قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١١ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج١

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 26 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 3 / 1 / 2019م

  • مثلما بيّنتُ لكم في الحلقةِ الأولى من أنَّ البرنامج إجاباتٌ على مجموعةٍ مُختارةٍ من أسئلتكم، لكنّني عنونتُ هذا البرنامج بعنوان: “قتلوكِ يا فاطمة” لأنَّ السُؤال الأهمّ هو السُؤال الذي تقدّمتْ الإجابةُ عليه من الحلقة الأولى إلى الحلقة العاشرة، وهو سُؤالٌ وردني من الأستاذ الدكتور: أحمد إبراهيم عبد المنعم المصري. بقيتْ بقيّةٌ في سُؤال الأستاذ أحمد سوف أُجيب عليها في الحلقاتِ القادمة حينما أُجيبُ على أسئلةٍ يتناسبُ موضوعها مع موضوع الجُزء الأخير مِن سُؤال الأستاذ أحمد.. والجزء الأخير من سُؤالهِ يتساءلُ فيه ويقول:

  • هل أنَّ هذا الطرح الذي تطرحونهُ فيما يرتبطُ بقتل الصدّيقة الكبرى، ألا ترونَ أنّهُ يكون مُناقضاً، معارضاً، مُنافراً أو مُضعّفاً للوحدةِ الإسلاميّة؟ وهذا ما سأُجيبُ عليه في حلقاتٍ قادمةٍ إن شاء الله تعالى في الموضع المناسب لمضمون هذا السؤال.
  • سأتناولُ مِن هذهِ الحلقة وإلى آخر حلقةٍ من حلقاتِ هذا البرنامج أتناولُ مجموعةً مِن أسئلتكم والتي تكرّرتْ.
  • ملاحظةٌ صغيرةٌ قبل أن أشرعَ في السُؤال الذي سأبدأ في الإجابة عليه مِن هذهِ الحلقة:
  • أقول لأبنائي وبناتي ممّن يُتابعون هذا البرنامج:
  • الأسئلةُ التي سأُجيبُ عليها ضروريّةٌ لكم، نصيحتي لأبنائي وبناتي أن يُتابعوا هذا البرنامج، فالحقائقُ العقائديّةُ والعلميّةُ والحقائقُ التي تمسُّ واقعنا الشيعي والتي ستُطرحُ في هذهِ الحلقة وفي الحلقاتِ القادمة – بحسب ظنّي – لا أعتقدُ أنّكم ستسمعونها مِن غيري، ولا أعتقدُ أنّكم ستذهبونَ وتبحثونَ في بُطون الأسفار والكُتُب، أو تَبحثونَ عن الحقائق أنّى وُجدت، فتلكَ مسألةٌ شاقّةٌ في غاية الصُعوبة.. إنّني أختصرُ لكم الطريق، وإنّني أضعُ الموسوعات والكُتُب بأعدادها الهائلة بين أيديكم بنحوٍ مُوجزٍ ومُختصر.. في كُلّ حلقةٍ أنتم تستمعون إلى كمٍّ هائلٍ مِن المعلومات لو بقيتم سنين طوال تبحثون عنها لن تصلوا إليها.. الأمرُ ليس سهلا، إنّني أضعُهُ بين أيديكم وأُرشدكم إلى المصادر بالأسماء والعناوين والطبعاتِ والصفحاتِ وإلى بقيّة التفاصيل الأخرى.
  • فأتمنّى عليكم أن تُتابعوا هذهِ الحلقات، فإنّكم ستجنونَ فائدةً كبيرةً جدّاً.. ربّما بعضُ الحلقاتِ وبعضُ الموضوعاتِ تكونُ مُمّلةً ثقيلة.. ولكنَّ الذي يُريدُ أن يصِلَ إلى الحقيقةِ وأن يعرفَ موطئ قدمهِ هل هو في جادّةِ الصواب أم في غيرها عليه أن يصبر، عليه أن يُصابر.
  • {يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} هذا هو منطقُ القُرآن ومنطقُ العترة الطاهرة.

  • السؤالُ الذي أُحاول الإجابة عليه في هذه الحلقة وما يأتي من حلقاتٍ أخرى: سُؤالٌ عن (البداء).. هذا العنوان الواضح في كلمات العترة الطاهرة.. إنّهُ عنوانٌ لعقيدةٍ مِن عقائد الشيعة كما يُؤلّفُ ويكتبُ ويُصنفُ عُلماء الشيعة.

  • السؤالُ حولَ البداء جاءني بصِيَغٍ مُختلفة، وأنا سأجيبُ بقدر ما أتمكّن – قطعاً بِحَسَب فهمي – وأذكّركم دائماً أنّني لا أدّعي أنّي أُمثّلُ محمّداً وآل مُحمّد، ولا أمثّلُ المؤسّسةَ الدينيّة الشيعيّة الرسميّة ولا أُمثّل الشيعة ولا أُمثّلُ أحداً.. لا أمثّل إلّا نفسي.
  • فما أطرحهُ مِن فَهْمٍ في هذا الموضوع أو في غيرهِ إنّه نتاج فهمي ونتاجُ ممارسةٍ وتجربةٍ علميّة عِبْر سنين طويلة.. فالسؤالُ حولَ البداء وردني بصِيَغٍ مُختلفة ومِن عددٍ ليس قليلاً مِن الإخوةِ الأفاضل ومن الأخواتِ الفاضلات. الذي دفعني أن أجيبَ على هذا السُؤال وبشيءٍ مِن التفصيل هو ليس الاحترام للذين أرسلوا أسئلتهم فحَسَب.. قَطْعاً جانبٌ مِن الدافعِ الذي دفعني للإجابة على هذه الأسئلة قطعاً هو الاحترام لَمن سأل مِن الإخوةِ والأخوات.
  • ولكن هُناك قضيّةٌ بحَسَب اطّلاعي لم أجد أحداً قد التفتَ إليها منذُ بداياتِ عصْرِ الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا.. وإذا كان هناك مِن أحدٍ قد التفتَ إليها فلربّما كلامهُ، منطقهُ، رأيهُ لم يكن منتشراً.. ولذا ما اطّلعتُ عليه.
  • ● إنّني أتحدّث وبدقّةٍ بهذا الاتّجاه:
  • أنّ البداء عقيدةٌ، معرفةٌ، قانونٌ، فَهْمٌ للوجود ولواقعنا، حقيقةُ العلاقةِ بين نظام التشريع والتكوين.. عبّروا ما شِئتم مِن العبائر ليس مُهمّاً.
