رُبَّما يَتَحَمّلُ الإنسان الضَّرر -قَطعاً دون الموتِ ودون القتل- وربّما قد يصل في بعض الأحيان إلى هذا الحدّ، قَد يَتَحرَّكُ الإنسان في هذه الحياة وتُواجِههُ الأضرار ولا يَدفعُ الضَّرَرَ عن نفسه، لِحِلمه، لسماحته، لسعة صَدرِهِ، لِشِدّةِ تَحَمُّله الأذى الّذي يأتي من الآخرين، قضيّةٌ تُسَجَّلُ في مكارمِ الأخلاق، فقد يتحمّلُ الأذى وهو قادِرٌ على دفعهِ لأجلِ هذهِ الغاية.
  • ومثالٌ آخر: رُبّما يُضحّي الإنسان حتّى بحياتِهِ ويتحمّلُ الأضرارَ الكبيرة لأمرٍ مُهِمٍّ، لأجلِ عقيدةٍ، لأجلِ مبدأ عزيزٍ عليه، لإيثارٍ فهو يُضَحّي في سبيل من يُحِب، لغايةٍ، لهدفٍ يراه سامِياً وشريفاً في نظَره فيُعرّضُ نفسه للأضرارِ وللمخاطر، وقد يقودهُ ذلك إلى الهلاك..
  • ● هناك أمثلةٌ كثيرةٌ وحالاتٌ أكثر يكونُ فيها الإنسانُ مُتعرّضاً للضَّررِ وللخَطَرِ لكنّه لا يَدفعُ عن نفسه، قطعاً -من وُجهة نظري- كلّ هذه الأمثلة الّتي أشرتُ إليها لا تَنطَبِقُ على ضحايا مجزرة سپايكر.
  • إذاً لماذا لم يُدافعوا عن أنفُسهم؟؟
  • إنّه الخَوف، الخوفُ الواضِحُ على لغةِ عيونهم، على لغة أجسادِهم، على لغةِ ألسِنتهم، على حالة إستِسلامِهم وهم يُذبَحون ويُقتلون ويُعدَمون..
  • إنّه الخوف، قد يخافُ الإنسان، جميعنا نخاف، الإنسان الّذي لا يخاف ليس طبيعيّاً،
  • معلومة مفيدة: في المؤسّسات العسكريّة المُهمّة في دُول العالمِ المختلفة، لو أنّ عسكريّاً إنتُخِبَ لمُهِمّةٍ خاصّةٍ جِدّاً فإنّه سيُمتحَن، لا بُدَّ أن يَتَعَرَّضَ لمجموعةِ إختباراتٍ فإذا ما كانتِ النّتيجةُ في الإختبارات من أنّه لا يَملِكُ خوفاً طبيعيّاً، لا يخاف على بقيّةِ النّاس سيُبعِدونه عن هذه المُهمّة، لأنّه سيُعَرِّضُ نفسه أوّلاً للخطر من دونِ أن يُدركَ ذلك وسيُعرّضُ رفاقه أيضاً وسيُعرِّضُ المُهمّة للخَطَر، وحينئذٍ ستكون النّتيجة: الفشل- الخوف ضرورةٌ كماليّةٌ للإنسان، إذا كان مُنضَبِطاً بضوابِط المنطق السّليم، -هذه الحكمةُ حكمةٌ قديمةٌ في تاريخ البشريّة تُردّدها الأممُ جَميعاً وورَدتْ على ألسِنةِ الأنبياء وكذلك على لسان نبيّنا وأئِمّتنا: “العقل السّليم في الجسم السّليم”- إذا كان هناك من إنضباطٍ ومن سلامةٍ في البُنيَة الإنسانيّة وكان الخوفُ سَبَباً للأمان، لأنّ الإنسانَ يتحرّكُ من خلاله للحفاظ على نفسه من المخاطِر، الخوفُ مُستَشعِرٌ من المُستَشعِراتِ الّتي نَستَشعِرُ بها ما يُسَبِّبُ لنا الأضرار، الخوف ما هو بشيءٍ سَلبيّ إنّه شيءٌ إيجابيٌّ إلى أبعدِ الحُدود، الإنسانُ الّذي لا يكونُ خوفهُ طبيعيّاً فما هو بإنسانٍ طبيعي لأنّ الخوف يُشَكِّلُ جانباً مُهمّاً جِدّاً في المنظومةِ الأمنيّة الدّاخِليّة للإنسان..
  • ● الخوفُ هو الّذي مَنَعَ هؤلاء الشّباب أن يُدافِعوا عن أنفُسِهم، قد يَخافُ الإنسان في بعضِ الأحيان من نفسِ عمليّةِ الدِّفاعِ عن النّفس، وفي أحيانٍ أخرى يَخافُ من عاقِبة عَمليّةِ الدّفاع عن النّفس، فمرّةً يكونُ الخوفُ من نفسِ عمليّةِ الدّفاع، ومرّةً يكون الخوف من رُدود الأفعالِ أو من الآثارِ أو من النّتائِج المُترتّبة على عمليّة الدّفاع عن النّفس، وهذا الكلامُ قد يكونُ منطِقيّاً وقد يكونُ سليماً وقد يكون حكيماً في ظروفٍ مُعيّنة، وقد لا يكونُ كذلك في ظُروفٍ أخرى.
  • الخوفُ منظومةٌ دقيقةٌ جِدّاً في بُنيةِ الكِيان الإنساني، منها ما يُشَكِّلُ مجموعةَ معلوماتٍ وصُوَرٍ في ذِهنِ الإنسان -في ذاكرته- والّتي تَرتَبطُ إرتباطاً مُباشِراً بمركز الدِّفاعِ في الدِّماغ البشري -مخّ الإنسان- هناك مَركزٌ للدِّفاع، الصُّوَر الّتي تُختَزَنُ في ذاكرة الإنسان والّتي ترتبطُ بحياته الشّخصيّة أو بثقافته أو بتجارب الآخرين، أو بمشاهداته أو.. أو..
  • هذه الصّوَرُ كيف يتُمُّ تَرتيبها؟ وكيف يتمّ التّعامل الفكريُّ والنّفسيُّ معها في مُحتوى الإنسان الدّاخِلي ومدى علاقةِ ذلك بمركزِ الدِّفاع عن النّفسِ في منظومة الدّماغ البشري مع الطّبيعةِ الكيميائيّةِ لذلك الإنسان، ما هو العقل السّليم في الجسم السّليم، فحينما يَكون العقلُ سليماً، الصّوَرُ المُدرَكَةُ قد تَرَتّبتْ بشكلٍ علميٍّ يَتناسَبُ مع وجودها في الواقع لا أن تكون مُضخّمةً، مُهَوَّلةً، ولا أن توضَعَ في الحاشِيةِ وهي بطبيعتها أن تكون في المَتْن.
  • العقل السّليم، الجسم السّليم، حين يكون الحديثُ عن جِسمٍ سليم فذلك حديثٌ عن كيمياء ذلك الجسم والتي ترتبطُ إرتباطاً وثيقاً بالجهاز العَصبي وبمنظومة الإدراك والإحساس وبذلك الجهاز المُعقّد إنّه: مُخُّ الإنسان، أنا لستُ مُتخصِّصاً بتشريح جسمِ الإنسان، ولستُ متخصّصاً في هذا المجال من الطبّ البشري لكنّها إشاراتٌ سريعةٌ كي تكتملَ الصّورة في حديثي عن الخوف، الخوفُ ترتبط به آثارٌ كيميائِيّةٌ وآثارٌ نفسيّة- في هذه المنظومة المتكاملة ما بين ما هو مُدركٌ في الذِّهن البشري، وما بين ما هو من نِظامٍ في مركزِ الدّفاع في الدّماغ، وما بين كيميائيّة جسم الإنسان -وكلّ ذلك يرتبط بالوقائع الّتي يعيشُ في ظروفها وفي أجوائِها بنو البشر.