  • معرفتُنا بثقافةِ البداء تجعلنا قادرين على التواصل مع مشروع إمام زماننا، وهذا ما لم أجد أحداً مِن مراجعِ الشيعة على طُول التأريخ قد أشار إليه وقد رسمَ برنامجاً للشيعةِ تتحرّكُ مِن خلالهِ وتُمارسُ حياتها الدينيّة والدنيويّة للتواصلِ مع مشروع إمام زماننا الحجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • هذا مُجمَلٌ مِن الكلام، وستطّلعون على التفاصيل بِحَسَب ما أتمكّنُ من بيانٍ.. وأُذكّركم مرَّةً أخرى: تعاملوا مع الحديثِ بمنطقِ المُحاكمةِ لا بمنطق التسليمِ والاستسلامِ لحديثي.. دقّقوا، حاولوا أن تفهموا.. ليس بالضرورةِ أن تتّفقوا معي، لأنّنا لا نملكُ إلى هذهِ الّلحظة صورةً واحدةً واضحةً عن عقيدة البداء.
  • كُلُّ مراجعِ الشيعةِ مِن أوّلهم إلى آخرهم لم يتحدّثوا عن حقيقة البداء وإنّما تحدّثوا عن حاشية الموضوع لدفع إشكالاتِ المُخالفين.
  • ● مُشكلتنا أنَّ الثقافة الشيعيّة إمّا أن تكون قد أُخذتْ من العيون الكدرة، وإذا توجّه العلماءُ إلى شيءٍ من حديث العترة الطاهرة فإنّهم سيتوجّهون إليه بهذا الّلحاظ، بلحاظ التبرير لِما جاءَ في أحاديث العترة الطاهرة لأجل إقناع المُخالفين ولأجل دفع شُبَههم وإشكالاتهم.
  • الثقافةُ الشيعيّةُ تتحرّك بهذين الاتّجاهين فقط: إمّا أن نأخذ مِن عُيونهم الكدرة القذرة فقط، وهذا ما أنشأنا منهُ علم الرجال، علم الدرايةِ والحديث، علم أصول الفقه، وعلم التفسير.. فتفسيرنا ناصبيٌّ، فِقْهنا ناصبيٌّ استناداً إلى طريقةِ الاستنباط وإلى عِلْم أصول الفقه.. فعِلْم الرجال، عِلْم الدرايةِ.. كُلّ هذا أخذناهُ مُباشرةً من العيون الناصبيّة القذرة.. وقواعد علم الكلام كذلك.
  • ● حينما نأتي إلى تفاصيل العقائد الشيعيّة لابدَّ أن نعودَ إلى أحاديث العترة الطاهرة، فنأخذ من حديثهم ما نتمكّنُ أن نصنعَ على أساسهِ تبريراً ندفعُ إشكال المُخالفين، وبالمناسبة فإنّهم لا يقتنعون بتبرير مراجعنا وعلمائنا لأنّه تبرير هزيلٌ ضعيف، وتبقى الإشكالاتُ قائمةً.
  • الشيعةُ يُقنعونَ أنفُسهم بأنفُسهم بأنّهم قادرونَ على دفْع إشكالاتِ المُخالفين، ولكنّهم لو اصطدموا بالمُخالفين لا يقدرون على دفع إشكالاتهم.. ومواقعُ النقاشاتِ والجَدَل على الانترنت شاهدةٌ على ذلك.. سيولٌ من الإشكالاتِ تطرحُها الوهابيّةُ والمُخالفون والأجوبةُ من الشيعةُ ترقيعٌ وهُزالٌ وفرارٌ من ساحةِ النقاش بالسُباب والشتائم.. هذا هو الذي يجري على أرض الواقع، والسبب كُلّه هو هُزال المرجعيّةِ الشيعيّةِ وهُزال الفكْر الشيعي الذي أنتجتهُ المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةُ الرسميّة.. نحنُ فرحون بما عندنا ولكنّنا إذا أردنا أن نقيسهُ على أرض الواقع لا قيمةَ له.. العالمُ الشيعي يُؤلّف كتاباً والشيعةُ يُمجّدونه، وهو أساساً ألّفهُ لدحر الفكر الناصبي، ولكنّه لا يفعلُ شيئاً.. كيف يدحرُ الفِكْرَ الناصبي وهو أساساً مبنيٌّ على قواعد الفِكْر الناصبي..!
  • كُلُّ الذين كتبوا في موضوع البَداء مِن بداياتِ عصْر الغيبة الكُبرى وإلى يومنا هذا كتبوا في حاشيةِ الموضوع أو كتبوا في صُورٍ جُزئيّةٍ من الموضوع.. علماً أنّني لا أدّعي أنّني سأكشفُ الحقائق، إنها مُحاولةٌ في الإجابة على أسئلتكم.. هذه المُحاولة قد تُصيبُ وقد تُخطىء.

  • في هذه الحلقة سأخذكم في جولةٍ في كُتُب مَراجعنا وعُلمائنا.. وسأبدأ من المؤسّسين.

  • ● مِن أقدم كتُبنا التي كتبها عُلماء الشيعةِ في بداياتِ عصْر الغيبة الكبرى، والتي تناولتْ عقائد الشيعة هُو هذا: [كتاب الاعتقادات] للشيخ الصدوق.
  • في صفحة 88 الفصلُ 10 عُنوانه: بابُ الاعتقاد في البداء.. يقول الشيخ الصدوق:
  • (إنَّ اليهود قالوا إنَّ الله قد فَرِغَ مِن الأمر. فقلنا: بل هُو عزَّ وجلَّ كُلُّ يومٍ هو في شأن، يُحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويفعلُ ما يشاء. وقلنا: يمحو اللهُ ما يشاء ويُثبت وعنده أُمّ الكتاب، وإنّهُ لا يمحو إلّا ما كانَ ولا يثبت إلّا ما لم يكن. وهذا ليس ببَداء، كما قالتْ اليهودُ وأتباعُهم فنسبتنا اليهودُ في ذلكَ إلى القول بالبداء، وتابعهم على ذلكَ مَن خالفنا مِن أهل الأهواء المختلفة. وقال الصادق “عليه‌ السلام”: «ما بعث الله نبيّاً قط حتّى يأخذ عليه الإقرار لله عزَّ وجلَّ بالعبوديّة، وخلْعَ الأنداد، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ يُؤخّر ما يشاء ويقدّم ما يشاء»).
  • — قولهِ: (إنَّ اليهود قالوا إنَّ الله قد فَرِغَ مِن الأمر) يُشير الشيخ الصدوق إلى ما جاء في الكتاب الكريم: {وقالتْ اليهود يدُ اللهِ مغلولة} مِن أنّهُ بعد أن خَلَق الخَلْق فلا تغيير.. هذا هو المراد.
  • — قولهِ: (وإنّهُ لا يمحو إلّا ما كانَ ولا يثبت إلّا ما لم يكن. وهذا ليس ببَداء) إمّا أنَّ العبارة مِن أصلها ركيكة أو أنَّ شيئاً قد سقط مِن الكلام.. فقولهِ: (وهذا ليس ببَداء) أي بحَسَب التصوّر الخاطئ الذي يُنسَب مِن المخالفين إلى الشيعة.. فهُناك ركّةٌ في العبارة.
  • وهو أيضاً الشيخ الصدوق في كتابه [التوحيد] في صفحة 323 الباب 54 هُناك بابٌ كامل عُنوانه “باب البَداء” ذكَرَ فيه جُملةً مِن أحاديث العِترة الطاهرة، وهذا الكتاب هُو مِن مصادر أحاديث البداء.. فنَحنُ عندنا مجموعةٌ مِن كُتُب الحديث التي هي المصادرُ الأصليّة لعقيدةِ البَداء، مِن جملتها هو هذا الكتاب [كتاب التوحيد] للشيخ الصدوق.
  • — الشيخ الصدوق يعتقدُ بالبَداء، وها هو يُورِدُ أحاديث العترة الطاهرة ولكنّني كما قُلت قبل قليل هناك ركّةٌ في الجُمَل التي قرأتُها عليكم قبل قليل.. ويستمر الشيخ الصدوق فيقول:
  • (ونَسْخُ الشرائع والأحكام بشريعةِ نبينا محمّدٍ “صلّى الله عليه وآله” مِن ذلك – أي من جُملة ما يُصطلحُ عليه بالبَداء – ونسْخُ الكُتُب بالقرآن مِن ذلك. وقال الصادق “عليه‌ السلام”: «مَن زعم أنَّه يبدو للهِ عزَّ وجلَّ في شيءٍ اليوم لم يعلمهُ أمس فابرؤوا منه»، وقال “عليه‌ السلام”: «فَمَن زعمَ أنَّ الله بدا لهُ في شيء بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم»…)
  • هذا كُلُّ ما كَتَبهُ الشيخ الصدوق، إنّهُ حديثٌ سطحيٌّ جدّاً في حاشية الموضوع.. وهو تبريرٌ في مواجهة ما يقولُهُ عنّا المُخالفون وأشار إلى اليهود أيضاً، ومحاولةٌ للردّ على الذين يقولون أنَّ الشيعةَ يعتقدون أنَّ البَداء يحدثُ في عِلْم الله سُبحانه وتعالى..
  • فهكذا يقول عنّا المُخالفون لأهل البيت: أنَّ الشيعةَ تعتقدُ أنَّ الله يبدو له في أمرٍ أرادهُ قرّرهُ فيما مضى يتجدّد لهُ نظرٌ جديد.. وهذا لا نقولهُ نحن، لا تَقولهُ الشيعة إطلاقاً، لأنَّ هذا يُمثّل تغيّراً في ذاتِ الله، يُمثّلُ نقصاً.. هذهِ صِفاتُ المخلوق المُمكن، وليستْ بصفاتِ الله سُبحانه وتعالى.. الشيعةُ لا تقولُ بذلك، كُتُبنا واضحةٌ وأحاديثُ أهل البيت صريحة.. وأنا هُنا لا شأن لي بما يقولهُ المُخالفون، وإنّما أقرأُ عليكم ماذا كَتَبَ كبارُ عُلماء الشيعة.. فهذا كُلُّ ما كَتَبهُ الشيخُ الصدوق عن البَداء في أقدمِ كتابٍ وأهمّ كتابٍ مِن كُتُب العقائد الشيعيّة التي أُلّفتْ في بداياتِ عصْر الغَيبة الكُبرى.. هؤلاء هُم المُؤسّسون الذين أسّسوا الواقع الشيعي الذي نحنُ عليه، وبالمُختصر المُفيد: نحنُ الشيعةُ في كُلّ بقاع العالم شيعةً لشيخ الطوسي.
  • — قبل الشيخ الطوسي هُناك مَن أسّس.. ومِن هؤلاء المُؤسّسين الشيخ الصدوق، لكنَّ حظَّ الشيخ الصدوق في تأسيس الواقع الشيعي الذي نحنُ عليه قليلٌ جدّاً.. المُؤسّسون الذين أسّسوا الواقع الشيعي الذي نحن عليه ثلاثة: المفيد، المرتضى، الطوسي.. هؤلاء الثلاثة هُم الذين أسّسوا الواقع الشيعي الذي نحن عليه اليوم.. ولكن بعد أن تفرّد الشيخُ الطوسي بالمرجعيّةِ ونقل الحوزة الدينيّة الشيعيّة مِن بغداد إلى النجف وبقي مُتفرّداً في سيادةِ الشيعةِ وهُو إلى يومنا هذا يُسمّى بشيخ الطائفة.. نقل الشيخ الطوسي آثار المفيد وآثار السيّد المُرتضى، مع ما في آثارها مِن الفِكْر الاعتزالي الواضح جدّاً، الأوضح مِن الشمس.. حتّى أنَّ بعض المُعتزلة عدَّ السيّد المرتضى رأساً في الاعتزال لشدّة تأثّرهِ بالفكر الاعتزالي في كُتُبه.. مع أنَّ الشيخ المفيد والسيّد المُرتضى يردّان ردّاً واضحاً على المُعتزلة ولكنّهم تأثّروا بالفكر الاعتزالي بشكلٍ واضح جدّاً.. لأنَّ الثقافةَ الاعتزاليّة كانتْ مُهيمنةً في بغداد.
  • حتّى المُخالفون مِن غير المُحدّثين والإخباريين مِن السُنّة كانوا قد تأثّروا بالفِكْر الاعتزالي لأنَّ جُملةً مِن خلفاء بني العبّاس فَسَحوا مَجالاً واسعاً للفِكْر الاعتزالي وكانوا يعتقدونَ بهِ وإنْ كانوا يُخفون ذلك.
  • الشيخ الطوسي حين انتقلَ إلى النجف، انتقلَ فأسّسَ منهجاً شافعيّاً مُعتزليّاً.. والمُشكلةُ هي بعد أن تُوفّي الشيخ الطوسي، فإنَّ ولده مِن بعده – والذي كان قليلَ علمٍ وفَهْم – ورث المرجعيّة من أبيهِ بالوراثة، وبقي مرجعاً لمدّة طويلة يُؤكّد منهج أبيه الشافعي الاعتزالي، فأُسّسنا تأسيساً اعتزاليّاً إلى يومك هذا..!