  • ● أشرتُ إلى الجانب الكيميائي: هناك من العقاقير ما يُمكن أن تَدخلَ إلى جسم الإنسان وتتركَ أثراً بالِغاً على حالةِ الخوف والذُّعرِ عنده، في عالم المُخابرات هناك من العقاقير والأدوية الّتي يحقنونَ بها جسم الإنسان لِتدميرِ منظومةِ الدِّفاع عنده، وحينئذٍ سيُسيطر عليه الخوفُ حتّى من نفسه، لو أنّ نسيماً عليلاً مرَّ على وجههِ سيخافُ منه لأنّهم يريدون أن يستلّوا منه كلّ المعلومات حتّى يكون مُذعِناً مطيعاً لأمرهم، فعن طريق العقاقير الكيميائِيّة إنّهم يضربون مركز الدّفاع عند ذلك الإنسان، وهناك من الأدويةِ الّتي قد تَمنحُ الإنسانَ الجُرأة لفترةٍ زمانيّة مُعيّنة، فهناك من الزّعماءِ من لا يملكونَ الجرأة الأدبيّةَ في الحديث أو في مواجهةِ بعض الشّخصيّات قد يُعْطَوْنَ مثل هذه العقاقير كي ينالوا مِقداراً من الجرأة الأدبيّة إمّا في إلقاءِ خِطابٍ أو في إدارةِ مُؤتمرٍ في الجوّ الإعلامي أو في الحديثِ مع أشخاصٍ يَتَهيَّبُ من الحديثِ معهم..
  • ما أردتُ أن أشيرَ إليه من أنّ الجانبَ الكيميائي في تكوينِ الإنسان له عُلقةٌ بمنظومةِ الخوف، بجهاز الخوف الّذي هو من وسائلِ الدّفاعِ عن النّفس، حينما يخافُ الإنسان حتّى التَّعَرُّق كيميائِيّتهُ تختلفُ عن التَّعَرُّق في الحالات العاديّة حينما لا يكون خائفاً، وإفرازاتُ الجسم ستكونُ مُختلفة، ورائِحةٌ تنبَعِثُ من الإنسان قد يَشُمّها الإنسان ولكنّ الحيوانات والحشرات تكون أكثر شَمّاً لها، على سبيل المثال: لو أنّ الإنسان في مكانٍ وفيه مجموعةٌ من الزّنابير أو الحشرات اللّادغة الطّائِرة، إذا كان الإنسان ليس خائِفاً فإنّ هذه الحشرات لن تُهاجمهُ لكنّه إذا كان خائِفاً منها فإنّها ستُهاجمه لأنّها تَشُمُّ الرّائِحة، وحينما تشُمُّها فإنّ تلك الرّائِحة نذيرُ شُؤمٍ لهذه الزّنابير لأنّهم سيعتبرون هذا الكائن سيُهاجمهم لأنّه خائِفٌ منهم..
  • الآثار النّفسيّة هي الأكثرُ تأثيراً في بني الإنسان، على سبيل المثال: ظاهرة “الإستِعباد”، كما يقول سيّد الأوصِياء صلواتُ الله وسلامه عليه: { متى استَعبدتمُ النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا}.

  • ظاهرة “الإستِعباد” -سآخذ لقطةً من هذه الظّاهرة- حينما كان يَذهَبُ صَيّادو البشر كيْ يَصطادوا من يَصطادون من الأفارِقة، يَنصُبون الكَمائن كما تُنصب الأفخاخ والكمائن لصيد الحيوانات ويصيدون الأفارِقةَ ويعودون بهم إلى سُفُنهم تتحرّكُ السُّفن -من البلاد العربيّة ومن غيرها من كلّ مكان في الأزمنةِ القديمة- يُوقِفونها في وَسط البحر قريباً من السّواحِل وينزلون بقوارب صغيرة إلى بعض المناطق الّتي يعرفون جُغرافِيّتَها في إفريقيا وينصبون الأفخاخ ويصطادون الأفارقة السّود ويأتون بهم مُربّطين بالحِبالِ وقد وقعوا في الشِّباك والكَمائن والمصائِد والأفخاخ، يصطادونهم كما يصطادون الحيوانات، فحينما يجلبونهم إلى السّفينة هناك مكانٌ مُخصّصٌ في السّفينة لهؤلاء البشرِ الّذين يصطادونهم، يُوثِقونهم وثاقاً شديداً وبعد ذلك تبدأ عمليّاتُ الضّرب، ضربٌ مُمَنهج، عمليّات ضرب وإهانة وإذلال حتّى يُروَّض ذلك الإنسان الأفريقي لفترةٍ زمانيّة مُعيّنة فلا يَجِدُ حيلةً إلّا أن يُسَلِّمَ للّذين اصطادوه وشيئاً فشيئاً عبر الأذى والمهانةِ فإنّه سيكون طَيِّعاً خائِفاً من الّذي يمتلكه، من الّذي يشتريه، هذهِ ظاهرةُ الإستعباد على طول التّأريخ، العبيدُ الّذين يصطادونهم كانوا يصطادونهم ويفعلون معهم هذه الأفاعيل، هذا الضّغط وهذا الضّرب وهذا التّنكيل وهذه المهانة ستُحَطِّمُ عند ذلك العبد جِهاز الدّفاع، سيكون جهاز الدّفاع عن نفسه مشلولاً -ليس بالكامل- ولكن ستتحَطّمُ إرادته، وحين تتحطّم إرادته فإنّه سيفقد حُريّته الدّاخليّة، الحريّة الخارجيّة هو قد فقدها حينما وقع في الكمائن والأفخاخ، لكنّ الحريّة الدّاخليّة وهي الإرادة، تتحطّم الإرادة بسببِ عواملِ الضّغط والضّربِ والتّنكيلِ والمهانةِ المُستَمرّةِ والمُبَرمجة، فهؤلاء النخّاسونَ بحكم تجاربهم يمتلكونَ الخبرة في ترويض هؤلاء الأفارقة، مثلما هناك مُروّضون يمتلكون الخبرة لترويض الحيوانات، هؤلاء النخّاسون يُروّضون العبيد من الأفارقة أو من غيرهم..