  • — فالشيخ الصدوق – كما ذكرتْ – لم يتحدّث إلّا في الحاشية، ولا نستطيعُ أن ننتفعَ لا قليلاً ولا كثيراً مِن كلامهِ بخُصوص البَداء إلّا المعنى الإجمالي الذي سيقوله ويُردّده بقيّة المراجع أيضاً.. أحسنُ ما يُمكن أن أقولَهُ هو أنَّ الشيخ الصدوق التقطَ لقطةً مُفردةً قصيرةً مِن فلمٍ طويل طولهُ عشرون ساعة، التقطَ منهُ الشيخ الصدوق جزءاً مِن ثانية.. فماذا يُعرّفنا الشيخ الصدوق حينئذٍ وكيف يُعرّفنا على حقيقة البَداء..؟!
  • إنّني لا أزعمُ حين أُحدّثكم في حلقةِ يوم غد أو التي بعدها عن البَداء، أنّني سأُحدّثكم عن هذا الفلم الطويل، لأنّنا لا نَملكُ مُعطيات إلّا عن جانبٍ يسير ممّا صُوَّر في هذا الفلم.. هذا الفلم بكلّ تفاصيله عند إمام زماننا وليس عندنا.. نَحنُ عندنا صُورٌ، لقطاتٌ، نملكُ جانباً مِن الفلم بقدْرٍ أكبر ممّا عرضهُ الشيخ الصدوق وكُلُّ ذلك مِن آياتِ الكتاب الكريم وأحاديث العترة الطاهرة زياراتهم وأدعيتهم الشريفة ممّا جاءنا مِن منابع ثقافة الكتاب والعترة.
  • ● وقفة عند ما يقولهُ الشيخ المفيد في كتابهِ [أوائل المقالات في المذاهب والمختارات] وهو مِن أهمّ كُتُب الشيخ المفيد في العقائد.
  • والشيخ المفيد هو مِن مُؤسّسي التشيّع الذي نحنُ عليه.. لأنّنا إذا أردنا أن نعود إلى التشيّع في جذوره وأصولهِ التي هي في كتاب الكافي فهناك فارقٌ كبير بين التشيّع الذي يتحدّث عنه كتاب الكافي الشريف وبين التشيّع الذي يتحدّث عنهُ المؤسّسون أمثال الشيخ المفيد، السيّد المرتضى، الشيخ الطوسي.
  • هناك فارقٌ كبير بين التشيّع الذي نحنُ عليه الآن وبين التشيّع الذي يتحدّث عنهُ كتاب الكافي، لأنَّ كتاب الكافي يُحدّثنا عن تشيّعٍ لِمُحمّدٍ وآل مُحمّد، أمّا التشيّع الذي نحنُ عليه فهو تشيّعٌ للمؤسّسةِ الدينيةِ الشيعيّة الرسميّة، إنّهُ تشيّعٌ لمراجع الشيعة.
  • — تحت عُنوان: “القول في الرجعة والبداء وتألف القرآن”.. تحدّثَ عن البداء في سطرٍ واحد فقال: (واتّفقوا – أي الإماميّة – على إطلاقِ لفظِ البداء في وصْف الله تعالى وإنْ كان ذلكَ مِن جهة السمع دون القياس..)
  • — قولهِ: (وإنْ كان ذلكَ مِن جهة السمع دُون القياس) أي اعتماداً على ما جاء منقولاً في حديث النبيّ والعترة الطاهرة دون الرجوع إلى القياس أيّ دون الرجوع إلى العقل.
  • — قولهِ: (واتّفقوا على إطلاقِ لفظِ البداء في وصْف الله تعالى) مِن أنَّ الله يَبدو له، وهذا الكلام بحَسَب الظاهر يُثيرُ لشبهةَ التي يقولها المخالفون.. فحينَ نقول أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى بدا له، أو يبدو له.. فالسامعُ يفهم بحَسَب الفَهْم الأوّلي الابتدائي أنَّ البداء يكونُ في عِلْم الله، ونحنُ لا نقصد ذلك، والأئمةُ حينَ يقولون هذا الكلام لا يقصدونَ ذلك.
  • المُشكلةُ هي في أنَّ الذين يتعاملونَ مع حديثِ العترة الطاهرة لا يعرفون معاريضَ كلامهم، ومِن هُنا وقع عُلماؤنا ومَراجعنا في حيرةٍ من أمرهم.. في كثيرٍ من الأمور، في هذه القضيّة أو في غيرها. علماً أنَّ كلام الشيخ المفيد مُختلٌّ أيضاً وليس متيناً.
  • ● في كتابه [تصحيح الاعتقاد]ـ أو ما يُسمّى بعقائد الشيعة، والذي يعدّهُ الشيخُ المفيد الكتابُ الأصل في عقيدته.. هذا الكتاب [تصحيح الاعتقاد] يردّ فيه على كتاب [الاعتقادات] للشيخ الصدوق.. ولهذا قُلتُ لكم أنَّ هؤلاء هُم المؤسّسون، وأنَّ حظَّ الشيخ الصدوق في واقعنا الشيعي قليلٌ.. لأنَّ الشيخ المفيد – المؤسّس للواقع الشيعي الأوّل – هو تلميذُ الصدوق ولكنّهُ يختلفُ معهُ عقائديّاً، ولِذلك ردَّ على عقائده، والشيعةُ التزمتْ بعقائد الشيخ المفيد حتّى انتقلَ الشيخُ الطوسي إلى النجف فوضع منهجاً جديداً.
  • فما عندنا مِن بُنيةٍ ومنظومةٍ عقائديّة بين أيدينا الآن في الواقع الشيعي هي المنظومةُ العقائديّةُ التي أنشأها الشيخُ الطوسي وبعد ذلك أكّدها ورسّخها العلّامةُ الحلّي.. ومُنذ العلّامة الحلّي وإلى يومنا هذا لم يحدث أي تغيير في المنظومةِ العقائديّة الشيعيّة على الاطلاق.. على الأقل في أجواء المدرسة الأصوليّة.
  • — الشيخ الصدوق كَتَب كتاب [الاعتقادات] والشيخ المفيد ردَّ عليه في كتابهِ [تصحيح الاعتقادات] في المواطن التي اختلفَ فيها المُفيد مع أُستاذه الصدوق، وبسبب ذلك رُفِضتْ عقائد الصدوق التي هي أفضل من عقائد المُفيد – مع الإشكالات التي يُمكن أن تُطرح على عقائد الصدوق – ولكن بالجُملة عقائدُ الصدوق أفضلُ مِن عقائد المُفيد.