  • ما يذكُره المُتنبّي في قصيدته الدّالية المشهورة:
  •  

    عيدٌ بأيّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ     أبما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ؟

  • يقول فيها وهو يتحدّث لـ “كافور الإخشيدي” الّذي كان عبداً:
  •  

    لا تشتري العبد إلّا والعصا معه     إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ

  • هذه هي الثّقافة الّتي كانت موجودةً.. هكذا عمليّة الإستعباد..
  •  
    مَن علَّـم الأسـوَدَ المَخْصِـيَّ مكرُمـةً أَقَـومُــهُ الـبِـيـضُ أَمْ آبــــاؤهُ الـصِّـيــدُ
    أم أُذْنُــه فــي يــدِ النّـخَّـاسِ دامِـيــةً أَم قَــدْرهُ وَهــوَ بِالفِلـسَـيْـنِ مَـــردُودُ
     
     
  • لماذا أذنه داميةً؟ لأنّهم يَشُدّونها، يَجُرّونها، يضربونهُ عليها، على رأسه، على وجهه..
  • هكذا كانوا يتعاملونَ مع العبيد فلذلك تُدَمَّرُ إرادةُ هذا الإنسان وترتبكُ منظومةُ الدّفاع عندهُ فسيبقى يُدافع عن جِسمه، عن كيانه المادّي لا عن كيانه المعنوي، مثلما تُدافع الحيوانات عن كيانِها الجسماني، لأنّ الإرادةَ تتحطّمُ في بُنيَةِ النّظام الدّفاعي لذلك الإنسان، بسبب الخوف، عاملُ الخوف -الخوف من التّعذيب، من الضّرب، من المهانة الشّديدة، من التّنكيل- يتحوّل ذلك الإنسان الحُرّ الطّبيعي إلى كائنٍ مُستَعبدٍ بطريقةٍ أخرى، ولذا حين يتحدّثونَ عن العبيد يتحدّثون وكأنّهم يمتلكون طبيعةً تختلفُ عن طبيعةِ الإنسان الحُرّ، القضيّةُ ليست كذلك هذا الإنسانُ في أصله كانَ حُرّاً لكنّه تعرَّضَ لقمعٍ وتنكيلٍ ولأسبابٍ هيّجتِ الخوفَ عنده واستَحكم الخوف عليه وكان الّذي كان..
  • الإستعباد قد يكونُ بهذه الطّريقة وقد يكون بطريقة أخرى، بطريقة الإعلام والدّعاية: الحرب النّفسيّة، الحروب النّفسيّة ما هي مِصداقٌ من مصاديق ضربِ منظومة الدّفاع عند الإنسان من خلال إثارةِ الخوف بشكلٍ مهولٍ ليس منطِقيّاً، ليس محسوباً وفقاً لما يجري على أرض الواقع فهناك تهويلٌ، والأمر هو هو فيما يُسَمّى بغسيلِ الأدمغة، جزءٌ من غسيل الأدمغة هو العَبثُ بمنظومةِ الدّفاع عند الإنسان وإعادة تركيبِ وترتيبِ الصّور في مساحة التّفكير في ذهنِ التّفكير البشري، وعمليّة غسيلِ الأدمغة قد تكونُ عن قُربٍ مثلما يجري في سُجون الأسرى أو في سجون المخابرات -في مختلف الدّول- لمجموعاتٍ تحمل عقيدةً أو فكرةً سياسيّة معيّنة ويبدأ العمل من خلالِ الخوف والضّرب ومن خلال الإستعباد التّعليمي، هناك استعبادٌ تعليمي، إستعبادٌ إعلامي، وإستعبادٌ نفسي وجسدي مثلما كان يجري على العبيد.