  • — المرجعيّةُ المدعومةُ مِن قِبَل السُلطة هي مَرجعيّةُ الشيخ المفيد، فإنَّ السُلطة في بغداد كانتْ تدعم الشيخ المفيد، لأنَّ السُلطة أيّام الشيخ المفيد كانتْ بيد البويهيّين الشيعة.. العُنوانُ عبّاسيٌّ، ولكن الذين أمسكوا بزمام الأمور هم بويهيّون (وهُم شيعةٌ جاءوا من أصفهان) وهذا موضوعٌ له تفصيل.
  • ● يقول الشيخ المفيد في كتابه [تصحيح الاعتقاد] تحت عنوان: “معنى البداء” يقول:
  • (البداءُ طريقهُ السَمْع – أي ما جاء في الأحاديث والروايات – دُون العقل، وقد جاءتْ الأخبارُ به عن أئمةِ الهدى “عليهم السلام”، والأصلُ في البداء هُو الظُهور، قال الله تعالى: {وبدا لهم مِن الله ما لم يكونوا يحتسبون} يعني به: ظهر لهم مِن أفعال الله تعالى بهم ما لم يكنْ في حسبانهم وتقديرهم، وقال: {وبدا لهم سيّئاتُ ما كسبوا وحاق بهم} يعني: ظهر لهم جزاءُ كسبهم وبان لهم ذلك، وتقول العرب: قد بدا لفلان عمل حسن – أي ظهر عملهُ الحَسَن – وبدا لهُ كلام فصيح، كما يقولون: بدا مِن فلان كذا، فيجعلون الّلام قائمةً مقامَه، فالمعنى في قول الإماميّة بدا للهِ في كذا أي: ظهرَ لهُ فيه ومعنى ظهرَ فيه أي ظهر منهُ، وليس المُراد منهُ تعقّب الرأي – أي أن يستجدّ رأيٌ بعد رأي – ووضوحُ أمرٍ كان قد خفي عنه، وجميعُ أفعالهِ تعالى الظاهرةُ في خَلْقهِ بعد إنْ لم تكنْ فهي معلومةٌ لهُ فيما لم يزل، وإنّما يُوصَف منها بالبَداء ما لم يكنْ في الاحتساب ظُهوره، ولا في غالب الظنّ وقوعه، فأمَّا ما عُلِم كونهُ وغلب في الظنّ حُصوله فلا يُستعمَل فيه لفظ البداء…)
  • — قولهِ: (والأصلُ في البداء هُو الظُهور، قال الله تعالى: {وبدا لهم مِن الله ما لم يكونوا يحتسبون}) أي أنَّ البداء يحدث في العالم الدنيوي، ويحدث في علمنا نحنُ.. هذا هو تصوّر الشيخ المفيد، وهذا ليس موجوداً في أحاديث الأئمة.
  • — فَهِم الشيخُ المُفيد البداء فَهْماً لُغويّاً.. ولِذلكَ تعاملَ مع الآيات في الفَهْم تعاملاً لُغويّاً ابتدائيّاً.. مثلما جاء بهذهِ الآية: {وبدا لهم مِن الله ما لم يكونوا يحتسبون} فيقول حينما نقول: “بدا لله” فإنَّ المُراد: بدا مِن الله.. وهذا لا يظهرُ مِن السياق الّلفظي.
  • في الحقيقةِ إذا أردتُ أن أُقيّم كلام الشيخ المُفيد مِن دُون مُجاملة، فإنَّ الشيخ المفيد كما نقول في التعابير الشعبيّة العراقيّة: “يخوط بصفّ الاستكان”.. لأنَّ البَداء الذي يتحدّث عنه آل مُحمّدٍ شيءٌ آخر.. أمّا هذا البَداء فلا علاقة لهُ بما جاءَ عن مُحمّدٍ وآل مُحمّد.. ربّما يقعُ في حاشية البحث، ربّما يُشكّلُ لقطةً قصيرةً كالّلقطةِ التي ذَكَرها الشيخُ الصدوق ولكنَّ كلام الشيخ الصدوق كان أمتنُ وأفضلُ.. وبالمناسبة: فإنَّ كلام الشيخ المفيد هذا يردّ به على ما يقولهُ الشيخ الصدوق.
  • ألا تُلاحظون أنَّ الكُتُب ركيكة وأنَّ الطرح العقائديَّ هزيل..؟!
  • — فلنقل أنَّ الشيخ الصدوق في كتابهِ الاعتقادات عرض لنا لقطةً في حاشية البحث وكذاكَ هُو الشيخ المفيد إنْ كان في كتابه [أوائل المقالات في المذاهب والمُختارات] أو في كتابهِ الآخر وهُو الأهمّ [تصحيح الاعتقاد] أو ما يُسمّى بعقائد الشيعة.. هُناك ركّةٌ في كلام الشيخ الصدوق وهُناك ركّةٌ واضحةٌ في كلام الشيخ المفيد.. وإنْ كان كلام الشيخ الصدوق أمتن وأقرب إلى حديث العترة الطاهرة وكلام الشيخ المفيد أبعدُ عن حديث العترة الطاهرة.
  • مُشكلةٌ في الواقع الشيعي حينما يكونُ هناك قولان، قولٌ قريب إلى العترة الطاهرة، وقولٌ بعيد عن العترة الطاهرة.. فعامّةُ الشيعةِ يتراكضون إلى القول البعيد عن العترة الطاهرة..! ولِذا دائماً تكونُ المرجعيّةُ في التأريخ الشيعي في الأعمّ الأغلب للمراجع الذين عقائدهم في الولاية والبراءة ضعيفةٌ جدّاً، وللمراجع الذين يُضعّفون أكبر قدْرٍ من أحاديث العترة الطاهرة، وللمراجع الذين علاقتهم بالإمام الحجّة علاقة ضعيفةٌ جدّاً، وللمراجع الذين يُفسّرون القرآن بالمنهج العُمَري.. هذهِ القضيّةُ أقولُها مِن خلالِ تتبّعٍ لتأريخ المرجعيّة وبإمكاني أن آتي بهم واحداً واحداً وأن آتي بكُتُبهم وأن أُبيّن هذهِ الحقائق.. هذهِ مُشكلةٌ واضحةٌ في الواقع الشيعي. (وقفة توضيح لهذه النقطة بمثال..)