  • منظومةُ الخوف عند الإنسان يطول الحديث عنها -مثالٌ من تأريخنا- هذا الأمر يُطرحُ دائِماً: لماذا تَفرّقَ النّاس عن “مسلم بن عقيل”؟؟
  • وتُطرح الأسئلة.. الجواب الحقيقي: “الإستعباد الإعلامي”.
  • الإعلام الأمويّ هو الّذي كان يستعبدُ النّاس، ما يصدرُ عن أصحابِ الأموال من كلامٍ بقيّة النّاس يُذعِنون له، ما يَصدُرُ عن شيوخ العشائر والقبائل، وما يصدرُ عن قصر السّلطان وإن كانوا رافِضين لذلك السّلطان، ما هي هذه القضيّة: قضيّةُ إنبهارِ المغلوبِ بالغالب، القضيّة الّتي تحكم المجتمع البشري على طول التّأريخ وإلى يومك هذا..
  • إنبهارُ الرّعيّةِ بالسّلطانِ الظّالمِ الجائر، إنبهارُ الدّولِ الضّعيفةِ بالدّولِ القويّة الكُبرى، عمليّة الإنبهار الإنساني على اختلافِ أشكالها وتنوّع مصاديقها: على مستوى الحضارة، على مستوى العَسكرةِ، على مُستوى وسائل الحياة والتّرفيه اليومي..
  • الّذين اجتمعوا حول “مسلم بن عقيل” صلوات الله عليه تفرّقوا بسبب هذا الإستعباد، هناك استعباد جسمانيّ نفسانيّ مثلما هو في سوق النّخاسة وهناك استعباد إعلاميٌّ دعائيّ، وهناك استعباد يظهر في عمليّة غسيل الأدمغة الّتي تكون عن قرب وقد تكون عن بعد، فغسيل الأدمغة ليس محصوراً بأناسٍ يُوضَعون في زِنزانةٍ مُعيّنة، قد يكون الإعلام، وقد تكون السّينما، ووسائل التّواصل الاجتماعي هي من الوسائلِ الفاعلة جدّاً في غسيل الأدمغة وعلى مُستويات دقيقة جدّاً..

  • إلى أينَ أريد أن أصل؟؟

  • إنّني أريد أن أصل إلى هذه النّقطة من أنّ الخوفَ والإستعبادَ وغسيل الأدمغةِ هذا يقود الإنسانَ إلى حالةٍ يُمكنني أن أصطلح عليها: “الإستخذاء النّفسي”.
  • ● “الإستخذاء النّفسي”: شعورٌ يُهيمنُ على الإنسان بالضّعفِ والمهانةِ الدّاخليّة، في بعض الأحيان قد يُهانُ الإنسان خارِجيّاً ولكنّه لا يَجدُ المهانة داخِليّاً إنّما يتألّم للمهانةِ الخارجيّة، فهو يحتفظُ بكرامته في خَلجات نفسه، في دواخله، في باطن مكنونه، لكنّه يتألّمُ يتوجّع لما يُواجههُ من مهانةٍ خارجيّة.
  • في حالة “الإستخذاء النّفسي” هناك مَهانةٌ داخليّة، وهناك شعورٌ يدفعُ الإنسانَ إلى الخُضوعِ التّام للجهة الّتي يكون مُستَخذِياً بين يديها.
  • أميرُ المؤمنين يُعطينا علاجاً لحالة “الإستخذاء النّفسي”: {إذا هِبتَ شيئاً فقَعْ فيه} لماذا؟ لأنّ {شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَكثَرُ وأكبر من شِدّة تلقّيه}.