  • ● وقفة عند كتاب [التبيان: ج6] للشيخ الطوسي، وهو أهمُّ كتابٍ للشيخ الطوسي، ألّفهُ في أيّام مرجعيّتهِ في النجف.. وهو تفسيرٌ ناصبيٌّ بامتياز.. ويُعدّ من أهمّ مصادر التفسير الشيعي، بل هذا هو الأصل في تأسيس المدرسة التفسيريّة عند الشيعة.
  • — صفحة 263 في سورة الرعد في الآية 41 بحَسَب ترقيم الآيات الذي جاءَ في تفسير التبيان.. قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعندهُ أمَّ الكتاب} يقول الشيخ الطوسي في ذيل هذهِ الآية التي هي أهمُّ آيةٍ في موضوع البَداء، يقول:
  • (وجهُ اتّصال هذهِ الآية بما تقدّم هُو أنّه لمّا قال: {لكل أجلٍ كتاب} اقتضى أن يدخل فيه أعمالُ العباد، فبيّن أنَّ الله يمحو ما يشاء، ويثبت، لئلّا يُتوهّم أنَّ المعصية مُثبتةٌ بعد التوبة كما هي قبل التوبة. وقيل: أنَّ ممّا يُمحا ويُثبَت الناسخ والمنسوخ. وقيل: يمحو ما يشاء ويُثبت ممّا يثبته الملكان، لأنّه لا يُثبت إلّا الطاعات والمعاصي دُون المباحات. وقيل: معناه يمحو ما يشاء مِن معاصي مَن يُريد التفضّل عليه باسقاط عقابه ويُثبت معاصي مَن يُريد عقابه. والحسنةُ يُثبتُها الله قبل فعلها، بمعنى أنّهم سيعملونها، فإذا عملوها أثبتها بأنّهم عملوها، فلذلكَ أثبتَ في الحالين، والوجهُ في إثباتهِ ما يكون فيه مِن المصلحةِ والاعتبار لمَن يُفكّر فيه بأنَّ ما يحدث على كثرتهِ وعظمه قد أحصاهُ الله وكتَبَه، وذلك لا سبيل إليه إلّا من جهة علّام الغيوب الذي يعلمُ ما يكون قبل أن يكون، واعتبار المُشاهدةِ لهُ مِن الملائكة إذا قابل ما يكون بما هو مكتوب، مع أنّهُ أهول في الصُدور وأعظمُ في النفوس ممّا يُتصوَّر معه، حتّى كأنَّ المُفكّر فيه مُشاهدٌ لهُ. والمحو: إذهابُ أثر الكتابة، محاهُ: يمحوه محواً وإمحاءً أيضاً…) -• ويستمرُّ في هذه التفاصيل إلى أن يقول:
  • (وقال ابن عباس ومجاهد…. وقال عُمر بن الخطاب، وابنُ مسعود: هُما يُمحيان مثل سائر الأشياء، وهذا مطابق لقول المُرجئة مِن وجه…)
  • وهكذا يستمرُّ في نقلهِ عن المُخالفين وليس هُناك مِن شيءٍ عن آل مُحمّدٍ أبداً..!!
  • ● وقفة عند تفسير [مجمع البيان في تفسير القرآن] للشيخ الطبرسي، وهو التفسيرُ المركزي لِحوزة النجف.
  • — في صفحة 48 كلامٌ طويل لم يتركْ أحداً مِن المخالفين ما نقل عنه.. ابتدأ بحديث المُخالفين ثُمَّ أشار إلى شيءٍ مِن حديث العترة الطاهرة وكأنّ الرؤوس مُتساوية..! إلى الحدّ الذي نقل لنا أنَّ ابن عبّاس سأل كعباً.. وهو كعبُ الأحبار اليهودي..! فهو لم يترك أحداً إلّا ونقل عنه، والآراء والاستنتاجات التي استنتجها هي من خلال ما نُقِل.. (سواء ما نُقِل عن المُخالفين، عن الأشاعرة، عن المعتزلة، عن الصحابة، عن التابعين، وحتّى عن أحبار اليهود، وعن آل مُحمّد..) ومِن كُلِّ ذلك استنتجَ ما استنتج.. هذهِ المصادر التي يعودُ إليها كبار خُطباء الشيعة.
  • — الشيخ الوائلي تفسيرهُ الأصل هُو التفسير الكبير للفخر الرازي، ولكن في بعض الأحيان يعودُ إلى التفاسير الشيعيّة، فيعودُ إلى تفسير التبيان وإلى تفسير مجمع البيان وهُما أسوأُ بكثير مِن تفسير الفخر الرازي.. ففي الحقيقةِ إنصافاً: تفسيرُ الفخرُ الرازي أفضلُ بكثير من جهةٍ علميّةٍ، مِن جهةٍ تفسيريّة، مِن جهةٍ بلاغيّةٍ، بل في بعض الأحيان لأنّه يُحكّم المنطق والعقل – في بعض الأحيان – فيكونُ تفسيرهُ في الحقيقةِ أقربُ إلى ما يُريدهُ أهل البيت مِن تفسير هؤلاء المراجع.. وإن كان تفسيرهُ ناصبيّاً خالصاً.
  • ● وقفة عند [التفسير الكاشف: ج4] وهو مِن أكثر التفاسير سطحيّةً وسذاجةً، ولذا يعود إليه الشيخ الوائلي، وكُلُّ خُطباء المِنبر يلوذون بهذا التفسير لأنّهُ أبعد ما يكون عن آل مُحمّد.. وهكذا هُم خُطباؤنا وعُلمانا يبحثونَ عن التفسير الأبعد عن آل مُحمد فيعودون إليه كي يأخذوا منه..!!
  • وفي الحقيقةِ لا أجدُ في المكتبةِ الشيعيّة – بحَسَب اطّلاعي – لم أجدُ تفسيراً سطحيّاً وساذجاً أكثر مِن هذا التفسير وتفسير السيّد محمّد الشيرازي.. وأنا أتحدّث عن قناعتي.
  • — في صفحة 415 الكلامُ هو الكلام الذي تقدّم في التبيان ومجمع البيان.. وهو بعد ذلك يقول: (أمَّا المحو والإثبات فقد نقل الطبرسي في معناهُما ثمانية أقوال…) ويدخل، يُلخّص كلام الطبرسي.. يعني أنَّ ما جاء فيه هو نفس الذي جاء في التبيان ومجمع البيان ولكن بشكلٍ موجز.