  • ● من أمثلةِ “الإستخذاء النّفسي” في التّاريخ: القوم الّذين عاهدوا “زيد بن عليّ” إبن إمامنا السجّاد- الّذين عاهدوه على نُصرته في مواجهة بني أميّة، وكان قد اتّفق معهم على يومٍ مُعيّن، الإتّفاق على أن يجتمعوا في مسجدِ الكوفة وبعد أن يجتمعوا في مسجد الكوفة يخرجون بأجمعهم كي يلتحقوا بزيدٍ مع الّذين كانوا معه في المكان الّذي تَواعَدوا أن يجتمعوا فيه، زيدٌ مع الّذين كانوا معه ذهبوا على الموعد، البقيّة اجتمعوا في مسجد الكوفة -عدّة آلاف- الشّرطة الأمويّة غلقت أبوابَ المسجد عليهم، إنّه مسجد الكوفة، زيد بقي يَنتظِرهم، ما الخبر؟ قالوا إنّ القوم في المسجد وشرطة بني أميّة غَلَّقوا الأبواب، السّؤال هنا: الّذي يُريد أن يَثور لماذا لا يكسر الأبواب ويخرج وأنتم آلاف؟؟..
  • وقُتِل زيد وقُتِل الّذين معه، وهؤلاء بعد ذلك أيضاً تَعَرّضوا للقتل وللأذى وللحبسِ -الّذين اجتمعوا في مسجد الكوفة- وكان عُذرهم أنّ الأبواب مُغَلّقة، ما أنتم آلاف وكلّكم قد لبستم الدّروع وحملتم السّيوف والرّماح وجئتم للثّورة وللقِتال فاكسُروا الأبوابَ من المسجد!!.. مع أنّ الواقِفين على الأبواب من شرطة بني أميّة كانوا عدداً قليلاً، مصداقٌ واضِحُ لـ “الإستخذاء النّفسي”..
  • مثالٌ آخر، “المغول” كانت الدّولُ والبلدانُ والمدن تتساقط بين أيديهم بنحوٍ كثيرٍ بسبب حالة الإستخذاء الّتي كان المُسلمونَ يُعانونَ منها، هناك خوفٌ ورعبٌ إلى الحدّ الّذي يَذكرُ لنا المؤرخون من أنّ المغوليّ حينما كان يجمع النّاس في بغداد من الشّارع وبإمكانه أن يفرّوا من بين يديه -هو رجلٌ لوحده- ويَصُفّهم ويطلب منهم أن ينتظروا حتّى يذهب ويأتي بسيفه وليس من حارسٍ يبقى عليهم، بسبب الخوف والرّعب الّذي هو “الإستخذاء النّفسي”، فإنّ حالة “الإستخذاء النّفسي” إذا ما سيطرت على الإنسان تُدمِّرُ منظومة الدّفاع داخل الكيان البشري.
  • هذه القضيّة استعملها البعثيّون مع الشّعب العراقي، أذكرُ مثالا يعرفه الكثيرون من العراقيّين: “أبو طُبَر”.
  • “طُبَر” باللّهجة العراقيّة وإلّا بلغة العرب يقال: “طَبْر” وهي كلمة ما هي بعربيّة، كلمة فارسيّة.
  • “الطّبْر”: هو لونٌ من ألوان الفؤوس، فأسٌ كبيرٌ ثقيلٌ حادّ.
  • ● “أبو طُبَر” عصابةٌ أثارتِ الرّعب في العراق، هذا في السّبعينات، كانت تَقتُلُ النّاس في بُيوتهم ورُبّما حتّى على سُطوح البيوت إذ كان النّاس في ذلك الوقت ينامون في الصّيف على سطوح البيوت، وتُنقَلُ الأخبار بنحوٍ دِعائِيٍّ بنحوٍ مهول من أنّ “أبو طُبَر” لا يَقتل إلّا بهذه الآلة بآلة “الطُّبَر” بينما هم كانوا يستعملونَ المُسَدَّسات الكاتمة ويستعملون السّكاكين وربّما يستعملون “الطّبر” في بعض الأحيان.. ويجمعون الجُثثَ بشكلٍ مُخيف ويعتدون على النِّساء بعد قتلهنّ -إعتداءً جنسيّاً- بحيث أنّ الجيران إذا ما دخلوا إلى البيت الّذي جَرت فيه هذه الجريمة فإنّهم يَرَوْن ذلك..