  • ● السيّد المُرتضى والذين جاءوا مِن بعد السيّد المُرتضى، الشيخ الطوسي والذين جاءُوا مِن بعد الشيخ الطوسي تقريباً الكلامُ هو الكلام بخُصوص عقيدة البَداء.. كلامٌ سطحيٌّ جدّاً يدورُ مَدار الّلغة، أو يدورُ مَدار الحديث عن الناسخ والمنسوخ في الأحكام.. تقريباً هذا هُو الواضح الظاهر في كُتُب عُلمائنا ومراجعنا المُتقدّمين.. ربّما في الأجيال الّلاحقة تحدّث مَن تحدَّث بشكلٍ أدقّ وأعمق.. مثلاً مِن عُلماء الإماميّة: ابن أبي جمهور الإحسائي – وهُو مُتأثّرٌ بالفِكْر الصوفي وبالفِكْر الناصبي كثير – ابنُ أبي جمهور الإحسائي صوَّر لنا البَداء بهذهِ الصُورة، فقال:
  • هُناك عالمُ الكُليّات وهُناك عالمُ الجُزئيّات.. ويعني بعالم الكُليّات هُو ما يُصطلحُ عليه بالقضاء في الآيات أو الأحاديث، وعالم الجزئيّات هو عالمُ القَدَر.. فهُناك القضاءُ وهُناك القَدَر..
  • يقول ابنُ أبي جمهور الإحسائي أنَّ ما ثُبّتْ في عالم الكُليّات (في عالم القضاء) لا يحدثُ فيه البَداء، وإنّما يحدثُ البَداء في عالم الجزئيّات (في عالم القَدَر).. (وقفة تقريب لهذا المضمون بروايةٍ عن سيّد الأوصياء).
  • فرأيُّ ابن أبي جمهور هُو الآخر في حاشية المطلب.. كُلُّ هذهِ الآراء هي في حاشية المطلب، مُحاولةُ الفِرار مِن أنّ نقول أنَّ البَداء يقعُ في عِلْم الله، تبريرٌ في مواجهة الإشكالات التي يُثيرها المُخالفون.
  • ● الفيضُ الكاشاني يقول أنَّ البَداء يَحصلُ في عِلْم الملائكة الفعّالة، والمُراد مِن الملائكة الفعّالة: الملائكة العمّالة.. على سبيل المثال: مَلَك الموت عنده جيشٌ هائل من الأعوان، وهؤلاء هُم الذين يُشرفون على تنفيذ وإنجاز الأوامر التي ترتبطُ بموت الإنسان وحتّى بموت الحيوان.. فبِحَسَب الفيض الكاشاني فإنَّ البَداء يحدثُ في عِلْم هؤلاء. فعزرائيلُ يعلمُ علمين، يَعلمُ مقادير أعمار الناس.. فمثلاً يعرف عزرائيل أنَّ فلان سينتهي عُمرهُ في اليوم الفلاني.. فهو مُستعدٌ لقبض رُوحهِ عن طريق أعوانهِ من الملائكة الفعّالة.. وفي نفس الوقت هُناك علْمٌ ثانٍ يعلمهُ عزرائيل.. يَعلمُ القوانين والسُنن التي تَحكم العباد.. فهو يعلمُ أنَّ مَن كان بالمُواصفات الكذائّية وبالشروط الكذائيّة فإنَّ ذلك يُسبّب زيادةً في العُمَر.. هُنا تحدثُ عمليّة البَداء حينما يقوم ذلكَ الشخص بصِلة رحمهِ.. فبِحَسَب التنظيم الذي نُظّم به عمل الملائكة فإنَّ عزرائيل كان على عِلْمٍ بأنَّ هذا الإنسان سيموت في اليوم الفلاني.. وفي نفس الوقت عندهُ قوانين أنَّ شخصاً بنفس المواصفات قام بصلة رحمٍ بالشروط الكذائيّة يستلزم هذا أن يطولَ عُمره.. هُنا تحدثُ عمليّة البداء في عِلْم الملائكة وليستْ في علم الله.. هذا ما ذكرهُ الفيض الكاشاني.. هذهِ مُقاربات، وهذهِ الصُور تتحقّق في أرض الواقع ولكنّها لا تُمثّل حقيقة البَداء.. هذا كلامٌ في الحاشية.
  • ● ما ذكره الشيخ المجلسي في بياناته في بحار الأنوار وحتّى في غير بحار الأنوار مِن أنَّ لوحاً يُسمّى بالّلوح المحفوظ، ومِن أنَّ لوحاً يُسمّى بلوح المحو والإثبات الذي تتحدّث عنهُ الآيةُ التي تقدّم الحديثُ عنها في كُتُب التفاسير التي مرَّتْ علينا قبل قليل.
  • فهُناك الّلوح المحفوظ والذي يُعبَّر عنه بـ(أمّ الكتاب) وفي الّلوح المحفوظ الحقائق ثابتة لا تتغيّر، فلا يحدث البَداء في الّلوح المحفوظ، وإنّما يحدث البَداء في لوحٍ هو في الرتبة دون الّلوح المحفوظ وهو “لوح المحو والإثبات”.. أكثرُ الملائكة، وأكثرُ عِلْم الملائكة يتنزّل عليهم مِن لوح المحو والإثبات، وحتّى عِلْم الكثير من الأنبياء وكثيرٌ من علم الأنبياء يتنزّلُ عليهم مِن لوح المحو والإثبات. يُمكن أن أقرّب الفكرة بمثال، وهو: فعِلْم موسى في قصّة الخضر ومُوسى كان مِن لوح المحو والإثبات، وأمَّا علم الخِضْر كان من الّلوح المحفوظ.
  • قطعاً هذهِ الآراء بحاجةٍ إلى تفصيلٍ في القول، وإنّما أوردتُها لأجل أن أجعلكم على اطّلاعٍ فيما قالَهُ مراجعنا وعُلماؤنا.. أنا لا أتّفقُ مع كُلّ هذهِ الأقوال جُملةً وتفصيلاً.. لكنّني أقول: هذهِ المطالب التي ذُكرتْ ليستْ خطأً ولكنّها تقعُ في حاشية البحث، إنّها لَقَطاتٌ مُجتزأة.. مثلما قُلت في بداية حديثي هُناك فيلم مُدّتهُ عشرون ساعة، كُلّ واحدٍ مِن هؤلاء المراجع يأخذ لقطةً هي أقل مِن ثانية.. فكيف يستطيعُ أن يُوضّح لنا ماذا جرى وماذا يجري مِن التفاصيل في هذا الفلم الذي هُو على طول عشرين ساعة من خلال لقطةٍ مُجتزأةٍ سريعة وغير واضحة..؟!