  • نحن كنّا صِغاراً في ذلك الوقت، لازلتُ أتذكَّرُ أنّ النّاس في البصرة وفي النّاصريّة وفي العمارة كانوا لا يَنامون اللّيل من شِدّة الخوف بينما الجرائم كانت تجري في بغداد، وما جرت جريمةٌ خارِجَ بغداد، خوفٌ ورُعبٌ لا مَثيلَ له، أمّا في بغداد فإنّ الأمر كان عَجيباً، النّاس لا ينامون، النّساء تنام الرّجال يجلسون أمام بيوتِهم.. أنا كنتُ صغيراً ورأيت ذلك بأمّ عيني، كُنّا في زيارةٍ لأقربائنا في بغداد، وأتذَكّر كان الوقت صيفاً، فكان الرّجال يجلسون على الأبواب وهناك مناوبةٌ في الحِراسات، وما أن يُصبِح الصّباح إلّا وتَنتشِر أخبار “أبو طُبَر” بشكلٍ غريب..
  • القضيّةُ كانت مُمنهَجةً من قبل مجموعةِ صدّام، وبدأت الجريمةُ بمَقتل عائلةٍ مسيحيّة كانت تقطنُ قريباً من القصر الجمهوري، ثُمَّ قُتل بعض الضبّاط المُتقاعِدين من الشّرطة ومن الجيش، قُتِلتْ عائلات ثريّة وعائلات فقيرة، قتلت عائلات شيعيّة وعائلات سُنيّة ومسيحيّة، كان رُعباً مُمنَهجاً فصنع حالةً من “الإستخذاء النّفسي” كانت خطوةً أولى في برنامج صِناعةِ خوف الموت، “حسن البنا” و”سيّد قطب” بَرعوا في صناعة الموت، ألا لعنةُ الله عليهما.
  • صدّام والبعثيّون نجحوا في صناعة “الخوف من الموت” بنحوٍ تميّزوا به، ألا لعنةُ الله عليهم.
  • ولذا داعش هم الأخرون انتفعوا من تجاربِ خلفاء السّقيفة، من تجارب بني أميّة وبني العبّاس، من تجارب الحجّاج والخوارج، من تجارب القاعدة والحركات الإرهابيّة الّتي هي من ثمار جماعة الإخوان المسلمين الإرهابيّين القطبيّين، وكذلك من تجارب البعثيّين -فهناك الكثير من البعثيّين في صفوف داعش- لذا كان برنامجهم لا أقول الإرهابي: “الإرعابي” من الإرعاب..
  • هناك أفلامٌ كثيرةٌ لا نستطيع أن ننشُرها، قوانين النّشر والإعلام والبرامج التّلفزيونيّة هنا في المملكة المُتّحدة تمنعنا من ذلك.. ربّما رأيتم بعضاً منها حينما كانت مُتاحةً وموجودةً على اليوتيوب، حينما كانوا في سوريا وغير سوريا، يأتون بشابٍّ كي يذبحوه وَسَطَ النّاس، إنّه مَيِّتٌ قبل أن يَموت!! يذبحونه وهو لا يتحرّك!! -لماذا؟- لحالةِ الإرعاب، لحالة “الإستخذاء النّفسي”..
  • إنتفعَ الدّاعشيّون من هذه الطّريقة كثيراً فرسموا برامجهم ووضعوا خُطّتهم الإعلاميّة مبنيّةً على هذا الأساس: “الإرعاب” الّذي يُؤدّي إلى “الإستخذاء النّفسي” وهذه القضيّة كانت واضحةً عندنا في العراق لمّا دخلت داعش إلى الموصل، النّاس في البصرة خائفون!! أين الموصل وأين البصرة!!
  • هل هؤلاء الشّباب من ضحايا مجزرة سپايكر كانوا يُعانون من “الإستخذاء النّفسي”؟؟ رُبّما إلى حَدٍّ ما..
  • الّذي أعتقده كانوا يُعانون من “الإستخذاء العقائِدي” -بحسب ما أعتقد- وهو أشدّ من “الإستخذاء النّفسي”..
  • و “الإستخذاء العقائِدي” بشكلٍ طبيعيٍّ يَجُرُّ معه ويَتَوالدُ معه “الإستخذاء النّفسي”.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٧ – مثالٌ لإستنباط الأحكام الشرعيّة – وجوب الشهادة الثالثة في التشهّد ج٦

يازهراء …