  • هذا القول تبنّاه الشيخ المجلسي وتبنّاه كثيرٌ مِن المُحدّثين مِن أنَّ البَداء يقعُ في لوح المحو والإثبات ولا يقعُ في الّلوح المحفوظ.
  • عِلْمُ نبيّنا مِن الّلوح المحفوظ فليس مِن بَداءٍ في علمه.. الأنبياء الذين أخذوا علمهم مِن لوح المحو والإثبات كما هو الحال في قصّة موسى والخِضْر، فإنّهم أخذوا علماً من العلم الذي يجري عليه البَداء.
  • قد يتساءل المتسائلون: ما الحكمةُ مِن وجود لوحٍ للمحو والإثبات ومِن وجود لوحٍ محفوظ؟! لماذا لا تكونُ المرجعيّة الكاملةُ للملائكة وللأنبياء إلى الّلوح المحفوظ؟! وأقول: في الحقيقةِ لا نَملكُ جَواباً إذا سلّمنا بهذهِ الحقيقةِ على أنّها حقيقةٌ مُطلقة.. أنا لا أنفي هذهِ المعاني، ولكنّني أقول هذهِ لقطاتٌ مُجتزأة لا نستطيعُ أن نبني عليها وأن نؤسّس عليها.. ومِن هُنا فإنَّ البحثَ عن الحكمة مِن ذلكَ لن يُجدي نَفْعاً ولن نستطيعَ أن نصلَ إلى نتيجة المعلومة.. بالنسبة لي غاية ما أستطيعُ أن أقولَهُ: أنّها حكمة تنظيم الخَلْق.. فنحنُ نرى أبداننا بهذهِ الصُورة ولا نعرفُ ما يجري في داخل أجسامنا إلى ان نموت.. نرى فقط بدناً ظاهراً ونعرفُ شيئاً إجماليّاً وتختفي عنّا الحقائق وفي ذلك مصلحةٌ كبيرةٌ لنا، مثلما لا نعرف آجالنا، ومثلما ننسى آجالنا.. فهُناك حكمةٌ في التنظيم، هُناك حكمةٌ في تنظيم عمل الملائكة وفي تنظيم أمور الأنبياء على الأرض، يعودون في معلوماتهم إلى لوح المحو والإثبات.. هذا ما أعتقده.
  • ● وقفة عند ما يقول صاحب تفسير الميزان: السيّد محمّد حسين الطباطبائي.
  • السيّد الطباطبائي صوّر الموضوع بصورةٍ فلسفيّة، فقال إنَّ البَداء يحدثُ في عالم العلل.. والعلل منها عللٌ عالية ومنها علل مُتدنيّة، وهُناك سلاسلُ لهذهِ العِلل فقد يكون الشيء علّةً ومعلولاً في نفس الوقت.. فالأشياء بالجملة لها حظٌّ مِن الفعل ولها حظٌّ مِن الإنفعال، فنَحنُ نفعلُ في أشياء وننفعل من أشياء. فالسيّدُ الطباطبائي صاحبُ الميزان يقول: أنَّ البداء يحصلُ في عالم العلل الناقصة، وأمَّا العلل التامّة فلا يحصل فيها البداء.. (وقفة تقريب للفكرة).
  • ● هناك تصويرٌ آخر صوّره فيلسوف آخر مِن فلاسفة الشيعة وهو محمّد باقر الميرداماد.. هو أستاذ الملا صدْر.
  • السيّد محمّد باقر الميرداماد في كتابه [نبراس الضياء] تحدّث عن البَداء، ولهُ كلمةٌ مشهورةٌ معروفة وهي أنَّ البَداء نسخْ في التكوين، والنسخُ هو بداءٌ في التشريع.. يعني المعنى واحد، فالناسخُ والمنسوخ هو جزءٌ مِن منظومة البداء، فإنَّ البداء قانونٌ واسعٌ يشمل التكوين والتشريع وما عمليّة النسخ التي تحدثُ ما بين الناسخ والمنسوخ إلّا تطبيق من تطبيقاتِ قانون البداء.
  • السيّد الميرداماد في كتابهِ نبراس الضياء يقول أنَّ البداء يحدثُ في الوعاء الزماني، لأنَّ التبدّل والتغيّر هو مِن لوازم الوعاء الزماني، أمَّا في طبقةِ العوالم التي وعاؤها الدهر، وطبقة العوالم التي وعاؤها السرمد فتلك أوعيةٌ ثابتة وتلك عوالم قارّة مُستقرّة ليس فيها مِن تبدّل أو تغيّر.. فلا بَداء هناك وإنّما البداء هُنا. (وقفة توضيح للمراد من الوعاء الزماني).
  • ● الشيخ الإحسائي في كتاب [جوامع الكَلِم: ج9] في صفحة 443 من الرسالة المُعنونة بالرسالة القطيفيّة.. فيها مجموعةٌ مِن الأسئلة، من هذه الأسئلة هذا السؤال: “هل يصحُّ النسخ قبل مضي زمن الفعل أم لا؟ وما الفرق بينه وبين البداء..؟” فيُجيب الشيخ الإحسائي ويقول:
  • (أقول: النسخ بداءٌ كما تقدّم في المسائل الأولى والبداء نسخٌ، إلّا أن النسخ بداءٌ تشريعي والبداء نسخٌ تكويني، وهو كثيرٌ في الآيات قال تعالى: {فتولَّ عنهم فما أنتَ بملوم} أراد تعذيبهم بلا مُهلةٍ فسبقتْ رحمته غضبه، فقال: {وذكّر فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين} وكذلك قوله تعالى: {مُخلّقةٍ وغير مُخلّقة} في النُطَف {رطبٍ ولا يابسٍ إلّا في كتابٍ مُبين} وما ذكرهُ أهل الأصول – المُتخصّصون بعلم الكلام – مبنيٌّ على أمورٍ قشريّة وهذا هو الواقع من أمر الله ومن فعلهِ فهو بداء والبداء نسخٌ وشرح الحال يُعلم ممّا تقدّم فإنَّ المنسوخ قد انقضتْ مُدّته في الوجود الزماني وكذلك البداء على نحوٍ سواء..) وهو نفس الرأي الذي ذكرتهُ لكم عن الميرداماد.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٥ والأخيرة – بين منهجين، منهج رجل الدين الإنسان ومنهج رجل الدين الحمار ج٧

وصل المطافُ بنا إلى السُؤال الأخير، وهذا هو الجُزء السابع وهُو الجُزء الأخيرُ أيضاً مِن أج…